رهانات العولمة

1991-06-15 :: الاتحاد الظبيانية

ترجمة :



1- العولمة الاقتصادية
هل تنشيء العولمة شروط تنمية بديلة؟

بالرغم من أن منظمة التجارة العالمية لا تزال تشرف منذ أكثر من نصف قرن على آليات التجارة الدولية، فهذه هي المرة الأولى التي تبدو فيها وكأنها الإطار العالمي المختص بمناقشة مسألة العولمة. فمنذ أن غيرت إسمها من الغات إلى منظمة التجارة العالمية قبل سنتين، أصبحت تتبنى بصورة كلية تقريبا موقف الولايات المتحدة وبعض الدول القليلة المرتبطة بها الداعي إلى تحرير شامل وكامل للتجارة العالمية، ايمانا بأن هذا التحرير سوف ينعكس بنتائج إيجابية على جميع اقتصادات العالم. ولكن لم يحصل في تاريخ هذه المنظمة أبدا أن ترافق انعقاد مؤتمرها الدولي بمثل ما يحصل اليوم من تعبئة دولية أيضا ضد ما أصبح يعرف بالعولمة أو بالأحرى ضد برنامج العولمة وجدول أعمالها الراهن. وتشارك في هذه التعبئة أوساط حكومية ورسمية من بلدان الجنوب التي تشعر بأن العولمة التي تدعوا لها الدول الصناعية الكبرى تسحب البساط تماما من تحت أقدامها، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، وتتركها معلقة في فراغ لا تعرف كيف تحتفظ بتوازنها فيه، كما تشارك بها آلاف المنظمات غير الحكومية من ممثلي النقابات وجمعيات الدفاع عن البيئة وحماية المزارعين وجمعيات حقوق الانسان وغيرها من الجمعيات السياسية والثقافية والاجتماعية. لا بل إن من الملفت للنظر حقا أن يدخل العديد من الدول الصناعية الكبرى المنافسة للولايات المتحدة المؤتمر مع أفكار لا تختلف كثيرا عن تلك التي تطرحها بلدان الجنوب، من ضرورة ضبط العولمة وعدم السماح لتحرير التجارة الدولية أن يقضي على منظومات الضمان والأمن الاجتماعي القائمة، ولا أن يقود إلى تدمير أنماط العيش أو الزراعات أو الثقافات المختلفة.
وليس من المبالغة القول إن مؤتمر منظمة التجارة العالمية المنعقد في هذا الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر 1999 في مدينة سيتيل الأمريكية سيكون أول مناسبة عالمية أو أممية إذا شئنا تطرح فيها مسألة العولمة للنقاش على نطاق شامل وبمشاركة جميع الأطراف المعنية، حكومية كانت أم أهلية. ومع ذلك لا ينبغي أن يفهم من ذلك أن الهدف من هذه التعبئة التي تشهدها مدينة سيتيل الأمريكية بمناسبة انعقاد مؤتمر منظمة التجارة العالمية هو وقف مسيرة العولمة أو الاعتراض عليها. فالواقع إن هناك إجماعا دوليا على أن من الممكن أن يكون للعولمة نتائج عديدة ايجابية، في مقدمها نشر المكتسبات العلمية والتقنية على نطاق عالمي وتحسين وتائر التنمية الاقتصادية في العالم أجمع. لكن موضوع الخلاف الرئيسي يدور حول قدرة السياسات التي تتبناها الدول الصناعية الكبرى على تحقيق ذلك. إن جوهر الاعتراض يمس إذا شئنا الأطروحة النيوليبرالية التي تقول إن تحرير التجارة العالمية وهدم الحدود الجمركية وتخصيص جميع المؤسسات والمشاريع الاقتصادية وانسحاب الدولة من العديد من ميادين النشاط العمومي وتركها للقطاع الخاص، هو الطريق الوحيدة للتكيف مع العولمة وإدارتها وتحقيق أكبر العوائد منها. وبالعكس يعتقد المناوئون للسياسات النيوليبرالية السائدة اليوم والمفروضة تقريبا بصورة إملائية من قبل الدول الكبرى والمؤسسات المالية العالمية على جميع الدول والشعوب الفقيرة والنامية بأن مثل هذه السياسة لن تعمل إلا على إحداث صدع لا يمكن تجاوزه سواء بين أمم العالم الغنية والفقيرة، أو بين الطبقة الثرية الأقلية والطبقات الأدنى داخل كل بلد، ولا يمكن إلا أن يقود عاجلا أو آجلا إلى مواجهات عنيفة وحروب >قومية< وطبقية لا ترحم. وأن الطريق الوحيدة للاستفادة من العولمة التي يحملها التقدم العلمي والتقني في رحمه هي بالضبط إخضاع الرأسمالية المعولمة، بما تتضمنه من توسع هائل في المضاربات المالية وسيطرة الشركات متعدية الجنسيات وتراجع مكانة وقدرة الدولة القومية على التحكم بالبيئة المحلية وبلورة سياسات وطنية مستقلة أو شبه مستقلة، لضوابط وقوانين تحد من قدرتها على تدمير الهياكل والبنيات والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي دفعت المجتمعات الحديثة ثمنا باهظا في القرنين الماضيين لإنشائها وتطويرها بما يضمن الحد الأدني من الانسجام الاجتماعي والتضامن الدولي. وليس من الممكن تحقيق مثل هذا الهدف إلا من خلال التحكم بالسوق العالمية نفسها. إن النقاش لا يدور إذن حول أهلية السوق كآلية ضرورية لاستمرار وتطوير الحياة الاقتصادية في حقبة الثورة العلمية والتقنية، ولكنه يدور حول طبيعة هذه السوق العالمية، أي في ما إذا كانت ستكون سوقا متوحشة لا تخضع لأي ضابط ولا يتحكم بها سوى قانون السعي إلى أقصى الأرباح وبأي وسيلة، أم أنها ستكون، كما كانت عليه أسواق الرأسماليات الوطنية جميعا، سوقا مضبوطة تخضع فيها آلية البحث عن الريح لضوابط اجتماعية وسياسية وأخلاقية، وهو ما عبرت عنه هيمنة الدولة في الماضي وسعيها لتوفير حد أدني من العدالة والمساواة في التوزيع وفي منع احتكار القرار السياسي من قبل الشركات الصناعية الكبرى.
والواقع إن الصراع الذي تشهده بلدان الشمال الصناعية حول مسألة العولمة والطريقة التي ينبغي التعامل بها معها يعكس الصراع التاريخي بين نمودجين للرأسمالية ساد أحدهما في الولايات المتحدة بشكل رئيسي، والثاني في أوربة الغربية. فقد بقيت الرأسمالية الأمريكية حتى بعد الأزمة الكبرى لعام 1929 التي شهدت انهيارا اقتصاديا عاما تميل إلى اعتبار السوق الحرة، أو بالأحرى حرية السوق، النموذج المثالي للإدارة الاقتصادية والسياسية السليمة، أما القيود التي تفرضها لأسباب سياسية أو اجتماعية فهي بالضرورة قيود مؤقتة وظرفية. فالرهان الرئيسي هنا هو على حركية رؤوس الأموال والمبادرة الفردية والمغامرة التجارية. ولا يتعدى دور الدولة تأمين شروط استمرار المنافسة الحرة بين الرأسماليين، وذلك بمنع الاحتكار أو إغراق الأسواق المؤدي إلى الاحتكار. فالسوق تعني هنا إمكانية وفرصة نجاح الأقوى والأفضل من بين المشاريع الرأسمالية المتنافسة. وهكذا لا تعمل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عندما تربط العولمة ببناء سوق حرة تخضع لقانون واحد هو قانون المنافسة الحرة، لكن هذه المرة على نطاق عالمي، إلا على تعميم نموذج الرأسمالية الأمريكية الوطنية ذاته على نطاق عالمي. وليس من الصعب على أي مسؤول سياسي في البلاد الأخرى أن يدرك أن الولايات المتحدة، بالاضافة إلى اليابان وألمانيا الاتحادية، هي الأقدر على السيطرة على مثل هذه السوق العالمية في إطار قانون المنافسة الحرة. فهي التي تملك أكبر وأقوى الشركات الصناعية من دون مناقشة، وهي التي تحظى بالقسط الأكبر من الاستثمارات الاقتصادية والعلمية والتقنية أيضا، وهي التي تملك بالتالي فرصا حقيقية للتحكم باقتصادات وأسواق أو شبه أسواق الدول الأخرى الأقل قوة في تراكم رؤوس الأموال والتقدم العلمي والتقني. ومثل هذه السيطرة تعني لا محالة إفلاس الشركات والمشاريع الاقتصادية العديدة في البلاد الأضعف التي تخضع لقانون حرية التجارة ومن وراء ذلك تسريح مئات آلاف العمال وتعريض المجتمعات إلى توترات لا يمكن ضبطها أو التحكم بها.
وبالعكس، بسبب ضيق هامش مبادرة الرأسماليين المحليين في الدول الأوروبية، وقوة المنافسة بين الرأسماليات الأوربية المحصورة ضمن أسواق وطنية محدودة رافق نمو الرأسمالية في هذه البلدان نمو مواز للمقاومة الاجتماعية من شتى الأنواع.: السياسية والاقتصادية والفكرية. ولم تنجح الرأسماليات القومية في الاستقرار في القارة الأوروبية والتغلب على روح الثورة العمالية والاشتراكية التي ضاعفت من مخاطرها الماركسية والحركة الشيوعية التي ظلت نشيطة حتى السبعينات من هذا القرن العشرين، إلا عندما قبلت مبدأ التسوية الاجتماعية، وأقرت بقوانين ومباديء تضمن الحد الأدنى من حرية ورفاه الطبقات الشعبية العمالية. وهو ما جسدته قوانين عمل عصرية تضمن الحد الأدني من الأجور والمنح والتعويضات والعطل السنوية للعمال والمستخدمين كما تضمن حقوق العمال في البطالة والمرض، وتحول دون التسريح التعسفي. وقد نتج عن ذلك نموذج للرأسمالية قائم على نوع من التعاقدية الاجتماعية. ومما ساعد على ذلك تنامي مشاعر التضامن الاجتماعي والقومي التي نشأت في إثر الحروب القومية التي كانت السمة الدائمة للتاريخ الأوربي حتى الحرب العالمية الثانية. وهي الحروب التي لا يفسرها نشوء الرأسمالية ذاتها ولكن ضيق الأسواق القومية من جهة والإرث الثقافي والايديولوجي الذي تركته الحروب الدينية وحروب التوسع الاستعمارية معا. ولا تزال أوربة حريصة على الاحتفاظ بمنظومات التضامن والضمان الاجتماعي المعمم التي طورتها في تجربتها الطويلة، ايمانا منها بأن هذه المنظومات هي الثمن الضروري للاستقرار الاجتماعي والسلام الأهلي وبالتالي لاستمرار العملية الاقتصادية ذاتها.
ونستطيع أن نقول إن منظومات الضمان الاجتماعي هذه هي التي تؤمن توازنات الرأسمالية الأوربية ذات النشأة القومية والأسواق المحدودة في حين أن استقرار الرأسمالية الأمريكية وتوازنها قائم بالعكس على التوسع المستمر داخل الحدود الأمريكية وخارجها. لقد نشأت الرأسمالية الأوربية قومية استعمارية، في حين نشأت الرأسمالية الأمريكية امبريالية وفي فضاء قابل للتوسع، ولا تزال تراهن على هذا التوسع خارج حدود الأسواق الأمريكية. وهكذا بقدر ما تعمل الظروف الخاصة على سيطرة الاشتراكية الديمقراطية في أوربة، يظل الميل في الولايات المتحدة الأمريكية قويا نحو الليبرالية المتوحشة التي ترى في الضمانات الاجتماعية والحصانة ضد البطالة والمرض والعجز عوامل مثبطة لتقدم الانتاجية وتحسين شروط المنافسة الاقتصادية. ومن الواضح لمن يتابع مواقف الأطراف الصناعية المختلفة في مواجهة دورة المفاوضات الدولية الراهنة في إطار مؤتمر منظمة التجارية العالمية أن الرهان الأول بالنسبة للأوربيين هو الدفاع عن منظومات الضمان الاجتماعي التي تشكل قاعدة الانسجام الاجتماعي والقومي في بلدانهم، بينما يتركز هدف الأمريكيين على توسيع دائرة وحجم المبادلات التجارية التي تضمن التوسع في الانتاج والانتاجية وفي خلق فرص عمل جديدة تنشط الحراك الاجتماعي. أوربا تريد إذن مزيدا من الضمانات كي لا يهدد بناء السوق العالمية الموحدة، أو العولمة الاقتصادية، وحدتها الاجتماعية القائمة على عقد اجتماعي تاريخي بين العمل ورأس المال، بينما تطمح أمريكا إلى التهام مزيد من الأسواق، وفتح الحدود بشكل أكبر فأكبر أمام شركاتها المتعدية الجنسيات.
إن الصراع بين أوربة والولايات المتحدة في إطار المنظمة العالمية للتجارة يظل إذن صراعا داخل الصف الليبرالي بين رأسمالية متوحشة ترفض التنازل لمنطق الانسجام الاجتماعي والقومي، وتعتمد في نموها وتقدمها على قدرتها على التوسع في الاستثمارات والتطورات التقنية وفي الانتاجية، وبالتالي على المنافسة المفتوحة، ولا تستطيع أن تضمن استمرارها في شروط التقدم التقني والعلمي الراهن إلا بتجاوز السوق الأمريكية بالرغم من اتساعها، وبين رأسمالية خضعت إلى حد كبير لمنطق الدولة القومية ومتطلباتها في ضمان الحد الأدنى من التضامن الاجتماعي. وقبول الولايات المتحدة باحترام متطلبات استقرار النظم الأوربية الراهنة يعني قبولها بالحد من قدرة شركاتها الكبرى على اكتساح الأسواق الأخرى، وبالتالي بانسداد آفاق النمو والتوسع الاقتصادي الذي تطمح إليه على مستوى العالم. وبالعكس إن قبول أوربة بالشروط الأمريكية يعني القبول بأن تسحق الشركات الأمريكية، وربما في المستقبل شركات الدول النامية الكبرى الآسيوية، قسما كبيرا من شركاتها وذلك بسبب انخفاض قيمة الأجور هناك وضعف التكاليف والنفقات الحكومية على الخدمات العامة أو ضمان حد أدني من عدالة التوزيع.
أما في العالم الثالث، فإن مشكلة العولمة الاقتصادية تطرح مسائل معقدة ومتناقضة تدفع بلدانه إلى الحيرة في أمرها. فمن حيث هي بلدان تتميز بضعف تراكم رأس المال والتقنية الحديثة، تنظر الكثير من هذه البلدان إلى تحرير الأسواق على أنه ربما كان الفرصة الوحيدة لجذب الاستثمارات الأجنبية وضمان نقل التقنية أو بعضا منها لتحديث الآلة الاقتصادية ورفع كفاءتها معا. ولا تفكر معظم هذه الدول بمخاطر الانفتاح على صناعاتها أو شركاتها المحلية ذلك أنها ليست متمسكة كثيرا بشركات لا تكاد ترد على أي معيار من معايير الكفاءة التي يحتاج إليها التنافس في السوق الدولية. إنها مستعدة للتضحية بها مقابل ضمان حد أدنى من اهتمام الشركات العالمية المتعدية الجنسية بإقامة فروع لها في بلدانها. إن مراهنتها الأساسية تقوم على توسيع حجم الصادرات للخارج، ولذلك فهي تنزع إلى اتخاذ موقف مزدوج من العولمة. فهي بعكس الأوربيين تريد الاستفادة من وفرة بعض المواد الأولية أو انخفاض كلفة العمل لتنجح في المنافسة في السوق العالمية، وترفض بالتالي فكرة إخضاع السوق لقوانين تضمن عدم تشغيل الأطفال أو وجود تأمينات اجتماعية تشمل البطالة والمرض. ولكنها بعكس الأمريكيين لا تريد لهذه السوق أن تكون إطار تنظيم العلاقات الاجتماعية الرئيسي داخل المجتمع. فكما أن الحكومات الأوربية تعتقد أن توازن واستقرار مجتمعاتها يتوقف على انقاذ منظومات التضامن الاجتماعي التي يسميها بعض الماركسيين رشوة للطبقات الشعبية، فإن الحكومات في البلدان النامية تعتقد أن وحدة أراضيها وشعوبها ذاتها قائمة على وجود دولة تسلطية أو قمعية قادرة على ضبط التوترات والتناقضات والصراعات الاجتماعية. وفي منظور السوق العالمية الحرة المفتوحة لا يمكن لمثل هذه الدولة التسلطية أن تقوم بالفعل، ذلك أن تطور وسائل تقنية الاتصال والمعلومات وحرية تبادل السلع والرساميل والبضائع، تحرم هذه الدولة من جميع الوسائل التي كانت تستخدمها للتحكم بالجماعات وضبط حركتها ونزع سلاحها المادي والمالي والثقافي معا. ولذلك فهي تدرك أن استمرار مثل هذه الدولة ليس ممكنا إلا من خلال التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الصناعية الكبري والحصول على موافقتها ومساعدتها التقنية وتأييدها. فإذا كان الهدف الرئيسي للدول الصناعية الأوربية هو الحفاظ على منظومات ضمانها الاجتماعية، والهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو توسيع دائرة عمل شركاتها المتعدية الجنسية، فإن الهدف الرئيسي لمعظم البلدان النامية هو الحفاظ على الدولة التسلطية كأداة أساسية لضبط المجتمع وضمان استمرار العملية الاقتصادية. وهذا يفسر غياب موقف واضح ومعلن لهذه البلدان في مفاوضات منظمة التجارة العالمية، باستثناء ما يطالب به بعض المسؤولين الفرديين أو الباحثين من ضرورة ايجاد آليات تحول دون أن يترجم توحيد السوق العالمية إلى تهميش متزايد لاقتصادات الدول الفقيرة النامية.
لقد فتحت المفاوضات في مؤتمر منطمة التجارة العالمية النقاش على أوسع نطاق حول مضمون العولمة ورهاناتها المتعددة. وبينت بالمناسبة أنه بالرغم مما تتمتع به الدول الكبرى من قدرة على السيطرة المادية والفكرية لا يزال الأمر لم يحسم بعد في موضوع العولمة، وأنه في مواجهة موقف الولايات المتحدة التي تريد أن تفرض على العالم مفهوما لها يتطابق مع الخضوع لمنطق التوسع الاقتصادي وتحرير التجارة الدولية، يتنامى اليوم عبر الاحتجاج والرفض المتعدد الأطراف تيار قوي يطمح إلى إعادة النظر في مفهوم العولمة واستراتيجيتها. وهو التيار الذي يطالب بوضع حدود لإخضاع البشر لمعيار واحد، هو معيار النمو الاقتصادي والربح، وباحترام منطق الانسجام الاجتماعي والعدالة والمساواة بين البشر. فهل ستسير العولمة في اتجاه منطق الاقتصاد أم سوف تضطر إلى القبول بالحدود والضوابط التي يفرضها منطق المجتمع والسياسة والأخلاق؟ وهل ستنجح جبهة المقاومة التي تضم الجمعيات والمنظمات الأهلية والقوى الاجتماعية المتضررة والمثقفين في التصدي لقوى التكتل المالي والصناعي التي تشكل شبكة عالمية تتحكم بالدول والطبقات والمجتمعات وتمسك بخناقها؟ ما هي طبيعة هذه العولمة وما هو مصيرها؟


رهانات العولمة الاستراتيجية ، هل تعني العولمة عودة الاستعمار ؟


يكاد يتكون إجماع بين أطراف الرأي العام العربي السياسية، الماركسية والقومية والاسلاموية أن العولمة، بالديناميات الرئيسية التي تحركها، لا تتضمن أي جديد· بل هي شكل من الاستعمار لا تختلف في أهدافها عن أهداف الموجات الاستعمارية السابقة. فلا يمكن لرأس المال المهيمن وللشركات العملاقة المتعدية الجنسيات أن تنزع نحو أهداف أخرى غير السيطرة على الأسواق وغزو موارد الكوكب واستغلال العمل المأجور والرخيص حيث وجد. والفرق بين المشروعين الاستعماريين، القديم والجديد، هو أن المشروع الجديد يحتاج إلى التأقلم مع الظروف العالمية التاريخية المتغيرة، أي صعود هيمنة الولايات المتحدة الأحادية على العالم، وتحويل حلف شمال الأطلسي إلى التحالف العسكري السياسي الوحيد في العالم وفي خدمة مجموعة صغيرة من الدول الصناعية· كما أن الاستعمار الجديد يستخدم خطابا للمشروعية يشدد على قيم نشر الديمقراطية واحترام حقوق الشعوب بدل الخطاب الذي حرك قوى الاستعمار الأسبق الذي ركز بشكل رئيسي على قيم تمدين الشعوب الهمجية، أعني كل الشعوب غير الأوربية، وتحضيرها أو إدخالها في الحضارة الفعلية· وكما كانت للاستعمار الأول أشكال تدخله العسكرية يعمد الاستعمار الجديد أساليب جديدة للتدخل، لا تقل فعالية عن السابقة ولو أنها اتسمت بقسط أكبر من الغطاءات القانونية· فالتدخل العسكري الانفرادي والمكشوف للدول الاستعمارية قد ترك مكانه اليوم لحق التدخل الانساني الذي صوتت عليه الجمعية العمومية، والذي شهدت المجموعة البشرية نماذج تطبيقه في العقد الأخير في العراق والصومال والبوسنة والهيرسك وكوسوفو ثم أخيرا في تيمور الشرقية في أندونيسيا·
ليس هناك أي شك في أن ظاهرة العولمة تنطوي على تأكيد وتوسيع هيمنة الدول الصناعية، وفي مقدمها الولايات المتحدة، على الأسواق والمصائر العالمية· بيد أن هذا ليس مضمونها الحقيقي أو الرئيسي، إنه تابع لها، تماما كما أن الاستعمار أو الأمبريالية ليست المحتوى الجوهري للرأسمالية. فالعولمة قبل أن تكون حاملة لنمط من الهيمنة الدولية، وهي حاملة له بالتأكيد، تتضمن تحولات نوعية في طبيعة الرأسمالية المهيمنة والمسيطرة ذاتها. وجوهر هذا التحول هو نشوء رأسمالية عولمية تختلف حتى عن تلك التي كنا نسميها رأسمالية الشركات المتعدية الجنسيات، وذلك في كونها أصبحت تشكل ظاهرة كونية وتمتلك آليات تتجاوز ما كانت تفرضها على حركتها الحدود الوطنية، وتنزع إلى إزالة هذه الحدود الاقتصادية أو إعادة تعريفها بما يضمن حرية الحركة لرأس المال الذي أصبح هو ذاته رأسماليا عولميا يقع خارج سيطرة الدول بما فيها الدول العظمى. وحتى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل مركز هذه الرأسمالية العولمية من دون أدنى شك، لا تنجح الدولة في التحكم بالرأسمالية الجديدة وآلياتها إلا بقدر ما تطرح نفسها وتعمل بالفعل كموجهة وقائدة لعملية التحويل العولمي وتحقيق شروط عولمة رأس المال، أي بقدر ما تضع نفسها في خدمة رأس المال المعولم ذاته. وهذه العولمة التي تنزع إليها الرأسمالية بعد مرحلتها الوطنية الأولى ثم مرحلتها الدولية، أو العبردولية، ليست هي نفسها إلا ثمرة الطفرات التقنية التي عرفتها المجتمعات الصناعية وقادت إليها الرأسمالية ذاتها في العقود القليلة الماضية، وهي الطفرات التي يطلق عليه اسم الثورة العلمية والتقنية، وفي مقدمها ثورة الاتصالات والحواسب الإليكترونية.
ثم إنها حتى إذا أردنا التركيز على موضوع الهيمنة الدولية والعلاقات الاستعمارية التي تنشؤها العولمة، فلا ينبغي أن نحبس ذهننا في إطار النماذج السابقة. ذلك أن العولمة أو الرأسمالية المعولمة ليست هي الوحيدة التي تنفرد بالهيمنة· فهي سمة ترافق الرأسمالية في جميع مراحل نموها· والحديث فيها من دون تمييز أنماطها المختلفة لا يساعد على فهم خصوصية العولمة حتى من منظور كونها شكلا جديدا للاستعمار· كما أن التركيز على مفهوم الاستعمار الذي يشكل نموذجا قديما وبائدا للهيمنة الخارجية لا يمكن أن يفيدنا في فهم التحديات النوعية التي توجهها لنا هذه العولمة· إن ما هو مطلوب لفهم العولة ليس نسبتها لظاهرة مرافقة لها، ولا وصفها من زاوية ما تتماثل به مع الحقب الرأسمالية الماضية، ولكن بالعكس تماما، بما يميز استعمارها الجديد، أو إذا شئنا الدقة، نظام هيمنتها العولمية، بالمقارنة مع النظم الاستعمارية السابقة. ومن دون ذلك لا نكون حللنا العولمة، وإنما خفضناها، ومفهومها، إلى الحقب التي جاءت قبلها، وخسرنا كل الرهان المنتظر من التحليل النظري. إعني إدراك خصوصية الظاهرة ومنطق عملها واتجاه حركتها. فلو كانت العولمة مجرد استعمار لما كان لها ولحديثنا عنها قيمة لأننا نكون نتحدث عن أمر معروف وواضح. إن المهم في العولمة والذي يستحق البحث هو الجديد في استعماريتها، لا المأخوذ عن الحقب السابقة، والجديد ليس الاستعمار، ولكن ربما طريقة جديدة ومختلفة في الهيمنة الدولية، تختلف في استراتيجياتها وأهدافها ووسائل عملها عن الطرق القديمة، فتخلق لذلك حقبة جديدة، أي تاريخا خاصا بها.
وأنا من الذين يعتقدون أن العولمة تحمل مخاطر هيمنة أقوى نفوذا وأثرا من الاستعمار التقليدي لأنها بالضبط لا تستخدم الطرق العنيفة التي استخدمها ولكنها تعتمد على قبول الناس وسعيهم إليها وإلى الاندماج فيها، كما تخاطب عقولهم ومخيلاتهم، قبل أن تتعامل مع مواردهم الطبيعية وأسواقهم. ووسائل الإعلام العالمية أكثر فتكا اليوم بالشعوب النامية من حرب الأفيون التي دمرت المجتمع الصيني في القرن التاسع عشر. لكنني من الذين يعتقدون أيضا أنها بقدر ما تزيد من فاعلية وقدرة الأمبريالية الدولية أو السيطرة الدولية للولايات المتحدة وغيرها، تنطوي على ثغرات أكثر من نظم الهيمنة الاستعمارية السابقة وتتيح بصورة أسهل للشعوب والجماعات التي تمتلك الوعي والإرادة والقوة أن تقلب جزءا من اللعبة وتستفيد من العولمة بقدر ما تتحمل أعباء الخضوع لهيمنة الدول الكبرى فيها. فبعكس الأفيون الذي قتل روح المجتمع الصيني السياسية في حقبة ما يسمي بحرب الأفيون، يمكن لوسائل الإعلام العالمية وشبكات المعلومات الكونية أن تكون مصدرا لتعزيز الموارد العلمية والتقنية للمجتمعات الضعيفة، وأن تفتح لها فرص التحول بأسرع مما كان يحصل في الحقب السابقة. لكن الأمر هنا لا يتعلق بحتمية تاريخية، أي أن جميع المجتمعات الضعيفة لن تستطيع أن تثمر ايجابيا مصادر العولمة لصالح ارتقائها الاقتصادي والاجتماعي والفكري. إن ذلك يتوقف على صحة ونجاعة الاستراتيجية التي تصوغها كل جماعة في مواجهة مشروع اندراجها في الحقبة العولمية.
والقصد أنه ينبغي التروي عند التعميم وإطلاق المفاهيم والأوصاف القديمة المعروفة على الظواهر الجديدة، لأن ذلك يمكن أن يقضي على فرصة فهم الجديد فيها والتمكن منه والسيطرة عليه. فنظام الهيمنة العولمية أكثر مرونة بكثير من النظم الاستعمارية السابقة، وفيه من المخاطر ما يتجاوزها جميعا، لكن فيه من الامكانيات المفتوحة لمن يريد أن يدخل منها ما لم تعرفه نظم الهيمنة التقليدية العسكرية أو الاقتصادية. وسوف تشهد حقبة العولمة لا محالة، مثلما حصل في الحقبة الصناعية، انتقال العديد من المجتمعات النامية إلى مصاف الدول الكونية، في حين سوف تنهار مجتمعات عديدة أخرى نامية لعجزها عن الحركة، كما ستنهار مجتمعات ثانية نصف مصنعة لم تكن تحسب بالضرورة من النامية. والصين مثال مهم للمجموعة الأولي المبشرة. والعديد من البلاد التي كانت تتبع الاتحاد السوفييتي، غير تلك التي احتوتها أوربة الغربية سياسيا وضمنتها اقتصاديا، سوف تكون من دول المجموعة الثانية، ولن تستطيع أن توجه للهيمنة الدولية أي مقاومة تذكر. وكما تشير تجربة أفغانستان، إن مقاومة العولمة أو الهيمنة الدولية يمكن أن تتحول بسهولة إلى حرب أهلية مدمرة عندما تفقد الجماعة سيطرتها على نفسها وتعجز عن التحكم بتناقضاتها وعن فهم شروط التعامل مع عصر العولم.
وهذا يعني أنه ينبغي عليها في تحديد مضمون العولمة أن نميز بين مستويين، مستوى التحول الهيكلي في واقع نمط الانتاج نفسه، ومستوى تمثل القوى الرأسمالية نفسها لهذا التحول وبلورة أسلوب استثماره والتحكم به. ومن هنا تبدو لي العولمة حاصل الدمج بين معطيات الثورة التقنية العلمية واستراتيجية إعادة الهيكلة الرأسمالية معا. وأن أي عامل من العاملين لا يكفي لتفسيرها لوحده. ينجم عن هذا الدمج ديناميكية تاريخية جديدة تخضع الفضاءات الوطنية التي كان استقلالها قاعدة العمل في الحقبة السابقة، للرأسمالية وللدولة الوطنية معا، أعني الحقبة الوطنية أو القومية، لآليات تكوين فضاء جديد يتجاوز القوميات ويخترق حدودها التقليدية. وهو فضاء العالمية الذي اشتقت منه كلمة عولمة. وفي نظري ما كان من الممكن للاستراتيجية الرأسمالية النيوليبرالية النازعة إلى فرض فتح الأسواق الوطنية وتعميم قانون حرية التجارة لخلق سوق على اتساع الكرة الأرضية، مع كل ما يعتوره من قيود مفروضة من قبل الدول الكبرى لضمان اكتساح أسواق الآخرين وحماية نفسها ـ مثلا منع الانتقال الحر لليد العاملة وإنشاء التكتلات الاقليمية وإغلاق الأسواق الكبرى أمام الكثير من منتجات العالم الثالث ذات القدرة التنافسية واتباع سياسات تفضيلية ـ من دون المكتسبات الهائلة في تقنية الاتصالات وما تعنيه من تجاوز حدود المكان والزمان والربط الفوري بين الأسواق المالية.
وهذا يعني أن المسألة لا تتعلق باستراتيجية توسع استعماري رأسمالي فحسب. وهي ليست النتيجة الطبيعية والعادية لسعي رأس المال العالمي الذي يعيش أزمة هيكلية منذ السبعينات إلى البحث عن منافذ أخرى لفائض الأموال العائمة، من أجل حماية النظام من خطر التبخيس الفجائي والضخم كما حصل في الثلاثينات من هذا القرن. إنها لا تتعلق بأزمة الرأسمالية التي تعني عدم وجود استثمارات مجزية ، ولكن أكاد أقول العكس تماما، إنها من حيث هي استثمارات متنامية في القطاعات التقنية الجديدة، من اتصالات ومعلوماتية وإعلام، ومن حيث هي استراتيجية عولمية لجعل هذه الاستثمارات قاعدة للهيمنة العالمية، تعبير عن دينامية التجديد والنمو الرأسمالية. بالتأكيد لا يتناقض ذلك مع وجود الأزمة، ولكنه يضفي على مفهوم الأزمة ذاته الكثير من النسبية والتاريخية. إن الرأسمالية تؤكد بالعولمة قدرتها على التجدد وايجاد حلول مختلفة للأزمة التي ينبغي أن تفهم على أنها توترا مستمرا وخلاقا، لا حالة قياموية.
فلا تفهم العولمة من دون التقدم التقني والعلمي الذي حصل في العقود الماضية، والامكانيات الموضوعية التي يفتحها أمام توسع دائرة المبادلات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية العالمية. ومن الطبيعي أو المنطقي أن تكون الدول الصناعية الكبرى هي الأقدر على توظيف هذه المكتسبات التقنية والعلمية لتوسيع دائرة نشاطها وتعظيم مردود استثماراتها وفتح الأسواق الخارجية لبضائعها ولرؤوس أموالها.
ولهذا التحليل أهمية كبرى في فهم طبيعة العولمة ومقوماتها والموارد التي تستند إليها والتي لا بد من معرفتها لأي قوة تريد التعامل معها، وبشكل خاص للبلدان الفقيرة المهددة بأن تكون ضحيتها. وله أهمية كبرى أيضا في تحديد ردود الفعل على العولمة وبلورة استراتيجية ايجابية وناجعة لمواجهة مخاطرها بعيدا عن التهويل والتهوين. فليس صحيحا أن البلاد الضعيفة ليس لها من خيار سوى الانحناء أمام العاصفة وقبول الأمر الواقع. ولا أعتقد أن الضعف والهامشية مانعان من ظهور المقاومة. بل العكس هو الصحيح. إن مقاومة المجتمعات والشعوب والجماعات لنظم الهيمنة تكون على قدر شعورهم بأنهم مستبعدين منها وغير قادرين على الإفادة من الفوائد الحضارية التي تنجم عنها بوصفها إطارا للاستقرار وتشجيع النمو والازدهار. وهذا ما برهنت عليه مظاهرات سياتل الضخمة والعالمية في مواجهة أقطاب الرأسمالية المجتمعين في إطار مؤتمر المنظمة العالمية للتجارة لتحديد جدول أعمال دورة المفاوضات القادمة. وليس هناك شك في أن فشل المؤتمر في التوصل إلى جدول أعمال يطلق دورة المفاوضات الجديدة راجع إلى الضغط الذي مثلته هذه المظاهرات، والتحول الذي حصل في موقف ممثلي الدول النامية تحت تأثير هذه المظاهرات نفسها، مما خلق مناخا جديدا دفع هؤلاء إلى بلورة مواقف أكثر جرأة وأقل خنوعا. واعتبارا من هذا التاريخ سوف يكون لمناقشات منظمة التجارة العالمية منحى مختلفا عن الماضي، ولن تستطيع الدول الكبرى الصناعية أن تملي إرادتها على الدول النامية، بل ليس من المستبعد أن يتبلور قطب جديد يمثل مصالح البلدان النامية في هذه المفاوضات، ويطمح إلى لتأكيد عناصر استراتيجية خاصة للعولمة، من دون أن يكون لدينا أوهام حول استقلال هذا القطب الحقيقي عن مجمل سياسات التكتلين الأوربي والأمريكي. لكن بصرف النظر عن مصير هذا القطب، ليس هناك شك في نظري في أن مؤتمر سياتل سوف يشكل نقطة فاصلة في المفاوضات الدولية الجارية حول توجيه عملية العولمة، وأنه سوف يكون بداية تبلور مقاومات متعددة الأشكال والمصادر. وكون الرأسمالية المعولمة هي التي سوف تفرض نفسها لا يعني بالضرورة انعدام آفاق مثل هذه المقاومات. فالمقاومة لا ترتبط بالشرط الاقتصادي فحسب ولكن بالثقافة التي تنظر إلى هذا الشرط الاقتصادي، أي بوعي الناس لشرطهم وقبولهم به أو رفضهم له. ولا شك أن امتلاك شعب ما لثقافة مستقلة يلعب دورا كبيرا في ذلك· والمقصود من ذلك كله أنه بالرغم مما تتمتع به الرأسمالية المعولمة من وسائل إعلامية ومادية معا، فإنها لن تنجح في إخضاع كل الشعوب والمجتمعات وإخماد جذوة مقاومة الرأي العام العالمي. ذلك أنه لا توجد هناك سيطرة مطلقة لأي نظام، وبإمكان كل المجتمعات، إذا أرادت، أن تعيد عبر مقاومة هذه السيطرة بناء مؤسساتها بما يتفق وضمان استقلالها وحريتها ونموها· ولا ينبغي للعولمة أن تفرض نفسها وكأنها إغلاق لجميع الآفاق والأبواب وقتل لكل الامال·

2- رهانات العولمة الجيوسياسية
هل انتهى بالفعل عصر الدولة القومية؟


في مقال نشر في مجلة ذا ناشيونال أنتريست، خريف 1999، يربط المؤرخ البريطاني ميكائيل ماندلبوم بين نشوء الدولة القومية ومنجزات الثورة الفرنسية والثورة الصناعية. فقد أناطت الثورتان بالدولة الحديثة القائمة مهمتين أساسيتين كان لا بد من ايجاد أداة قوية قادرة على إنجازهما، وهما مهمة شن الحرب الحديثة ومهمة الادارة الاقتصادية. فقد أنجبت الثورة الفرنسية نمطا جديدا من الجيوش زاد في كثافتها وأعدادها، بسبب تعميم التجنيد أو تجنيد عموم الشعب من فلاحين وأبناء مدن، أما الثورة الصناعية فقد ساهمت في تجديد أنماط الأسلحة، وأوجدت أسلحة أكثر تعقيدا وكلفة. وكان لا بد نتيجة كل ذلك من ايجاد بنية دولة قوية قادرة على تطويع الجند وتدريبهم وتجهيزهم بالأسلحة التي يحتاجونها. وبالمثل، احتاج التحكم بالآلة الانتاجية والأنساق الاقتصادية المعقدة التي أدت إليها الثورة الصناعية إلى دولة قوية ذات سيادة وقادرة على الاضطلاع بمسؤولية إدارة الاقتصاد وتوجيهه. ويعتقد ماندلبوم أنه بالرغم من أن هاتين الوظيفتين لم تضمحلا تماما إلا أنهما سائرتين نحو الزوال التدريجي بعد زوال الحرب الباردة التي كانت تشكل ظرفا ملائما للتركيز عليهما، وكذلك بعد أن بدأت الدول تتخلى عن سيادتها القومية وتقبل تحت تأثير العولمة بإشراف منظمات فوق قومية على ما كان يشكل رمز سيادتها، أعني سياستها الاقتصادية، وفي مقدمها سياستها النقدية ومصرفها المركزي. وهكذا فإن الدولة القومية أو الدولة الأمة، بما كانت تمثله من موقع محوري في حياة المجتمعات الفكرية والسياسية والاقتصادية وبما كانت تملكه من طاقات هائلة، تشهد اليوم مرحلة تراجع وانكفاء، واتجاه واضح نحو الأفول. بل إنه يتوقع أنه من غير المستبعد أن تضمحل القدرات الهائلة للدولة لتصل في أحد الأيام إلى درجة لا يعد فيها لحدود الدول ذات السيادة من معنى أو أهمية أكثر من معنى حدود المناطق البريدية ولتصبح النزاعات الحدودية التي عرفها القرن العشرين مسألة غير مفهومة من قبل الأجيال القادمة، تماما كما تبدو لنا اليوم، من موقعنا وتاريخيتنا، النزاعات اللاهوتية التي كانت سببا في الحروب والمذابح والاضطهاد في القرون الوسطى. لكنه يستطرد أيضا فيقول إن المناطق غير المحظوظة في العالم، حيث لا تزال مسألة القومية مصدرا للنزاع المفسد والمسمم، فإن هذا اليوم السعيد سيأتي متأخرا جدا.
لا أعتقد أن انحسار الدولة القومية محصور بالأمم الكبرى الصناعية. أنه انعكاس لديناميكية عالمية موضوعية تتجاوز وضع الدول في الخارطة الاقتصادية والجيوسياسية. لكن الفرق هو أن هذا الانحسار بقدر ما يعبر عن نفسه في المجتمعات القومية الناضجة بالنزوع نحو الاندماج في أطر سياسية أعلى، مثل الأطر الاقليمية، ويعوض عن نفسه بتنامي قدرات ومنظمات المجتمع المدني وتزايد دورها واتساق نشاطاتها، ينعكس في المجتمعات الضعيفة السيئة الحظ من خلال تفكك الدولة ذاتها وانفجار التناقضات والصراعات والتوترات ماقبل القومية، أعني الطائفية والأقوامية والجهوية والعشيرية.
فقبل انحسار الحروب القومية عن القسم الأكبر من الكرة الأرضية، ونزوع الأمم التي ضمنت وحدتها وأمنت على استقرارها نحو التعاون والتفاهم تشكل العولمة، أي تكوين رأس المال العالمي أو إذا أردنا التبسيط احتكار رأس المال المالي والتقني والاستثماري والعسكري والعلمي والاعلامي والثقافي من قبل مجموعة صغيرة من الدول والشركات الكبرى العالمية تحديا كبيرا لصدقية الدولة القومية وقدرتها على التحكم بمصير الجماعات التي تخضع لها وفي بلورة سياسات مستقلة خاصة بها. وليس من المبالغة القول، منذ الآن، أنه لا توجد اليوم، باستثناء الولايات المتحدة وبعض الدول النووية الكبرى، دولة تستطيع أن تقول إنها تضمن أمن مواطنيها لوحدها، أو أنها قادرة على تأمين شروط حمايتهم من أي هجمة خارجية. وقد أظهرت حرب الخليج الثانية إلى أي حد كانت الدول الصناعية الأوربية الكبرى ذاتها عاجزة عن تأكيد استقلالها ضمن التحالف الدولي ضد العراق، وكيف أنها سلمت جميعا القيادة للولايات المتحدة التي برزت منذ ذلك الوقت على أنها الدولة الوحيدة القادرة على امتلاك استراتيجية كوكبية وقدرة على نشر قواتها ومعداتها في الدائرة العالمية.
وما يقال حول مسألة الأمن الخارجي ينطبق بشكل مماثل على مسائل البناء الاقتصادي. فليس هناك دولة تستطيع اليوم، بما فيها الدول الصناعية الكبرى، تدعي القدرة على تخطيط سياساتها الاقتصادية بمعزل عن الدول الأخرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ولا تستطيع أي منها أن تضمن استقرار معدل الفائدة على عملتها. إن السياسات الاقتصادية الوطنية أصبحت تخضع بشكل مباشر للسياسات الدولية أو التي تصوغها الدول الكبرى، وهنا السبع الصناعية، وتقررها كسياسات عالمية. ولذلك فإن الدول التي لا تشارك في هذه السياسات لا مهرب لها من الخضوع لآثارها ونتائجها، وبالتالي الاكتفاء بسياسات هي أقرب إلى رد الفعل منها إلى أي شيء آخر. أما الدول النامية فهي تحلم فقط بأن يكون في إمكانها جذب بعض فتات رأس المال المعولم، أي الشركات العولمية للاستثمار فيها وخلق بعض فرص العمل للأعداد المتزايدة من العاطلين عن العمل. باختصار إن مفهوم السيادة الوطنية يتعرض لدرجة مماثلة من التدمير الاقتصادي. ولا نخال الوضع يختلف عن ذلك كثيرا في الميدان الاعلامي والثقافي حيث تغزو منتجات الشركات العالمية كل الدول بصرف النظر عن الحدود والخصوصيات. باختصار، ليس اضمحلال المهمات التي أدت إلى نشوء الدولة القومية القوية هو الذي يدفع لاضمحلال السيادة الوطنية، ولكن أكثر من ذلك نشوء قوى دولية وعالمية قادرة على اختراق السيادات بصرف النظر عن رغبات أصحابها ومشاعرهم.
ولا يقل عن ذلك أثرا نشوء تيارات ومنظومات قيم تفرض نفسها أكثر فأكثر بوصفها مصادر إلهام مشتركة لجميع بني البشر، بصرف النظر عن أصولهم القومية وثقافاتهم وأديانهم. وتمارس هذه القيم والاتجاهات الفكرية ضغطا متواصلا وأكثر قوة على مفهوم السيادة الوطنية، ومن ورائه علي مفهوم الدولة القومية ذاتها.
ولا شك إذن أن العولمة تطرح على الصعيد السياسي مسائل عديدة في مقدمها مسألة حماية السيادة الوطنية من خطر الانجراف أمام مركز أو مراكز القوى العالمية. ومن وراء هذه المسألة تطرح في الواقع مسألة أكبر هي مسألة مصير الأمة نفسها كإطار لتنظيم الجماعات، وتنظيم التضامنات الداخلية التي تؤسس لها وتنشيء الأمة من حيث هي مفهوم وواقعة تاريخية حية يمكن اختبارها بالتجربة العملية· أما المسألة الثانية التي تفرض نفسها منذ الان، فهي مسألة عالمية حقوق الانسان، أو تطبيق مفهوم واحد لحقوق الانسان على جميع الشعوب والبلدان بالرغم من اختلاف شروط حياتها وثقافاتها· وإذا كان تحدي القيام بمهمة تكييف تطبيق حقوق الانسان مطروحا بشكل أساسي على المجتمعات الأهلية أكثر مما هو مطروح على المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، فإن مسألة حماية الحد الأدني من السيادة الوطنية لا يمكن حلها بصورة إفرادية، وهي تحتاج إلى تطوير أطر جديدة للأمن الجماعي وللمفاوضات الشاملة على نطاق المجموعة الدولية. والمشكلة الحقيقية التي نواجهها هنا هي مشكلة موضوعية وليست نتيجة مباشرة لأي إرادة هيمنية أو تعبيرا عن رغبة ذاتية لأي دولة كبرى أو عن أي استراتيجية عولمية· فالتاريخ كما يبدو يتجه أكثر فأكثر نحو تجاوز فعلي وعملي للدولة الوطنية أو القومية كما عرفتها العديد من المجتمعات في القرنين الماضيين.
لا يعني هذا بالتأكيد أن الدولة سوف تزول وتتجاوز، ولكن طابعها القومي والوطني الحديث النشأة سوف يتعرض لفعل الحت الدائم ويحول الدول القومية التي عرفناها في القرنين الماضيين شيئا فشيئا إلى ما يشبه الوكالات العالمية التي تدير الشؤون المحلية في أقاليم مرتبطة بشكل أو بآخر بمركز عالمي يقرر جزءا كبيرا من السياسات التي ينبغي تنفيذها من دون أن يفرضها على أحد ويوجه جميع الوكالات من دون أن يكون على صلة مباشرة بها· وسيكون من الصعب في هذه الحالة أن تعكس هذه الدول-الوكالات إرادة تكوين الأمة وضمان وحدتها واستقلالها عن طريق تعميق أسس التبادل والتضامن داخل فضاء موحد ومندمج محمي إلى حد كبير من مخاطر التأثيرات الخارجية· وستكون تلبية حاجات المنافسة الدولية والاستجابة لمنطق المنافسة العالمية، المقدمة للقضاء على أساس تكون الأمة التاريخي، أعني على أولوية منطق التكاتف القومي والتضامن الاجتماعي في وجه الأمم والقوى الخارجية· وهو المنطق الذي سمح بتحسين صيغ توزيع الثروة داخل البلاد وعمل على تحويلها من إقطاعات وسلطنات لاهية عن حياة السكان، إلى أوطان تهتم بترقية أعضائها وتأمين حاجاتهم ومساعدتهم على بناء أسس التفاهم والتوافق والاجماع· وفي اعتقادي أن تحييد الأطر الوطنية أو التقليل من تأثيراتها على عمليات الانتاج والتوزيع يؤدي لا محالة إلى زوال علاقات التضامن الداخلية الأساسية لخلق لحمة وطنية، وبالتالي إلى إعادة تكوين الجماعة الوطنية على أسس تتداخل فيها معايير الانقسامات الأهلية التقليدية، كما هو حاصل اليوم في العديد من البلدان، مثل الطائفية والأقوامية والجهوية مع معايير الانقسامات الجديدة الطبقية العالمية· ومما لا شك فيه أن تعميق سيرورة العولمة سوف يؤدي إلى تعاظم حركة التفكك الوطني والاستقطاب الاجتماعي لصالح نشوء علاقات تضامن خارجية بين النخب الحاكمة والمنظومة الدولية· وستكون النتيجة نشوء اتجاه مطلق نحو التركيز المزدوج للثروة: وطني أو داخل البلد الواحد يقضي بحصرها في يد فئات محدودة، وعالمي ينزع إلى تركيز أصحاب الثروة أنفسهم في أقطار ومجتمعات محدودة على وجه الكرة الأرضية·
ويبدو لي أنه سيكون من الصعب معالجة مسألة انحسار السيادة وتركيز الهيمنة العالمية في أيدي قوى دولية غير خاضعة لسلطة أي دولة من دون نشوء منطق تضامن عالمي يحل تدريجيا محل منطق التضامن القومي· وهذا يفترض تبلور مفهوم للتضامن الانساني، أي لتضامن يتجاوز حدود التضامن الوطني التقليدي ويقترب من مفهوم الأخوة الانسانية أعمق وأوسع مما هو قائم الآن· فهل يمكن المراهنة على نمو نمط جديد من التضامن الانساني أو العالمي حتى يمكن التعويض عن تراجع قوة التضامن الوطني وبالتالي منع عملية انحسار السيادة الوطنية من أن تكون مواكبة للانحسار الاقتصادي والثقافي، أي للدمار الاجتماعي في البلاد الضعيفة الفاقدة للسيادة التي تشكل ثلاثة أرباع البشرية؟
شهدت الحقبة الماضية التي أعقبت الاستعمار من دون شك حركة متصاعدة لتطوير التضامن العالمي من حيث الطرائق والامكانات والآليات· لكن من الواضح حتى الان أن هذا النمو في التضامن العالمي لا يوازي ما يرافق ديناميكية العولمة من خلخلة متزايدة للتضامنات الوطنية في البلاد النامية بشكل خاص، ولا ما ينجم عن ذلك من تفاوت خطير في توزيع الثروة المادية والسياسية والثقافية، وخلعها أكثر فأكثر عن أطرها الجمعية السياسية والمدنية ودفعها نحو الركاكة والبربرية.
وهذا البطء في نمو مفهوم أخلاقي وسياسي حقيقي، لا استخدامي للتضامن العالمي هو الذي يفسر ما تتعرض له الدولة في البلاد الخاضعة من تراجع من حيث هي مفهوم وممارسة عملية معا، يعيدها إلى ما قبل عصرها القومي، إلى الصيغة السلطانية أو الامبرطورية· وفي البلاد التي حافظت فيها البنيات التقليدية على نفسها جزئيا أو كليا، يرافق هذه العملية رجوع المجتمع إلى بنياته العصبوية، وتزايد خطر اندلاع حروب التصفية العرقية·
وبالعكس، تتجه المجتمعات الكبرى التي تقدم لها دينامية العولمة فرصا أكبر لزيادة مواردها وتسمح لها بسيطرة أقوى على تقنيات الحقبة المتقدمة، نحو نمط اجتماعي داخلي يعوض فيه التوسع في مفهوم الفردية المستقلة، والتضامن بين أفراد منعتقين من كل مرجعية متعالية، دينية أو وطنية، عن زوال التضامن في الوطنية وما يرتبط به من مرجعية فكرية وأسطورية مركزها الايمان بالحرية· وهكذا تبدو الدولة القانونية هي الوريث الشرعي الوحيد للدولة الوطنية، ويصبح كل من له علاقة بتطبيق القانون متلقيا لجزء من الفيض المعنوي المرتبط بممارسة سلطة تبدو رمزيا وعمليا الأكثر فائدة ونجاعة من الناحية الاجتماعية·
ونستطيع أن نقول إن العولمة تعيد بناء مراتبية الطبقات الاجتماعية على الصعيد العالمي من خلال إعادة توزيع الفضاءات الجيوسياسية بين نمطين متمايزين تماما: نمط الفضاءات القانونية أو المتسمة بتمثل أعمق وتطبيق أدق للقانون، ومن وراء ذلك بتبلور قوانين ذات سمة إنسانية كونية، ونمط الفضاءات الثاني المتسم بالعسف القانوني والسياسي· إنها تعيد تقسيم العالم بين طبقتين وأمتين انطلاقا من توزيع فرص تطبيق القانون في طرف وسيطرة قانون الأقوى في الطرف الثاني·

3- العولمة ورهاناتها السياسية
هل انتهى بالفعل عهد الديمقراطية؟


قبل أن يشيع استخدام كلمة العولمة، سيطر على مجال العلاقات الدولية بعد زوال الحرب الباردة مفهوم لم يعش طويلا هو مفهوم النظام العالمي الجديد. وقد صيغ مفهوم النظام العالمي الجديد على مراحل متتالية، وكان يشير في البداية إلى النظام العالمي الاقتصادي الجديد الذي طالبت به الدول النامية في السبعينات من القرن العشرين. وكان هذا النظام موضوع الخطاب التاريخي الذي ألقاه الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين باسم جميع البلاد الطامحة لانجاز مرحلة التصنيع في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974ثم تحول في مرحلة ثالثة إلى مجال العلاقات الدولية الاعلامي وأصبح يعرف بالنظام الاعلامي العالمي الجديد. وقد استخدمته هنا أيضا الدول النامية في مساعيها لتوسيع دائرة مشاركتها في صوغ المعلومات والإعلام الدولي. وكان المدير الأسبق لليونسكو، أحمد امبو، من المتحمسين الكبار له، حتى جعل منه محور سياسة اليونسكو أثناء ولايته. وكما كان مفهوم النظام الاقتصادي العالمي الجديد يعلن احتجاج العالم الثالث على صيغة التوزيع غير العادل للثروة بين الأمم ويطالب الدول الصناعية الكبرى بالاعتراف بالتبادل غير المتكافيء على مستوى عالمي، وبالتالي بالكف عن العمل لتخفيض أسعار المواد الأولية التي يصدرها العالم الفقير، والقبول بدفع القيمة الصحيحة لها، كان مفهوم النظام الاعلامي العالمي الجديد الذي دافع عنه اليونسكو في الثمانينات وفي موجة صعود آمال العالم الثالث بإمكانية إنجاز مهام التحرر الاقتصادي والسياسي والثقافي، يهدف إلى التقليل من سيطرة وكالات الأنباء العالمية التابعة للدول الصناعية على صناعة الخبر والمعلومات في العالم أجمع.
وقد أثارت موجة الاحتجاج المتواصل للبلدان الفقيرة ضد النظام العالمي القائم خوفا كبيرا لدى الدول الصناعية ودفعتها لإعادة بناء علاقات التضامن فيما بينها وتعزيز تحالفها العسكري والسياسي في إطار حلف الأطلسي. أما الولايات المتحدة التي كانت القوة الأكثر تطرفا في رفض الحديث عن إعادة النظر في نظام العلاقات الدولية، فقد اعتبرت مشروع العمل لإقامة نظام إعلامي عالمي جديد مؤامرة شيوعية تهدف إلى فرض الرقابة على حرية الإعلام والرأي، وقررت بناءا على ذلك الانسحاب من منظمة اليونسكو احتجاجا على تبنيها هذا المشروع، وكذلك من قبيل الضغط لإجبار أحمد امبو على الرحيل عن المنظمة الثقافية العالمية.
وقد وضعت الدول الصناعية عامة وواشنطن خاصة بردود فعلها هذا حدا لجميع الآمال المعقودة على فتح مفاوضات دولية حول أهم القضايا التي تخص مستقبل البشرية، وفي مقدمها قضية التنمية المرتبطة بصيغة توزيع الثروة والاستثمارات والخبرة العلمية والتقنية، ومن وراء ذلك لصدقية مفهوم النظام العالمي ذاته كموضوع للبحث والمساءلة.
لكن لن تمر فترة طويلة قبل أن يبعث هذا المفهوم من رماده ويدخل ميدان العلاقات الدولية أقوى مما كان عليه في أي حقبة سابقة. فبعد نهاية الحرب الباردة، وفي مواكبة المواجهة التي وحدت التحالف الغربي ضد العراق منذ بداية التسعينات من القرن العشرين، سوف يدخل هذا المفهوم إلى مسرح العلاقات الدولية بثياب ومضامين جديدة. فالدول الصناعية هي التي ستستخدمه في مواجهة الدول النامية وليس العكس، كما أنها سوف تحول مجال استخدامه من المسائل الاقتصادية والاعلامية والثقافية نحو المجال السياسي والجيوسياسي. فالنظام العالمي الجديد الذي سيتحدث عنه الرئيس الأمريكي بوش بعد الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران في مواجهة اعتداء العراق على سيادة الكويت لن يعني إعادة توزيع أي ثروة أو رأسمال، سواء أكان ماليا أو تكنولوجيا أو معلوماتيا، ولكنه سيعني تطبيق ما سمي بقواعد الشرعية القانونية الدولية التي تمنع أي دولة من الاعتداء على الدولة الأخرى. وهذا يعني أن مفهوم النظام العالمي الجديد لم يعد ينحو مثل المفهوم الأول نحو التغيير ولكنه بالعكس تماما يهدف إلى تكريس الأوضاع السياسية والجيوسياسية القائمة. إن الدول الكبرى التي تهيمن على مجلس الأمن الذي اعتبرت قراراته قاعدة الشرعية الدولية تضع نفسها باسم النظام العالمي الجديد وصية على ضمان استقرار واستمرار الوضع العالمي القائم، ومنع أي تغيير يمكن أن يعدل في الخريطة السياسية والجيوسياسية التي نشأت عن الحقبة التاريخية الماضية.
وفي ذلك الوقت انتشرت الفكرة التي تقول بأن نشوء النظام العالمي الجديد على أثر انتهاء الحرب الباردة سوف يفتح للانسانية، بضمانة الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى، أفاقا جديدة، على المستوى الاقتصادي أولا بما سوف توفره نهاية سباق التسلح بين المعسكرين والدول التابعة لهما من رساميل يمكن استخدامها لدفع عملية التنمية في العالم أجمع، خاصة في البلاد النامية، وعلى المستوى السياسي ثانيا بما يقود إليه تخفيف التوتر الدولي وزوال الأوهام التي كانت المعلقة على النظم الشمولية من تعظيم فرص توسيع دائرة الديمقراطية في العالم أجمع.
لكن الآمال التي كانت معقودة على النظام السياسي العالمي الجديد الذي وقفت وراءه الدول الكبرى لم تعش أكثر من بضع سنوات. فلا زادت مساعدة الدول الصناعية وتعاونها من أجل مواجهة مسائل التنمية، ولا تعمقت مسيرة الديمقراطية، ولا عملت الدول الكبرى كما وعدت على تطبيق القانون الدولي. إن ما حصل كان العكس من ذلك تماما، فقد ترافق نشوء ما سمي بالنظام العالمي الجديد بانفجار الحروب الداخلية والعرقية في العديد من البلاد الفقيرة، وبازدياد شراسة الدول الصناعية في سعيها لاقتسام الأسواق ومناطق النفوذ والموارد العالمية في مواجهة تصاعد وتيرة المنافسة بينها لتحسين صادراتها على حساب غيرها وتجاوز أزمة البطالة الخانقة التي تعرفها مجتمعاتها. كما تبين أن المعايير ليست واحدة في تطبيق ما سمي بالشرعية الدولية. وهذا ما دفع نقاد الدول الكبرى وسياساتها إلى وصف النظام العالمي الجديد الذي تقترحه بالنظام الاستعماري الجديد.
وشيئا فشيئا بدا مفهوم العولمة الذي كان يستخدم من قبل أوساط محدودة وعلى مستويات معينة يحتل مكان مفهوم النظام العالمي كأداة نظرية لفهم مجال العلاقات الدولية وتطوراتها المتواصلة تحت تأثير ثورة المعلوماتية والثورة التقنية العلمية عموما. وقد أعادت إشكالية العولمة طرح السؤال ذاته الذي كان قد طرحه النظام العالمي الجديد، أعني السؤال الذي يتضمن أهم تحديين تواجههما البلاد النامية والاجابة عليه وهو: هل تقود العولمة إلى زيادة فرص التنمية الاقتصادية الاجتماعية وإلى التحول نحو الديمقراطية؟
وقد اصطدمت في الاجابة على القسم الثاني من السؤال وجهتا نظر لا تزالان تتصارعان حتى الآن. تقول الأولى إن العولمة بقدر ما تضعف من سيطرة الدولة الوطنية على فضاءاتها الثقافية والإعلامية وتقلل من قدرتها على تكوين قاعدة إجتماعية واسعة من الزبائن السياسيين، وتربط مصير التنمية فيها بالسوق العالمية، سوف تدفع لا محالة إلى توسيع فرص وآفاق التحولات الديمقراطية في العالم الثالث.
أما وجهة النظر الثانية التي يدافع عنها تيار نقد العولمة، وريث الاتجاهات اليسارية الماركسية والنقدية عموما، فهي ترى العكس تماما. فكما يشير إلى ذلك هانس بيترمارتين وهارالد شومان في كتابهما المترجم للعربية، فخ العولمة، والذي يعتبر مرجعا في هذا المجال، تشكل العولمة أكبر تهديد للنظام الديمقراطي، ليس في البلاد النامية فقط ولكن في بلدان الديمقراطية الناضجة والراسخة ذاتها، أعني البلدان الصناعية الكبرى ذاتها. وأهم الحجج التي تثار في تفسير ذلك أنه بقدر ما يسيطر على المجتمعات منطق الاقتصاد المعولم، أي البحث الشامل عن أقصى الأرباح، تفقد السلطة السياسية ذاتها مضمونها ومقدرتها على عمل أي شيء، وتتحول برمتها، كما يقول الكاتبان، إلى مسرح يضم حشدا من رحال مسلوبي الإرادة، وتفقد الدولة الديمقراطية شرعيتها، وتصبح العولمة مصيدة للديمقراطية. وبالعكس، سوف تقع السلطة بين أيدي أقلية من المضاربين الدوليين ورجال الأعمال والمافيات العالمية والشركات المتعدية الجنسية التي تفرض سياساتها على الحكومات وتهيمن على الأسواق الدولية. باختصار إن الخضوع لمنطق الاقتصاد يفرغ الديمقراطية من محتواها، ويضع السلطة جميعها في أيدي أصحاب الرساميل الذين يقررون وحدهم، في الواقع، ومن منطلق تحصيل أقصى الأرباح، مصير المجتمعات البشرية. وبالعكس، تحتاج الديمقراطية إلى أخلاقية الحرية وإلى دولة قانونية وتوازنات سياسية اجتماعية يضمنها التنظيم الحزبي والنقابي والمجتمع المدني عموما، كما تحتاج إلى حد أدنى من التضامن والتوزيع العادل للثروة، لايمكن تحقيقه مع ما يقود إليه تطور العولمة من تهميش متزايد للجمهور الواسع وتعميم للبطالة.


فهل العولمة تسمح لنا بالتفاؤل بمصير الديمقراطية أم أنها بالعكس تشكل أكبر تهديد لهذه الديمقراطية؟
ينطلق أصحاب وجهة النظر الأولى من فرضيتين رئيسيتين أولاهما أن الدول الكبرى الديمقراطية تسعى، أو هي معنية بتحقيق الديمقراطية في البلاد النامية على سبيل تعميم نموذجها الاجتماعي السياسي وتوسيع دائرة انتشار قيم الحرية الفردية التي تؤمن بها. وثانيهما أن رأسمالية السوق نفسها، وهي السائدة منذ الآن في العالم كله، تفترض وتتطلب ما يمكن اعتباره سوقا سياسية مماثلة ومقابلة لها تقوم على قاعدة التنافس بين أفراد النخبة الاجتماعية على الوصول إلى مناصب المسؤولية. وهذا يعني أنه بقدر ما تتجه الأمور في اتجاه الليبرالية الاقتصادية وتتوسع دائرة النفوذ والسيطرة الغربية على المقدرات العالمية، ترتفع حظوظ تحقيق الديقراطية في البلاد النامية.
والحال ليس هناك تاريخيا ومنطقيا ما يدعم هاتين الفرضيتين. إن الدول الديمقراطية الكبرى تتحدث بالفعل عن تعميم القيم الديمقراطية، وهي تخشى سيطرة النظم الشمولية مثل النظم الفاشية والشيوعية، لكن ليس هناك ما يبرر الاعتقاد بأنها مستعدة لوضع الخيار الديمقراطي في مقدمة أولوياتها في علاقاتها بالدول الأخرى. إن الدول سواء أكانت صغيرة أو كبيرة لا تحدد سياساتها على أساس عمل الخير وتحسين نمط حياة أو طريقة حكم المجتمعات الأخرى، ولكن على أساس مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. وبعد انهيار النظم الشمولية القوية، لم يعد هناك أي تهديد حقيقي للنظم الديمقراطية القائمة يفرض عليها من وجهة نظر مصالحها الاستراتيجية التعبئة ضد الخطر المحتمل. إن وجود نظم مستبدة وضعيفة ولا شعبية يمكن الضغط عليها بسهولة وتحقيق مصالح الدول الكبرى عبرها أكثر فائدة لها من وجود ديمقراطيات لا بد أن تعكس طموح شعوب العالم الثالث وجوعها للعدالة العالمية والتنمية والمشاركة في السياسات الدولية. وبالمثل، كل التجارب الحديثة >الناجحة< أو شبه الناجحة التي نشأت في القرن العشرين دلت على أن من الصعب تحقيق تنمية رأسمالية في البلاد النامية في إطار المنافسة الدولية من دون اتباع سياسات قمعية هي وحدها التي تسمح بالاحتفاظ بمعدل منخفض للأجور وبطاعة كلية للنظام. فالليبرالية الاقتصادية تتطلب حتما هنا الاستبداد السياسي، وهو ما لا تزال صوره بارزة في نموذج التنانين والنمور الآسيوية، وفي الصين وكل الدول التي تسعي إلى تحقيق تراكم رأسمالي سريع في العصر الراهن. إن عصر التوافق بين نظام الحرية الاقتصادية ونظام الحرية السياسية قد ولى منذ زمن طويل. لكن هذا لا يمنع بالتأكيد أن تسعى الدول الكبرى، وهو ما تقوم به بالفعل، إلى فرض الصبغة الديمقراطية والتعددية الشكلية على نظم قمعية في الجوهر، تتحكم بها نخب محدودة مرتبطة بالخارج، وتقوم بتنظيم الأمن والاستقرار فيها أجهزة أمنية تستخدم خبراء من الدول الديمقراطية ذاتها. فهذه الصبغة من المحسنات الضرورية لنظام الهيمنة الدولي القائم، ومن مستلزمات كسب الشرعية.
لكن بالمقابل، لا ينبغي سحب الفرضيات التي تمس العولمة في علاقتها بالدول الصناعية على الدول النامية كما يفعل العديد من النقاد الذين هم على حق في الجوهر فقط. إذ لا يعني تهديد العولمة للديمقراطية في البلاد الصناعية الكبرى أنها تشكل تهديدا من النوع ذاته للديمقراطية في البلاد النامية أو أنها تسد أي أفق ولو جزيء أمام مثل هذا التحويل. فهي تهدد بالفعل بضرب الديمقراطية في البلاد الصناعية بقدر ما تقود إلى تدمير فضاءات عديدة موجودة للحرية، على مستوى السياسة والمجتمع المدني معا. ذلك أن الديمقراطية خلقت بالفعل العديد من هذه الفضاءات الفردية والجمعية. لكنها لا تتضمن التهديد ذاته لمجتمعات ليس فيها مثل هذه الفضاءات من الحرية، أي في البلاد التي لم تعرف الديمقراطية. بل إنها لا بد أن تعمل على تهديم العديد من الجدران التي كانت تحبس السلطة داخلها فئات الشعب المختلفة، وتتيح تكوين فضاءات جديدة أقل طواعية لآليات الضبط والمراقبة والعقاب الجماعي. وهذا يعني أن أثر العولمة السياسي ليس بالضرورة واحدا في الدول الديمقراطية والاستبدادية.
لا يعني هذا بالتأكيد أن العولمة تسير بالمجتمعات نحو الديمقراطية. لكنه يعني إن لها بشكل عام وبصرف النظر عن طبيعة المجتمعات مفعولين متناقضين: بحلها للأمة تضرب أساس أخلاقية الحرية والدولة القانونية وتشجع نظم التمييز الاجتماعي والأقوامي والديني والطائفي· وبتعميقها دينامية الاستقطاب تدمر التوازنات الاجتماعية والسياسية الوطنية وتعزز التوتر وعدم الاستقرار داخل المجتمعات. كما أنها بتركيزها الثروة في مناطق وبين يدي فئات محدودة تلغي أسس النمو الاقتصادي بما يواكب نمو السكان، مما يعني تزايد البطالة بل الجوع. وكل هذا يجعل الديمقراطية أصعب من قبل.
لكن بفتحها الفضاءات الوطنية في الداخل على حساب الأقطعة السياسية وفي الخارج بعضها على بعض، تعمل العولمة على توحيد المعايير وتخلق وعيا مشتركا أو عالميا بالمشكلات الانسانية. وهذا يعني أنها تقوم بتعميق الوعي الديمقراطي وجعل الديمقراطية نموذجا مرجعيا لجميع سكان الأرض وتخلق تدريجيا آليات من التضامن العالمي لم تكن موجودة من قبل تساهم ولا شك في بعث اتجاهات لبلورة حلول عالمية أو جماعية. وأن المفارقة فيها أنها تعزز من المطالب الديمقراطية العالمية في الوقت ذاته الذي تساهم فيه في إضعاف الشروط الموضوعية لقيام نظم ديمقراطية حية ومستقرة. وهذا يعني أن أثر العولمة مرتبط أيضا بطبيعة المجتمعات التي تخضع لها. إنها تهز الدول الاستبدادية بقدر ما تزيد من هشاشة الدول الديمقراطية. وبالرغم من أن الميل سيكون قويا لتبني ديمقراطية إجرائية شكلية في نظم تخفي استبداد الأقلية إلا أن التناقض سوف يستمر ويتعمق بين المعايير المرجعية وبين الواقع القاصر عن تحقيقها. وسوف يقود بالضرورة إلى تعديلات وتغييرات داخل نظام العولمة ذاته. فالعولمة لا تزيد فرص الديمقراطية ولا تنقصها في الواقع، ولكنها تقضي على الأسس التي تقوم عليها النماذج الكلاسيكية منها. ولن يكون من الممكن إعادة بناء الديمقراطية منذ الآن إلا من أفق العالمية، أي من أفق يتجاوز القومية الضيقة التي بني عليها التضامن الاجتماعي الذي سمح ببناء الديمقراطية الوطنية. لكن هل تسمح العولمة ببناء القوى أو التحالفات الاجتماعية والسياسية العالمية القادرة على تحقيق تضامن من مستوى عالمي، ومن ثم تحقيق طفرة في الديمقراطية الوطنية ذاتها؟
الجواب بالتأكيد، فبقدر ما تساهم العولمة الليبرالية القائمة في تدمير البنيات الديمقراطية وبث الفوضى في العلاقات الاجتماعية والدولية، تثير وسوف تثير حركات احتجاج واعتراض وتفجر قوى متنوعة لن يكون في مقدورها مقاومة النظام إلا بموازاة نجاحها في اكتشاف وبلورة الصيغة التي تسمح ببناء تحالف من مستوى عالمي، هو شرط إعادة تحقيق الديمقراطية وقيمها في الواقع العيني.
إن مستقبل الديمقراطية في العولمة ومن ورائها المجتمعات الانسانية يتوقف على حصيلة الصراع بين القوى التي تجسد في برنامجها أولوية السياسة والمجتمع، أي منطق التضامن الانساني وتنظر إلى هذا التضامن فيما وراء الحدود الوطنية والقوى التي تجسد منطق التوسع الاقتصادي وأولوياته، والذي يضع موضع الشك والتساؤل نجاعة الدولة القومية ويدفع إلى تفكك المجتمعات التي تعيش تحت سيطرتها وحمايتها لصالح سيطرة التكتلات الاقتصادية والعدد المحدود من الدول الكبرى التي تستفيد من توطينها. وبناء الديمقراطية العالمية لن يتحقق بالفعل إلا كمخرج لهذا الصراع، وبقدر ما تنجح قوى المقاومة الدولية للعولمة الليبرالية في التطوير الحثيث لمؤسسات التضامن العالمي ما فوق الوطنية وتحقق مكاسب سياسية مستمرة تسمح لها بالتقييد التدريجي لرأس المال المعولم، أي في النهاية بإخضاع منطق الربح القائم على التنافس الحر إلى منطق الاجتماع البشري القائم على أولويات أخلاق التضامن والتعاون والانسجام.

4- العولمة ورهاناتها الثقافية
هل تهدد العولمة بالقضاء على الهوية؟


لا تطرح مسألة الثقافة والعولمة عند الباحثين والمثقفين العرب من منطلقات واحدة ولا تثير الاشكاليات ذاتها. فبالنسبة للمثقفين الذين سأطلق عليهم منذ الآن الحداثويين، وأقصد بهم أولئك الذين يرون الطريق إلى الحداثة العربية يمر عبر التخلي عن الخصوصية ويرفضون الاعتراف بوجود هوية أو قضية يمكن إطلاق هذا الاسم عليها، لا تحمل العولمة أي تهديد ثقافي، ولكنها تقدم بالعكس فرصا لتجاوز نهائي وحاسم للخصوصيات المريضة والسلفيات الثقافية التي سيطرت على المجتمعات العربية في الحقبة الماضية. أما بالنسبة للآخرين، على تعدد مشاربهم القومية والدينية، فالعولمة تعني بالضرورة اختراق البنية الثقافية المحلية، وتفاقم مخاطر الاستلاب والغزو والاستعمار الثقافي، بل مخاطر محو الهوية ونزع الخصوصية الشخصية.
وتستدعي المعالجة الموضوعية لمسألة العولمة والهوية الاجابة على سؤالين: هل هناك بالفعل مشكلة هوية؟ وهل تتعرض هذه الهوية إذا وجدت لخطر التهديد أو الانحلال أو المحو بسبب العولمة؟
يعتقد ناكروا الهوية أن المسألة مصطنعة سببها هوس بعض التيارات الفكرية التي تخاف من الحداثة والانخراط في الثقافة العصرية بالتراث والخصوصية، ونزوعها نحو تأكيد هذه الخصوصية أو عبادتها. وهم يستندون في ذلك إلى التأكيد المستمر في خطاب بعض الحركات السلفية على قيم التسمك بالخصوصية الثقافية أو الدينية كوسيلة لمحاربة الثقافة الأجنبية الغازية أو على وضعها الخصوصية كحجة في مواجهة القبول بالنزعة الكونية والقيم الانسانوية المرتبطة بها. فالخصوصية في نظرهم ذات قيمة محدودة بالمقارنة مع الخصائص المشتركة العامة التي تجمع بين جميع المجتمعات المعاصرة في إطار الحضارة التقنية.
ولا شك أن تحول الهوية إلى مسألة ذات أولوية في العقود الثلاثة الماضية قد واكب نمو الحركات الاسلاموية في العالم العربي، كما واكب تدهور موقف التيارات والنظم التحديثية القومية والماركسية. وهكذا ظهرت الاشكالية وكأنها النقيض لإشكالية التحديث التي سبقتها، كما ظهرت وكأنها انعكاس للرغبة في التقوقع حول الذات بعد مرحلة الانفتاح على الثقافة الغربية وقيمها العصرية. لكن هذا لا يعني أن الهوية إشكالية مصطنعة.
ففي النظر إلى الهوية ينبغي التمييز بين مستويات ثلاث. المستوى الأول هو مستوى الوعي بالذات، أو الوعي الذاتي، وهو أساس الشعور بالانتماء أو عدم الانتماء إلى مجموعة معينة، وبالتالي فهو التعبير المباشر عن نوع الاندماج الاجتماعي: القومي أو الاقوامي أو الجهوي أو العشيري القائم. والمستوى الثاني هو واقع الخصوصية الثقافية أو الثقافة الخاصة بكل جماعة أو مجتمع، والتي تميز الكائن الاجتماعي ولا يمكن أن يتحقق وجوده المستقل من دونها. والخصوصية الثقافية أو الثقافة الخاصة ليست متعلقة بنوعية وعينا لها، ولكنها قائمة بذاتها كواقع موضوعي يفرض نفسه بصرف النظر عن وعينا به وأسلوب رؤيتنا له. والمستوى الثالث هو مستوى العقيدة او الايديولوجية التي تعكس الواقع الاجتماعي المتعين. وقد تكون هذه العناصر متسقة ومتوافقة، لكنها قد تكون متنافرة تماما. وهذا ما يشكل أساس مفهوم الشخصية التي تضم هذه المستويات جميعا وأسلوب ترابطها.
فالوعي الذاتي ليس ثمرة انعكاس موضوعي مباشر للثقافة المحلية وللخصوصية الثقافية، ولكنه تأويل لها يتضمن بما هو كذلك عملية انتقاء لبعض العناصر على حساب الأخرى. وهذه أول معالم الاختلاف الجوهري بين الهوية والثقافة. فالهوية ليست مساوية للثقافة ولا تستمد مباشرة منها، ولكنها بناءا رمزيا جديدا نابعا من التأويل الخاص للثقافة المحلية يخضع هو ذاته للشروط التاريخية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجيوسياسية. ففي إطار سيطرة العقيدة القومية مثلا نما في البلاد النامية جميعا بعد الأوربية وعي جمعي قومي جعل من القومية المرجعية الرئيسية في تحديد الهوية الجمعية. وبالعكس أخذت الهوية تعاني من أزمة عميقة عندما انهارت المشاريع القومية، وأخذت تتبلور شيئا فشيئا أنماط من الوعي الذاتي تعتمد على انتقاءات مختلفة داخل الثقافة المحلية ذاتها، إسلاموية أو علمانوية.
وبالمثل ليست الثقافة مساوية للعقيدة المكونة لأسس السلوك الفردي والجمعي. إن العقيدة أو مجموعة القيم الكبرى والقضايا الأساسية المعطاة مركز الأولوية التي تؤثر على سلوك الجماعات لا تنبع من ثقافاتها مباشرة ولكن من التاريخ أي من الحضارة التي تمثل ملتقى الثقافات أو الإطار الذي تتفاعل فيه وتتصادم الثقافات الخاصة والخصوصيات. والحضارة بعكس الثقافة تتضمن العمومية والمشاركة أو الاشتراك الانساني في جذع واحد من الأفكار والقيم والرموز. وهي تتجلى من خلال بلورة العقائد، أو نظم القيم الخاصة بكل حقبة. فالعقائد التي تسود المجتمعات هي حاصل تفاعل ثقافاتها مع الحضارة الراهنة وسعيها إلى التوفيق بين خصوصياتها وبين عموميات المعطيات الحضارية. وهذا التوفيق هو أساس بناء التاريخية الخاصة بكل مجتمع، ومن دونه لا يمكن لمجتمع أن يضبط اندراجه في الحركة التاريخية الفعلية وأن يبقى على مستوى المعايير التاريخية.
ونستطيع أن نقول كما أن الوعي الذاتي لا ينشأ في حضن ثقافة ما إلا انطلاقا من عيش الفرد لثقافته الجمعية، لكن ضمن شروط تجربته الخاصة الفردية، وبالتالي خبرته الذاتية، ولا يتعمم إلا بقدر ما تتماثل الخبرة الفردية عند نخبة أو طبقة من السكان، فإن العقيدة التي تقوم على إعادة تأويل الثقافة في إطار الواقع الاجتماعي التاريخي لا تتبلور أيضا في المجتمعات إلا في إطار اندراج هذه المجتمعات في التيار الحضاري العالمي وتمثلها للقيم الكونية التي تشكل وسيلة التلاقي بينها خارج إطار الخصوصيات الثقافية. وبشكل عام يتحدد الوعي الذاتي بنمط الآمال التي تتبلور عند الفرد والجماعة، بينما تتحدد الايديولوجية الاجتماعية بنمط المصالح التي تبدو متحكمة بالحاضر، أما الثقافة فهي مفتوحة على الحاضر والماضي والمستقبل معا. إنها أرض الانتقاء والاختيار والتعددية والتنافر والانسجام في الوقت نفسه.
ولذلك لا يمكن تصور الهوية كتعبير عن خصائص ثابتة جوهرية تتحكم بالوعي الذاتي أو بالسلوك الجمعي. إنها بالعكس مقولة احتمالية ومتحولة في الوقت نفسه. وقد يكون هناك عند جماعة ما أو في وقت ما شعور قوي بالهوية أو بوجود هوية قوية ومتماسكة نتيجة انسجام هذه العنصار الثلاث فيما بينها، كما يمكن أن يسود داخل الجماعات شعور بتخلخل الهوية أو حتى ضياعها متى ما دخل التنافر والتناقض إلى داخل هذه العناصر المكونة لها. وفي هذه الحالة يتحدث الانتروبولوجيون عن أزمة الهوية. وبين الحالتين هناك الحالة الأكثر شيوعا وهي الهوية المتحولة أو تحولات الهوية، أعني إعادة بناء الجماعات مشاعر انتمائها أو بالأحرى تضامنها الجمعي، وهذا هو المضمون الأعمق للهوية، على ضوء التبدلات الحاصلة في مستوى آمالها وأحلامها من جهة ومستوى الواقع الاجتماعي العملي أو شروط حياتها الحضارية من جهة ثانية.
وقد يكون انتماء الفرد مخالفا لنوعية عقيدته الاجتماعية وبعيدا جدا عما تتضمنه قيم ثقافته الأصلية. وبالعكس، قد تدفع العقيدة الأفراد إلى الشعور بالانتماء لهذه الجماعة أو تلك، انسجاما مع القيم التي تحملها. فالعقيدة القومية المسيطرة تبرز إلى السطح مشاعر الانتماء للجماعة-الأمة، بينما العقيدة الدينية تدفع باتجاه تنمية مشاعر الانتماء للجماعة-الملة. وهذا يعني أن العقيدة ومما تخفيه من مصلحة تاريخية تحدد نوع انتقاء الفرد للعناصر التي يريد وضعها موضع العناصر الأساسية في تحديد انتمائه من ضمن العناصر التي تحدد خصوصيته أو من بين خصائص وجوده. وهكذا يستطيع العربي حسب الظروف والقيم السائدة أو المصالح المنتظرة أن ينظر إلى نفسه على أنه قبل أي شيء آخر عربي ينتمي لجماعة عربية كبرى، أو وطني، ينتمي إلى جنسية القطر الذي نشأ فيه أو طائفي يرتبط بالطائفة التي تحدد أفق انتمائه الذاتي. لكن يمكن للعقيدة أيضا أن تدفع الفرد إلى الانتماء إلى جماعة أخرى غير جماعته إذا كانت مجموعة القيم التي تحملها مختلفة جدا عن قيم الجماعة الأصلية. وهكذا يشعر بعض الأفراد أو حتى بعض المجموعات السكانية المندمجة بعمق بالثقافة الغربية في العديد من مجتمعات العالم الثالث بالانتماء للغرب أكثر من إنتمائهم للجماعة المحيطة بهم. ولا يغير هذا الانتماء من واقع خصوصيتهم الثقافية. إنه يعكس التناقض الذي يمكن أن يدخل بين الخصوصية وبين الوعي الذاتي. فليس من الضروري أن يكون الوعي الذاتي منبثقا عن الخصوصية أو مرتبطا بها، بل ربما كان ثمرة سعي للهرب منها والتخلي عنها. وهو ما يمكن أن يشكل قاعدة الاستلاب الثقافي أو أساس النزوع للتغيير في الوقت نفسه. وبالمثل، قد يكون هناك مبالغة في التماهي بين الوعي الذاتي والخصوصية فتنشأ عندئذ النزعة العنصرية التي تنظر إلى الخصوصية بوصفها أساس التميز والتفوق على الآخرين الذين تعمل على الحط من قيمة خصوصياتهم.
إن الهوية هي الذاتية أو وجود ذاتية جمعية. وكل ذاتية تتضمن الوعي بالخصوصية والإرادة والقدرة على الحفاظ على هذه الخصوصية. لكنها لا تختلط ولا ينبغي أن تختلط لا بالخصوصية ولا بالإرادة ذاتها. فهي ليست الثقافة الخاصة في حالتها الطبيعية أو وجودها العفوي التلقائي، وهي ليست الايديولوجية الباحثة عن تحقيق أهداف تاريخية واضحة ومحددة. إنها ليست مقولة وضعية ولا وسيلة تعبئة سياسية. إن الهوية ليست وعيا بالخصوصية ولا عقيدة وطنية. إنها حقيقة موضوعية تقع خارج ذلك، وتتجلى فحسب في مستوى الشخصية الجماعية، أي في بالقدرة على بناء مثل هذه الشخصية. إن الذاتية هي حاصل توازنات وليست جزءا منها.
فالخصوصية الثقافية أو الثقافة المحلية الضرورية لنشوء هوية ظاهرة وصفية، أي واقعا فعليا لا يمكن إنكاره، ولا الوقوف معه ولا ضده. لأنها تعبر عن الصفات الخاصة بكل كائن وكل كينونة اجتماعية. وليس هناك كينونة من دون خصائص ذاتية، أي خصوصية، وإلا اندرجت في غيرها وصارت جزءا منها. ولا تفترض الخصوصية الاستقلالية. فالمستعمرة التي تخضع لسلطة أجنبية لاتفقد خصوصيتها، بل إن حالتها الاستعمارية تضيف بعدا جديدا لهذه الخصوصية. والخصوصية لا توجد إلا بالمقارنة والإضافة، أي ضمن علاقة محددة. فالانسان والحيوان والطير والسمك جميعها أحياء أو كائنات حية. لكن لكل منها خصوصيته العضوية والبيولوجية والشعورية إذا قارناها ببعضها البعض فقط. والانسان كائن واحد، وهذا عمومية، لكن لا يوجد إلا ضمن مجتمعات وجماعات ذات خصائص ذاتية. بل إن كل إنسان فرد ذو خصوصية طالما أنه ذو فردية، أي أنه فريد من نوعه ولا يمكن أن يكون نسخة تامة عن غيره، بما في ذلك والديه الذين أنجباه. وقد أخطيء في تبين موطن الخصوصية عند هذا الكائن أو ذاك، ولكن هذا لايلغي أن الخصوصية ظاهرة موضوعية ومادية لأنها تتعلق بالفعل بصفات فردية. إن اشتراك الانسان والحيوان والحشرات والنباتات بصفة عامة هي الحياة مهم لمعرفة أصل الحياة، لكنه لا قيمة له عندما يكون هدفنا فهم الانسان من حيث هو إنسان. إن المهم في دراسة الكائن هو خصوصيته، أي ما يميزه عن غيره، وهو الذي ينبغي التركيز عليه عندما يتعلق الأمر بدراسة مصيره وإرادته وتصرفه. ولا يعني ذلك تخفيض أهمية العمومية والعناصر المشتركة. إنه لا تناقض بين الخصوصية والعمومية إلا في فكر مجرد يريد التخفيض من الخصوصية. فالعمومية لا توجد أيضا إلا نسبية، أي بالنسبة لمجموعات محددة، وضمن علاقة محددة أو هدف معين. إن المشترك أو العام بين الانسان والحيوان كبير إذا كان هدفنا البحث في العضوية الحية من حيث هي عضوية حية. لكنه قليل جدا إذا كان هدفنا دراسة أشكال الوعي وسيكولوجيا الجماعات وسوسيولوجيا الابداعات العلمية والفنية والأدبية.
فلا يبنغي التوحيد بين الوعي الذاتي أو بالخصوصية والخصوصية ذاتها. فالوعي ينظر إلى الخصوصية الواقعية من منظار الحاجات الراهنة والقيم والتوقعات والآمال، ويغيرها في المخيلة إذا لم تكن متناسبة معها، و هو مقدمة لتغييرها في الواقع أيضا. وبالمثل لا ينبغي التوحيد بين الوعي الذاتي وبين تأكيد الخصوصية أو التمحور حولها وتقديسها. فالوعي الذاتي لا يختلط بالنزعة الايديولوجية الخصوصوية التي غالبا ما تكون متجاوزة كثيرا للخصوصية كواقع موضوعي. إن هذه النزعة هي ثمرة الاستغلال السياسي أو العقائدي لهذه الخصوصية. فالايديولوجية الخصوصوية لا تبحث في الخصائص الطبيعية أو الفعلية، ولكنها تؤكد التمسك بهذه الخصائص، أو بخصائص تعتقد أنها هي الأصلية. فهي تجعل من الخصائص الموضوعية، بعد تأويلها على هواها وحسب حاجاتها، ذريعة لتبني سياسات محددة في الميادين الثقافية أو السياسية أو الاقتصادية. فمن الممكن أن يكون لدى العربي وعي بانتمائه لمجموعة واسعة ذات لغة وتاريخ وخصائص تميزها عن غيرها من الناس وتربط بها حضارة معينة وأسلوبا في الحياة، من دون أن يرتبط بهذا الوعي بالضرورة شعور بتفوق الثقافة العربية أو الخصائص العربية وحقها في السيطرة على الثقافات الأخرى. .
بالتأكيد، يلعب تأويل الخصوصية دورا كبيرا في تشكيل الايديولوجية، بل هو جزء لا يتجزأ من عملية بناء أي ايديولوجية سياسية. لكن هذا التأويل ليس انعكاسا مباشرا للخصائص الموضوعية. إن كوننا مسلمين مثلا عنصر خصوصية بالمقارنة مع البوذيين. لكن اعتقادنا بأن المسلمين لا يمكنهم احتمال قيام ديمقراطية عندهم لأن ايمانهم يمنعهم من ذلك أو لأنهم غير مستعدين لترك معتقداتهم في الشورى لصالح نظم غربية أجنبية، وهو تأويل الجماعات الاسلامية، تأويل خاص لعنصر خصوصيتنا، وهو غيرها تماما.
إن من المشروع نقد التأويل الخصوصوي للثقافة، لصالح تأويل آخر لا محالة. لكن ينبغي أن يكون واضحا أن النقد يتعلق بتأويل الخصوصية، لا بالخصوصية ذاتها. فرفض الخصوصية الثقافية أو التقليل من قيمتها يلتقي مع إنكار وجود هوية. فلا جماعة مستقلة من دون ثقافة مستقلة أو موارد ثقافية خاصة بها وبالتالي خصوصية. لكن إدراك ذلك، يشترط تمييز الثقافة عن الايديولوجية.
من المهم التأكيد على هذه الفكرة لأن هناك نزعة متزايدة لدى المثقفين الحداثويين إلى الهجوم على مفهوم الخصوصية والاستهتار به بل وازدرائه. فهو في نظرهم مساو لمفهوم السلفية والانطواء على الذات والهرب من العالمية. وربما كانوا يعتقدون بأن محاربة السلفية تمر بالقضاء على مفهوم الخصوصية. ولا أعتقد أن من الممكن علميا التخلي عن هذا المفهوم ولا أن من المنطق الاعتقاد بأن الوسيلة الوحيدة لمنع التأويل السلبي أو الفاسد للخصوصية يكون بإلغائها. كما لا أعتقد أن هناك تناقضا بين أن نكون عالميين أو أن نكون خصوصيين ولا أن نجاح عقيدة تحديثية كونوية أو عالمية يستدعي التخلي عن >وهم< الخصوصية ولا أن الخصوصية كما يقول سمير أمين هي بضاعة الشعوب الهامشية. فلا يفتقر أحد من الشعوب الصناعية الكبرى، لا في أمريكا ولا في أوربا ولا في آسيا، وهم أبعد ما يكون عن موقع الهامشية التاريخية، للشعور بالخصوصية، بل ربما كان العكس هو الصحيح. إن عند كل شعب ناجح في المضمار الحضاري شعور قوي بخصوصيته وذاتيته وفرادته. وثقافات الشعوب تعمل باستمرار على إبراز هذه الفرادة وبنائها وشحذ الشعور بها. إن العمومية تتعلق بالمفهوم، لكن كل مشخص هو بالضرورة خصوصي، ذو ملامح فردية. والعمومية تبقى تجريدا محضا إذا لم تتخصص بحقبة تاريخية. فالتخصص هو الذي يجعلها تاريخية، وبالتالي حية. إن نفي الخصوصية راجع لوضعها في موقع التناقض مع العالمية، بدل النظر إليها وللعالمية أيضا كعلاقة نسبية لا كماهية ثابتة لا تاريخية ولا مادية.
وضع النقاط على الحروف في هذه المسألة مهم بشكل خاص اليوم في مواجهة العولمة. فإذا سرنا وراء نظرية الحداثويين لوجب علينا أن لانرى في الثقافات القومية القائمة اليوم سوى أصداء ثقافة واحدة هي ثقافة العولمة أو كما يسمونها عولمة الثقافة. وفي هذه الحالة سوف نعدم أي نابض نستطيع الاعتماد عليه فعلا في مواجهة تحديات العولمة الثقافية، وبالتالي السياسية والاقتصادية أيضا. وإذا لم يبق من الثقافة العربية أو الصينية أو الغربية شيء سوى ما تفرضه العولمة من أنماط تفكير وحياة وسلوك وممارسة مشتركة بين جميع البشر بالتساوي، فلن تكون هناك إمكانية لإقامة أي دولة وأي سياسة وأي مقاومة فعلية لعملية تجريد الناس وتحويلهم إلى أرقام حقيقية مستعبدة بالتساوي.
ليس صحيح إذن ما تقول به أطروحات الحداثويين من أن الهوية قضية مصطنعة وأن الخصوصية عقيدة ذاتية ذات قيمة سلبية. ومثل هذه الأطروحات تذكر بأطروحات بعض المستشرقين العرب والغربيين، في تفسير أسباب تعثر حركة التحديث في الأقطار العربية، أعني ما تطلق عليه اسم خصوصية الثقافة العربية الاسلامية في الاستمرار كثقافة دينية جامدة ومتحجرة ومقاومتها لحركة التغيير العلمية والعلمانية والتحديثية. وهي لا تختلف كذلك عن أطروحات بعض الماركسيين مثل سمير أمين حول الطابع الميتافيزيقي للثقافة العربية. فهذه الأخيرة تدعي هي أيضا أنه بعكس ما حصل في المراكز الرأسمالية من تطور للثقافة الحديثة، لم تنجح الرأسمالية بسبب الظروف الخاصة التي أحاطت بتوسعها في البلاد العربية من أن تسيطر على الثقافات الميتافيزيقية القرسطية، وبالتالي ظلت هذه الثقافات مؤثرة وفاعلة. وتطور الأصولية الاسلامية هو تعبير عن هذه الاستمرارية التاريخية والفاعلية المستمرة للثقافة الميتافيزيقية. وهذا يعني أن الأصولية تولد من الثقافة القديمة ولا علاقة لها بما يحصل من حولها. إن المجتمعات العربية تبدو هنا، بعكس المجتمعات الأخرى، رهينة لثقافتها التي لم تتحول. وهكذا تصبح >الثقافة الميتافيزيقية<، وهي راهنا خصوصية عربية اسلامية، مفتاحا لتفسير ظواهر اجتماعية وسياسية وايديولوجية معقدة وجديدة، إن لم نقل مجموع الحركة التاريخية. وجميع هذه الأطروحات تنتهي في الواقع في معالجة موضوع الثقافة والعولمة إلى موقف تبدو فيه العولمة هي المهددة من قبل ثقافة القرون الوسطى العربية الاسلامية السائدة، ويصبح هم الباحثين هو دفع المجتمعات العربية إلى الحرب ضد الثقافات المحلية المنظور إليها كثقافات تقليدية، ومن أجل حداثة شكلة ومجردة هي عين ما تهدد به العولمة، أعني حداثة منزوعة الروح والوعي والشخصية، أو ثقافة استهلاكية.
تناقض هذه الأطروحات حقيقتان. الأولى أن الأصولية الاسلامية تيار خاص، ظهر في مرحلة تاريخية محددة، ولم يكن في أي زمن ماض تيار أغلبية. والثاني أن المجتمعات نفسها التي أنتجت هذا التيار في الثمانينات كانت تسير وراء عقائديات قومية معادية له خلال عقود طويلة ماضية. فلم تبق هناك أي ثقافة ميتافيزيقية قرسطوية لم تتبدل، لا في العالم العربي ولا في غيره. هناك من دون شك بعض المخانق التي تسد الباب على التفكير الحر أو التطور النظري في هذا الميدان أو ذاك، ولكن الثقافات كثقافات أي ككل، أصبحت ثقافات حديثة، ومخترقة بالحداثة من حيث المباديء والأفكار والقيم والوسائل معا. ينبغي البحث عن سبب عودة المجتمعات إلى التراث الماضي لايجاد عناصر إضفاء مشروعية على الاجتماع السياسي الراهن الحديث، في الظروف المادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمع المعاصر نفسه، أعني بالضبط في طبيعة ونوعية الحداثة التي انتجت هذا المجتمع. وهو ما أطلقت عليه في كتابات سابقة اسم الحداثة الرثة التي تنمو في مواجهة الانسان وعلى حساب حريته وكرامته وقدرته على صنع تاريخه، لا كشرط لتنامي قدرات وحريات هذا الانسان.
وبالعكس، بالرغم مما تتمتع به أطروحات الخصوصويين بشأن تهديد العولمة للثقافات الوطنية أو التاريخية من عناصر موضوعية إلا أنها تعاني من نقاط ضعف كثيرة، أهمها أنها تنظر إلى العلاقة بين العولمة والثقافة نظرة جامدة. فهي ترى الدينامية المطلقة في العولمة، ولا تتعامل مع الثقافة إلا بوصفها الضحية السلبية المحتمة لمدحلة العولمة. وسلبية تماما.
تشكل العولمة بالتأكيد إطارا جديدا يتحدى الهويات الجماعية التي تكونت في القرن الماضي، ومعظمه تبلور أساسا حول معطيات قومية، ويهدد استقرارها وأحيانا وجودها. بيد أن تهديد الهوية هذا لا يعني أن الثقافات كتل صخرية جامدة تتعرض للضرب والتهديم من دون أن يكون في مقدورها الرد أو الفعل، ولا بد لها من الانمحاء أمام الضبع الكاسر. إن الثقافات ترد على التهديد ولديها الوسائل التي تمكنها من الاستجابة للتحديات الجديدة. وهي تستطيع بشكل أكبر أن تواجه هذه التحديات وإعادة بناء الهوية على أسس جديدة ومن أفق العالمية إذا نجحت المجتمعات التي تحتضنها في صوغ استراتيجية فعالة وايجابية للتعامل مع الظروف الجديدة وخلق الشروط المادية والسياسية التي تسمح بتفتح هذه الثقافات وانعتاقها وازدهارها. وبالعكس، يمكن أن تتحول هذه الثقافات إذا تركت من غير رعاية إلى عثرة أمام اندراج المجتمعات في المجتمع العالمي الجديد، وترى نفسها بعد فترة وقد هجرت تماما من قبل الجماعات التي كانت تحتضنها.
فليست الثقافة مجموعة من الملامح أو القيم الجامدة والثابتة ولكنها آليات إبداعية قادرة على التعامل مع العناصر الجديدة الوافدة ودمجها والتفاعل معها والتطور بمواكبتها وموازاتها. والوسيلة الرئيسية لهذا الابداع هي بالضبط قدرة الثقافات على الدمج والاستعارة والصهر والأقلمة والتوفيق بين العناصر المختلفة القديمة والجديدة والداخلية والخارجية، والتاريخية وغير التاريخية والذاتية والموضوعية. إن الثقافة قوة تركيب فذة وهذه القوة هي مضمونها الحقيقي والرئيسي، وما عدا ذلك لا يشكل إلا مظاهر وعناصر فيها.
الهوية متعلقة بالثقافة لكن الثقافة ليست متعلقة بنموذج واحد للهوية ثابت وأبدي. ومشكلة المفهوم الخصوصوي للهوية أنه يوحد بين الهوية والثقافة والعقيدة المعبرة عن الواقع الاجتماعي الحاضر، ويجعل منها جميعا انعكاسا لملامح وقيم وخصائص ثابتة لا تتغير تعبر عن ماهية الأمة وجوهرها الثابت. ويصبح همه الرئيسي هو الدفاع عن هذه الخصائص التي تتضمن استقرار واستقلال الجماعة وسيادتها. ومن هنا تصبح سياسته الوحيدة الممكنة هي شن الحرب المستمرة على العولمة المهددة للهوية. لكن لأن الثقافة ذات جذور ممتدة بعيدا في التاريخ، ولأن منظوماتها الرمزية والفكرية والأسطورية والفكرية تختزن قيما وتراثات وتنمي مطامح وآمال خاصة بكل شعب، لأنها ذاكرة حية ومبدعة، وليست مجرد مرآة ساكنة وعاطلة تعكس اللحظة التاريخية أو الأنماط الانتاجية، فإنها تشكل بؤرة المقاومة والصراع ضد عملية السحل الثقافي التي تمثلها العولمة. وهذا الصراع هو الذي يسمح بإعادة تحديد موقعها فيها وإعادة إنتاج العالمية، أي المكتسبات الحضارية الكونية التي يمكن وينبغي تعميمها، في حضن الثقافات القومية.
وإذا كان خطر المواقف الانكارية للهوية هو نفي الخصوصية وبالتالي حرمان النفس من رؤية موضوعية لطبيعية العلاقات الدولية في مستوى الثقافة ومن بلورة استراتيجية واقعية في مواجهة مخاطر الهيمنة الثقافية، بسبب التماهي مع العالم وعدم التمييز بين الذات والآخر، فإن خطر المواقف الخصوصوية السائدة حول موضوع الهوية هو أنها تجمد الخصوصية أو تجعل منها أمرا ثابتا لا يتغير وبالتالي تحرم نفسها من رؤية الديناميات الحية التي تعمل داخل الثقافة وداخل الهوية ذاتها، لتعيد بناء الهوية في كل مرة على أنقاض الوقائع الاجتماعية والجيوسياسية المتغيرة والمتبدلة والمتحولة.
وبالعكس، إن الحفاظ على الهوية، والمقصود بها هنا الحد الأدني من الاتساق في عناصر الشخصية المكونة لذاتية فاعلة وغير سلبية، قد يتطلب إعادة النظر في التأويلات الثقافية، أي في مفهوم الخصوصية وأساس هذه الخصوصية، بل ربما تطلب أيضا تغييرات ثقافية عميقة. وفي اعتقادي أن العولمة لا تهدد مفهوم الهوية بالتساوي على جميع المستويات. بل إنها تعيد بناء هذا المفهوم حسب حاجات الهيمنة العالمية. وفي دائرة الثقافة العربية ليس من المؤكد أن العولمة سوف تهدد الهوية القطرية التي تنسجم بصورة أكبر مع نموذج علاقات التبعية التي تعد لها الأقطاب الدولية المسيطرة. وبالمثل، ليس من المؤكد أن مفهوم الهوية الطائفية أو الأقوامية سوف يتعرض للتهديد. إن الحركة المنظورة في هذا الميدان في المستقبل القريب هي حركة تغييب الهوية العربية سواء أحصل ذلك تحت غطاء إشهار الهوية المتوسطية التي تتماشى بشكل أكبر مع مصالح القطب الأوربي المهيمن وتجعل من العرب موزعين عناصر في منظومة متوسطية تسيطر عليها سيطرة كلية وعلي جميع المستويات المجموعة الأوربية، أو بناء الهوية الشرق أوسطية التي تتفق أكثر مع مصالح القطب الأمريكي أو اقتسام الدائرة العربية بين منطقتين: مغرب عربي متوسطي ومشرق عربي وغير عربي أوسطي. وفي جميع هذه الحالات تعتبر الهوية العربية لاغية بالرغم من بقاء الثقافة العربية في كل قطر بل ربما ترسخها بشكل أكبر وتوسيع دائرة نفوذها.
لكن حتى في هذا الميدان ليس القضاء على الهوية العربية، أي على الشعور العميق بالانتماء إلي جماعة واحدة كان ولا يزال في المنطقة العربية النسغ الذي يغذي كل محاولات التضامن والتعاون والعمل المشترك، ليس أمرا حتميا. إن العولمة لا تحتم ذلك وإنما استراتيجيات الهيمنة الدولية في عصر العولمة وبالاستفادة من الفرص التي تقدمها. إنما تستطيع المجتمعات أو بالأحرى النخب العربية إذا نجحت في تجاوز نقائصها السياسية والفكرية أن تستفيد هي أيضا من الفرص ذاتها من أجل إعادة بناء العروبة على أسس جديدة وتمهيد التربة لإشادة واقع عربي مشترك حي. ومن هنا نستطيع أن نقول إن العولمة توجه تحديات صعبة لكن ليست مستحيلة الحل على الثقافات الضعيفة، بما في ذلك إجبار الدول الأقطاب فيها على مراجعة استراتيجيات الهيمنة تبعها. ومن أكبر هذه التحديات التي تواجهها وسوف تظل تواجهها الثقافة العربية في المدى المنظور إعادة تحديد مفهوم العروبة نفسه وتعيين مضمونه من حيث هو تجسيد لهوية جمعية. فلن يكون هناك في المستقبل ما يبرر استخدام مفهوم العروبة والاحتفاظ به إذا لم يكن هناك لا تعاون عربي سياسي ولا تعاون اقتصادي ولا تضامن جماعي ولا أي شكل من العلاقات المميزة بين المجتمعات العربية؟

5- العولمة البديلة أو استراتيجية التعامل الناجع مع العولمة


هناك خلاف كبير بين المحللين العالميين في النظر إلى الطريقة التي ينبغي اتباعها للتعامل مع العولمة أو لدرء خطر الهيمنة العالمية التي تنشأ في سياقها. فمنهم من يرفضها باسم عولمة بديلة لم يتوضح بعد تماما ماهو مضمونها ولا كيف يمكن الوصول إليها. ومنهم من ينادي بالعكس بالانخراط السريع والكامل فيها لما تتضمنه من فرص وإمكانيات للتقدم والنمو لجميع الشعوب· وموقف الرفض يتسق تماما مع تحليل العولمة بأنها تمثل موجة استعمارية جديدة، وبالتالي ليس من الممكن أن يتوقع المرء منها أي أثر ايجابي على الشعوب التي ستخضع لهيمنة الدول المستفيدة منها. بينما يتسق موقف الدعوة إلى الاندراج السريع فيها مع الاعتقاد بأن العولمة إطار جديد للعلاقات الدولية يتيح، من خلال تكثيف التبادل التجاري ووضع مبدأ الأفضليات المقارنة موضع التطبيق، فرص أكبر للتنمية العالمية الشاملة·
أما في بلدان العالم الثالث عموما ومنها البلاد العربية فمن الواضح أن الموقف من العولمة ينحو نحو المقاومة والمواجهة، وأن هذه المواجهة تتخذ شكلين رئيسيين. الأول هو المقاومة عن طريق تجاهل ما يجري واعتباره حركة خارجية لا تعنينا وغير ذات أهمية مع السعي إلى الحفاظ على البنيات والهياكل التقليدية المعروفة· أما الثاني فهو مواجهتها باسم عولمة بديلة تحل محلها.
ومن المؤكد أن تجنب طرح مسألة العولمة لا يجنب المجتمعات الخضوع لها والدخول في دوامتها، لكن مع فارق أن ذلك سيحصل بالرغم من هذه المجتمعات، ويؤدي إلى نمط من التكيف الأدنى القائم على درجة كبيرة من الجهل بالعملية التاريخية وانعدام القدرة على التحكم بآلياتها. أما العداء للعولمة فمن الممكن أن يقود إلى نمط النقاش والعمل الثوري ذاته الذي طبع نشاط الحركات والأحزاب الماركسية والشيوعية والشعبوية ضد الرأسمالية في الحقبة الماضية. فهو يدفع إلى بناء قوى معادية وبلورة استراتيجيات تخريبية بمعنى مانعة لاستقرار النظام العولمي القائم واستتباب أمنه وقراره، والاعداد للحظة الانقلاب التاريخي الذي يجعل العالم ينتقل من نمط هيمنة دولية استعمارية إلى نمط هيمنة إجماعية متعددة القطبية قائمة على التفاهم الانساني والتعاون الدولي. ويستند هذا الموقف على ايمان عميق بالطابع السلبي المطلق للعولمة، ولعدم مشروعيتها سواء لما تمثله من خصوصية غربية أو لما تجسده من حركة استعمارية وعدوانية رأسمالية.
بيد أن الواقع يظهر أن العولمة ليست نظاما جاهزا وناجزا، ولا نظاما متسقا متكاملا تتوافق فيه المكاسب التقنية والعلمية مع الإرادات السياسية والتصورات العقلية. إنها ديناميكية تاريخية تختلط فيها المكاسب التقنية والعلمية مع الإرادات المتباينة والمتناقضة للجماعات والدول، وتنطوي إذن على توترات عميقة واحتمالات نمو وتطور مختلفة. إنها ليست ثمرة آلية جهنمية متعالية على إرادة البشر وقراراتهم ولكنها بالعكس جزءا من مساعيهم وتصوراتهم للتقدم والهيمنة والسيطرة في الوقت ذاته. وعلى كيفية تحرك المجتمع البشري، أعني المجتمعات والجماعات والقوى المتعددة فيه يتوقف دفع العولمة في المستقل في الاتجاهات المختلفة الممكنة. وكما أن شيئا لا يمنع المجتمع البشري من أن ينجح في التحويل الايجابي للعولمة، كذلك فإن شيئا لا يضمن مسبقا إمكانية هذا التحول الايجابي وعدم الانزلاق في دروب تفاقم من التوترات والتناقضات والنزاعات والأزمات التي يعيشها هذا المجتمع اليوم.
إن العولمة تتضمن استراتيجيات الهيمنة الدولية من دون أدنى شك، ولكنها تشكل أيضا دافعا لتطورات ايجابية تقنية وعلمية بمثل ما هي ثمرة لها· فهي بقدر ما تخلق تحديات ومخاطر تهدد بتفكيك المجتمعات التي تخفق في السيطرة على آلياتها أو التحكم الجزئي فيها، تفتح أيضا آفاقا جديدة للانسانية عامة وللمجتمعات الفقيرة إذا عرفت كيف تستخدمها وتفيد منها· والمشكلة لا تنبع من أن العولمة لا تحمل في طياتها أي مكاسب جديدة وإمكانيات مجزية ولكن من أن المكاسب الاقتصادية والسياسية والثقافية التي تنطوي عليها تنزع إلى أن تكون جميعا من نصيب أولئك الذين يسيطرون على آلياتها ومحركاتها ومصادر تقدمها الرئيسية. وهذا يعني أنها تهدد بأن تعزز موقع القوي وتضعف أكثر مما هو قائم موقع الضعيف من بين المجتمعات والدول. والمطلوب تجاه العولمة النوع ذاته من التصحيح المطلوب إزاء أي ثورة تقنية أو إدراية أو علمية، أعني إعادة توجيه العوائد والفوائد والامكانيات الجديدة المنتجة، على مستوى المشاركين العالميين، وذلك بالرغم من أن النزوع إلى تركز منافع أي ثورة في بلد المنشأ نتيجة طبيعية لسيطرته على مواردها الأساسية. لكن إعادة توزيع المنافع أو الامكانات مثل معدلات النمو وخلق فرص العمل والموارد الثقافية، بما في ذلك المشاركة وعدم الشعور بالهامشية واللاجدوى، هي شرط منع الثورة أو التقدم الحاصل في ميدان ما ومجتمع ما من أن يقود إلى توترات تهدد بزعزعة الاستقرار العالمي إذا لم تقد نحو إفقار وبربرة لقسم أساسي من البشرية. إن صدور بعض الطفرات التقنية التي تغير في المصائر العالمية عن مجتمعات قليلة معينة لا ينجم عنه بالضرورة أن من الطبيعي سياسيا أن يحتكر فوائدها أو يمنع الآخرين من الاستفادة منها. إن اكتشاف بعض الدول الكبرى للتقنية الذرية لا يبيح لها استخدامها العسكري لتأكيد تفوقها أو ضمان هيمنتها. والقاعدة أنه إذا كان في احتكار استخدام التقنية ضررا للآخرين، فإن من غير المقبول الاعتراف بحق احتكار مثل هذه التقنية من قبل فئة المجتمعات التي اكتشفتها. ونستطيع أن نقدم مثالا أكثر وضوحا على هذه القاعدة من ميدان الطب. فلو قررت بعض البلدان التي اكتشف فيها دواء للأوبئة أو تقنيات جديدة لمعالجة بعض الامراض الصعبة، وقررت الدولة الاحتفاظ بها حكرا لها ومنع الشركات التي تنتجها من تصديرها للخارج فإن ذلك سوف يؤثر على موقعها السياسي ويجعل منها في نظر الرأي العام الدولي دولة ضالعة في جريمة قتل البشر أو عدم إسعاف مهددين بالموت. لكن للأسف ما أصبح يعتبر أمرا طبيعيا وبدهيا في ميدان الطب لم يصبح كذلك في ميادين التقدم التقني الأخرى. ذلك أن ما يتعلق بالطب يسري على أفراد، وفكرة انقاذ أرواح البشر فردا فردا أصبحت جزءا من الأخلاقية العالمية، بينما يتعلق الأمر في ميدان التقنيات ذات التطبيقات الاقتصادية أو الإدارية أو العسكرية بإنقاذ أرواح الكتل البشرية وتحسين مستويات حياة الملايين من الناس. وهو ما لا يزال من الصعب قبوله من قبل جميع المجتمعات مادام التنافس والصراع على الموارد لا يزال هو القاعدة التي تحكم العلاقات بين الدول والبلدان.
بيد أن هذا لا ينبغي أن يمنع من العمل لتغيير هذه القاعدة بالضبط. بيد أن هذا يتطلب الايمان أولا بأن من الممكن تغيير القاعدة التي تقوم عليها العلاقات الدولية الموروثة عن الحقبة القومية الشوفينية أو في مرحيتها الشوفينية، كما يتطلب ثانيا القبول بمبدأ أن من الممكن تغيير نظام العولمة من الداخل وليست هناك حاجة من أجل ذلك إلى اقتلاعه من الجذور أو انتظار انهياره الشامل لإقامة نظام جديد مختلف عنه ونقيض له في مكانه. وينتج عن ذلك أيضا أن المقاومة الجدية والفعالة للعولمة، كما هي قائمة اليوم، لا ينبغي أن تكتفي بالاشارة إلى السلبيات المرتبطة بها وإنما لا بد لها كي تكون ناجعة من أن تبين أيضا الامكانات الايجابية التي تتيحها· وهذا يعني أن المطلوب هو إدراك التناقضات والتوترات العميقة التي تثيرها العولمة، والسعي، في إطار عمل ديمقراطي يستوعب نشاطات فكرية وسياسية واجتماعية مختلفة ومتعددة ويتطلع إلى بناء أسس مؤسسات دولية جماعية، إلى تغيير شروطها وآليات عملها بما يضمن انقاذ الإرث الأخلاقي الانساني المشترك، والاستفادة من هذه الامكانيات ذاتها من أجل تطويره وتعميق أسس التعاون والتضامن الانساني بما يتفق واحترام القيم الانسانية الأساسية من تفاهم وعدالة ومساواة وكرامة وحرية· .
فلا يعني كون العولمة جزءا من استراتيجية الدول الرأسمالية الكبرى لتجديد الهيمنة العالمية وما تتضمنه من عنصر ذاتي أنني أستطيع أن أرفضها وأبقى بمعزل عن تأثيراتها المادية. كما لا يعني الاعتراف بما يقف وراءها من ثورة تقنية علمية، أي من مكتسبات موضوعية ايجابية، أن علي أن أقبل بها كحقيقة نهائية. فالعاصفة أيضا أمر موضوعي لا دخل لي بايجادها، ولكني أستطيع أن أواجهها وأنجح في تعديل مجراها ونتائجها على الأقل، أي السيطرة عليها. بل وأن أسخرها إذا كانت لدي القدرة العلمية لتوليد طاقة بديلة رخيصة وغير ملوثة·
إن العولمة، هي الاستثمار الطبيعي الأول، أعني بالنسبة للقوى المسيطرة، في التجديدات التي أنتجتها الثورة التقنية العلمية· لكن هذه التجديدات ليست مستقلة عن الاستراتيجيات الدولية من جهة، ولا تعمل من دون الأهداف التي تحددها لها من جهة أخرى· فالتجديدات التقنية والعلمية مهما كانت لا يمكن أن توجد في حجر أي مجتمع من دون صيغ الاستغلال الاستراتيجي أو العملي لها. وهذه الاستراتيجيات ليست واحدة ولكنها تختلف باختلاف مواقع الجماعات ومواردهم ونظمهم الاجتماعية السياسية وثقافتهم وأخلاقياتهم. وإذا أردنا الخروج من هذه المعادلة السطحية التي أنشأتها أدبيات العالم ثالثية، والتي تنظر للعالم على أساس أن هناك قوى كبرى فاعلة، هي المسؤولة عن كل شيء، وقوى منفعله، لا يمكن لها أن تفعل شيئا سوى رد الفعل على الأولى، ولا يمكن أن نأمل منها شيئا، فإن القضية ينبغي أن تطرح في هذه الحالة على أرضية فهم التنافس بين استراتيجيات متعددة ومتباينة. فكما أن من الطبيعي أن تكون استراتيجية الدول الصناعية الأمبريالية الكبرى هي استخدام التجديدات التقنية لدفع أفضلياتها المقارنة وتوسيع هامش مناورتها الدولية الاقتصادية والاستراتيجية، فمن الطبيعي أن تكون استراتيجية البلدان الفقيرة والنامية مختلفة تماما عنها، ويكون محور رهانها هو ليس الحد من المنافع التي تسعى إليها الدول الكبرى لنفسها، ولكن استخدام التجديدات التقنية ذاتها لزيادة قدراتها الاستراتيجية وفرص نموها وتقدمها. والمشكلة التي نواجهها اليوم ليست في تهديد العولمة للعالم النامي ولكن في غياب برنامج عالم ثالثي بل جدول أعمال واضح لهذه العولمة. والقصد أنه بالرغم من الحديث عن العولمة كما لو كانت شيئا واحد محددا واضحا، فإن هناك عولمات مختلفة ممكنة. وأنه، إذا أردنا الاستفادة من العولمة، فلا يمكن أن يكون هناك استراتيجية واحدة موحدة تجاهها ولكن استراتيجيات مختلفة ومتعددة على عدد الجماعات والمجتمعات المنخرطة فيها وربما متناقضة. فالسؤال الذي تطرحه العولمة على كل الشعوب والمجتمعات، هو التالي: ما هي الاستراتيجية المناسبة من وجهة نظر كل منها، كمجتمعات صناعية أو متأخرة أو مهمشة للاستفادة من الثورة التقنية ودرء مخاطر العولمة الهيمنية الناجمة عنها.
وما يحصل مع العولمة، ومن ورائها الثورة التقنية والعلمية شبيه بما حصل مع الرأسمالية الصناعية التي جاءت كحاصل التقاء التجديدات الصناعية التقنية واستراتيجيات الطبقات (الوسطى) البرجوازية في البلاد الرائدة. فقد اضطرت البلاد التي تأخرت في اللحاق بها إلى الخضوع لها من دون أن تكون قد بلورت استراتيجية فعلية للالتحاق المنظم بها. وكانت النتيجة هي دخولها المرحلة الصناعية على يد الاستعمار، أي من خلال موقع التبعية والخضوع والتلقي السلبي الخالص. وهذا يعني أن الاستراتيجية المناسبة للتعامل مع العولمة كظاهرة اجتماعية، أي ذات طابع موضوعي نابع من موضوعية الحياة الاجتماعية، وقوانين المجتمعات التاريخية، لا من موضوعية علوم الطبيعة، لا يمكن أن تكون استراتيجية التجاهل أو الانكار أو التشهير أو حتى الرفض والعداء. ذلك أن مثل هذه الاستراتيجية لن تؤثر على مسار التاريخ ولن تغير في مجرى العولمة ذاتها طالما أن هذا المجرى مرتبط بالقوى التي تسيطر بالفعل على آليات وموارد العولمة الفعلية. إن الاستراتيجية التي تستطيع أن تقي البلاد الضعيفة مخاطر العولمة غير المسيطر عليها هي تلك التي تستطيع أن تحول هذه البلدان إلى عامل فاعل فيها وإلى قوة مؤثرة في ميزان القوى بحيث يحسب حسابها وتقبل كمفاوض إضافي بين القوى الدولية التي تقرر مصير التحولات العالمية. ولا يمكن للبلدان الضعيفة أن تتحول إلى لاعب حقيقي في ساحة السياسات الدولية إذا بقيت متنافرة وبعيدة واحدتها عن الأخرى. إن أملها الوحيد في أن يصبح لها وزن وتؤخذ بالاعتبار ويكون لصوتها صدى في النقاشات والمفاوضات العالمية كامن في قدرتها منفردة ومجموعة على العمل لمشترك والتعان والتضامن والتنسيق في سبيل تكوين تكتلات وتجمعات إقليمية وغير إقليمية تضمن تعديل بنياتها جميعا وجعلها أكثر تلبية لحاجات ومطالب التحولات الاقتصادية والسياسية العالمية. ولا ينبغي من أجل ذلك الانتظار حتى تنضج الرأسمالية المعولمة وتعلن لحظة الخلاص من الهيمنة الدولية الراهنة. إن التحرر من التبعية والهيمنة يتم من خلال العمل على تغيير قواعد العمل داخل نظام الهيمنة القائم لا على التصدي الشامل له وانتظار انهياره القادم. وهذا العمل ينبغي أن يبدأ منذ الان، ويمكن أن يبدأ في أي لحظة، ونتائجه تكون أفضل كلما كانت البداية أسرع وقلت فترة الانتظار والجمود والتردد في تطبيق سياسات الاصلاح الضرورية والمطلوبة.
إن معارضة العولمة الحقيقية لا تتم بمواجهتها ولكن بتحويل برنامجها أو تعديله. بل إن من غير الممكن درء مخاطر العولمة وهي كبيرة، من دون الاندراج فيها، تماما كما هو الحال مع الانحناء للعاصفة. لكن ليس من الممكن الاندراج فيها، أي احتلال موقع يمكن من الاستفادة من الامكانيات التي تتيحها، إلا بتحقيق حد أدني من الشروط الموضوعية والذاتية التي تحمي من الانجراف معها. وهذه الشروط هي ما يمكن تسميته التأهيل الجيوسياسي والاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي. وأساسه إعادة النظر في جيوسياسة المنظومة الوطنية التقليدية، بما في ذلك في موضوع السيادة الكلاسيكية، وهو شرط النجاح في تكوين التكتلات الاقليمية، والانتقال من الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد القاري ومن السياسة الوطنية إلى الجيوسياسة ومن الثقافة الماهوية، ثقافة الهوية وتأكيد الذات وتميز الشخصية في وجه الجماعات الأخرى، إلى الثقافة التجديدية والابداعية.
إن العولمة تعرض بالفعل سيادة الدولة في أي مكان للانتقاص وربما للزوال نهائيا، ولكن الرد على هذا الخطر الذي يحمل بذور تفكك العديد من الدول التي لا تنجح في التأقلم مع الواقع الجديد ليس في التمسك بالسيادة الوطنية التقليدية، أي وقف حركة التاريخ ولكن في الذهاب إلى ماورائها وتجديد الأسس التي يقوم عليها الاجتماع السياسي ذاته. وهو ما فعلته الدول الصناعية الكبرى بما في ذلك الدولة الوحيدة التي تتمتع بهامش سيادة عالمية لا تضاهى، أعني الولايات المتحدة الأمريكية. وليست المفاوضات الدائرة في أكثر من إطار من أطر الأمم المتحدة إلا مفاوضات على إعادة تحديد مفهوم السيادة وتوزيع الصلاحيات والسلطات بين الأصعدة الثلاث التي يقوم عليها الاجتماع السياسي الجديد: صعيد الدولة، وصعيد الدوائر الإقليمية، وصعيد المؤسسات العالمية.
وبالمثل، تنزع العولمة إلى سحب البساط من تحت أقدام الاقتصادات الضعيفة ذات التكوين الرأسمالي الهش سواء في مستوى التراكم أو دينامية الأسواق أو التجديد التقني أو التنظيم الإداري. ولا يمكن أن يكون الحل ودرء مخاطر الدمار الاقتصادي بأي شكل من الأشكال في الكفاح للحفاظ على هذه الاقتصادات كما هي. وكل استراتيجية تقوم على الدفاع عن الوضع الاقتصادي القائم لا بد أن تقود إلى الفشل الذريع. إن الحل يكمن في السعي إلى خلق شروط جديدة تساعد على تجاوز هذه الثغرات وتسمح بنشوء اقتصاد أكثر صلابة وتماسكا من ناحية التراكم والأسواق والتقنية والإدارة. وهو ما لا يمكن تصوره مع الاحتفاظ بالأوضاع الجيواقتصادية القائمة، أعني بالتقسيم الراهن للأسواق الذي خضع ولا يزال يخضع إلى حد كبير، وفي جميع مناطق العالم الثالث الذي نشأ في حضن الاستراتيجيات الاستعمارية، للمنطق الاستراتيجي من جهة، وهو ما يضمن السيطرة المستمرة للدول الاستعمارية السابقة، وللمنطق السياسي القائم على إرضاء النخب المحلية أو التعويض لها عن تعاونها مع هذه الاستراتيجية في العديد من البلدان الناشئة. إن أي حل لهذا الضعف البنيوي يتطلب إعادة النظر للأوضاع السياسية من منطلق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعدم السماح لمنطق استمرار سيطرة النخب الحاكمة أن يغلق آفاق التطور والتقدم كما هو الحال حتى الآن.
كما تنزع العولمة إلى تذويب الهويات الثقافية الضعيفة في بحر الثقافة الاستهلاكية التي تنمو وتتوسع بموازاة نمو العولمة وتوسعها أيضا. وليس المقصود بتوسع ثقافة الاستهلاك تغلغل قيم الثقافات الغربية في البلاد الأخرى ومحوها لهويتها. ولن يصبح العرب والأفارقة والآسيويون أمريكيين ولا أوربيين مهما تقدمت العولمة وتعاظمت نشاطات وسائل الإعلام العالمية. إن المقصود بالثقافة الاستهلاكية التي تسيطر أكثر فأكثر في الشمال والجنوب وتحتل تدريجا محل الثقافة الكلاسيكية هو تحول الاستهلاك نفسه إلى قيمة وبالتالى إلى غاية في ذاته، وسيطرة معيار مستوى الاستهلاك كمعيار أساسي في التمييز الاجتماعي والفردي. ولا تنمو ثقافة الاستهلاك بصورة مستقلة عن تطور طبيعة الرأسمالية الاقتصادية ذاتها. إن الاستهلاك يتحول إلى قيمة ومصدر للتمييز الاجتماعي بقدر ما يصبح إنتاج السلع الرمزية أساسيا في الانتاج الرأسمالي، وبقدر ما يصبح البعد الرمزي في السلع المنتجة مساويا على الأقل إن لم يكن متجاوزا للبعد الاستعمالي في تقييم السلعة. ومنذ البداية أشار ماركس إلى أن تقدم الرأسمالية لا يقوم على تلبية الحاجات، أو تلبية حاجات ثابتة وجامدة ضرورية، ولكن على خلق حاجات جديدة. مما يجعل الحاجة مفهوما اجتماعيا تاريخيا وليس مفهوما بيولوجيا. وهكذا فإن التمييز الكلاسيكي بين الحاجيات والكماليات لم يعد ناجعا تماما إذ دخلت الكماليات في الحاجيات ذاتها ولم يعد من الممكن تصور إرضاء الحاجات الأساسية من دون تلبية مطالب رمزية وفنية وجمالية ونفسية.
ومن الواضح هنا أيضا أن الرد على مخاطر تعميم الثقافة الاستهلاكية أو على تحول الاستهلاك إلى مصدر للقيمة والقيم الاجتماعية السائدة، لا يمكن أن يكون في مقاطعة شبكات الاعلام العالمية التي تعيد بناء الذوق الفني والأخلاقي لدى السكان هنا وهناك، ولا في تجديد نظام التربية الايديولوجية وغسل الأدمغة بصورة معاكسة لما تقوم به هذه الشبكات، ولا في إعادة تربية الأفراد كما كانت تنادي السياسات الشيوعية السابقة، ولكن في خلق شروط نمو الثقافة الابداعية الحقيقية التي تستطيع وحدها أن تشكل قوة تماسك داخلي وموازنة تحول دون خطر انهيار الأخلاقيات العامة أمام غزو القيم الاستهلاكية. فتقدم القيم الاستهلاكية وتوسع دائرة انتشارها عند جميع سكان المعمورة لا مفر منه، وهي قيم سائدة اليوم في المجتمعات الشمالية المصنعة كما هي سائدة في مجتمعات الجنوب. لكن الفرق هو أن سيطرة الثقافة الاستهلاكية في بلدان الشمال لا تقود إلى انمحاء معياري وأخلاقي عام، لأنها تجد تحتها نواة صلبة من الثقافة الانسانية الحية، من الانسانيات، ومن التربية الأساسية التي تقوم على تدعيم القيم والمباديء الأخلاقية الكلاسيكية الأساسية من حرية وعدالة ومساواة ومسؤولية فردية وجماعية، في الوقت الذي تمسح فيه هذه الثقافة الاستهلاكية كل بنية أخلاقية إنسانية في حضن المجتمعات الضعيفة لأنها لا تجد أمامها سوى ثقافات ابداعية ضعيفة وتقليدية وجامدة ومنخورة بالتناقضات والنقائص والثغرات والاسندادات الروحية والفكرية، أي ثقافات مستحاثية لا يمكن أن تصمد لأي هزة ريح خارجية. ولا يمكن خلق شروط التنمية الثقافية والانسانية من دون ضمان الظروف والقيم والقواعد التي تسمح بتجديد هذه الثقافات وبث دينامية ابداعية قوية فيها، وهو ما يحتاج إلى إعادة بناء الحقل الثقافي والنخب الثقافية ذاتها على أسس تتشرب فيها بحق قيم الحرية والعدالة والمسؤولية الجماعية.
إن نقد استراتيجية العولمة النيوليبرالية على أسس تقليدية ومن منطلق الحفاظ على النظم السياسية والأسواق والثقافات المتحجرة التي تقول عن نفسها جميعا بأنها وطنية وحمايتها، لا يقود إلى أي نتيجة ولا يعمل إلا على تفاقم أزمة النظم المجتمعية المهددة من قبل هذه العولمة ذاتها. وعلى جميع الأحوال لا بد أن تظهر هذه الاستراتيجية، وهي كذلك، معادية للحركة التاريخية· وبالمثل، إن نقدها على أسس ثورية تحلم بالاطاحة بالعولمة من الجذور واستبدالها بعولمة جديدة تخرج بها عن إطار الليبرالية أو تحرمها من ديناميكية فتح الأسواق والفضاءات السياسية والثقافية يقود لا محالة إلى طريق مسدودة أيضا. إن هذا النقد لا يمكن أن يفضي إلى نتيجة مثمرة إلا إذا تم على أرضية عالمية أو عولمية، أعني من خلال القبول بالسوق العالمية، مع إخضاع هذه العالمية الأسواقية لمعايير ومنطق السياسة والثقافة، أي لسيطرة سلطة إنسانية من طبيعة عالمية. ومثال ذلك سيطرة الدولة الوطنية، في الحقبة الماضية، على السوق الرأسمالية داخل حدودها الاقليمية، وتوجيهها في اتجاه احترام منطق المجتمع والسلطة والكرامة الانسانية. وهذا هو السبب الذي سمح بالحفاظ على التضامن والتلاحم والاتساق داخل المجتمع، وشجع على نشوء وتنامي قيم أخرى غير النمو الاقتصادي في الميدان، منها قيم الحرية الفردية والمساواة القانونية والعدالة، وهو يشجع اليوم على انتعاش قيم جديدة تحد من هيمنة الفلسفة الأسواقية، هي قيم احترام البيئة النظيفة.
وهذا يعني ليس المطلوب اليوم في مواجهة العولمة تقاسم الأسواق أو السوق العالمية، ولا رفضها، ولكن بلورة سياسة من مستوى عالمي ترد على المخاطر المرتبطة بتوحيد الأسواق، وفي مقدمها، الاستقطاب الاقتصادي الذي يمكن أن يقود إلى الخراب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الكامل لشعوب عديدة. فلا يمكن لقيام اقتصاد عالمي الطابع أن يتجنب ويجنب المجتمعات الفوضى من دون وجود سياسة عالمية الطابع مرافقة له أيضا. ولا يمكن القبول بأن يقطف رأس المال العالمي مزايا توحيد السوق العالمية ويترك على الدولة الوطنية، ومعظمها فقد السيطرة على موارده ذاتها، مسؤولية مواجهة المصاعب الناجمة عن هذا التوحيد. فالسعي إلى تقريب العولمة من هموم المجتمعات الفقيرة يفترض الاعتراف بمصالح جميع الشعوب وحقها في ثمرات السوق العالمية، بصرف النظر عن نصيبها من المشاركة فيها وموقعها، كما يفترض الارتفاع على الحسابات الوطنية وايجاد حسابات، أقصد نمط تفكير، من مستوى إنساني أو يعالج الأمور من منظور الأهمية الحاسمة لوجود اتساق وتضامن ووحدة فاعلة لعموم الانسانية. ويتطلب هذا أن تعمل الدول والشعوب جميعا لفرض مفهوم الادارة العالمية للموارد البشرية، وإجبار الدول المسيطرة على مسيرة العولمة ونظامها على إقرار شرعية هذه الإدارة العالمية، وعدم القبول باستغلال السوق العالمبة الموحدة من قبل فئة محدودة من الشعوب، على حساب انسحاق وذبول وموت الشعوب الأخرى. ومتى ما أقررنا بالحقوق المتساوبة للشعوب في تنمية عالمية، صار من الطبيعي وضع ضوابط عملية واضحة للاستغلال غير المشروع للموارد، سواء أكان ذلك عن طريق نهب موارد البلاد الضعيفة أو تبديد الثروات عن طريق الهدر والتبذير أو الاحتفاظ بأسعار احتكارية.
وبالمثل، لا ينبغي أن يأتي نقد النيوليبرالية اليوم على الأسس نفسها التي جاء عليها نقد الليبرالية الوطنية، ولا من منظور بناء الاشتراكية الوطنية كما كان عليه الحال في مرحلة سيطرة حركة التحرر الوطني في الحقبة الماضية، ولكن من منظور بناء جماعة إنسانية موحدة ومتحدة أي متضامنة، أو إذا شئنا اشتراكية عالمية، تعمل من منظور مراعاة توزيع عالمي عادل للثروة المادية والمعنوية، من دون أن يعني ذلك التوزيع المتساوي بالضرورة. وهذا يتطلب التفكير ببناء نظام عالمي قائم على الديمقراطية والتضامن والانسجام الاجتماعي، وهو ما ينبغي أن تطمح إليه الإشتراكية الجديدة. إننا بحاجة في الواقع إلى اشتراكية ديمقراطية غير قومية، أي على مستوى المجموعة البشرية.
ليس هناك إذن عولمة بديلة، أي منظومة شاملة وجاهزة للتطبيق على العالم الموحد بدل المنظومة النيوليبرالية القائمة اليوم، ومختلفة عنها في ديناميكية التوحيد والدمج العالمي وتوزيع الموارد والصلاحيات يمكن العمل لاحلالها غدا محل العولمة الراهنة. والسبب أن ديناميكية العولمة الراهنة قائمة بالضبط على قوة الشركات المتعدية الجنسيات وعلى توسيع دائرة عمل السوق لا محالة. وهذا الوضع هو ذاته ثمرة تراكم تاريخي للموارد المالية والتقنية والفنية والادارية. إنه تعبير عن هيكلة للعالم والمجتمع الدولي طويلة المدى لا نتيجة فرض تصورات واختيارات وقتية على العالم. إن العولمة استمرار لمسار طويل من تطور الرأسمالية في صدامها مع المجتمعات الانسانية ومتطلباتها في الأمن والاستقرار والتمدن والمساواة والعدالة والحرية.
بالمقابل هناك مشروع اشتراكي ديمقراطي لاصلاح العولمة وتكييفها مع الحاجات الانسانية. فهناك اعتراضات لا نهائية على الادارة الاقتصادوية للعولمة الليبرالية. وهذه الاعتراضات تنطوي على تصور نمط جديد من التعامل مع عناصر العولمة، أي مع نتائج تطبيق المعلوماتية والاعلامية وثورة الاتصالات على الاقتصاد. فإلى حد كبير تفضي الادارة الليبرالية، أعني التي تستلهم الفكر الليبرالي المشجع على ترك قوى السوق تعدل بعضها البعض إلى وضعيات استقطاب تهدد حياة العديد من المجتمعات الفقيرة ضعيفة المقدرة على مجاراة الدول الصناعية في الاستفادة من مزايا الثورة التقنية. كما أنها تخلق تناقضات وأزمات يمكن أن تهدد مسيرة العولمة ذاتها. والمطلوب هو إذن سيطرة سياسية جماعية، أي عالمية الاطار، على عملية العولمة الجارية، أي على فتح الاقتصادات والفضاءات الثقافية بعضها على بعض. ولا تتحقق السيطرة السياسية الفعلية إلا بإخضاع قوانين السوق وروحها التجارية المحضة إلى قوانين المجتمع، أي لمنطق الحفاظ على التوازن الاجتماعي العالمي والاقليمي وعلى تراث التضامن البشري. مما يعني أيضا إخضاع منطق الربح الاقتصادي لمنطق الانسجام والاستقرار والرفاه الانساني الجماعي.
وكما أن علاج الرأسمالية لا يكون بالقضاء على منطق السوق الاقتصادية وإنما بايقاف حرية السوق حيث تبدأ حرية المجتمع وعندما تتناقض مع بناء الانسجام الاجتماعي والتضامن الجمعي الذين لا بقاء لمجتمع من دونهما، فإن علاج العولمة لا يكون بالقضاء على السوق العالمية وتعزيز شروط بناء الأسواق الوطنية. إن المطلوب هو بلورة سياسات، وبالتالي تكوين أطر دولية لها ومؤسسات، تعمل على وقف آليات العولمة الأسواقية وغيرها عند حدود تهديدها لوحدة المجتمعات وانسجام المجموعة الدولية، أي السلام كغاية إنسانية مشتركة.

6- مستقبل العولمة أو في سبيل صياغة برنامج إنساني لعملية الاندماج العالمي


بعكس ما تشيعه بعض التيارات اليسارية الكلاسيكية المجددة، لا توجد عولمة خارج الرأسمالية. ومن يريد القضاء على الرأسمالية على الطريقة السوفييتية التقليدية، أي الانقلاب على النظام لإقامة نظام آخر مختلف عنه في كل شيء، فلا بد أن يرفض العولمة من الأساس. لكن إذا كان من المؤكد أنه لا توجد اليوم عولمة خارج الرأسمالية، إلا أنه بالتأكيد أيضا أن العولمة تخلق شروط الخروج من الرأسمالية أو تجاوزها أو على الأقل لابتعاد بشكل كبير عن نماذجها الأصلية التي بقيت إلى حد كبير مطبوعة، بعكس ما يدعيه منظروا الرأسمالية ذاتها، بسياسات الدولة الوطنية ونفوذها الحاسم. وعلى جميع الأحوال لن تكون هناك إمكانية للاستفادة من الامكانيات الكبيرة التي تقدمها ديناميكية فتح الأسواق الرأسمالية الوطنية على بعضها واستمرار التوسع والنمو الاقتصاديين الذين يستند عليهما توازن النظم الاجتماعية، ما لم ينجح الرأسماليون في تجاوز تصوراتهم التقليدية، وأوهامهم الليبرالية الكلاسيكية بخصوص تطبيق مباديء السوق التنافسية الحرة على الفضاء الجيواقتصادي الجديد وتعاملهم مع تدفق المبادلات الدولية أو العالمية الجديد واستبعادهم التفكير الجدي في الطفرات الحاصلة على مستوى العلاقات الدولية. ومن المفيد أن نذكر، وهذا هو إعتقادي العميق، أن السياسات الليبرالية الكلاسيكية التي قامت على الاستسلام السلبي لقوانين السوق كما كان يتصورها أنصار الليبرالية الحرة من كل قيد، هي التي قادت إلى ظهور الشيوعية بقدر ما زعزعت التوازنات الاجتماعية وساهمت في إعادة بناء المجتمعات الرأسمالية الناشئة على أسس غير محتملة من التفاوت الطبقي وفي أجواء غير مقبولة من الافقار النسبي والمطلق للأغلبية المنتجة من العمال والعاطلين. فالشيوعية، التي تعني في نظري دفع الأطروحات الاشتراكية التي كانت قائمة قبلها إلى حدها الأقصى، وبناء الرؤية القياموية للمجتمع التي يبدو فيها أمل التغيير مرتبطا بالثورة الاجتماعية الشاملة وبالتدمير الكامل للنظام الرأسمالي وإقامة نظام عدالة مطلق مكانه، تزول فيه جميع الفروق الطبقية وينتهي عصر السياسة ليبدأ عصر الحرية والمساواة الخالي من كل قهر أو إكراه، أقول إن الشيوعية كنظام تتصالح فيه البشرية مع نفسها وتزول فيه المظالم والتعديات والحروب والنزاعات والمخاوف على المستقبل عند كل فرد لم تظهر وتتطور وتتحول إلى شبح يقض مضاجع الحكومات والطبقات البرجوازية لأكثر من قرن إلا كرد فعل لا بد منه على التناقضات والمآسي والمظالم والتوترات التي دفعت إليها الليبرالية الصافية المجتمعات الصناعية الناشئة، وثورة جذرية عليها تعادل جذرية المظالم والبؤس والتعاسة التي أنشأتها هي نفسها في القارة الأوربية أولا ثم في المستعمرات فيما بعد أو بموازاة ذلك. وعلى هذا الطلب الاجتماعي العام والمتوسع لمجابهة الرأسمالية مجابهة جذرية والأمل باقتلاعها من الجذور هي والمظالم الاجتماعية التي ارتبطت بها، حاول ماركس أن يجيب في نظريته الشيوعية. وهذا الطلب هو الذي ألهم ماركس أفكاره الرديكالية المتطرفة، كما دفع بالشيوعية إلى أن تتحول إلى العقيدة القائدة للثورة الاجتماعية في جميع أشكالها منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى العقود المتأخرة من القرن العشرين. ولم يمكن التغلب على خطر سحق الرأسمالية والانقلاب الاجتماعي التاريخي عليها إلا عندما نجح الرأسماليون أو قسم منهم ومن مناصريهم العقائديين في التخلي عن أفكارهم الليبرالية التقليدية والقبول بما يمكن أن نسميه بداية التعاقدية الاجتماعية أو التسوية التاريخية التي سمحت للطبقات العاملة بالاستفادة التدريجية من ثمار التقدم الاقتصادي الرأسمالي وحولت الرأسمالية نفسها من نظام إقتصادي أو آلة حرب لتحقيق الأرباح في يد طبقة محدودة من مالكي الرساميل، إلى نظام اجتماعي يتمتع بعمق سياسي واقتصادي وثقافي وأخلاقي في الوقت نفسه.
فقد كان من نتائج تجاوز الرأسمالية في القرن العشرين تصوراتها الأصلية عن ضرورة التسليم أو بالأحرى الاستسلام لقوانين السوق >الطبيعية< تطور كبير في دور الدولة كأداة تعديل اجتماعي، وكإطار لبناء الأمة وتأسيس الوحدة الاجتماعية على أسس التضامن وتعظيم الرأسمال الثقافي والسياسي والاجتماعي المشترك، وذلك بدل الرهان الشامل، كما كان الحال في السابق، على استخدام القوة وانزال الجيوش وقوات الأمن لقمع المظاهرات وكسر الاعتصامات وتفكيك عرى التضامنات الاجتماعية. وبالرغم من أن السياسات التعاقدية الضمنية الجديدة لم تقض على التمايزات الطبقية إلا أنها سمحت بإنشاء إطار لإشراك المجتمع الواسع التدريجي في السلطة وإنضاح القرارات بمشاركة جمهور الطبقات الشعبية العريض من خلال وضع آلية سياسية ديمقراطية تتساوى فيها أصوات جميع الأفراد بصرف النظر عن مكانتهم الاجتماعية. وبالرغم من أن تقسيم العمل الاجتماعي لم يستقل أبدا عن نمط توزيع المعارف والتأهيلات العلمية والمهنية، فقد نشأت على أنقاض ثقافة المجتمع الرأسمالي الأول الممتزجة بالقيم الأبوية والإقطاعية أو شبه الإقطاعية التقليدية ثقافة إبداعية جديدة تؤسس لمعايير واحدة وتعيد على أساس ذلك تيار التواصل بين جميع الناس من خلال الرجوع إلى قيم ومباديء مشتركة تقف في مقدمها العقلانية والمساواة والعدالة والحرية والمواطنية التي تضمن فرصا قانونية منظورة إن لم تكن متساوية لنفوذ جميع الأفراد، بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية إلى المواقع والمناصب والموارد العلمية والفكرية.
لكن التضامن الذي قامت عليه التشكيلات الاجتماعية الجديدة القومية المعلقة على الرأسمالية الإصلاحية أو المعدلة، والذي ضمن الاستقرار والوحدة النسبية لهذه المجتمعات، لم يلغ التنافسات المتحررة من أي قانون أو عقيدة من مجال العلاقات الوطنية إلا لكي يعيد إنتاجها بصورة موسعة في ميدان العلاقات الدولية. فمع تبلور هذه التشكيلات القومية ونجاحها في تحقيق استقرارها الداخلي على أساس حد أكبر أو أقل من التضامن الوطني، انتقلت الحرب أو توسعت في ساحة العلاقات بين الأمم. وكان من نتيجتها الحروب الكبرى ذات الأبعاد العالمية التي وضعت تحالفات أو أحلافا متعددة الأطراف وجها لوجه أكثر من مرة. ولا تزال مفاهيم الصراع والحرب والتنافس والتدمير المتبادل إذا أمكن والأنانية العميقة هي المسيطرة في هذا الميدان الخاص بالعلاقات الدولية. والإشكال الذي تطرحه العولمة اليوم عندما تنزع نحو توحيد الفضاءات الاقتصادية والاعلامية الدولية ناجم بالضبط التناقض المتزايد بين عملية الدمج العالمي أو الانفتاح الواسع لجميع المجتمعات بعضها على البعض الآخر وتكوين ما يشبه القرية العالمية الواحدة من جهة واستمرار العلاقات بين الدول والشعوب محكومة بقانون الصراع الوحشي الذي يعني أن كل طرف يسعى إلى تحقيق أقصى ما يمكن من المصالح، من دون أن يأخذ بالاعتبار ما إذا كان عمله يهدد مصالح الطرف الآخر أو يسيء إليها من جهة ثانية. فالفرق بين القواعد التي تحكم ميدان العلاقات الوطنية وتلك التي تحكم ميدان العلاقات الدولية هو الفرق بين الأخذ بمبدأ التضامن الذي يعني عدم السماح لطرف أن يحقق مصالحه على حساب تدمير الطرف الآخر أو الأخذ بمبدأ التزاحم والتنازع الذي يعتبر أن إضعاف الآخر وضرب مصالحه هو الذي يضمن التفوق وتحقيق المصالح الذاتية. فداخل الفضاء الوطني لا يستطيع طرف اجتماعي أن يقول : لا يهمني ما يحصل للطرف الآخر، لأن مثل هذا القول يقود إلى التمرد وتفكك المجتمع السياسي ذاته. أما داخل الفضاء العالمي فلا يزال المنطق السائد هو منطق فرط الطرف الآخر لاحتلال مكانه أو السطو على موارده.
ومن الواضح في نظري أنه ليس من الممكن تحقيق الاندماج العالمي المطلوب لبث دينامية جديدة في الأسواق وتحرير سقف الرأسمالية أو فتح مجالات جديدة لتوسعها تتيح لها الحياة والاستمرار، من دون إعادة النظر في القواعد التي لا تزال تتحكم في هذا الحقل وتحكم فيه. فلا يمكن للرأسمالية المعولمة أن تحصل على السلام والاستقرار وتستفيد من مكتسبات الدمج الاقتصادي العالمي وتكوين سوق واحدة وعالم موحد متفاعل وشركات كبرى تعمل بصرف النظر عن الحدود الوطنية والجنسيات إذا استمر ميدان العلاقات الدولية خاضعا لما يشبه قانون الغاب والحرب الشاملة للكل ضد الكل.
فليس هناك مجتمع يمكن أن يقول إنني سيد فيما أفعل، حتى داخل حدوده، من دون أن يكون قد تجاهل ما لفعله من مضاعفات أكيدة ومباشرة على مجموع سكان المعمورة.
فجميع القضايا الحساسة تقع خارج دائرة سيطرة أي دولة وطنية ولم يعد من الممكن معالجتها خارج أطر المفاوضات العالمية، وفي مقدمها مسألة التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي يتعلق بها مصير مليارات البشر المهددين بعضهم بنقص التغذية وبعضهم بالتهميش المؤلم وبعضهم الآخر بالمجاعة. ومنها أيضا مسائل الأمن الوطني والأهلي معا. فلم تعد هناك دولة تستطيع أن تدعي أنها قادرة على حماية نفسها بوسائلها الخاصة ومن دون التفاهم مع الدول الأخرى. وهذا هو الذي يفسر الأهمية المتزايدة التي تعطيها جميع الدول لمسائل العنف والارهاب العالمي، والتي عقدت لها العديد من الندوات والمؤتمرات العالمية. ومنها أيضا مسائل تثبيت الهوية، ليس بمعنى الخصائص والشارات المميزة لهذه الجماعة عن تلك، ولكن بمعنى خطر انهيار منظومة المعاني التي توجه الأفراد والجماعات وما ينجم عن ذلك من سيادة الفوضى الروحية والنفسية والفكرية والأخلاقية.
إن جميع المجتمعات التي تطمح إلى التغلب على المشاكل التي تطرحها العولمة مدعوة إذن إلى الذهاب إلى أمام منظومة الدولة القومية وما ارتبط بها من قواعد تعامل تنازعية في ميدان العلاقات الدولية، وتجاوزها نحو منظومة عالمية جديدة قائمة على المفاوضات الجماعية والبحث عن حلول مشتركة ومتسقة ومتناسقة للمشكلات المحلية والدولية معا. فلم يعد هناك بعد اليوم حلول ناجعة لا للمسائل الداخلية ولا للمسائل ذات الطابع العالمي المباشر مع البقاء في سجن السياسة الوطنية الضيقة.
قد يقول البعض، وهذا صحيح، أن الدول الأقطاب التي تسيطر على نظام العولمة الجديد تدعي العمل من أفق المصالح العالمية ولكنها تستخدم في الواقع معايير مزدوجة، فتدعو لتقليص سيادة الدول الوطنية في الوقت الذي تظهر غيرة لامثيل لها على سيادتها ومصالحها الخاصة، وتطالب بتطبيق حقوق الانسان لتبرر التدخل في شؤون الدول الصغرى، وتكافح انتشار الأسلحة الذرية في الوقت الذي تبدي فيه حرصا هائلا على الاحتفاظ بقوتها النووية ولا تكف عن تطوير برامجها الذرية بالسر والعلانية. والواقع ليس هناك اعتراض على سياسة الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل ولكن على الاحتفاظ بمثل هذه الأسلحة من قبل عدد من الدول. مما يعني ببساطة أن القضية التي تدافع عنها ليست إنسانية ولا تتعلق بالسلام والأمن ولكنها قضية تأمين شروط السيطرة العالمية للدول التي تعطي لنفسها الحق في احتكار هذه الأسلحة والتقنيات. وهذا ما يعمل على تدمير الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه الدعوة للحد من انتشارها. وبالمثل، ليس هناك اعتراض على التضامن الدولي ضد انتهاكات حقوق الانسان ولكن الاعتراض موجه ضد استخدام هذا التضامن، عبر تطبيق معايير مزدوجة على الدول المنتهكة لحقوق الانسان، في سبيل تحقيق أهداف استراتيجية أو سياسية خاصة بهذه الدولة أو هذا المعسكر أو ذاك. لكن في الحالتين لايكمن الحل في العداء للفكرة ولكن في تعميم المبدأ الأخلاقي على جميع الدول وفرض مفهوم احترام اختصاصات السياسة العالمية التي ينبغي أن تكون ثمرة مفاوضات تشترك فيها جميع الأطراف. وهذا يعني أنه لا مهرب من التفاهم العالمي حول برنامج سياسي عالمي مهما كان محدودا، ولا من بناء حد أدنى من الاجماع الدولي فيما وراء مجال التنافس والتنازع على الهيمنة العالمية. فكما هو الحال في الصراع على السلطة داخل الفضاءات الوطنية، لابد أن يخضع الصراع على الهيمنة الدولية ومركز القيادة والسيادة العالميتين لقواعد تضبط سلوك الدول وتمنعها من تجاوز أصول مرعية ينبغي تحديدها بدقة. فليس من الممكن بناء عالم موحد ومتفاعل ومتواصل تجمعه مصالح واحدة إذا سمحت أي دولة، أو تلك التي تجد في وسعها فعل ذلك، تدمير مستقبل شعب كامل إذا كان في ذلك تحقيقا لمصالح حيوية أو بالأحرى لما تنظر إليه على أنه كذلك، وإذا كانت تملك ما يكفي من التفوق الاستراتيجي والعسكري لمنع المجموعة الدولية من الاعتراض على مشاريعها وخططها كما هو الحال اليوم مع الشعب العراقي الخاضع لحصار تدميري منذ بداية التسعينات من القرن العشرين.
إن استبعاد التفكير بمثل هذه السياسة هو الذي يفسر إخفاق المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2000 الذي عقد في 2 فيفرييه 2000 في منتجع دافوس السويسري، ومن قبله بأشهر مؤتمر منظمة التجارة العالمية في سياتيل في التوصل إلى حلول مقبولة بشأن السياسة الاقتصادية العالمية. وغياب التفاهم بين الدول الصناعية والدول الفقيرة حول رؤية موحدة للاشراف على عملية العولمة الاقتصادية التي تقف وراءها الدول الأكثر تصنيعا هو الذي يفسر تزايد المعارضة الأهلية للعولمة ويشجع المنظمات غير الحكومية، كما حصل في دافوس، على المطالبة بوضع مسائل علاقة العولمة بالفقر وإخضاع قواعد السوق إلى القيم الانسانية، وإلغاء ديون الدول الفقيرة، على طاولة المفاوضات في الدورة القادمة للمنتدى، بعد أن بينت الاحصايئات أن 59 دولة على الأقل قد شهدت تراجعا في مستوى الدخل الفردي منذ عام 1990 بسبب العولمة.
بالتأكيد إن العجز عن التقدم في مجال بناء الحد الأدنى والضروري من الاجماع العالمي حول السياسات التي ينبغي أن ترافق العولمة يرجع لرفض الدول الكبرى ذات المصلحة في احتكار القرار الدولي تحمل مسؤولياتها. وهذا ما عبر عنه برانت بلاكويلد، رئيس منظمة الأرض الأمريكية المستقلة عندما اتهم الدول الصناعية في منتدى دافوس الأخير بالاستمرار على نهج مؤتمر التجارة العالمية الفاشل في سياتيل، ورفضها التفاوض مع البلاد الفقيرة، وسعيها كما قال إلى التفاهم فيما بينها من وراء الكواليس على السياسات الاقتصادية العالمية. لكن يرجع هذا العجز أيضا، إلى الضعف الخطير الذي أصاب كتلة البلدان الفقيرة إذا كان لا يزال هناك مجال للحديث عن كتلة. فهي تشكل في إطار منظمة التجارة العالمية كما هو الحال في جميع المنظمات الدولية أغلبية عددية، ومن هذه الزاوية فهي قادرة لو نجحت في الخروج من حالة التمزق والانهيار المعنوي والسياسي وفقدان الثقة بنفسها وبقدرتها، على التأثير من دون أدني شك في المصائر العالمية. لكن انعدام الاجماع والتوافق على أي سياسة بل على أي موقف سياسي مشترك في أهم القضايا التي تتعلق بتقرير مستقبل العالم ومستقبلها نفسها تشجع الدول الصناعية الكبرى على الاستهتار بها وبمصالحها، وتفسر كذلك تحول المنظمات غير الحكومية إلى المحاور الرئيسي تقريبا لهذه الدول في المنتديات الدولية.
ويرجع السبب فيما تعيشه كتلة البلدان الفقيرة من انهيار في الوزن والرصيد السياسي معا إلى ما شهده ويشهده القسم الأكبر منها من إخفاق في عملية التنمية، وما ارتبط بهذا الاخفاق من تراجع اقتصادي جعل مصير الأنظمة القائمة معلقا إلى حد كبير على دعم الدول الصناعية، المباشر أو غير المباشر، وتأييدها في المؤسسات المالية الدولية. لكنه يرجع كذلك إلى تدهور مواقع المؤسسات الدولية القديمة وفي مقدمتها الأمم المتحدة وتحييدها من قبل الدول الصناعية، بحيث لم يعد أمام كتلة الدول النامية ذات الأغلبية العددية أي مجال للمناورة الاستراتيجية. وهكذا فإن الاحتكار الذي تبديه الدول الصناعية للقرارا المتعلق بالسياسات العالمية يستند إلى ويفترض استمرار الغياب الفعلي لمؤسسات ذات صفة عالمية، سواء أكانت مؤسسات حوار أو مبادرة جماعية
ف>التناقض الرئيسي الذي يتفاقم اليوم والذي يميز الحقبة التي نعيش فيها هو بين عالم يتجه أكثر فأكثر نحو وحدة المصير الفعلي، بحيث يتأثر كل مجتمع لامحالة سلبا وايجابا بما يحصل في المجتمعات الأخرى، وبين قرار يتسم إلى حد خطير بالخصوصية في كل ما يتعلق بالمسائل الجماعية أو العالمية. بل تكاد دولة واحدة، هي الولايات المتحدة الأمريكية، تحتفظ لنفسها بحق احتكار القرار الدولي وتمارس حتى على حلفائها سياسة إملاء الإرادة. وهي تستخدم في ذلك، مثلها مثل مجموعة الدول الصناعية السبع، بصورة رسمية، حق النقض في مجلس الأمن، لكن، أيضا، تستخدم بصورة غير رسمية، سيطرتها على وسائل صنع القرار وقدرتها على حجز المعلومات واستخدام الإعلام العولمي لتشكيل الرأي العام. ومن هنا فإن العمل على توسيع دائرة المشاركة في القرارات الدولية من قبل جميع الشعوب والمجتمعات هو الوسيلة الوحيدة للحد من الهيمنة العالمية ومكافحة النزعات الامبريالية المتجددة ودرء مخاطر تحويل العولمة إلى مناسبة لفرض نظام احتكاري وحرمان المجتمعات الضعيفة من ثمار تطور الثورة التقنية والمعلوماتية.< وتوسيع دائرة هذه المشاركة هو ما تسعى الدول الصناعية في المنتديات الدولية الاقتصادية إلى تجنبه بكل الوسائل.
لكن لا يمكن أن يشكل الرفض بحد ذاته استراتيجية بديلة، خاصة إذا اعترفنا بأن الدول الصناعية تسيطر فعلا على عناصر القوة الست على مستوى الكرة الأرضية: الاقتصادية والعسكرية والتقنية والعلمية والمالية والاعلامية. إن المطلوب في هذه الحالة صوغ استراتيجية تغيير عقلانية.
والسؤال الذي يطرح نفسه عندئذ هو: أي موارد جديدة أو مختلفة يمكن للعالم النامي الفقير أن يوفرها لنفسه ويعتمد عليها في سبيل بناء هذه الاستراتيجية لمستقلة ومواجهة تكتل الدول الصناعية الطاغي؟ في الجواب على هذا السؤال تكمن فرص بناء أي استراتيجية تحريرية نامية في المستقبل.
يقف في مقدمة هذه الموارد في نظري التفاهم بين هذه البلدان الفقيرة حول سياسة مشتركة، مما يعني التغلب على عقلية المنافسة التي تسود العلاقات بين الدول الفقيرة على خطب ود التكتل الصناعي، كل على حدة، والعودة إلى موقف المفاوضات الشاملة التي برزت في الستينات والسبعينات. ومنها أيضا تطوير التعاون الاقليمي الحقيقي والفعلي بين البلاد الفقيرة بحيث يمكن توفير شروط أفضل للتنمية اللامركزية سواء من حيث توسيع الأسواق أو زيادة المبادلات الاقليمية أو توفير الرساميل والموارد البشرية أو من حيث المشاركة الفعالة في حقل التجديدات والابداعات الحضارية، التقنية والعلمية والاجتماعية. ومنها كذلك الاستفادة من الفرص التي تقدمها العولمة ذاتها. فإذا كان الاندراج في السوق العالمية يمكننا من تحصيل نصيب جديد من الخبرة أو الموارد أو القدرة الابداعية والانتاجية، ويؤهلنا بصورة أفضل لمواجهة التحديات الجديدة، ويزيد من فاعلية ونجاعة نظمنا الاقتصادية والتقنية والادارية، فلا أرى في ذلك خضوعا للاستعمار الجديد ولكن بالعكس استغلالا للفرص التي يتيحها نظام الهيمنة الجديد. وهذا هو موقف المعارضة الفعالة لأي نظام. أما موقف العداء والانتظار والرفض فلن تكون نتائجه إلا تضييع الفرص المتاحة مع البقاء حتما في معسكر الخضوع والتبعية. إن مفتاح العمل ضد الهيمنة الأحادية التي تسيطر على المنظومة الدولية الراهنة هو بناء أقطاب للقوة متعددة وتعددية، لا انتظار انهيارها أو تفككها. وليس هناك أمل في بناء مثل هذه الاقطاب إلا بتجميع القوى ومراكمة القدرات وتفجير الامكانات الكامنة في مجتمعات العالم النامي والفقير، وهي إمكانيات هائلة لو حصل التنبه لها وأمكن تغيير قاعدة الحكم ونمودج ممارسة السلطة الشالين لها في هذه المجتمعات.