الأسد : من قاطع طريق إلى لاعب قمار

2015-09-10:: face book

ترجمة :

 

في دراسة بعنوان "الأسدية في السياسة"، نشرت في كتاب مشترك -دور السياسة الإقليمية في تحقيق السيطرة الداخلية، مركز دراسات القاهرة لحقوق الانسان، أفريل 2006- عزوت السمعة التي حظي بها الاسد الأب، إلى الطريقة التي استخدم فيها موقع سورية لزيادة موارده الاستراتيجية وتشكيل مركز قوة يتمتع بحد نسبي من الاستقلالية، إلى استخدامه سياسة قاطع الطريق. وقد ترددت كثيرا في وضع هذه العبارة نفسها في عنوان المقال حتى لا أفقد إمكانية السفر إلى سورية، بالرغم من أن ذلك لم يحمني من التوقيف والتحقيق من قبل أجهزة الأمن، كما كنت أتوقع.

 

فقوة قاطع الطريق لا تنبع مما يملكه من موارد خاصة، ولكن من قدرته على ابتزاز أصحاب الموارد أو فرض مشاركته عليهم أو سرقتهم بالكامل. وليس لقاطع الطريق مذهبا سياسيا أو فلسفة خاصة معقدة توجه عمله. إن عقيدته الوحيدة هي البراغماتية الصرف، فهو مستعد لنهب الضعيف وقتله كما هو مستعد للعمل من دون أجر عند من هو أقوى منه، وإظهار حرصه على مصالحه. وربما ساهم الموقع الجيوسياسي والظرف التاريخي التي توجد فيهما سورية على أبواب نهاية الحرب الباردة الدولية،  في الايحاء للأسد بهذه السياسة التي تمثلت في التموضع على مفترق الطرق التي توصل بين القوى المتنافسة، وتوظيف شك الأطراف أو خوفها بعضها من بعض، والعمل على هامش الاستراتيجيات الدولية، وعلى حدودها، من دون أن خرقها أو الاصطدام بها، والتقريب بين الأطراف، أو تحييد بعضها، أو تقديم الخدمات التي يحتاجها بعضها الآخر، مقابل تعاونها مع نظام الأسد أو غض النظر عن سياسات التوسع والنفوذ وإطلاق يد الاجهزة الأمنية، أو ميليشيات النظام، في الداخل السوري من دون أي التفاف لمباديء أو قيم أو حقوق إنسان.

 

وكان لهذه السياسة نتائج متباينة  ولكن مهمة. وأول هذه النتائج هي تحول النظام السوري، ومن ورائها القوة السورية المتزايدة، إلى عنصر توازن داخل الإقليم، أو إلى نوع من صمام الأمان الذي يمنع من انفجارات وحروب وتصادمات كبرى، وفي مقدم ذلك الصراع العربي الاسرائيلي، والصراع الدفين لكن العميق بين طهران الثورة الخمينية والحكومات العربية التي كانت ترتعد من خطر امتداد آثار الموجة الثورية إلى أراضيها. وساهمت هذه السياسة أيضا في تثبيت الجبهة وتجميد النزاع في المنطقة وعليها بين الاتحاد السوفييتي ثم في مابعد روسيا الاتحادية والغرب، بإعطائها ما لقيصر لقيصر وما للغرب للغرب. أما على المستوى الداخلي فقد كانت النتيجة إطلاق يد الأسد من دون  مراقبة ولا مساءلة وتحييد شعبها وشل إرادته ومصادرة قراره كاملا لحساب التعامل مع الاجندات الخارجية بهدف تحويل سورية إلى إمارة شخصية وملكية خاصة للأسد وعائلته كما أصبح يطلق عليها بالفعل.

 

بدات هذه السياسة تواجهة تحديات كبيرة مع تطور الأحداث منذ العقد الاخير من القرن العشرين قد أحدث تغيرات عميقة ومستمرة في البيئة الإقليمية التي قامت عليها الإمارة ومورست فيها سياسة قطع الطريق أو في ما بعد الحفاظ على التوازنات الهشة بين جميع القوى المنخرطة في المنطقة، المحلية والدولية والأقليمية معا. وكانت الضربة الأولى القاسية لهذه السياسة اضطرار الأسد إلى المشاركة على مضض في التدخل الدولي ضد نظام صدام حسين في العراق، حتى يؤمن جانبه تجاه سياسة واشنطن الهجومية التي قررت هي نفسها كسر التوازنات.  وبالرغم من أن هذه السياسة لم تفقد رصيدها واستمر الأسد يحظى بدعم جميع الأطراف، بما فيها طهران، إلا أن هامش المناورة قد بدأ يضيق جدا وبدأ ريع سياسة قطع الطريق أو تقديم الخدمات والحمايات المتعددة على طريقة فتوات المشرق وقبضاياته، يتناقص بانتظام وفي اثره تراجع الأوضاع الاقتصادية والسياسية وتنامي المطالب الداخلية. وقد كانت السنوات العشر الأخيرة من حكم حافظ الاسد سنوات يئس تميزت بالكساد والفساد وسوء الإدارة ونشوء نظام للرشوة والفساد مواز أو لصيق بنظام الأسد نفسه.

 

لم يكن لبشار الأسد الذي ورث الحكم مواهب أبيه. فلم يملك لا شجاعة قاطع الطريق ولا حنكة أو خبث زعيم العشيرة العالم بأمور التوازنات وتبادل الخدمات والتعامل بمنطق القوة، بما يعنيه من الانحناء للاقوى والبطش بالأضعف واستتباعه. كان مراهقا غرا بالمعنى الحرفي للكلمة، لا يعرف التمييز بين الوهم والواقع، ويعتقد أنه بكلمة واحدة يستطيع أن يمحو أوروبا من الخريطة، وبضربة استعراضية دموية أن يركع دولة عظمى، ويفرض خضوعها واستتباعها. وشيئا فشيئا حل منطق المافيا محل منطق شيخ العشيرة الذي تحول إليه قاطع الطريق. واستفردت أجهزة الأمن التي تحولت إلى نظام قائم بذاته للفساد والإفساد وتقويض الدولة من الداخل ونهبها، بالقرار، وحولت الرئيس إلى ناطق باسمها وأداة في خدمة مصالحها. وأمام تنامي التحديات المصيرية التي بدأ يواجهها النظام، في الخارج على اثر التدخل الأمريكي في العراق عام ٢٠٠٣،  وفي الداخل مع صعود حركة المطالب الشعبية ودخول المعارضة في دورة احتجاجية قوية، كما عبر عن ذلك ربيع دمشق، استيقظ  منطق المافيا والرد الآلي الذي يستبطنه على أي تهديد جدي، وانتشر الاعتقاد، على جميع مستويات السيطرة في النظام، كما بالنسبة لمجموعة محاصرة، بأن سلاح التصفيات والقتل هو الامضى وهو الذي يمكن أن يحرر النظام من الحصار الذي بدأ يضرب من حوله ويغير الوقائع ويجبر الأطراف الإقليمية والدولية التي بدأت تتخلى عن دعم النظام على العودة الى الاستثمار فيه ورعايته.

 

منذ أغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، والاغتيالات العديدة التي لحقته، وازمة العلاقات العربية التي تبعت ذلك، ومخاطر المثول أمام المحكمة اللبنانية الدولية الخاصة، لم يعد للنظام خيارات أخرى سوى التهديد والتلويح بقدرته على سلوك أسوأ الطرق وارتكاب أفظع الأفعال. ومنذ ذلك الوقت  أصبح تبني الحركات المتطرفة والانفتاح على القاعدة وتشكيل منظمات إرهابية تابعة للنظام هو محور سياسة النظام ومركز استثماره، وأصبحت تجارة الارهاب، أو سلاحه، جزءا لا يتجزأ من استراتيجية النظام السوري للدفاع عن نفسه، وتهديد خصومه أو أعدائه، وإجبارهم على التعاون. وفي الحقيقة هذا هو جوهر السياسة التي قام عليها النظام تجاه الشعب السوري ولم يتحول عنها لحظة واحدة، وهي التي دفعته لتشكيل عشرات الميليشيات الخاصة باسم أجهزة المخابرات والأمن، المحمية قانونيا من أي مساءلة، وسمحت له بأن يخضع السوريين ويتحكم بهم ويضمن إذعانهم. فهو لم يراهن مرة واحدة، ولم يكن لديه اي وهم حول إمكانية أن يكسب ولاءهم من خلال ما يقدمه لهم من مكاسب أو حقوق، وإنما كان رهانه منذ البداية قائما على كسب ولائهم عن طريق ترويعهم وابتزازهم بتجريدهم من حقوقهم، وهي السياسة التي انتهت بالفعل ليس بتجريدهم من حقوقهم السياسية والمدنية فحسب وإنما من حقوقهم في وطنهم، ومن حقهم في الحياة.

 

في سياق تبني وتنامي عقيدة التهديد والابتزاز بالأسوأ أمام جميع الاطراف وفي كل الاتجاهات سياسة رسمية، بدل التعاون والتفاهم والتسويات من أي نوع، جاء تخلي النظام عن جميع التزاماته تجاه السوريين، لا في ما يتعلق بضمان حقوقهم الأساسية السياسية والمدنية، وإنما حتى في ما يتعلق بمصير سورية ومستقبل البلاد، والتضحية باستقلالها وسيادتها، وتقديمها هدية سائغة لنظام البابوات في ايران، والآن لروسيا بوتين الذي يريد أن يغطي على بؤس إنجازاته الداخلية بمظاهر الانتصارات والعظمة الخارجية، ويستخدم قتل الشعب السوري ليثبت لشعبه أنه القيصر العظيم الجديد الذي تحدى الغرب وفرض عليه الاستسلام، أي ليمهد للمزيد من القمع واستخدام العنف لإخضاع الشعب الروسي نفسه. 

ما كان من الممكن لنظام قاطع طريق أن يملك أي انتماء، ولا أن يحفظ عهدا، ولا طنا. وأكاد أقول إن تسليم ما كان يملكه أو يسيطر عليه، وهو هنا سورية نفسها، وقبوله بأن يعمل تحت إمرة الأجنبي ولحسابه، بل بيع نفسه وخدماته له هو النتيجة الطبيعية وأكاد أقول الحتمية لنظام قام على نفي الشعب واستعباده وإنكار حقوقه، واليوم وجوده كصاحب حق سياسي.

 

الآن تغيرت طبيعة الصراع ولم يعد صراعا ضد الديكتاتورية والاستبداد الذي ماكان يحتاج كل هذا الدعم من طهران ثم روسيا لو لم يحطم كفاح السوريين البطولي أركانه. لقد أصبح صراعا ضد غزو أجنبي متعدد الأطراف والأشكال أيضا. ولن يفيد في مواجهته المجتمع الدولي أو الجامعة العربية أو الدول التي ادعت الصداقة للشعب السوري. هذه اليوم مسؤولية السوريين جميعا إذا أرادوا أن يحتفظوا بوطنهم أو أن يكون لهم وطن ولا يعيشوا متسولين وباحثين عن وطن. ومن الوهم الاعتقاد بأن أوروبا سوف تستوعب ملايين السوريين. ليس للسوريين وطن سوى وطنهم، وعليهم أن يعيدوا التفكير في طريقة مواجهتهم ويستعدوا لمعركة تحرير طويلة.