حقيقة السياسة الأمريكية في سورية

2015-02-25:: face book

ترجمة :

 

كثير من السياسيين الذين لم يكن لديهم بالأساس أي تعاطف مع الشعب السوري والذين يؤمنون أن الشعوب العربية أصلا لا ينبغي أن تحكم إلا بالعنف، وأن نظم الاستبداد هي الاستمرار الطبيعي للنظم الاستعمارية والتي تصادق على شرعيتها، يسعون إلى كسر المقاطعة الشاملة التي فرضت على الاسد بسبب تجاوزه لجميع القوانين الانسانية والمواثيق الدولية والاعتبارات الأخلاقية في تعامله مع شعبه ومع الدول الأخرى. ومن هؤلاء برلمانيون يعملون مع النظام الايراني لم يعرف عنهم موقف صدق بحق الشعوب، وبعض المسؤولين الآخرين من دول تحكمها طغم لا تختلف كثيرا عن الأسد يقومون بالضغط المستمر منذ اشهر لدفع حكوماتهم إلى مراجعة سياساتها والقبول بفتح حوار مع الأسد.  باعتبار أن مثل يعتقدون أن الوقت قد حان لتغيير ما نعيشه اليوم هو تجلي الفشل الذريعل لسياسة وضع الحرب على الارهاب الدولي في أولوية اجندة السياسة الدولية بمعزل عن القضايا الاخرى وبتأجيل التصدي للقضية السورية. فالنتيجة الواضحة لهذه السياسة المستمرة منذ ما يقارب السنة لم تكن تراجع الارهاب ولكن تفاقمه ولا وقف مجازر الاسد وإنما الانتقال بها إلى حرب إبادة جماعية بالمعنى الحرفي للكلمة.

 

تزايد الخوف عند العديد من الأوساط السورية المعارضة والعربية المؤيدة لها من احتمال تغير الموقف الغربي تجاه النظام السوري. ولا يترك إعلام الأسد ودبلوماسيته مناسبة إلا ويستغلونها للترويج لهذه الفكرة والتأكيد الكاذب على ان هناك اتصالات وأن عودة سفراء العالم إلى دمشق لن تتاخر.  ويعزز من هذه المخاوف موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي لم يتراجع خطوة عن رفضه الانخراط في اي سياسة سورية جديدة، وتمسكه بموقف انتظار الحل السياسي، حتى عندما يموت أي أمل فيه وتعلن طهران نفسها التدخل العسكري الواسع على مختلف جبهات القتال لانقاذ الأسد والحفاظ على نظامه المنهار. ولا يغير من هذا الانطباع في شيء توقيع واشنطن مع أنقرة على اتفاق تدريب بعض القوات السورية الحرة الذي يشكل نوعا من الإرضاء للأتراك أكثر مما يعبر عن زيادة الدعم للمعارضة.  فما هي حقيقة الموقف الأمريكي وهل هناك خطر في أن يتغير لصالح التنسيق أو كما يعتقد البعض تأهيل نظام الأسد بالفعل؟

 

لم تكن سورية في أي حقبة ماضية مركز اهتمام واشنطن. كانت دائما تعتبر في الصف المقابل، حتى بعد زوال الاتحاد السوفييتي، وتغير ايديولوجية النظام البعثي، وسيطرة المافيا المالية الأمنية على مقاليد الأمور في دمشق بشكل نهائي وكامل منذ استلام بشار الأسد السلطة. وعندما اندلعت الثورة ضمن ثورات الربيع العربي لم تكن إدارة أوباما معنية بأي شكل من أشكال الحرب الباردة أو التنافس على النفوذ مع أي قوة دولية أخرى، لا في الشرق الأوسط ولا في العالم. كانت تفكر فقط بإعادة ترتيب أوضاع الولايات المتحدة المالية والاقتصادية والاجتماعية المتهاوية بعد سلسلة من الازمات العميقة والإخفاقات العسكرية المتتالية.

ايدت واشنطن الثورة مثل ما أيدت سياسيا الثورات العربية الأخرى، لكنها لم تلتزم بدعمها. وأمام تصاعد حدة الصراع اضطر أوباما مثله مثل العديد من القادة الأوروبيين الذين يجعلون من الديمقراطية الغطاء الأخلاقي لسياستهم الداخلية  والخارجية، من حدة ادانته للنظام بسبب العنف الأعمى الذي قابل به الأسد المتظاهرين السلميين، وفي تصريحات لاحقة استخدم عبارة تنحي الأسد كنوع من تشديد الضغط عليه. لكن الإدارة الأمريكية لم تفكر لحظة في تبني الثورة السورية أو دعمها بهدف تمكينها من الانتصار.

 

بالمقابل قفز الروس الذين لم ينسوا تهميشهم في العقدين الماضيين من قبل الغرب، كما ظهر ذلك بشكل واضح في العراق وفي ليبيا، وبتشجيع من الايرانيين الذين قرروا دعم الأسد حتى النهاية بالمال والسلاح والرجال للمحافظة على مشروعهم للهيمنة الإقليمية الذي لم يخفوه يوما، على هذه الفرصة الثمينة، واعتبروا إفشال الثورة السورية إفشالا للسياسة الغربية في العالم، من دون أي اعتبار لمستقبل الدولة السورية ومصير شعبها وأهلها وعواقب تدميرها على المنطقة كلها. وأمام هذا الهجوم الروسي الايراني في سورية لم يحرك الأمريكيون ساكنا، وما أرادوا أن يدخلوا في أي حرب باردة فما بالك بالحرب الساخنة، ولا تزال هذه هي سياستهم. أي أنهم قبلوا، هم أيضا، مثل روسيا، التضحية بسورية وشعبها وليس بثورتها فحسب، حتى يتجنبوا خوض مواجهة دولية قرر الروس خوضها، ما دامت على حساب السوريين الموالين وحلفائهم وبتمويل ايراني خالص.

 

بكل بساطة هرب الأمريكيون من المعركة التي أراد لها الروس والايرانيون أن تكون تحديا كبيرا للإدارة الامريكية، وتركوا السوريين وعرب المشرق المكشوفين كليا فريسة للحرب الايرانية المغطاة سياسيا ودوليا من قبل روسيا. وكانت النتيجة كما نرى اليوم : استمرت الحرب وطال أمدها وتعقد مسارها. من جهة اظهر السوريون مقاومة لا تنفذ لإرادة فرض الايرانيين وجود النظام بالقوة، واستمروا في القتال، وفشل النظام ومن ورائه طهران في حسم الحرب لصالح بقاء الأسد، وفي المقابل لم يساعد تشتت الدعم العربي، وبشكل خاص الخليجي، للثوار على قيام جيش تحرير منظم قادر على الامساك الدائم بالأراضي المحررة، وإدارة شؤونها بشكل مقبول، فبقيت تعيش في حالة من التمزق والفوضى.  وجذبت الساحة السورية المفتوحة على كل الحروب منظمة القاعدة المتطرفة لبناء جبهتها الخاصة في البلاد، وتحولت الحرب من معركة سياسية يخوضها شعب عانى الأمرين من ديكتاتورية همجية ودموية مديدة، إلى حروب متعددة، في إطار حرب طائفية ومذهبية أراد لها قادة ايران المتمذهبون أن تكون انتقاما تاريخيا للفرس من العرب وللشيعة من السنة.

أمام هذا الوضع المعقد تضاءل اهتمام الإدارة الأمريكية الحالية بسورية وثورة السوريين بشكل أكبر. وهذا ما أظهره تراجع الرئيس أوباما في كل مرة عن تهديداته ووعيده، كما حصل مع الخط الاحمر المرتبط باستخدام السلاح الكيماوي من قبل النظام، ثم في ما بعد في الضغط لتطبيق قرارات مجلس الامن المتعلقة بوقف حصار التجويع والقصف بالبراميل العمياء.

 

تحت ضغط التيارات السياسية الجمهورية المسيطرة في الكونغرس والخائفة على مكانة أمريكا القيادية في العالم وسمعتها، وأمام استغاثات حلفاء أمريكا الإقليميين وقلق الدول الأوروبية، اضطر الرئيس أوباما للخروج على قراره بعدم التورط بأي شكل في الحرب السورية، وقبل بإرسال مستشارين أمريكيين وطائرات لقصف داعش والقوى المتطرفة الاسلامية. لكن مع الحرص البالغ على أن يؤكد أن حرب داعش لا علاقة له بالحرب السورية. ولا يزال الخلاف الرئيسي بين إدارة أوباما والقوى العربية والأوروبية القلقة من استمرار الحرب في سورية يتعلق بالضبط بتحديد أهداف التدخل الجوي الامريكي، وقصره على داعش أو إدخال مهمة دفع النظام السوري إلى تغيير سياساته إليه.

لكن من جهة ثانية، لا أعتقد أن أوباما  يستطيع أن يتحمل فضيحة التنسيق مع الأسد، ولا حتى أن يفكر في ذلك. الأسد جثة متفسخة لا مكان لها اليوم من الاعراب في أي سياسة أو اتفاق إقليمي أو دولي، وتستخدم من قبل الروس والايرانيين بشكل خاص للتغطية على مشروع السيطرة والاحتلال لسورية بانتظار المساومات القادمة. إنما لا يوجد شك في أن هناك تنسيقا بين واشنطن والعراق الذي يرسل ميليشياته المذهبية القاتلة إلى سورية لدعم الأسد، وتنسيقا أكبر مع طهران التي تتطلع إلى أن تكون الشريك الرئيسي لواشنطن في الهيمنة على شؤون المشرق كله بعد توقيع الاتفاق النووي مع الخمس الكبار.

 

ومع ذلك، ليس هناك خوف من انحياز واشنطن او الدول الأوروبية من جديد إلى صف التصالح مع الأسد بعد إنكار شرعية حكمه. فالأسد نفسه لم يعد يعتقد باستمراره، ونظامه أو ما يسمى كذلك لم يعد قادرا على التصالح مع نفس، ولا أدري كيف يمكن للعالم أن يتعامل مع من أعلنته المنظمات الانسانية مجرم حرب، وتهم بتقديم ملفه إلى محكمة الجنايات الدولية. والمشكلة ليست هنا. مشكلة السياسة الأمريكية تجاه المسألة السورية هو أنها، بصرف النظر عن الأسباب والمبررات، تخلت عن سورية لروسيا وايران، وأعلنت الحداد على ثورة شعبها منذ البداية، واعتبرت أنه ليس عليها أي التزامات تجاه شعب يتعرض للقتل المنظم، وقبلت بأن يقضى على حقه في تقرير مصيره من دون أن تحرك ساكنا أو إذا ما حركته فمن باب التورية وسقط العتب. ربما لا يوجد تواطؤ بمعنى التفاهم الضمني أو الرسمي مع موسكو وطهران على قتل السوريين وإحباط مشروعهم التحرري،  ولكن توجد جريمة أكبر منه، هي رفض تقديم المساعدة لشعب يتعرض لحملة تطهير مذهبي ولخطر الإبادة الجماعية من قبل تحالف إقليمي ودولي واسع،  وتدخل سافر من قبل قوات نظامية وميليشيات طائفية تابعة لطهران،  وفي تحدي سافر لميثاق الأمم المتحدة ومعاهدات الحرب وحقوق الانسان وكافة القيم والمباديء والأخلاق الانسانية.  عدم التدخل أمام التدخل تدخل بوسائل أخرى.