العولمة وأثرها على المجتمعات العربية

2005-10-14 :: please select category

ترجمة :

 

1-  العولمة الليبرالية، التحديات والمخاطر

تنطوي العولمة على مفارقات كبيرة هي التي تشكل مصدر قوتها وديناميكيتها. فهي في الوقت الذي تفتح فيه آفاقا جديدة للجماعات، من خلال ما تقدمه من فرص النمو الاقتصادي والتجاري وإعادة توزيع عناصر القوة والثروة وميلاد اقتصاد جديد قائم على تراكم رأس المال المعرفي اللامادي، تطرح عليها تحديات كبيرة أيضا. ومما يزيد من حجم هذه التحديات خريطة توزيع القوة والقرار في حقل العلاقات الدولية التي تحرم البلدان والمجتمعات الصغيرة من أي قدرة على التأثير على صوغ برنامج العولمة الراهنة، وتضطرها إلى الاصطفاف خلف القوى الصناعية والمؤسسات المالية والتجارية العالمية الكبرى. وبالرغم من أن سيطرة الدول الصناعية الرئيسية على المنظمات الدولية، بما في ذلك منظمة التجارة العالمية، ناهيك عن الأمم المتحدة، لم تعد سيطرة مطلقة، وهي في سبيلها إلى التراجع، إلا أن ترهل الكتل الدولية التقليدية التي كانت تعبر عن مصالح الدول النامية كحركة باندونغ وعدم الانحياز ومجموعة 77، والوحدة العربية والوحدة الأفريقية وغيرها من التجمعات الإقليمية، بالاضافة إلى تشتت رأي البلدان الصغيرة وحاجتها الماسة إلى معونات الدول الأخرى، تمنع المجتمعات الفقيرة من بلورة استراتيجية عولمية بديلة عن الاستراتيجية الليبرالية الجديدة السائدة التي تستجيب لمصالح الدول الصناعية الرئيسية. وغياب مثل هذه التكتلات العالمية الكبرى المجسدة لمصالح المجتمعات الفقيرة والقادرة على بلورة أجندة عولمية بديلة هو الذي يفسر الطابع الهامشي والطرفي لحركة العولمة البديلة الراهنة وافتقارها إلى برنامج مقنع وأجندة واضحة معا.

ومن هنا تتطابق العولمة المسيطرة عالميا اليوم مع استراتيجية إحياء الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية. وتتخذ العولمة شكل التطبيق الحرفي لبرنامج العولمة الليبرالي القائم على تأكيد أسبقية المنطق الاقتصادي في إعادة تنظيم العلاقات الدولية، وفاعليته في تحقيق الانسجام بين مصالح الجماعات والشعوب. وهو ما يتجلى في تمحور المداولات والمفاوضات الدولية حول مسألة تحرير التجارة وبناء السوق العالمية، وتعميم سياسات التخصيص والاصلاحات الهيكلية التي تتوافق وجذب الاستثمارات وتنشيط حركة التجارة الدولية. وبقدر ما يستدعي تطبيق برنامج العولمة الليبرالي إعادة بناء العلاقات الدولية من منطلق تسهيل حرية التجارة وجعل الحدود السياسية شفافة أمامها، وتقليص سيطرة الدولة على التوجهات الاقتصادية، يدفع في الوقت نفسه إلى إعادة هيكلة اقتصادية وسياسية واجتماعية داخل الحدود الوطنية نفسها. وهو ما يعني إعادة بناء المعادلة الوطنية الاجتماعية على أسس جديدة تضعف من وزن القوى الاجتماعية الشعبية والفقيرة ومن منطق إرضاء الحاجات الاجتماعية لصالح تأكيد أسبقية منطق التجارة الخارجية وجذب الاستثمارات والتشجيع على توطينها. كما تهدد الديمقراطية بقدر ما تنتزع من الشعوب سيادتها لصالح سيادة المؤسسات والشركات والتكتلات ما فوق الوطنية .
وهذا هو في الواقع مصدر الفوضى الذي زاد الحديث عنها في السنوات الأخيرة، والذي يرتبط بجوهر العولمة الليبرالية . فإعادة بناء حقل العلاقات الدولية انطلاقا من الرد على حاجات توسع التجارة الدولية وتعظيم حركة الاستثمار، بقدر ما يجعل من النمو الاقتصادي، أي في الواقع من تراكم رأس المال، معيار النجاح، يحرم المجتمعات من المعايير السياسية والاجتماعية والأخلاقية التي تحول دون أن يتحول الربح إلى هدف في ذاته، ويعمل على تفكيك العلاقات الاجتماعية والمدنية. فهو يلغي المكتسبات الكبيرة الماضية التي لم تكن الدولة الوطنية إلا عنوانها، والتي كان هدفها إخضاع الرأسمالية الاقتصادية إلى ضوابط يحددها مفهوم الوطنية نفسه، بما يعنيه من الحفاظ على التضامن والانسجام المجتمعي الداخلي وتأكيد الحريات الفردية والجمعية وإقامة العدالة القانونية. والحال أن العولمة الليبرالية تنشيء مجتمعا رأسماليا على مستوى العالم لكن من دون دولة "وطنية" أي من دون روح التضامن والآليات السياسية التي تضبط نشاط هذا المجتمع وتشذب تجاوزاته وتفرض عليه معايير إنسانية، كما كانت تفعل الدولة الوطنية في عصر الرأسمالية الكلاسيكية.
فلا ينبع التحدي الكبير الذي تثيره العولمة الليبرالية من إضعاف الدولة الوطنية نفسها، ولكن من غياب الأجندة الاجتماعية التي كانت تمثلها والتي جعلت منها حجر الأساس في تنظيم المجتمعات والنظام الدولي معا في الحقبة الطويلة السابقة، كما سمحت للرأسمالية أن تتحول إلى نظام اجتماعي قابل للحياة. فقد استمدت الدولة الوطنية المكانة المركزية التي كانت تحتلها في النظام الاجتماعي العام، وربحت شرعيتها في وجه التنظيمات ما قبل الوطنية، من تنفيذها أجندة وطنية ساهمت بالفعل في تحقيق الانسجام النسبي بين الأفراد، بقدر ما نجحت البرامج التي ارتبطت بها في تأكيد فرضية التماهي بين الجماعة والدولة الذي قام عليه جوهر الوطنية والمجتمع الوطني. ومن هذه البرامج وأعظمها البرنامج السياسي الديمقراطي الذي جعل من الشعب أصل السيادة والسلطة، وحول الدولة إلى مركز تمثيل الشعب والاستجابة لإرادته. وهو ما سيعبر عنه مشروع الديمقراطية. وثاني هذه البرامج البرنامج الاقتصادي القائم على بناء السوق الوطنية الخاصة، بما تعنيه من تأهيل القوى البشرية وتوفير فرص العمل واستغلال الموارد الطبيعية لصالح المجتمع الوطني الجديد. ومنها البرنامج الاجتماعي الذي ساهم في تذليل التناقضات وحل التوترات بين الطبقات والفئات، سواء ما تعلق منها بمسائل العدالة في توزيع الدخل أو بمسائل الخدمات الاجتماعية والتأمين على البطالة والمرض إلخ. ومنها أخيرا البرنامج الثقافي الذي ركز على بناء هوية المجتمع المتميزة، عبر العناية باللغة والثقافة والآداب والرياضة وغيرها من النشاطات التي تساعد على بلورة شخصية الشعب المتميزة وتعمق الشعور العام بالانتماء الواحد والانخراط في مصير مشترك. ومجموع هذه البرامج يكون أساس ما يسمى بالعقد الوطني الضمني الذي أعطى للاجتماع المدني السياسي مشروعيته كما أعطى لمفهوم الاستقلال والسيادة الوطنيين معناهما. فهو أساس وجود المجتمع الوطني ومبرر وجوده كوحدة ومتحد.
والحال أن العولمة بمعناها السائد، أو بالأحرى ضرورات الانخراط الفعال فيها، يفترض التخلي التدريجي عن هذا العقد، سواء بسبب حاجات التكيف مع السياسات العالمية المفروضة في إطار مبدأ المنافسة الحرة والشفافية ومنع تدخل الدولة في الشؤون العامة أو تقليص دورها إلى حد كبير فيها، أو بسبب افتقار الدولة للموارد التي تؤهلها للعب مثل هذا الدور. ومن هنا، وفي موازاة تقلص دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتعليمي، تدخل المجتمعات تحت التأثير المباشر لمنطق العولمة الخارجي ولقدرة الفئات الاجتماعية المختلفة على التعامل معه. ومن الطبيعي أن تكون الفئات الأقوى والأكثر تمتعا بالمزايا هي نفسها التي تستفيد من هذه العولمة، بينما يدين الانفتاح الواسع بالتدهور شروط حياة جميع الفئات الأخرى التي كانت تعيش على برامج الدولة الوطنية، وتستفيد من تدخلاتها الايجابية لضمان الحد الأدنى من المساواة والعدالة الاجتماعية .
ومن هنا تثير العولمة بالضرورة ردود أفعال قوية من قبل القوى الاجتماعية التي تشعر بضررها الكامن على مصالحها الخاصة. ليس ذلك في البلاد النامية والفقيرة فحسب، ولكن في البلدان الصناعية الكبرى أيضا. ومن هذه القوى فئات واسعة من العمال والطبقات الشعبية التي تشعر بأن المنافسة العالمية المفتوحة تهدد بنقل فرص العمل نحو البلدان التي تنخفض فيها كلف الانتاج. ومنها أيضا فئات واسعة من الطبقات الوسطى التي تخاف من خسارة مستويات معيشتها الراهنة وأهم ما فيها الضمانات الاجتماعية والمشاركة السياسية. فكما تؤدي المنافسة المفتوحة بنقل الاستثمارات إلى الدول صاحبة التكلفة الأخفض للانتاج، وتهدد بالتالي بالقضاء على فرص العمل وتزايد احتمال تنامي البطالة في الدول الصناعية، تتعرض الديمقراطية التي يقوم عليها البنيان الوطني التضامني إلى التراجع نتيجة الالتزامات الجديدة التي تأخذها الدولة على نفسها، وإن كان ذلك باسم المجتمع، تجاه الدول والمنظمات العالمية الأخرى. ويعتقد الكثير من المعادين للعولمة في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها أن توقيع واشنطن على اتفاقيات التجارة الحرة يقلص من قدرة الدولة الأمريكية، والأمة التي تقف وراءها، على المبادرة الاقتصادية. فسياساتها في هذا المجال تصبح محكومة بالاتفاقات الدولية لا بإرادة الشعب الأمريكي. وبالمثل تدفع المنافسة الاقتصادية المتزايدة التي تقود إليها السوق العالمية المفتوحة إلى زيادة الضغط على الطبقات المنتجة وتهدد، كما بينت ذلك الكثير من الإحصائيات، بتراجع معدل نمو الأجور بالنسبة لنمو الأرباح، حتى في البلدان الصناعية المتقدمة. فليس أمام الرأسماليين وأصحاب المشاريع التجارية والصناعية وسيلة أخرى لمواجهة المنافسة المتفاقمة إلا بتخفيض تكاليف العمل بأشكالها المختلفة. وتعيش بلدان أوروبة الصناعية الكبرى، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، هوس الخوف على انهيار نظام الضمانات الاجتماعية القوي الذي تبلور سابقا بما يتضمنه من تأمينات البطالة والتقاعد والتأمينات الصحية. وهو ما يهدد البرنامج الاجتماعي التاريخي الذي سمح للدولة الوطنية بالاستقرار والاستمرار وتحقيق النمو المضطرد والازدهار في العقود الطويلة الماضية .
ويقود التركيز على السوق العالمية مقابل السوق الوطنية إلى نشوء اتجاهين يهددان بالقدر ذاته البرنامج الاقتصادي الذي أعطى للدولة الوطنية قوتها ورصيدها السياسي في الحقبة الماضية. فمن جهة تؤدي المنافسة المحمومة إلى ارتحال الصناعات إلى البلدان التي تقل فيها تكاليف العمل والانتاج. مما يحكم على الدول الصناعية بخسارة مستمرة لفرص عمل عديدة لصالح البلدان الأخرى ويساهم في ارتفاع معدلات البطالة وتحويلها إلى بطالة دائمة. ومن جهة ثانية يقود انهيار اقتصاد البلدان الفقيرة التي لا تنجح في مواجهة استحقاقات العولمة بصورة ايجابية إلى تفاقم ظاهرة عالمية جديدة هي هجرة اليد العاملة إلى البلدان الصناعية واستيطانها هناك، مع ما ينجم عن ذلك من تزايد مخاطر إعادة تكوين مجتمعات الضواحي الهامشية المستعدة دائما للانفجار في البلدان الصناعية مع التماهي بين حدود التمييز الاجتماعي والفقر وحدود التمييز الإتني، إلى جانب ما تشكله هذه الشرائح المهاجرة من ضغط إضافي على اليد العاملة المحلية. ولعل من اللافت أن الكثير من التعليقات التي تعرضت للإضطرابات الاجتماعية التي حصلت في نوفمبر الماضي في الضواحي الفرنسية قد أشار إلى تفكك العقد الاجتماعي الفرنسي، لا بل لقد تجاوز الأمر ذلك إلى الحديث عن حرب أهلية فرنسية .
أما على المستوى الثقافي فقد وسمت العولمة، ليس في العالم العربي وحده ولكن في جميع مناطق العالم، بالأمركة وأصبح ينظر إليها على أنها وسيلة لتعميم أنماط التفكير والاستهلاك الأمريكية. إنها "مكدلة" للعالم (من مكدولاند). فالولايات المتحدة الأمريكية هي المنتج الرئيسي والموزع أيضا لمعظم وسائل الاتصالات الجديدة من شبكة الانترنت إلى وسائل الإعلام الجماهيرية إلى الصناعة السينمائية والأفلام ومنتجات الثقافة الصناعية والصناعة الثقافية. وتكاد المنتجات الثقافية الأمريكية تحل محل المنتجات المحلية وتقضي عليها في الكثير من البلدان ومعها على التراث الثقافي والخصوصيات والمنتجات المحلية في الكثير من بلدان العالم. فاللغة والتعليم والجامعات والبرامج والعروض والعالم الافتراضي بأكمله يقود إلى الولايات المتحدة ويتحدث لغتها ويضمر رموزها .
وفي ما وراء هذه التحديات التي تهدد مجموع البرامج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي شكل إنجازها مصدر مشروعية الدولة الوطنية حتى الآن، تخلق العولمة على المستوى الاستراتيجي وضعية جديدة تقضي بتحويل العالم بأكمله إلى حقل جيوستراتيجي واحد، وبالتالي بتعويم جميع القوى الدولية الفاعلة فيه وإعادة تقييم وزنها الاستراتيجي من منطق قدرتها على الاحتفاظ بموقع أو دور في القرار الإقليمي والعالمي. وهي الوضعية التي تفقد فيها الدول الصغيرة وزنها وتحرمها من القدرة على ممارسة أي تأثير في الحياة الدولية. وككل طفرة تقنية تولد الثورة المعلوماتية موارد جديدة يتوقف على السيطرة عليها والتحكم بها مستقبل العلاقات الدولية. ولذلك فهي تطلق أيضا صراعات خاصة بها مرتبطة بإعادة توزيع علاقات القوة داخل النظم الثلاث المتداخلة والمتفاعلة: النظام العالمي والنظم الإقليمية والنظم الوطنية. ويقدم مفهوم الحرب الحضارية الذي زاد استخدامه في السنوات الماضية مثالا عن المفاهيم الجديدة التي نشأت في ميدان العلاقات الدولية للتعبير عن نوع من التوترات والمنازعات والمواجهات العديدة التي تنطوي عليها الطفرة التقنية .
يمكن القول، من منظور مجرد تماما، أن العولمة تدفع إلى رفع وصاية الدول عن المجتمعات، بما تتضمنه هذه الوصايا من سلبيات (تقييد حركة الفئات الاجتماعية) ومن ايجابيات (إلزامها بعقد وقواعد تضمن وحدة المجتمع) وتترك المجتمعات تتنافس في ما بينها حسب مواردها وقدراتها ومهاراتها وذكائها أيضا. فالأكثر كفاءة من الشركات والمؤسسات والمجتمعات هي التي تربح من المنافسة الحرة والممتدة على اتساع الدائرة العالمية. وفي هذا الإطار من المؤكد أن الرابح الرئيسي هو الشركات والمؤسسات والهيئات التي تتمتع بقدرات وموارد أكبر، أي المراكز الصناعية ومن وراء ذلك المجتمعات التي تعيش فيها وتعمل في مؤسساتها.
لكن مثل هذا النموذج المجرد للعولمة لا يوجد أبدا. فليس هناك مجتمع يعيش خارج سيطرة نخبة أو طبقة اجتماعية. ولعبة العولمة الرئيسية، أي جوهر الصراع القائم فيها، هو سعي كل نخبة اجتماعية مسيطرة إلى الاستفادة أكثر ما يمكن من فوائد الانفتاح والشفافية والتقليص إلى أدنى حد من مساويء تعريض المجتمع ومؤسساته للمنافسة العالمية. ومن هنا يرتبط مصير كل مجتمع بالاستراتيجيات التي تصوغها نخبه الاجتماعية في مواجهة العولمة ونجاحها في تثمير عناصر القوة التي تملكها في إطار سيطرة منطق المنافسة الدولية المفتوحة، وتغلبها على عناصر الضعف التي يعاني منها مجتمعها ومؤسساته. أما المجتمعات التي لا تملك مثل هذه الاستراتيجية أو التي تفتقر لنخبة اجتماعية مسؤولة، أو على قدر كبير من الالتزام الوطني والشعور بالمسؤولية، فليس هناك شك أن العولمة تحكم عليها بأن تتحول إلى طعام للآخرين وميدان لتحقيق مكاسب مجانية لهم. وهذا ما يفسر التقدم الكبير الذي حققته بلد مثل الصين عندما نجحت في الحفاظ على وحدة سوقها الوطنية الواسعة، في تحويل نفسها إلى قطب جاذب لرأس المال العالمي، بالرغم من الفقر الشديد الذي يعاني منه مجتمعها واقتصادها. وهي اليوم المستفيدة الأولى من نظام العولمة الاقتصادي. وهو أيضا ما يفسر ما ولد في العقود القليلة الماضية من تكتلات وروابط اقتصادية جمعت العديد من الدول الصغيرة والكبيرة التي كانت بعضها في عداء شديد في الماضي، في سياق تأهيل نفسها لدخول عصر العولمة وما يتميز به من انتفاح حقل المنافسة العالمية ليس على الصعيد الاقتصادي والتقني والعلمي فحسب ولكن على الصعيد الثقافي أيضا.
فلا تعني العولمة تعويم النظام الاقتصادي الوطني وحده ولكن تعويم كل النظم المجتمعية، العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية من دون تمييز. ففي سياقها سيشعر الفرد المتمكن من الموارد بأنه أمام اختيار لا حدود له في جميع الميادين وأن ما كان مفروض عليه كحقائق نهائية ووحيدة، لأنها حقائق وطنية أو ذات مشارب محلية، ليست إلا نظما عادية يستطيع التخلي عنها أو عن بعض أجزائها وقيمها ليبني هو نفسه، نظامه الخاص، بقدر ما توفره له العولمة أو المنافسة العالمية من موارد وقدرات وتطلعات وآمال. لكن الفرد المحروم من الموارد سيشعر، بالعكس تماما من ذلك، بضياع تام، وسيفقد أي علام في توجهه العام وفي سلوكه الشخصي معا. وهو ما يهدد بتعميم نوع من الفراغ النفسي والأخلاقي والثقافي معا.

ومهما كان الحال، تنحو العولمة الراهنة إلى تحويل جميع نظم العلاقات القديمة، الدولية والوطنية، السياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية، إلى نظم ضعيفة عاجزة عن استيعاب دينامية التحولات الجارية، وتقضي عليها بالتقادم والبلاء. لكنها وهي تفكك هذه النظم تترك المجتمعات أيضا في حالة من الفوضى، أي السيولة والاضطراب والقلق والشك، هي ما يميز الحقبة الراهنة، خاصة في تلك المناطق من العالم التي لا تملك أي وسيلة للتأثير على مصيرها أو التي لا تعي ما ذا يجري لها. ولأنها تقوم بالأساس على الفرضية القائلة بأن السوق هو الكفيل وحده، إذا لم تتدخل القوى السياسية فيه، بالكشف عن الانسجام في العلاقات الاجتماعية والدولية، وترفض إخضاعه لأي معايير أخرى سوى ما يتعلق بتنظيمه وضمان اتساق العمليات التجارية، تهدد العولمة الليبرالية المجتمعات، والضعيفة والصغيرة منها بشكل خاص، بأن تنتظر زمنا طويلا جدا قبل أن تستعيد بعض توازنها، بعد أن ينجح الرأي العام العالمي في تنظيم نفسه والدفع في اتجاه إخضاع العملية الاقتصادية والسوق لمعايير إنسانية تسمح بإعاده بناء النظام العالمي على أسس تتجاوز منطق السوق وتضمن الاتساق والانسجام بين جميع الأطراف. وفي انتظار ذلك ليس هناك شك في أن المحدد الأول في استثمار فرص العولمة يبقى وربما لفترة طويلة السوق الرأسمالية نفسها، بما تعنيه من موارد بشرية ورأسمال ومشاريع اقتصادية وسوق استهلاكية. ولهذا السبب بالذات كان اتجاه الرد على العولمة الليبرالية في الدول الصناعية إعادة هيكلة السوق الاقتصادية أولا، من خلال بناء الروابط والاتحادات الإقليمية، كما هو الحال في أوروبة وفي جنوب شرق آسيا وفي أمريكا اللاتينية. أما في البلدان ذات الحجم القاري مثل الصين فقد كان الحفاظ على الوحدة الإقليمية لدولة بحجم القارة الأولوية إزاء أي هدف آخر كما عبر عن ذلك خيار الانفتاح الاقتصادي الواسع مع الحفاظ على السلطة الأحادية .
وإذا كان النموذج الصيني يمثل الاستجابة الايجابية لتحديات العولمة بما تعنيه هذه الاستجابة من الحد من آثار العولمة السلبية والاستفادة إلى أبعد حد من الفرص التي تخلقها، يشكل العالم العربي بالمقابل النموذج المثالي للاستجابة السلبية التي جعلت منه المنطقة الأقل استفادة من الفرص التاريخية التي فتحتها العولمة والأكثر تأثرا بالمشاكل الخطيرة التي طرحتها على جميع الشعوب والبلدان على حد سواء. وهكذا بقدر ما نجحت الصين في إعادة تأهيل نفسها للقرن الجديد واكتساب مواقع قوية في جميع الميادين التي تخص المجتمع العولمي المتنامي، الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية والاستراتيجية، يبدو العالم العربي، بالعكس من ذلك، وكأنه خارج العولمة أو على هامشها، لا يملك فيها أي موقع متميز، لا على الصعيد الاستراتيجي ولا الاقتصادي ولا السياسي ولا الاجتماعي ولا التقني ولا العلمي ولا الرمزي الثقافي المتعلق بالهوية.
يعكس التأخر الطويل في إدراك حقيقة العولمة في العالم العربي غياب أي استراتيجية واعية للرد الايجابي على تحدياتها كما يعكس الالتحاق السلبي بها والعجز المستمر عن بناء السوق العربية الإقليمية القادرة على توفير شروط الاستجابة الناجعة لها. كيف نفهم هذا العجز وما هي آثاره وما هي آفاق الاصلاح المحتملة لهذا الوضع وتلك العلاقة في المستقبل؟

 

2- الخلفية التاريخية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية والسياسية لعولمة العالم العربي
فشل التجربة القومية

لا نستطيع في نظري أن نفهم طبيعة الاستجابة التي قادت العالم العربي إلى الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعرفها اليوم، ولا الاستجابات التي نقلت بلدانا كبرى مثل الصين أو الهند إلى مقدمة مسرح الاقتصاد والسياسة العالميين، مستفيدة من الفرص التي قدمتها العولمة، إلا إذا حللنا السياق الذي حكم استراتيجية الانخراط في العولمة لكل منها. ويبدو لي أن نوعية الاستجابة التي طورتها المجتمعات المختلفة تجاه العولمة مرتبطة بالطريقة التي واجهت فيها حقبة ما بعد الوطنية/القومية، والحلول التي قدمتها لجملة المشاكل التي رافقتها، وفي مقدمها إعادة بناء النظام السياسي والاجتماعي بما يتفق مع متطلبات الانخراط في شروط الانتاج العالمية أو المعولمة. فكما ساهمت النزعة الوطنية الصينية، المتمحورة حول الاحتفاظ بوحدة البلاد ضد عوامل التفكك الداخلية وبمكانة الصين العالمية، في التشجيع على التحول الانقلابي من السياسات الاقتصادية الاشتراكية التقليدية والانفتاح على السوق العالمية بهدف ضمان وتيرة التنمية والإزدهار الاقتصادي، يبدو غياب الحوافز الوطنية وفساد النخب الاجتماعية في دول العالم العربي هو السبب الرئيسي الذي يفسر الإعراض عن بناء الوحدة الاقتصادية أو العجز عن التقدم في مشروع بنائها. وهو ما يعكس في الواقع الإخفاق الكبير الذي أظهرته النخب العربية، ومن ورائها المجتمعات نفسها، في إدراك حقيقة العولمة وأهمية ايجاد الحلول الفعالة لمشاكل انحسار الوطنية/القومية كحركة سياسية فكرية محركة للدولة ومقومة للسلطة، وكمجموعة من البرامج العملية التي لا غنى عنها لتفعيل المجتمع وضمان وحدته السياسية.

قد يبدو هذا التفسير مفاجئا في الوقت الذي لا تزال الأفكار الوطنية والقومية تسيطر بشكل قوي على الخطاب السياسي العربي الرسمي والشعبي على حد سواء. بيد أن هذه السيطرة التي تتعارض كليا مع الممارسة تظهر، بالعكس من ذلك، أن الوطنية/القومية قد تحولت إلى قناع تستخدمه القوى المختلفة لإخفاء الواقع الفعلي أكثر مما تعبر عن ممارسة فعلية. لقد تحولت الوطنية إلى حجاب، بالمعنى الديني للكلمة، يستخدم لاتقاء شر الواقع غير الوطني وغير القومي والتأثير عليه أكثر مما يعبر عن هذا الواقع أو يشير إليه. لكن النتيجة المهمة التي نريد التاكيد عليها والتي تشكل العامل الرئيسي في تكوين سياق اندراج المجتمعات العربية في عصر العولمة هو ما أسميه التغريز في الفكرة الوطنية/القومية أو التخبط المستمر فيها وعدم النجاح في الخروج السليم والمنظم منها نحو آفاق أرحب تساعد العالم العربي على مقاربة التحولات الدولية الجديدة. ولا يرجع هذا التغريز وما رافقه من فشل في تجاوز إطار الدولة الوطنية أو القطرية إلى عامل واحد ولكن إلى عوامل متعددة.

فقد اكتشف العرب، كما اكتشفت شعوب كثيرة أخرى، في سياق البحث المستمر في مسألة التقدم وتجاوز الانحطاط التي شغلتهم لأكثر من قرنين، فكرة الدولة الوطنية أو الدولة الأمة. واستقر في ذهنهم، كما حصل لجميع الأمم التي عاشت من حولهم، على أنها الإطار السياسي والثقافي الوحيد لتوفير شروط النهضة الحضارية والاقتصادية. وبالفعل تركز جهد النخب العربية في كل مكان، وبصرف النظر عن أصولها ومذاهبها الدينية والفلسفية، على تحقيق الاستقلال الذي يشكل الشرط الرئيسي لبناء هذه الدولة ذات السيادة القومية. وقد كان الصراع من أجل الاستقلال محور نضالات العرب ضد الهيمنة القومية التركية التي ورثت السلطنة العثمانية، واستمر بعد ذلك محور الصراع ضد الهيمنة الأوروبية التي خلفتها، في المشرق والمغرب العربيين. وما إن تحررت الشعوب العربية من هذه السيطرة ونالت استقلالها حتى تطلعت، أو تطلع قسم كبير منها، إلى بناء دولة وطنية يتفق مفهومها بشكل أكمل مع مفهوم الدولة القومية الأوروبية الحديثة، أي يكون فيها التوافق قويا وحقيقيا بين حدود انتشار الثقافة الواحدة والدولة. وفي ظل هذه الحركة الوطنية تبلورت البنيات والمؤسسات والقوى والقيم والمفاهيم والرموز الجديدة التي ستطبع تفكير وسلوك المجتمعات العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال وتشرط ردود فعلها الداخلية والخارجية خلال العقود الثلاث التي ستعقب الاستقلال.
ولم ينبع نجاح الهيلكة الوطنية الجديدة من فراغ. لقد كان النتيجة الطبيعية لوضع برنامج الوطنية موضع التحقيق، بكل ما يتضمنه من فرص التحرير والانعتاق والتقدم المادي والثقافي. فقد ارتبط بنشوء الفكرة الوطنية، وإقامة نموذج الدولة الحديثة المستمدة منها، ميلاد حركة شعبية قوية نحت منحى تجاوز البنيات العصبوية والانقسامية للمجتمعات العربية ودمجها جميعا، خاصة على مستوى الريف والمدينة، في بوتقة وطنية واحدة . وقد استدعى ذلك تبني النخب والأحزاب الحاكمة برنامجا إصلاح اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي وطني كان في مقدمة إنجازاته إلغاء سيطرة الطبقة الريعية شبه الإقطاعية أو تحجيمها، وتشجيع نشوء طبقة وسطى جديدة من أوساط مدينية وفلاحية لاحتلال مركز الثقل في تراتب القوة داخل منظومات الحكم التي ستبرز في الحقبة التالية، وتطبيق برامج تصنيع وتحديث للإدارة والمؤسسات . لكن في ما وراء ذلك ارتبط بمشروع الدولة الوطنية تحقيق خدمات اجتماعية مهمة للسكان مثل تعميم التعليم الابتدائي الاجباري، وبناء منظومة تعليمية متكاملة، وتوفير الخدمات الصحية ووسائل النقل والوظائف لملايين الأفراد، حتى أصبحت الدولة الوطنية، إضافة إلى ما تمثله من قيم الاستقلال عن الهيمنة الأجنبية، رب العمل الرئيسي في معظم البلاد العربية، خاصة تلك التي حباها الله بموارد استثنائية من النفط.
وبالرغم من أن نتائج هذه الاصلاحات العامة والهيكلية لم تكن حاسمة، إلا أن المردود الاجتماعي لهذه العملية كان ذا أهمية عميقة. فقد ساهم في إدراج المجتمعات التي عاشت لفترة تاريخية طويلة خارج التاريخ أو على هامشه، في الحضارة الحديثة. كما وسع قاعدة الطبقة المتوسطة، وولد طبقة وسطى حديثة متعددة الأصول والمشارب عملت على تسريع وتيرة الاندماج الاجتماعي ومثلت رافعة قوية لتكوين بنية وطنية، وعيا وممارسة. ومن هذه البنية ستنبثق النخب التي ستحمل عبء إدارة الدولة وتطبيق البرامج الاجتماعية المرتبطة بها، وبلورة سياسة تهدف إلى خدمة المصلحة العامة، بصرف النظر عن مدى إدراك النخب الحاكمة لطبيعة هذه المصلحة وتوافق خياراتها السياسية معها.
وعززت مكاسب الاستقلال الأولى ايمان الشعوب معا بإمكانية تكوين دولها المستقلة وتبني سياسات قومية تخدم مصالحها الوطنية ولا تخضع لأي اعتبارات خارجية. كما رسخ الاعتقاد ببدء عهد جديد يسوده التعاون بين جميع دول العالم وشعوبه، على أساس من الندية والمساواة في سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وانخراط البشرية في مغامرة الحداثة الواحدة. وفي هذا السياق الجديد لانهيار النظام الاستعماري القديم، ونشوء منظومة الأمم المتحدة، تطورت، على هامش عملية بناء الدول الوطنية، حركة شعبية قوية تنادي بوحدة الشعوب العربية، أطلقت على نفسها اسم القومية العربية، ما لبثت حتى احتلت موقع القلب من الحركات الوطنية نفسها في الوعي العربي العام. وصار الانتماء للهوية العربية الواحدة احد المعطيات الرئيسية للوطنيات المحلية وركنا من أركان وجود الدولة الوطنية نفسها. ومن هذه الحقبة سوف يرث الوعي العربي تلك الحساسية الخاصة والعميقة التي لا تزال تطبعه تجاه مسائل السيادة العربية، ورفض كل ما يصطدم بها أو يتعرض لها، كما سيرث روح التضامن القوي بين الشعوب العربية، من وراء خلافات نظم الحكم القائمة وبالرغم منها.
ومهما كانت النزاعات التي أثارتها هذه الحركة التوحيدية نفسها، وما قادت إليه من انقسام داخل العالم العربي، بين الدول التقدمية الداعية إلى إقامة نظام قومي يؤكد على قيم الاستقلال والسيادة والوحدة العربية، والدول المحافظة المؤكدة على استقلال الدول القائمة واعتمادها كمعطيات نهائية ودائمة، وعلى التفاهم أو التعاون مع الدول الغربية، فإن الحركة التي وقفت وراء فكرة الوحدة العربية، سواء انتمى أعضاؤها إلى المنظمات القومية ام لم ينتموا، قد شكلت قوة عابرة للبلدان والحدود الجغرافية العربية، أثرت كثيرا على مجرى السياسة الإقليمية. وأعطت للمنطقة ككل ثقلا حقيقيا في موازين القوى الدولية جعلت الدول الكبرى تتردد كثيرا في التفكير في العودة إلى مشاريع الهيمنة التقليدية، كما أضفت على المنطقة الشرق أوسطية طابعا ثقافيا وسياسيا خاصا جعلها تبدو وكأنها منطقة عربية أو تحت سيطرة عربية شاملة، مغطيا بذلك على الكثير من أسباب الانقطاع والانقسام والتنافر داخل المجتمعات العربية وعلى مستوى المنطقة ككل. باختصار، لقد ساهمت حركة القومية العربية التي تحملت عبء تأكيد شرعية الدولة الوطنية واستقلالها الاستراتيجي النسبي تجاه الدول والأحلاف الأجنبية، في التعريب السياسي للمنطقة وجعلت الشرق الأوسط يبدو للعربي وغير العربي وللقريب والبعيد منطقة عربية بامتياز.
ورافق تقدم تحقيق برنامج الدولة الوطنية انتشار أفكار الحداثة وتمثلها بشكل متزايد من قبل النخب الاجتماعية والسياسية والثقافية. وبعكس ما يعتقد الكثير من المحللين، لم يكن الوجود الاستعماري المباشر هو المحفز لهذا الانتشار والهيمنة السريعة للأفكار والقيم الحديثة بل العكس. لقد دفع الحضور الاستعماري المباشر أينما حل عموم الجمهور نحو الانغلاق والانكفاء على القيم والمفاهيم والتقاليد القديمة بقدر ما بدا التمسك بهذه القيم وتلك التقاليد والمفاهيم التاريخية وسيلة للحفاظ على الهوية والوحدة الاجتماعية الضروريتان لمقاومة التمييز الذي تمارسه القوى الخارجية على السكان المحليين بحرمانهم من سيادتهم وحقهم في تقرير مصيرهم والذي تجسده السيطرة الخارجية. وبالمقابل أعطى الانتصار في معركة الاستقلال، وتأسيس دولة وطنية، صدقية حقيقية لفكرة إمكانية تعميم قيم الحداثة وتمثلها من قبل جميع الشعوب، بقدر ما أوحى بإمكانية تحقيق عالم تسوده الندية والاعتراف المتبادل والمعاملة بالمثل. وهكذا ترافق الاستقلال في بلدان العالم التي خضعت للاستعمار سابقا، وفي العالم العربي بشكل خاص، بانهيار كامل لايديولوجيات الانغلاق والتكور على النفس والعودة إلى الماضي، وبانخراط شامل وكامل في العصر وتبني قيمه وأفكاره من دون تساؤل ولا تردد. لا بل إن هذا التبني الذي كان واضحا في أوساط النخب الليبرالية العربية، حتى تلك التي كانت لا تزال أقدامها غارقة في الممارسات شبه الاقطاعية، قد تحول إلى ارتماء رديكالي في أحضان الأفكار الثورية بكل أشكالها، كما عبرت عن ذلك جميع الأفكار الوطنية المحلية مثل الفكرة الوطنية المصرية والقومية السورية والقومية العربية وغيرها، ودفعت بالكثير من هذه الايديولوجيات إلى تبني سياسات اجتماعية انقلابية رديكالية هي التي قربتها في الواقع من النظريات الماركسية والاشتراكية العالمية.
على مدى هذه الحقبة التي أعقبت الاستقلال كانت النخب السياسية المتنافسة تتبارى في سياساتها الانقلابية التغييرية لنيل الشرعية. وقبل أن يعود مروجو الزعامات إلى استخدام اسم "الرئيس المؤمن"، للإشارة إلى التواصل الوهمي بين القيادة المنقطعة عمليا عن الشعب وهذا الشعب نفسه عبر الانتماء إلى الدين الواحد، كانت الصفة المفضلة لدى هؤلاء أنفسهم مرتبطة بالبناء والإعمار والتحديث. فكان لقب باني مصر الحديثة أو سورية الحديثة أو تونس الحديثة أو الجزائر الحديثة مدرا للشرعية أكثر بكثير من لقب الرئيس المؤمن أو المتمسك بالقيم الجمعية.
وبعكس ما يميل إليه الشعور العام اليوم من نزعة إلى تسويد صفحة الماضي القريب، لم تكن حقبة التحول الوطني العاصفة الأولى حقبة فقيرة بالاصلاحات والتجديدات والمكتسبات الاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية. فقد شهدت هذه الحقبة تحولات كبيرة على جميع المستويات بدءا بتغيير البيئة النفسية التي كان يعيش فيه العرب كأفراد وجماعات منذ دخولهم في العصر الاستعماري وانتهاءا بتحديث الهياكل والبني الاجتماعية مرورا ببناء مؤسسات الدولة الحديثة وإرساء أسس التحول الصناعي وتحديث الإدارات وبناء المنظومات التعليمية الوطنية وتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية الأخرى للسكان ودمجهم في سياق وطني واحد. وقد أشرت إلى تغير البيئة النفسية في المقام الأول لأن تأثير ذلك كان عاملا قويا في تحرير المجتمعات العربية، أفرادا وجماعات، من روح التسليم بالأمر الواقع والاستسلام للقضاء والقدر نتيجة حال العبودية التي كرستها عقود طويلة من الاستبداد السلطاني وما أضاف إليها السقوط تحت السيطرة الاستعمارية من شعور بالدونية والعجز عن مسايرة الحركة التاريخية. لقد كان الاستقلال أول إنجاز يعيد إلى الشعوب التي عرفت القهر والذل لقرون طويلة الثقة بالنفس ويحثها على استعادة أو استنبات مفاهيم وقيم المسؤولية التاريخية والسياسية ويفرض عليها أخذ مصيرها بيدها.
وقد ارتبط باستعادة الثقة بالنفس والتصالح مع القيم التاريخية والتعود على فكرة الشعب الحر المسؤول عن مصيره إعادة بناء الهوية على أسس أكثر ديناميكية. ومكنت حركة التحول الشاملة الفرد من تجاوز التماهيات أو استراتيجيات التماهي العائلية والعشائرية والطائفية العصبوية القديمة التي كانت تعبر عن الركود الاجتماعي والاقتصادي العام وضعف التواصل بين مكونات المجتمع وغياب الاقتصاد الحديث نحو استراتيجات تماه وطني عام. وبعكس ما تشير إليه تحليلات بعض المؤرخين المعاصرين، لم يصطدم هذا التماهي الوطني مع التماهي القومي العربي الذي انتشر بشكل كبير في حقبة الستينات من القرن الماضي بل كان أساسا له. فما كان من الممكن انطلاقا من الشعور العشائري أو الطائفي الارتقاء نحو شعور عربي يجمع كل الناطقين بالعربية. وبهذا المعنى جاءت الهوية العربية كامتداد للهويات الوطنية وتعزيز لها بقدر ما رسخ أمل الوحدة العربية الشعور بالقدرة على مجاراة قيم العصر وتحقيق التنمية الاقتصادية وتأكيد السيادة والاستقلال والندية والمساواة مع المجتمعات الكبرى الأخرى.
وفي إطار هذه الثقة المتجددة بالنفس وبالمستقبل وبقدرة الشعوب على بناء أوطان حديثة مشابهة للأوطان الحديثة الأخرى نشطت النخب الوطنية الجديدة، بشقيها الليبرالي والاشتراكي، في تعميم مباديء الدولة الحديثة وتعزيز مؤسساتها التنفيذية والقضائية والتشريعية. وهكذا ترافقت الاستقلالات بإقامة الجمهوريات في القسم الأكبر من البلدان العربية وتبنت النخب معايير حديثة للفصل بين السلطات وتطبيق مبدأ استقلال الدولة عن الدين، حسب شعار الدين لله والوطن للجميع، وما يعنيه من مساواة جميع المواطنين مبدئيا أمام القانون، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والفكرية. وحتى عندما ألغت النخب الرديكالية القومية هذا الفصل بين السلطات لم تتراجع عن تأكيد استقلال الدولة عن السلطة الدينية.
وشهدت المجتمعات العربية تحولات عميقة في نظمها الاجتماعية والتعليمية والصحية. وقادت السياسات الاشتراكية والاجتماعية إلى تقليل الفوارق بين الطبقات وتراجع كبير في معدلات الفقر جعلت من العالم العربي حتى الثمانينات من أفضل المناطق في العالم في عدالة توزيع الدخل. كما بذلت حكومات المنطقة في ذلك الوقت جهودا بناءة في سبيل نشر التعليم الحديث وتعميمه وإدخال المرأة في الحياة العامة.
وبالرغم مما كانت تمثله المسألة الاسرائيلية - التي نشأت عن الإعلان أحادي الجانب عن قيام دولة إسرائيل على الجزء الأكبر من الأرض الفلسطينية، وتشريد معظم أبناء الشعب الفلسطيني - من ضغط متواصل على الدول الفتية، فقد نجحت الحكومات العربية في احتواء التوسعية الاسرائيلية وفي المقابل الانخراط بشكل أكبر في عملية البناء الداخلي.
باختصار لقد شهدت البلاد العربية في حقبة ما بعد الاستقلال، في إطار التوازن الجديد للقوى الذي أفرزه انهيار النظام الاستعماري القديم، تحولات قوية وايجابية في ميادين تأكيد هامش مناورة استراتيجية كبيرة إقليمية عزز السيادة الوطنية لدولها، كما شهدت ترسيخ الهوية الثقافية بعد قرون من التردد والتوتر بين العصبيات المحلية والولاءات الدينية والفكرة الوطنية، وأرست دعائم دولة ومؤسسات حديثة منفتحة على المشاركة الشعبية، سواء أجاء ذلك عن طريق المشاركة الانتخابية أو الانخراط في الحركات التجديدية الانقلابية، وساهمت من خلال خططها التنموية الهادفة في خلق قاعدة اقتصاد صناعي حديث كانت البلدان العربية تفتقر إليه بالإضافة إلى الاستثمارات الكبيرة التي قامت بها في ميدان الخدمات الاجتماعية الصحية والتعليمية والإنسانية الأخرى. ومجموع هذه الانجازات جعلت من هذه الحقبة تبدو وكأنها استعادة لمجهود النهضة العربية التي بدأت منذ القرن التاسع عشر وموجة ثانية من موجات التحديث التي نقلت العالم العربي من حالة الهامشية والركود والخضوع للأجنبي إلى حالة التحول والتغير السريع والشراكة العالمية. ولذلك بدا الجهد المتواصل والمتنوع الذي عرفته الدول العربية في مجال التحديث في ذلك الوقت وكأنه مشروع النهضة الثانية الذي قادته مصر الناصرية بعد مشروع التحديث الأول الذي كان لمصر أيضا قصب السبق فيه .

وهكذا ارتبطت هذه الحقبة الوطنية بتجربة انفعالية جماعية قوية من الصعب محوها من الذاكرة التاريخية مع ما رافقها من معارك النهضة الفكرية والحداثة والاستقلال والانتصار على السيطرة الأجبنية والقدرة على الفعل والمشاركة في المصائر العالمية وتأكيد السيادة والإرادة الحرة في النفوس. وكما أصبح التمسك بذكرى هذه التجربة العاطفية والسياسية الفريدة في التاريخ الاجتماعي العربي، تعبيرا عن التمسك بالهوية، أصبح التخلي عنها تنكرا للذات واستسلاما للقوى الأجنبية التي حالت دون تحقيق برنامجها وطموحاتها. ومما يساعد على التمسك بها الاعتقاد القوي بأن إخفاقها كان نتيجة تآمر الدول الكبرى وأن التخلي عنها يعني أيضا التسليم بالإخفاق التاريخي والتنكر لعقود طويلة من العمل الجماعي المستمر في سبيل الحرية والاستقلال والسيادة والكرامة العربية. ومن هنا شكلت المكانة الرمزية الخاصة التي مثلتها الفكرة الوطنية/القومية في بناء تاريخ العرب الحديث ومجتمعاتهم الخارجة من مناخ القرون الوسطى العامل الأول في حرمانهم من إدراك التحولات العالمية السائرة إلى تجاوز مفهوم الوطنية والقومية معا. ويشكل استمرار محورة المناظرة السياسية في الفكر العربي حول مسألة القومية والقطرية، لوقت قريب ، التعبير الواضح عن هذا التغريز الذي منع هذا الفكر نفسه من الالتقاء مع موجة الديمقراطية وأفكار المجتمع المدني التي ازدهرت في المناطق الأخرى منذ السبعينات .
لكن ما تركته تلك التجربة من ذكرى ايجابية تلهم الرأي العام العربي وربما ستظل تلهمه لعقود طويلة ليس العامل الوحيد الذي يفسر عجز المجتمعات العربية عن إدراك التحولات العالمية وبلورة استراتيجية ما بعد وطنية ناجعة للرد على حاجات الحقبة العولمية. فمما لا شك فيه أن المنطقة العربية قد تعرضت لضغوط استثنائية خارجية، أمريكية أوروبية بالدرجة الأولى في سبيل ثنيها عن مشاريع التكتل والتكامل والاتحاد بل عن التعاون الاقتصادي الجاد والمثمر. وقد ساهم وجود الاحتياطات النفطية الكبيرة والرخيصة والوفيرة معا كما ساهم التعاطف الغربي الواسع مع إسرائيل والموقع الجيوسياسي المتميز للعالم العربي بين القارات الثلاث في تعميق هذه الضغوط وتنويع التدخلات الخارجية للتحكم بمصير المنطقة ككل ومنعها من الخروج من تحت السيطرة الغربية. وقد كان لهذه التدخلات دورا كبيرا في تحطيم آمال العرب الوحدوية وفي ما بعد في تدعيم قيام نظم تسلطية تهدف إلى عزل المجتمعات وتقييد حركتها وإحكام السيطرة عليها. وأصبح الحفاظ على التجزئة العربية شرطا أساسيا من شروط بقاء الأنظمة ومن وراء ذلك استقرار النظام الإقليمي نفسه. مما يعني أن ضمان المصالح الاستراتيجية الأطلسية الأوروبية الأمريكية قد أصبح حاجزا حقيقيا أمام امكانية التفكير والعمل على تجاوز الحدود الوطنية القائمة. وهكذا انتقلت المنطقة من نفي مشروعية الدول القائمة بوصفها من مخلفات الحقبة الاستعمارية إلى التأكيد المرضي واللاعقلاني على سيادة هذه الدول نفسها واعتبار التعاون نفسه حدا منها أو تهديدا لها .
وأخيرا لا يمكن فصل هذا العجز عن الخروج الطبيعي من استراتيجيات الحقبة الوطنية عن تحولات النظم السياسية، وحاجات النخب الحاكمة المتزايدة، في علاقتها مع الدولة وحاجاتها للاحتفاظ بسيطرتها السياسية في ظروف انحسار الوطنية، إلى مصادر للشرعية، مهما كانت هذه المصادر واهية أو زائفة. فمما لا شك فيه أنه كان لهذه النخب ولا يزال دور كبير في المحافظة على الايديولوجية الوطنية حية مع تحويرها بحيث تتطابق مع سلطة الدولة والولاء لها بصرف النظر عن سياساتها وتشكل تعويضا عن تحقيق البرامج التي ترد على تطور الحاجات الاجتماعية.
لقد استخدم الخطاب القومي، والمكانة الرمزية الخاصة التي مثلتها الفكرة الوطنية/القومية في بناء تاريخ العرب الحديث ومجتمعاتهم، لتبرير استمرار سيطرة النخب الاجتماعية بما فيها تلك التي لم يكن لها علاقة بالحركة الوطنية/القومية العربية. فلا شك في أن هذه الفكرة المركزية بالنسبة للثقافة السياسية العربية الحديثة لا تزال، بالرغم من كل الانتقادات التي وجهت ولا تزال توجه لها، خاصة في العقود القليلة الماضية، على ضوء الانحطاط الذي أصاب الدول التي جسدتها، تمثل في المخيلة والذاكرة الاجتماعية، المصدر الوحيد لقيم سياسية تحظى بالكثير من الشرعية. ولا يمكن تصور عمل وطني خارج إطار الدولة الوطنية ولا من باب أولى في مواجهتها. وبقدر ما سهل هذا الموقع المتميز للدولة داخل الفكرة الوطنية استقلال نخب السلطة عن المجتمع ومصادرتها للسلطة العمومية واستخدامها لخدمة مصالح خاصة وإفساد الحياة الوطنية، حرم المجتمع الحديث من أي نقطة ارتكاز مستقلة وتركه معلقا في الفراغ يتردد كالوتر المشدود بين العودة إلى أطر التضامنات التقليدية العشائرية والطائفية والتعلق بالدولة المارقة، بالمعنى الصحيح هنا للكلمة، وبالوطنية التي تحولت ذكرى لها، كتعلق الغريق بقشة.
وهكذا حول التركيز على الدولة كسلطة مركزية جامعة، في سياق غياب حياة سياسية حقيقية، الوطنية إلى حجاب أو تميمة تخفي عودة الشياطين الطائفية والعشائرية القديمة وتعمل على طردها. ويشكل العزف على وتر الوطنية/القومية المنفصلة عن الواقع والمتحولة إلى حجاب أداة فعالة في يد الأنظمة المنفصلة عن مجتمعاتها لتجييش الجمهور وتعبئته ضد المعارضة وضد الضغوط الخارجية ودفعه إلى الالتفاف حول أنظمة ونخب فقدت كليا النجاعة والشرعية السياسية معا. لقد أصبحت الوطنية سوطا تستخدمه النخب المأزومة والفاقدة لأي علاقة مع شعوبها لإدامة سيطرتها اللاشرعية .

حالت هذه العوامل الثلاثة: هوس الوطنية والسيطرة الإقليمية شبه الاستعمارية واستراتيجياتها المناوئة للتكتل على أسس قومية، وحاجات النخب المقطوعة عن شعوبها إلى تصنيع وطنية مركزة حول سلطة الدولة المركزية ومقدسة لها بوصفها روح الوطنية وأساسها، دون العالم العربي وإدراك فرص العولمة وتوفير شروط الخروج المنظم من الحقبة الوطنية نحو التكتلات الإقليمية التي تشكل الشرط اللازم للدخول في حقبة التفاعل والتواصل والانخراط في المجتمع العالمي الناشيء. ومما فاقم من أثر هذه العوامل وزاد في تعقيدها أن التطلع إلى أفق العالمية، بل حتى إلى الفكرة الإقليمية، قد بقي يمر، في خطط الدول الكبرى المتنفذة في المنطقة، بالتخلي عن الفكرة العربية والقبول بالفكرة الاستيطانية الاسرائيلية. بمعنى آخر إن الانعتاق من الفكرة الوطنية والانتقال إلى الفكرة العالمية الضرورية لاكتشاف فرص التحولات العولمية لا يواجهان عقبة نفسية وفكرية وسياسية فحسب، وإنما غياب الشروط الجيوستراتيجية التي تسمح بتعويض التضامن الوطني والقومي العربي بتضامن إقليمي أو عالمي محتمل مقابل. وهو ما يشير بالفعل إلى انسداد أفق الإقليمية والعالمية الحقيقية أمام المجتمعات العربية. وهكذا ارتبط التركيز على الأفق الوطني الذي لا يزال يطبع العالم العربي حتى اليوم، في مواجهة تطورات لم يعد الإطار الوطني ناجع في التكيف معها، بغياب آفاق الخروج من الحقبة الوطنية وانعدام شروط الإغلاق السليم لملفاتها التي لا تزال ملتهبة، وفي مقدمها ملف الاستيطان اليهودي في فلسطين. وحل محل الانفتاح العالمي المطلوب نزعة قوية للإنغلاق على الذات، والمراهنة على تمديد الحقبة الوطنية وحلولها التقليدية. وهو ما يترك المجتمعات العربية أكثر فأكثر عارية أمام إرادة الهيكلة الدولية الخارجية التي ستبرز على أثر المضاعفات الأمنية الخطيرة التي ستنجم عن تدهور الأوضاع الإقليمية وتراجع شروط المعيشة فيها وانتشار العنف وتصديره للعالم الخارجي.

 

3- سمات الاستجابة العربية لتحديات العولمة :
أو العجز عن الخروج من أفق الدولة الوطنية

ذكرت أن آثار العولمة المقارنة على البلدان المختلفة ليست واحدة ولا محسومة سلفا. إنها تختلف اختلافا كبيرا وترتبط مباشرة بنوعية الاستراتيجية التي اختارتها كل نخبة من النخب الحاكمة لمواجهة مسائل الانخراط في المجتمع العالمي الجديد والرد الناجع على التحديات الثقافية (الأخلاقية العامة، الهوية، الصورة الخارجية إلخ) والسياسية (الوحدة الوطنية، الديمقراطية، الاستقرار) والاجتماعية (أنظمة التوزيع العادل والتكافل والتضامن) والاقتصادية (فرص النمو الاقتصادي وتكوين فرص العمل وزيادة حصة الفرد ودخله) التي يطرحها. ويحتاج الرد الناجع إلى سياسات متكاملة وإلى تطوير استراتيجيات تعاون إقليمي أو دولي لا غنى عنها بالنسبة لأي بلد، حتى البلدان الكبيرة وذات الإمكانيات الواسعة.
وربما كان النموذج الرئيسي لهذه الاستراتيجية التي طبقت في البلدان العربية هو ما سمي بسياسات التأهيل الاقتصادي، التي كانت مصر وتونس، وفي ما بعد المغرب والجزائر، من بين البلدان العربية الأولى التي بادرت إليها، وحققت بفضل السبق الزمني في تطبيقها أيضا بعض النتائج التي لا يمكن تجاهلها. وتتفاوت نتائج العولمة الاقتصادية في البلدان العربية بقدر تفاوت نجاحاتها في تطبيق سياسات التأهيل الاقتصادي للإدارة والشركات والمؤسسات الاقتصادية، وكذلك بحسب طبيعة الاتفاقات التي جمعتها مع الدول الصناعية، وفي مقدمها اتفاقات الشراكة الاروبية المتوسطية التي وقعت عليها في إطار عملية التأهيل هذه وفي ما ورائها. لكن ينبغي القول أيضا أن كثيرا من البلدان العربية قد افتقرت أصلا إلى استراتيجية التأهيل الاقتصادي هذه، وبعضها لم تسعفه الظروف أيضا في توقيع اتفاقيات الشراكة المتوسطية على ضعفها وقلة فاعليتها. فالحروب الداخلية والخارجية حرمت بلدان مثل العراق والسودان وفلسطين من بلورة سياسات اقتصادية مستقرة حتى اليوم، بينما لا تزال ليبيا وسورية تنتظران التوقيع على اتفاقات الشراكة الأوروبية المتوسطية منذ سنوات طويلة، بسبب المشاكل السياسية العالقة أو المستجدة.
لكن في ما وراء هذا التفاوت النسبي، تشترك البلدان العربية جميعا في تبنيها منذ فترات متباينة سياسات الانفتاح الاقتصادي سواء أكان ذلك في إطار مفاوضات الشراكة المتوسطية أو من دونها. كما تشترك جميع هذه البلدان، باستثناء المغرب الأقصى ربما، في التمسك بالطابع الاقتصادي والتقني البحت لسياسة الانفتاح وافتقارها لأي مقابل اجتماعي وسياسي وثقافي.
فقد ارتبطت سياسات الانفتاح الاقتصادي، تلك المفاوض عليها أو تلك النابعة من استجابة إرادية للتحولات العالمية ووصايا المؤسسات المالية، بسياسات مناقضة لها تماما على مستوى بناء المجتمعات المدنية وتمكين الناس من المبادرة الحرة والخاصة في إعادة تنظيم شؤون حياتهم الجمعية. ولا يختلف الأمر عن ذلك في ميدان الإدارة العامة والحكم. فقد تبنت النخب العربية جميعا تقريبا استراتيجية إغلاق النظام السياسي وتضييق دائرة المشاركة في القرار وتقييد الحريات وقصر الحياة السياسية على نشاط الدولة والحزب الحاكم والرئيس الفرد. بل إن الحياة السياسية تدور جميعها أحيانا من حول رئيس فرد تعزى له قدرات استثنائية في القيادة والإدارة والعلم والدبلوماسية والاقتصاد، يحرك المجتمع بعصاه السحرية وتكفي كلمه واحدة منه لتفتح جميع الأبواب المغلقة وتحل جميع المشاكل القائمة. وهذا الرئيس الزعيم القائد والأب الخالد معا أصبح هو نفسه، بما بلغه من درجات القداسة والإلهام والعبقرية، أي من الاستثنائية، التعويض عن أي سياسة اجتماعية أو ثقافية والبديل لها. فهو المعلم في الأخلاق والعلم والأدب بقدر ما هو العالم الاقتصادي والقائد الاستراتيجي.
ومن هنا يمكن القول إن ما ميز سياسات النخب الحاكمة العربية إزاء العولمة هو التناقض العميق بين تبني استراتيجية الانفتاح الاقتصادي، الذي يفرض على المجتمع الخضوع لقواعد المنافسة العالمية المفتوحة على صعيد الانتاج والاستهلاك والتجديد التقني والعلمي من جهة، واستراتيجيات قطرية مغلقة ومتراجعة في المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية. ولا يختلف هذا كثيرا عما قامت به الصين بالفعل. لكن بينما كانت هذه الاستراتيجية ضمانة للإبقاء على وحدة الصين ومنعها من التفتت وتطبيق سياسات وطنية داخلية، عملت هذه الاستراتيجة على قطع الطريق على نشوء كتلة عربية اقتصادية فعلية كان بإمكانها وحدها أن تشكل إطارا لبلورة استراتيجية تعامل مع عصر العولمة والسوق العالمية المفتوحة لا تقتصر على جانب التكييف الاقتصادي البسيط فحسب ولكنها تفتح آفاق بناء مجتمع عربي قادر على الانخراط في العولمة والمشاركة في نشاطاتها الحقيقية الاقتصادية والتقنية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
من هنا ستتسم عولمة العالم العربي بسمات خاصة تميزها بشكل كبير عن بقية مسارات العولمة في المناطق الأخرى.
من أول هذه السمات أنها عولمة إجبارية لا ترتبط باستراتيجية واعية وقادرة على استيعاب الفرص وتجنب المخاطر بقدر ما تحصل كرد فعل على تحديات ظاهرة وطارئة. وهي بالإضافة إلى ذلك استراتيجيات بلدان ونخب صغيرة تفتقر للإمكانيات والموارد وهامش المبادرة والمناورة الاستراتيجية معا، ولا تستطيع أن تصوغ أي خطة شاملة وطويلة المدى للانخراط الناجع والفعال في المنافسة العالمية. إنها تسعى إلى الحصول على بعض المكاسب لقاء استجابتها لقوى العولمة الرئيسية وتعاونها معها، أي وضع نفسها في خدمة أجندتها الخاصة. وهي بالتالي تفتقر للسيطرة الداخلية والاستراتيجية المستقلة، وتتكون من ردود الأفعال الوقتية وتستدعي التخلي بشكل مكشوف أو ضمني عن العديد من الخيارات الاجتماعية السابقة التي طبعت الحقبة الوطنية، وفي مقدمها التضامن بين الشعوب العربية.
ومن هذه السمات أنها عولمة انتقائية وجزئية تتحقق في المواقع والميادين التي تحصل فيها اختراقات خارجية أو داخلية، ولا تملك أي رؤية شاملة ومتكاملة طويلة المدى. فهي عديمة الاتساق والانسجام وبالتالي زاخرة بالتوترات والتناقضات والصراعات المتفجرة أو الكامنة.
ومن سماتها أيضا أنها متفاوتة جدا في مستوياتها. فهي ضعيفة في مستوى وقوية في مستويات أخرى, وسطحية حيث تستدعي العمق وعميقة حيث تستدعي السطحية.
وهي بالإجمال عولمة سلبية تتحملها المجتمعات العربية من دون أن تشارك في تقرير نوعية الاستجابة لها. وليس لها أجندة واعية أو واضحة. ولذلك ارتبطت حقبة الدخول في العولمة في العالم العربي بحقبة كارثية تميزت بنمو اتجاهين عميقين: التدخلات الخارجية التي سعت إلى إجبار البلدان العربية على الخروج من الحقبة الوطنية، سواء أكان ذلك بالطرق السياسية وما تعنيه من ضغوط وزعزعة الاستقرا،ر أو بالقوة التي استخدمتها لتفكيك الدول والنظم القومية واستدخدمت فيها وسائل دموية، وذلك بعد أن عجزت المجتمعات العربية عن الخروج منها بوسائلها الخاصة وبالتكيف مع منطق التحولات التقنية والعالمية الجديد. والاتجاه الثاني، في مواجهة التدخلات الأجنبية، تنامي سياسات ردود الأفعال الوقتية المفتقرة للرؤية الشمولية والبعيدة، والقائمة على استجابات عشوائية ولا عقلانية لنخب مشتتة ومنقسمة على نفسها، ولقطاعات رأي عام ضائع عموما وبعيد عن إدراك طبيعة الرهانات والمشاكل المطروحة والتحديات الحقيقية. ومن هنا سيواكب دخول البلدان العربية في حقبة العولمة تزايد المشاريع الدولية الرامية إلى إعادة الهمينة الخارجية وفرض الوصاية الدولية على منطقة الشرق الاوسط وإدخالها الإرادي والقسري في خطط تخرجها من دائرة تمركزها الذاتية، كمشروع الشرق الأوسط الكبير، والسوق الشرق أوسطية، والشراكة المتوسطية. وفي مواجهة ذلك ستبرز أيضا مشاريع مقاومات عربية من أشكال مختلفة تبدأ من ممانعة النظم والنخب الحاكمة لتطبيق برنامج الاصلاحات وتطوير وسائل القمع التي تسمح لها بالسيطرة بشكل أكبر على المجتمعات، وهو ما سيدفعها إلى تبني برامج إصلاحية شكلية تهدف إلى توسيع قاعدة التفاهم مع القوى الدولية على حساب الانفتاح على المجتمعات، ومنها مشاريع مقايضة الاصلاحات الداخلية بالعمل تحت راية الاستراتيجية الأطلسية ولخدمة أهدافها. ومنها أخيرا مشاريع المقاومة المسلحة التي تعبر عنها حركات السلفية الجهادية التي انتشرت بشكل واسع مع تطور هذا الصراع الطويل الذي فجرته العولمة بين الدول الغربية المجاورة ودول العالم العربي المحيطة بها.
لا يشكل مجموع ردود الأفعال هذه بالتأكيد استراتيجية عقلانية ومتسقة لمواجهة تحديات العولمة الفعلية ولا يعبر عن وجود أجندة عربية خاصة لها ومن باب أولى أن يساعد على اكتشاف الفرص التي تفتحها. إن ردود الأفعال هذه لا ترى في العولمة سوى المخاطر، ولا تفكر فيها إلا من وجهة مراكمة الوسائل النفسية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية لدرئها. ويتوج كل ذلك ويعبر عنه الموقف السلبي العام الرافض للعولمة في المجتمعات العربية والنازع إلى النظر إليها من منظار تطور المؤامرات والخطط الاستعمارية الغربية للنيل من استقلال العالم العربي وإخضاع دولة ومصالحه للمصالح الاسرائيلية .
في هذا السياق لم يكن من الممكن بالتأكيد بلورة أي مشروع عربي ايجابي، وطني أو قومي، لاستثمار فرص العولمة أو السعي إلى المشاركة الفعالة في نشاطاتها. ولم يبدأ التفكير في النشاطات المرتبطة بها إلا في وقت متأخر مع اكتشاف الحركات المناهضة للعولمة التي تحولت إلى حركات العولمة البديلة، حيث وجد بعض المثقفين والناشطين العرب موقعا لهم في سياسة العولمة ومسارها. ولا تزال الفكرة السائدة في العالم العربي، على المستوى الرسمي والشعبي معا، تدفع إلى المطابقة بين العولمة والاستعمار أو السيطرة الأمريكية الاسرائيلية على المنطقة.
وبالفعل لا يمكن لغياب أجندة عربية للمنطقة إلا أن يحول أي إنفتاح على الخارج أو تجاوز للأطر الوطنية إلى جزء من مشروع إعادة الهيمنة الأجنبية وتجديد مشاريع بناء النظم الإقليمية شبه الاستعمارية أو نصف الاستعمارية المرتبطة، استراتيجيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا، بمصالح الدول الكبرى وتوجهاتها. ومن الطبيعي أيضا أن لا يكون بمقدور مثل هذه المشاريع، حتى لو قامت على أسس جديدة، أن تقدم فرصا كبيرة لحل المشكلات العالقة من الحقبة الوطنية، ولا في ايجاد الحلول للمشاكل الجديدة التي تخلقها الثورة التقنية. ولذلك ما كان لتقدم مسيرة العولمة في المنطقة إلا أن يدفع بقوة نحو تفجير أزمة المجتمعات العربية ويهدد توازن واستقرار جميع المؤسسات والبنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية فيها. وهو ما يشجع على تكثيف الضغوط والتدخلات الخارجية من جهة وتفاقم العنف الثقافي والسياسي والعسكري الذي يمثله رد الفعل من جهة ثانية. وهو ما تعيش المجتمعات العربية ذروته اليوم بعد اجتياح القوات الدولية للعراق وتصاعد وتيرة التهديدات الارهابية والخوف المتزايد الذي يدفع النظم العربية إلى الاحتماء بالولايات المتحدة والانضواء تحت لواء الكتلة الأطلسية.

 

4- تفجير العالم العربي أو آثار دخول المجتمعات العربية في عصر العولمة

لم تكن حقبة العولمة حقبة سعيدة بالنسبة للعالم العربي، لا ككتلة ولا كأقطار متفرقة. فقد كان عليه أن يتحمل أكثر من جميع المناطق الأخرى القسط الأكبر من أعباء إعادة بناء النظام العالمي الجديد أحادي القطبية، وما ارتبط ولا يزال يرتبط به من صراعات دموية ومنازعات اقتصادية واستراتيجية . ويمكن القول بالإجمال إنه وإن تمكنت بعض الدول على المستوى الفردي من تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية المؤقتة، إلا أن العالم العربي ككل قد خسر على طول الخط من جراء بروز ديناميات العولمة الراهنة التي تجسدت آثارها الرئيسية في تعميق الفجوات ومكامن النقص والتناقضات التي كانت موجودة من الحقبة السابقة، وفي أحيان كثيرة تفجيرها.

 

1-4- تدويل الأمن الوطني والإقليمي وتهديد الاستقلال

من هذه الفجوات، الفجوة الاستراتيجية التي تشير إلى تراجع شروط الأمن الخارجي بالمعنى القومي أو الإقليمي والوطني القطري على حد سواء. فمما لا شك فيه أن العالم العربي قد شهد تدهورا خطيرا في هامش استقلاله ومبادرته القومية، أي الشاملة. وهو ما يتجسد في إغلاق أفق بناء تكتل سياسي عربي يضمن الأمن الجماعي ويؤكد مشاركة العرب في تحديد سياسة إقليم الشرق الأوسط ومستقبله. فمنذ الآن أصبحت مشاريع الشرق الأوسط الكبير أو الشراكة المتوسطية التي تقسم البلاد العربية بين متوسطية وغير متوسطية، هي الوحيدة المطروحة على جدول العمل الإقليمي، من دون أي أمل بالتحقيق الجدي أيضا. وفي المحصلة غياب أي أفق للتكتل الحقيقي سواء أقام على أسس التقارب العربي أو التقارب الإقليمي، بين البلدان العربية. كما شهد العالم العربي تدهورا خطيرا أيضا في ميدان الأمن الوطني الخاص بكل بلد عربي. وهو ما يعكسه انهيار التفاهم العربي وتفجر النزاعات العربية العربية والحروب الأهلية التي فتحت البلدان العربية أمام التدخلات الخارجية ووسعت من دائرة انتشارها ورقعتها مع تحويل العالم العربي إلى ساحة واحدة للحرب العالمية على الإرهاب وبالتالي للحرب الإرهابية. وهكذا فقد العالم العربي عنصري الأمن والاستقرار الذين لا غنى عنهما في أي تنمية إنسانية، بما في ذلك التنمية الاقتصادية .
وشهد عصر العولمة العربي أيضا تعميق علاقة التبعية التي حاولت الحركة الوطنية والقومية السابقة المستحيل من أجل قطعها وضمان الاستقلال الوطني وتأكيد السيادة الشعبية. فالعالم العربي يعتمد اليوم في استمرار أمن دوله ونظمه السياسية واستقراره الاقتصادي وتأمين حاجاته التقنية والعلمية والصحية والثقافية، بل في بقاء دوله نفسها أو بعضها، على ما يتلقاه من دعم خارجي أو من حماية أو وصاية أجنبية.
فقد نشأت الدول العربية في حضن النظام الاستعماري القديم وسعت فور الخروج من تحت السيطرة الأجنبية إلى الانضواء تحت راية منظمة إقليمية هي الجامعة العربية. وبالرغم من أن هذه المنظمة لم تتسم بالكثير من الفعالية السياسية ومن باب أولى العسكرية، إلا أنها قدمت للشعوب العربية مظلة إقليمية عززت من هامش مبادرتها الوطنية كما شكلت منتدى سمح للدول العربية بمناقشة خلافاتها والتوصل إلى تسويات لا ترقى إلى درجة الحلول للنزاعات ولكنها تفضى إلى تخفيف التوترات والحفاظ على مظهر الإجماع العربي. وقد جاءت حركة الوحدة العربية في الستينات وما ارتبط بها من قوة شعبية لتعزز الشعور بالمصير المشترك لدى المجتمعات العربية وتقوي الانتماء لمجموعة واحدة كبرى ذات مصالح متقارية، ولها مصلحة في العمل المشترك، وربما تكوين كتلة إقليمية مؤثرة في وقت ما. وقد شكل التعاون في المسألة الفلسطينية نوعا من الصدقية لهذه الكتلة القائمة بالقوة إن لم يكن بالفعل.
بيد أن استراتيجية الوحدة العربية لم تستطيع أن تتغلب على عوامل السيطرة الخارجية التي كانت ترمي إلى منع نشوء تكتل، بل حتى تحالف عربي فعال، ضد إسرائيل. وقد تحقق لها ذلك عندما وقعت القاهرة على اتفاقية كمب ديفيد عام 1979، والتي استعادت بموجبها سيناء المحتلة، من دون أي اعتبار لمصير الأراضي العربية المحتلة الأخرى، وفي مقدمها فلسطين والأراضي السورية. وبالرغم من الصدع الذي هز الجامعة، إلا أن الحاجة إلى التكاتف في وجه الضغوطات الخارجية دفعت الدول العربية، من منطلقات براغماتية، إلى التمسك بالمنظمة الإقليمية التي أصبح وجودها وحده يشكل نوعا من الحماية الشكلية للدول، تجاه الخارج وتجاه الداخل أيضا، بما يؤمنه لكل منها من هامش مبادرة خارجية ومن أداة للضغط والحماية والمفاوضة الجماعية لصالح هذه الدولة أو تلك. وهكذا بدل أن تكون قاعدة مشروع تكتل عربي مطلوب لدرء المخاطر الأمنية وخلق سوق اقتصادية واسعة ضرورية للدخول في عصر العولمة أصبحت الجامعة العربية إحدى الأدوات الرئيسية التي تملكها الدبلوماسيات العربية لتأكيد وجود الدولة الوطنية وانغلاقها.

هكذا، منعت الضغوط والتدخلات الخارجية من بناء أي إطار للأمن الجماعي العربي فبقيت اتفاقية الدفاع العربي المشترك ورقة ميتة كما دفنت المنظمة العربية للصناعات العسكرية في مهدها. وبدل الانطلاق من الجامعة العربية التي كانت تمثل قاعدة جاهزة للعمل العربي نحو بناء تكتل إقليمي يسمح باستيعاب تغيرات ميزان القوى الدولي ويضمن للعالم العربي وبلدانه المختلفة هامشا ضروريا للمناورة الاستراتيجية، اتجهت الحكومات العربية منذ الثمانينات في اتجاه العمل الفردي المنفصل، وأخفقت جميع محاولاتها في التوصل إلى صيغة لتطوير النظام الإقليمي العربي، بما في ذلك الصيغ الاقتصادية المحض كما حاول تجسيدها مؤتمر الاقتصادين العرب الذي عقد في عمان عام 1980 تحت شعار التنمية العربية.
وفي سياق هزيمة الحركة القومية العربية والحكم بالتجميد والعجز على النظام الإقليمي العربي المجسد في الجامعة العربية سوف ينهار التفاهم العربي السابق، حتى في حدوده الشكلية وتبرز من ورائه تناقضات المصالح وبرامج العمل الخاصة. وهكذا سيترافق دخول العالم العربي في عصر العولمة بسلسلة من الحروب الخارجية والعربية العربية والأهلية التي ستقوض صدقية الدول العربية وتدمر أسس استقرارها الاستراتيجية. وفي مقدمة هذه الحروب الحرب الاسرائيلية المستمرة لابتلاع الأراضي المحتلة وتحطيم المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي ستبلغ ذروتها في محاصرة العاصمة اللبنانية بيروت من قبل القوات الاسرائيلية عام 1982، وتكبيدها القوات السورية المتواجدة فيه هزيمة عسكرية جديدة. وبالإضافة إلى حروب ليبيا جنوب الصحراء وحرب الصحراء الغربية التي سممت حقل العلاقات المغاربية ثم الحروب الداخلية العديدة التي فجرها التنافس بين الدول العربية على احتلال موقع متميز في القضية الفلسطينية، لن يمض وقت طويل حتى تفجرت عام 1979 الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثمان سنوات، في إطار التفاهم مع الدول الصناعية الغربية على كبح جماح الثورة الايرانية الاسلامية والحد من أثارها وعواقبها الاستراتيجية على المنطقة النفطية. وقد شق الموقف من هذه الحرب الرأي العام العربي شعوبا وحكومات على حد سواء. لكن الضربة القاضية للنظام العربي ستأتي من العراق البعثي بعد احتلاله لدولة الكويت، وإعلانه قرار إلحاقها بالعراق وضمها إليه. فلم تقوض هذه الحرب والقرارات التي تبعتها الأسس التي قامت عليها الجامعة العربية وتعمق الشك بنجاعتها وشرعية الرهان عليها فحسب وإنما عززت إرادة الدول الصناعية في بسط سيطرتها المباشرة على المنطقة، بما في ذلك اختراق المنظومة الأمنية الوطنية في البلاد العربية. وقد جاء تصويت أغلبية دول الجامعة العربية على القرار الذي اتخذته قمتها لدعم الحرب التي قررها التحالف الدولي ضد العراق عام 1991 لينهي أسطورة العمل العربي المشترك ويؤكد السير الحثيث للبلدان العربية نحو خيار التدويل. وهذا ما أكدته، في الأشهر التالية، مسارعة دول الخليج العربية إلى توقيع اتفاقيات التعاون العسكري والحماية المتبادلة مع الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة.
ومنذ هجومات 11 سبتمبر 2001 في واشنطن ونيويورك، والرد الأمريكي عليها باحتلال العراق عام 2003، وما تبعه من التفكيك المادي لدولته ومؤسساتها، فقد العالم العربي سيطرته على شؤونه الأمنية وتحول إلى منطقة نفوذ مباشر ودائم للقوى الإطلسية. وفي هذا الإطار طرحت الإدارة الأمريكية الجمهورية على لسان الرئيس جورج بوش مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يهدف إلى تكريس هذا الوضع وإعادة بناء المنطقة تبعا لحاجات العولمة الاستراتيجية والعسكرية، أي إلى إدخال دول غير عربية في التكتل المنشود، وفي مقدمها إسرائيل التي شكلت الحاجة إلى مقاومة توسعها محور البناء الإقليمي العربي، ومن وراء ذلك تصفية فكرة العروبة نفسها كحامل لمشروع إقليمي مستقل وإلغاء أي أمل لها في أن تستعيد المبادرة الاستراتيجية في المنطقة بما تمثله من نزعة استقلالية وأجندة وطنية خاصة ومصالح متناقضة مع المصالح الأطلسية، خاصة في ميدان النفط وضمان أمن إسرائيل وتطمينها على مستقبلها .
وما حصل هنا في الواقع على صعيد النظام الإقليمي لا يتنافى مع معطيات التاريخ، تاريخ العولمة، ولكنه يصب فيه. فما عجزت عن تحقيقه البلاد العربية سوف يتحقق تبعا لحاجات العولمة، لكن هذه المرة تحت الوصاية الأمريكية ولخدمة أهدافها الاستراتيجية معا. فبدل الخروج المنظم والواعي نحو استراتيجيات إقليمية وعالمية تحترم مصالح الشعوب ووشائج القربى التي تجمع بينها، كما كان عليه الحال في أوروبة، شهد العالم العربي خروجا تبعيا وإكراهيا معا مفروضا بالقوة السياسية والعسكرية كان من نتيجته تعريض المجتمعات للحروب والنزاعات الدموية، وانتزاع سيادة البلدان الفردية وإلحاقها بنظام من الهيمنة الدولية الذي يستجيب لمصالح السيطرة الخارجية. فبقدر ما أخفقت البلدان العربية في التكيف إراديا مع حاجات العولمة الاستراتيجية، وجدت نفسها ضحية الاستراتيجيات البديلة أو المناوئة التي استخدمت معطيات العولمة ذاتها وحاجاتها من أجل فرض إعادة تركيب المنطقة من وجهة مصالحها الخاصة فحسب، أي إعادة فتح الحدود في ما بينها حسب حاجات الأجندة الأمريكية، حارمة المنطقة وبلدانها معا من الاستقلالية الاستراتيجية التي تضمن استقرار التوازنات الإقليمية بعيدا عن التدخلات الخارجية المستمرة والمفاجئة، كما تضمن المشاركة في القرارات الجماعية المتعلقة بمصير المنطقة ومصير شعوبها.
ويشكل هذا الاختراق الواسع للمنطقة من قبل الاستراتيجيات الدولية، وحرمان الدول من سيادتها واستقلال قرارها، تحديا كبيرا للمجتمعات العربية التي تطمح إلى الاستفادة من فرص العولمة في سبيل ترسيخ قاعدة الاستقرار وتحقيق التكتل الإقليمي من أجل التكامل وخلق شروط الازدهار لجميع السكان، لا في سبيل ضمان تدفق الموارد الطبيعية والبشرية والرساميل للخارج. وبالمقابل إن ما حصل بالفعل في إطار العولمة هو تدويل المنطقة من جهة وإخضاعها لحاجات الحرب العالمية ضد الارهاب التي أصبحت البوصلة الوحيدة للاستراتيجية الأمريكية العالمية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. وهي الحرب التي تدور رحاها بالدرجة الرئيسية في البلاد العربية وتتحول أكثر فأكثر إلى حرب الدول العربية والحكومات الرسمية ضد مجموعات الإرهاب التي تمثل هي نفسها تعبيرا عن الأزمة الخطيرة التي تعيشها حركة المواجهة العربية وما وصلت إليه من انسداد. فهي تتحول بشكل من الأشكال إلى حرب أهلية عربية إسلامية. ويشكل تجريد المنطقة العربية من مشروعها الخاص ووضعها تحت الوصاية، باسم الكفاح ضد الارهاب العالمي وتدمير أسلحة الدمار الشامل ونشر الأمن والديمقراطية، جزءا من أجندة العولمة الأمريكية، ويدخل في باب تدويل الأمن والسياسة العربيين .

لكن، لم يضمن تدويل قضايا الاستراتيجية والأمن الوطني في البلاد العربية المزيد من الأمن، ولا ساهم في تحقيق الاستقرار. لقد فجر بالأحرى الأزمة العميقة التي تعيشها المجتمعات العربية والتي ساهمت الضغوط الغربية القوية والمتواصلة في تفاقمها والمد في أجلها، من خلال منع أي تكتل إقليمي استراتيجي عربي، والإبقاء على توازن قوة يخدم مصالح الحفاظ على الأمن والاستقرار في اسرائيل، من دون أن يأخذ بأي اعتبار مصالح الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد العربية.
وهكذا كانت نتيجة هذه العولمة الاستراتيجية زيادة الانفاق العسكري لدى الدول العربية، لكن مع تفاقم سوء الأوضاع الأمنية، وتدهور قدرات الدول على الاحتفاظ باستقرارها وضمان الحد الأدنى من استقلال قراراتها الوطنية. مما يعني أن مزيدا من النفقات العسكرية قد قاد، بالعكس تماما مما ينتظر منه، إلى المزيد من التبعية والاختراقات الخارجية . فقد بلغت نسبة الانفاق العسكري لدول مينا بين 12-13% من الناتج المحلي بين 1995 و1999. هذا مع العلم أن بلدانا عربية عديدة تخفي حجم نفقاتها الدفاعية الحقيقي بسبب تحويل القطاع العسكري إلى قطاع اقتصادي حافل بالمؤسسات والشركات التي تشكل بؤرة للفساد ومصدر لتحقيق المغانم السريعة للنخب الحاكمة.

 

2-4- تعزيز التسلطية وتفجير النزاعات الأهلية:

قامت معظم النظم السياسية العربية على إثر حركة وطنية حظيت في أغلب الأحيان بالتعبئة الجماهيرية والشعبية الواسعة. وقد عزز العديد منها مركزه السياسي وشرعيته عن طريق تطبيق برنامج وطني قائم على توسيع دائرة الخدمات العامة، الاجتماعية والتعليمية والصحية. ومما ساعد على تحقيق هذا البرنامج توفر الموارد الريعية وإنجاز مشاريع تنمية إرادية.
بيد أن هذه النظم التي افتقرت إلى بنى وهياكل مؤسسية راسخة وقوية سرعان ما بدأت بالتراجع عن هذا البرنامج الوطني نفسه، وشرعت في إقامة حواجز بينها وبين الجمهور الواسع الذي حملها للسلطة، تحميها من أي محاسبة أو مراقبة شعبية. وشيئا فشيئا بدأت النظم العربية تتعرض منذ نهاية السبعينات لمقاومات واحتجاجات داخلية جدية تمثلت في تنامي حركات المعارضة الاسلامية والعلمانية معا.
وقد ساعد ضعف البنيات القانونية وغياب المجتمعات المدنية المنظمة وتخلف السياسة الثقافية القانونية، حتى بالنسبة لتلك النخب التي حملت راية العقائد الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، في دفع النظم القائمة إلى البحث عن مخرج لها في التحالف مع القوى الدولية والتفاهم معها. وشيئا فشيئا حل استخدام العنف في الداخل محل الرهان على توسيع قاعدة الخدمات الاجتماعية كبديل عن المشاركة السياسية في ايجاد مصدر للشرعية. وتبلورت بشكل مضطرد هياكل النظم التسلطية التي تقوم على الجمع في يد رئيس فرد أو طغمة اوليغارشية السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتضيف إليها في النظم ذات الطابع الشمولي السلطات المدنية، الثقافية والنقابية والإعلامية. ومما لا شك فيه أن ما آلت إليه هذه النظم التسلطية الجديدة، من كبت الحريات العامة والضبط الدقيق لنشاطات المجتمع وإلغاء وظيفة تداول السلطة والمساءلة والمحاسبة والرقابة الشعبية، قد أحدث شرخا عميقا بين النخب الحاكمة والمجتمع، وقاد هذه النخب بسرعة إلى التكلس والعقم والانحطاط والفساد حتى أصبحت تعتقد أن المناصب التي تتقلدها هي مواقع مكتسبة وموروثة. فتحولت إلى طبقة ريعية، تعيش على التحكم بمواقع القرار السياسي أو الإداري أو العسكري، وتؤمن ثروتها مما يقدمه لها موقعها من قدرة على ابتزازا بقية أبناء المجتمع والإساءة التي تستطيع أن تحدثها لهم .
ودعمت سياسة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وعدم السماح بتغيير الأوضاع التي اتبعتها الدول الصناعية الكبرى، والغربية منها بشكل خاص، على توفير شبكة حماية قوية للنظم التسلطية الناشئة التي ورثت النظم الوطنية التقليدية. فقد قدمت لها المساعدة المادية والفنية الضرورية لمواجهة حركات الاحتجاج والمعارضة، كما قدمت لها الغطاء السياسي الخارجي الذي يحميها من انتقادات الهيئات الدولية المعنية بانتهاكات حقوق الانسان، وساهمت مساهمة كبرى في إظهارها على أنها السد الوحيد الذي لا غنى عنه لدرء جحافل البربرية واحتمال سيطرة الحركات المتشددة الدينية. وبقدر ما ساهم هذا الوضع في تحويل الدول القائمة إلى وكالات لخدمة الاستراتيجيات الخارجية يقوم عليها موظفون تابعون ومسؤولون أمام دوائر القرار الدولية فحسب، عمل على تهميش المجتمعات واستبعادها استبعادا نهائيا من القرار، وجعل من السياسة المحلية مصلحة خارجية. وكان من نتيجة ذلك إلغاء أي قنوات للتواصل بين المطالب الاجتماعية والسلطة العمومية وبالتالي إلى خلق شروط الانفجارات الداخلية التي طبعت الحياة السياسية العربية لعقدين كاملين منذ الثمانينات وفي معظم البلاد العربية.
وهكذا، بدل أن يكون عصر العولمة فرصة لتراجع النظم المغلقة وانحسارها لصالح تدعيم التحولات الديمقراطية، كما حصل منذ انهيار جدار برلين في الدول الشيوعية السابقة، ساهمت العولمة المرتبطة بأجندة المصالح النفطية والأمنية الأطلسية، في الشرق الأوسط والعالم العربي بالخصوص، في تعميق التيارات الشمولية وتعزيزها، ومن وراء ذلك دعم الأنظمة الأوليغارشية وإضعاف إرادة لإصلاح، الاقتصادي والإداري والاجتماعي معا. وهو ما زاد من انتشار للفساد والرشوة والاستهتار بالمعايير القانونية وبأي معايير عقلانية في أي نشاط من النشاطات الاجتماعية، بشكل غير مسبوق .

فبقدر ما بدأت هذه النخب، التي أخذت تنفصل بمصالحها عن شعوبها، تدرك أنها تستطيع أن تعتمد على دعم الدول الصناعية الكبرى للحفاظ على بقائها واستمرارها بدل التنازل لشعوبها، فقدت هذه الشعوب والمعارضات التي تمثلها أي قدرة على التأثير في مصيرها، وأصبحت عمليا لا وزن لها في معادلة جديدة للقوة السياسية تتجاوزها وتخترق حدود الوطنية التي تمثلها. ومن هنا، بقدر ما حررت ملابسات العولمة العربية الخارجية النخب الحاكمة من ضغط شعوبها ومكنتها من تهميشها ورفض القبول بأي مساءلة أمامها، عملت على انحطاط النظم الوطنية نفسها وفسادها. لقد أطلقت دينامية معاكسة تماما لدينامية الدول الوطنية المستقلة التي وجدت النخب الحاكمة نفسها مضطرة، إذا أرادت البقاء في الحكم، إلى أن تستجيب لضغوط مجتمعاتها. وهو ما أنتج مفهوم الشرعية نفسها وسمح بنشوء الديمقراطية. بالمقابل لا تكف النخب العربية الحاكمة، ككل سلطة استعمارية، عن ترداد أنها لا تخضع ولن تخضع للضغوط الاجتماعية ولا تكترث بها، بل إن هذه الضغوط تستدعي منها التباطؤ بشكل أكبر في الإصلاحات التي تعتقد هي نفسها أنها ضرورية. وشعارها اتركونا نفعل ما نشاء، ومن دون ضغوط، إذا أردتم أن نتقدم في المسيرة الإصلاحية .

لا يمنع ذلك من الاعتراف بوجود اختلافات محدودة في ما بينها حسب طبيعة النظم ملكية أو جمهورية والظروف التي حكمت نشوءها وتطورها، والموارد التي تتمتع بها، خاصة الريعية منها، والعلاقة التي تربطها بالقوى الدولية الخارجية، ودرجة استتباعها للاستراتيجيات الدولية، والمؤسسات السياسية التي تعتمد عليها لبناء قاعدتها الاجتماعية، ودرجة الاستقلال التي تمنحها للسلطات المختلفة تجاه السلطة التنفيذية. ولا شك في أن هذه الاختلافات هي التي تفسر النجاحات النسبية التي رافقت بعضها في محاولته لتجاوز الأزمة المتفجرة التي واجهها النظام العربي التسلطي منذ نهاية القرن الماضي. وقد بينت التجربة أن البلدان التي احتفظت فيها الطبقة التقنوقراطية بحد أدنى من الاستقلال تجاه السلطة السياسية، كان التكيف مع الوضع العولمي الجديد مناسبة لتوسيع دائرة تحديث الإدارة والأداء، كما زادت درجة استقلال السلطات الثلاث، وبالتالي قبول السلطة التنفيذية لهامش استقلال أكبر للسلطة التشريعية والقضائية. وربما كانت المغرب والأردن وعمان أكبر مثال على ذلك. وبالعكس، كان الاتجاه معاكسا لدى النظم الأخرى التي دفعها الخوف من الآثار السلبية للعولمة إلى تعزيز مكان السلطة التنفيذية وتقليص استقلال السلطة القضائية والتشريعية، ومن وراء ذلك تشديد قبضة النخبة الحاكمة على القرار والموارد الوطنية معا.
لكن ما يجمع بين النظم العربية، من وراء الواجهات الملكية والجمهورية، ووجود مؤسسات سياسية أكثر أو أقل استقلالا، هو ضعف التعددية عموما، وخوف النظم من المشاركة الشعبية، والاعتماد بشكل رئيسي في ضمان استقرار النظام العام على سيطرة أجهزة الأمن المختلفة، السياسية والعسكرية. فهي جميعا أنظمة أمنية، مع واجهة سياسية، يتفاوت دورها بين الوظيفة الدعائية المحض أو المصاهرة السياسية لبعض مجموعات المصالح الفئوية، من عشائر أو قبائل أو رجال أعمال أو مجموعات بيرقراطية وتكنوقراطية. وفي العديد من البلاد العربية كسورية ومصر والسودان، يستند استقرار النظام على الاستخدام الموسع والدائم لقانون الطواريء وما يرتبط به من سيطرة القضاء الاستثنائي والتحكم بالسلطة التشريعية وبطريقة انتخابها معا، أو على غياب مفهوم القانون تماما كما في ليبيا. ويتمتع رئيس الدولة، في النظم الملكية والجمهورية معا، بسلطات استثنائية تجعل منه وصيا حقيقيا على المؤسسات والحياة العامة. فهو في الغالب رئيس الدولة ورئيس الحزب الحاكم وقائد الجيش والحاكم العرفي والرئيس الأعلى للأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية جميعا .
لكن ما يجمع بين هذه النظم عموما، حتى تلك التي باشرت بفتح نظامها السياسي تحت الضغوط الخارجية والداخلية، هو تكلس النخب الحاكمة وتخشبها ورفضها مبدأ تداول السلطة واحتكارها للمناصب كما لو كانت ملكية خاصة وانقطاعها العميق عن المجتمع وتمثل نظرة أبوية قرسطوية لعلاقتها مع الشعب. فالصيغ مختلفة لكن الجوهر واحد. وقليلا ما يساعد وجود برلمانات منتخبة على الحد من صلاحيات الرئيس أو الملك والتعبير عن إرادة المجتمع. ذلك أن معظم هذه البرلمانات تفتقر هي نفسها للاستقلال وإلى الصلاحية في مساءلة السلطة التنفيذية. ونادرا ما تمارس البرلمانات المراقبة على أعمال الحكومة. وهي تكاد تتحول في الكثير من الأحيان إلى أداة إضافية من أدوات حكم الرئيس أو العاهل الفرد وخدمة مآربه وسلطته الشخصية. ولعل خير برهان على طبيعة الانتخابات التي تنظم في البلدان العربية هو أنها تكاد تكون معروفة سلفا، وهي تقود دائما إلى انتصار الرئيس نفسه كما تقود إلى انتصار الحزب الحاكم.
وبالرغم من أن تطورا ملموسا قد حصل في الانتخابات الأخيرة في بعض البلاد العربية مثل المغرب والجزائر والكويت وجزئيا البحرين ومصر غير أن فقر الحياة السياسية وقرف الجمهور وعدم الثقة بالحكومات يقلص كثيرا من تمثيلية هذه المجالس وحيويتها أيضا.
وبالاضافة إلى المحاكم الاستثنائية التي لا تزال موجودة في العديد من البلاد لتعزيز الضغوط على قوى المعارضة السياسية، يعاني القضاء العادي من التدخلات القوية للسلطات التنفيذية، كما أن القيود على استقلال القضاة لا تزال كبيرة أيضا بسبب عدم الوضوح في الفصل بين السلطات. وغالبا ما يكون الاعتبار الأول في تعيين القضاة في مناصبهم، خاصة العليا منها، للولاء السياسي. ويرأس الملك أو رئيس الدولة أو وزير العدل مجلس القضاء الأعلى كما في المغرب وسورية ومصر وتونس. وتعتبر التدخلات في شؤون المحاكم والقضاة من قبل الأجهزة التنفيذية والأمنية أمرا شائعا جدا في العالم العربي.
وبقدر ما عملت هيمنة السلطة التنفيذية على إضعاف فكرة المساءلة وحررت الحكومات من أي مراقبة شعبية أو انتقاد، أنتجت السيطرة الطويلة والشاملة للنخب والأحزاب الحاكمة ذاتها نزعة قوية عند جميع أصحاب المناصب، السياسية والإدارية معا، إلى التعامل مع مناصبهم كما لو كانت شؤونا خاصة وأداة لتحقيق المصالح الشخصية. فتقهقر مفهوم الخدمة المدنية إن لم يزل تماما، كما ضاع مفهوم المحاسبة في الوظيفة العمومية. وساهم التوظيف المرتبط بالولاء السياسي أو الطائفي أو العشائري أو العائلي، في تحويل الإدارة العامة إلى وكر لشبكات المصالح الخاصة والمتضامنة. مما شجع على انتشار الفساد وفاقم من مخاطر احتواء الدولة، بل اختطافها من قبل مراكز الضغط وتحالف شبكات المصالح، المرتبطة هي نفسها بالسلطة السياسية، وعمل على إفساد الإدارة المدنية .
ومما يضعف من قدرة المجتمع على مساءلة الحكومات أو محاسبة المسؤولين ضعف استقلال وسائل الإعلام التي لا تزال في الكثير من الدول العربية تحت السيطرة الكاملة والمباشرة للسلطة السياسية. فبالاضافة إلى تجيير وسائل الإعلام الوطنية، خاصة المرئية منها، لخدمة الحكم، يخضع العاملون في الصحافة الخاصة لقوانين تفرض عقوبات شديدة على الصحفيين وتتراوح بين السجن لسنوات عديدة ودفع الغرامات المالية. ثم إن أكثر الصحف والقنوات الخاصة التي تشكل طفرة جديدة في الحياة الإعلامية العربية تخضع، بالرغم من الحرية النسبية التي تميزها بالمقارنة مع الإعلام ا لرسمي المحتكر كليا من قبل الحكومات ولصالح الدعاية لها، لمراقبة ذاتية صارمة لأنها مملوكة من قبل شيوخ أو رجال أعمال أو منظمات سياسية تربطهم علاقات قوية بالنخب الحاكمة .
ربما يتمثل الخرق الوحيد الذي شهده هذا النظام في فسحة الحرية الافتراضية المحدودة التي نجمت عن استغلال حركات المجتمع المدني وبعض التيارات والحركات السياسية لشبكة الانترنيت في سبيل التعبيرعن آرائهم ونشر أفكارهم. بيد أن الحكومات لم تعدم وسائل لفرض المراقبة على المواقع التي لا تروق لها أفكارها، كما تفرض الرقابة على نشر الصحف والمطبوعات عامة، ولم تعدم كذلك وسائل مماثلة لبناء مواقع مناوئة تستخدم الشبكة نفسها للتشويش على المواقع النقدية والهجوم عليها.

لم تترافق العولمة في العالم العربي إذن بانتشار الحريات الفردية والجماعية، ولا بكسر شوكة النظم التسلطية، ولكنها ارتبطت بتفاقم القطيعة بين النخب الاجتماعية والشعوب، وتفجر الصراعات الداخلية والحروب الأهلية، التي نجمت عن جمود النظام السياسي وانعدام قدرته على التعبير عن تحولات القوى الاجتماعية، وافتقاره إلى المرونة اللازمة لحل التوترات السياسية والثقافية ومنع النزاعات من الانفجار. وبعد أن تم لها القضاء في مرحلة أولى على حركات الاحتجاج الشعبية الكبيرة التي انطلقت في بداية الثمانينات من القرن الماضي (إنتفاضات الخبز وإضرابات النقابات المهنية) والانتصار في مرحلة ثانية على حركات التمرد الإسلامية التي انتشرت كالنار في الهشيم، اعتقدت النظم المطلقة المدعومة من الدول والشركات الصناعية الكبرى أنها ضمنت الاستقرار، ولم يعد هناك ما يمنعها من تخليد نفسها عبر الشعارات وتقديس الرؤساء وذريتهم معا. وهو ما دفع البعض إلى اختراع مفهوم الجملكية أو الجمهورية الملكية لتقديم اسم يليق بما حصل من مصادرة علنية للدولة ومواردها ومن عليها من السكان لصالح الأسر الحاكمة وحلفائها، وتحويل البلاد العربية إلى مزارع خاصة تحكمها إرادة أسيادها ولا يعترف فيها بحق ولا قانون.
كما أن حقبة العولمة وتقدمها لم يساعدا المجتمعات العربية على تجاوز النظم الوطنية الشعبوية المفتقرة للمؤسسات الفعالية نحو إقامة نظم ديمقراطية تقوم على أساس الحق والقانون، وتساهم من خلال تعميم مفهوم المواطنة وتطبيقه على الجميع، أفرادا وجماعات، في دمج الأقليات الدينية والإتنية في الحياة الوطنية وتوفير المساواة والاحترام والحماية الطبيعية لها، يعيد بناء الحياة السياسية الوطنية على أسس جديدة، ويمكن الدول الصغيرة والضعيفة من تجاوز نقائصها وعيوبها للاستمرار في البقاء وتعزيز مصدر شرعيتها التاريخية. لقد قادت، بالعكس، إلى تحلل الدولة الوطنية، بل الدولة نفسها كمؤسسة سياسية قانونية جامعة، لصالح عودة الدول والعصبيات الطوائفية. وهكذا ستفقد المجتمعات أكثر فأكثر هامش مبادرتها الاستراتيجية، وتضطر إلى التخلي تدريجيا عن استقلالها الفعلي وتراهن هي أيضا، كما تراهن الأنظمة تماما في ضمان استمرارها، في تأمين حقوقها وحماية نفسها، على القوى الخارجية والتدخلات الدولية. ففي مواجهة الحماية الخارجية القوية التي تمتعت بها النظم الاستبدادية في المنطقة وسمحت لها بالقضاء على أي حياة سياسية سليمة، لم يبق أمام المجتمعات والقطاعات الناشطة منها، سوى التعلق بآمال الضغوط الأجنبية والاحتماء بمواثيق حقوق الانسان الدولية وتوجيه النداءات المستمرة للحكومات والجمعيات المدنية العالمية لوقف الانتهاكات الدائمة لحقوق الأفراد والأقليات، وأحيانا المطالبة بالتدخل بشكل عملي لوضع حد للسياسات الهمجية لبعض النظم الخارجة عن أي قانون. وهكذا انحل عقد الوطنية تماما، وأصبح التطلع إلى الخلاص مرتبطا بالخارج، وصار الاحتلال نفسه يبدو وكأنه عملية تحرير للمجتمعات من شياطينها الديكتاتورية الداخلية. وربما قدمت تجربة العراق الحديث، والطريقة التي تم بها القضاء على نظام صدام حسين، وما رافقها من حروب داخلية وخارجية وحصارات وانتفاضات ومجازر، وما تبعها من احتلال وتسليم بما يشبه الحماية الأجنبية، المثال الحي لأزمة الأوضاع السياسية العربية الناجمة عن تحالف الاستبداد و"الاستعمار" وتفاهمهما الطويل معا ضد مصالح المجتمعات العربية وفي سبيل حرمانها من سيادتها وحقها في القرار.
وفي إطار التغطية على حقيقة هذا التحالف ودوره في صنع هذا الاستبداد وتمديد أمده ينبغي تفسير ما أشاعته الدراسات السياسية الحديثة من مفاهيم حول الارتباط الضروري بين الاستبداد والثقافة العربية أو/ والدين الاسلامي. ومن أول هذه المفاهيم مفهوم الاستثناء العربي الذي يسعى إلى إظهار الاستبداد وكأنه ماهية خاصة مرتبطة بالقيم العربية العميقة المستبطنة من قبل الفرد والجماعة لا ثمرة شروط مادية وثقافية قائمة ويمكن فهمها وتحليلها، ومن أهمها وأولها التوافق بين مصالح النخب الاستبدادية ومصالح الحفاظ على الوضع القائم ومنع تغييره في منطقة الشرق الأوسط. وهي المصالح التي عبرت عن نفسها في سياسة الحفاظ على الاستقرار التي طبقتها الدول الغربية خلال العقود الطويلة الماضية في المنطقة والتي تعترف اليوم، أمام تفجر أزمة الحركات الإرهابية، بعدم صلاحها وتقول إنها تريد استبدالها بسياسة دعم الإصلاح والتغيير والتحول نحو الديمقراطية. فالاستبداد هو شرط هذا الاستقرار وأداته. وهو ما لا تكف النخب العربية المعرضة للضغط في سبيل الاصلاح عن ترداده اليوم صباح مساء، على مسمع القيادات الأطلسية التي لا تزال مترددة كثيرا في تبني خطة تغيير حقيقي للنظم والمؤسسات، وتفضل بالأحرى تهذيب هذه النظم القائمة وإصلاح شؤونها بما يمكنها من المحافظة على الاستقرار الضامن لمصالحها الحيوية، وفي الوقت نفسه تخفيف التوترات الانفجارية التي تسم المجتمعات العربية.

 

3-4- العولمة ونشوء المجتمع المدني

بالمقابل، ليس هناك شك في أن وجود المجتمع المدني يدين بشكل رئيسي في العالم العربي لحقبة العولمة، أولا، لما قدمته تقنية الاتصالات الجديدة من وسائل مكنت الأفراد والجمعيات من الحصول على حد أدنى من حيز الاستقلال عن النظم التسلطية، حتى يمكن القول إنه لا وجود للمجتمع المدني العربي من دون شبكة الانترنيت التي تجسد، أكبر من أي حقل آخر، حضور المجتمع المدني العربي الذي تحولت مؤسساته بالدرجة الاولى إلى مواقع اليكترونية وصار قوة حقيقية في الفضاء الافتراضي. وثانيا، لما قدمه التقارب النفسي الذي أحدثته ثورة الاتصالات والإعلام بين المدنيات والجماعات من فرص الدعم المادي والسياسي والتواصل والتفاعل من خارج الحدود الوطنية وبالرغم منها.
لكن بقدر ما كان المجتمع المدني العربي هبة عصر العولمة بقي أيضا مدينا باستمرار للقوى الكبرى والمجتمعات الحاملة لها. ولم يستطع حتى الآن أن يستقل عنها أو يجد لنفسه القواعد الداخلية المتينة. وبقي يعاني من المشاكل نفسها التي رافقت ولادته. فهو لا يعيش إلا بقدر ما يربط بين الداخل والخارج وينقل مآسي المجتمع المحلي وشكواه إلى الساحة العالمية ويستمد من هذه الساحة نفسها معايير عمله وصيغه وموارده وأهدافه وقوته معا. فهو ثمرة العولمة العربية وأداة إعادة إنتاجها بشكل موسع كعولمة تبعية في الوقت نفسه.
لا يعني ذلك أن المجتمع المدني العربي يرد على حاجة خارجية ولا مقومات داخلية له. فهو ابن الحاجة بامتياز. ولولا الحاجة لما نشأت فكرته أصلا. ولكنه يعني أن وجوده لم يكن ممكنا من دون تجاوز الحدود الوطنية، وفي ماوراء ذلك من دون حد أدنى من الالتقاء بين مصالح القوى العولمية الخارجية وقوى الطبقات الوسطى والقطاعات النشيطة الداخلية التي لا تزال تملك عناصر الارتباط بالعالم والحضارة والتفتح على الفضاءات الخارجية. فهو ثمرة العولمة بقدر ما أن النظام التسلطي يحرم المجتمعات من إمكانية الرد على حاجاتها الداخلية بوسائل محلية. كما يعني أن وجوده بالصورة التي نعرفه بها، أي في حالة من الضمور والتبعية للموارد الخارجية المادية والمعنوية، هو ثمن خارجيته وانعدام فرص التحول الديمقراطي الطبيعي الداخلية. فالعولمة تظهر أسس وجوده كما تبين حدود هذا الوجود وفقره أيضا.
في هذ الإطار أيضا ينبغي تحليل التخلف الشديد الذي يميز أحوال المجتمع المدني العربي، بالمقارنة مع التطور المذهل الذي حصل لهذا المجتمع في عصر العولمة، والذي يشكل بالفعل أحد المحاور الرئيسية التي يتم من خلالها تجاوز الاستراتيجيات الوطنية نحو استراتيجيات عالمية في المجتمعات الكبرى، كما يتم ضبط التحولات الاقتصادية المعتمدة على إعطاء الأسبقية لمنطق السوق وإخضاعها لمعايير وقيم وغايات إجتماعية وإنسانية.
فليس من الممكن الفصل بين تخلف هذا المجتمع المدني العربي والصعوبات التي واجهتها المجتمعات العربية ولا تزال في الخروج من تحت نير النظم التسلطية التي ولدت من رحم النظم الوطنية واستمرت تستخدم شعاراتها من أجل حرمان المجتمعات من إمكانيات التضامن الذي يسمح لها بالتحرر والانعتاق من قهر السيطرة الأحادية. ففي جميع البلدان العربية كان الصراع ضد المجتمع المدني وهيئاته محور القمع وهدفه في السنوات الطويلة الماضية، في إطار سعي النخب الحاكمة إلى تفكيك المجتمع وحرمانه من القدرة على التنظيم الذاتي، بل عن التعبير عن نفسه ومصالحه، في سبيل الاحتفاظ بشروط إخضاعه والتمكن من إدامة السيطرة عليه .
يتجلى هذا الاتجاه في طبيعة القوانين أنتجتها السلطات العربية في هذا الميدان والتي حرصت على الحد من حقوق الأفراد في تكوين الجمعيات وإخضاع هذه الجمعيات إذا نشأت إلى شروط تعجيزية وموافقات أمنية مسبقة والتضييق عليها لمنعها من التواصل مع أفراد المجتمع أو التأثير فيهم. كما حرصت على حرمان هذه الجمعيات من إمكانيات الاستفادة من موارد خارجية أو حتى داخلية لا تستطيع السيطرة عليها أو التحكم بها، واستسهال توجيه التهم السياسية لقادتها بالتعامل مع الخارج أو بالفساد للحد من قدرتها على الحركة .
وقد ساهم تطبيق برامج التحرير الاقتصادي وما رافقها من وقف لبعض البرامج الاجتماعية، أو نجم عنها من تدهور أوضاع الطبقات الشعبية، في تعزيز نزعة السلطات العربية إلى تقييد المجتمع المدني ومنعه من الانعتاق. ويدفع الخوف من انحسار الشرعية السياسية وتنامي الحركات الاحتجاجية، وتحول الحريات والمبادرات المدنية، وما تؤدي إليه من بناء هيئات ومؤسسات مستقرة، إلى إطار لتنشيط الحياة السياسية، النخب الحاكمة إلى التمسك بشكل أكبر بالسيطرة البيرقراطية، ووضع كل ما تقدر عليه من عقبات لمنع نشوء مجتمع مدني حي وفاعل. لا بل إن الكثير من النخب العربية قد نظر إلى المجتمع المدني على أنه بدعة تخريبية تختفي وراءها المعارضة السياسية للنظام، واتهمه بأنه صناعة أمريكية. وهكذا لم يواكب تقدم مسار العولمة هنا تزايد دور مؤسسات المجتمع المدني وانتشار فكرتها ونشاطاتها في النسيج الاجتماعي كله، وفي سياقها توسيع دائرة المشاركة الشعبية في إدارة الشؤون العمومية التي كانت ولا تزال محور التنمية الاجتماعية في العديد من المجتمعات الصناعية. وإنما ترافق بتعزيز السيطرة الأمنية واكتساحها لكل السلطات السياسية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية معا. وهكذا تم التعويض عن نقص المؤسسات المدنية بالنمو الملفت في عدد الأجهزة الأمنية ودوائر المخابرات السياسية والعسكرية ومكاتبها وفروعها وفي تعدد مناحي اختصاصاتها ونشاطاتها، التي تقلصت تماما في ميدان الأمن الوطني، إن لم تكن هجرته لصالح التدخل اليومي والمباشر في شؤون الأفراد والجماعات والمؤسسات والشركات الخاصة والعامة على حد سواء. وقد استفردت الأجهزة الأمنية بالقرار وبالحق في تعيين المسؤولين من أدنى مرتبة إدارية إلى أعلى سلطة سياسية ومتابعة مسيرتهم ومراقبتهم، فجعلت مصير الاقتصاد والسياسة والثقافة والعلم وكل نشاطات المجتمع معلقا بقرار الأجهزة السرية التي تحولت هي نفسها، في غياب القانون ومع الصلاحيات اللامحدودة التي استحوذت عليها، إلى ميليشيات خاصة، أو ما يشبه الميليشيات الخاصة، التي تتصرف كدولة داخل الدولة، ولا تعترف بأي قاعدة سلوك أو قانون غير قانون تخليد سيطرتها وتعميمها على كافة شؤون المجتمع.
لكن، في ما وراء التدخلات المباشرة من قبل السلطة السياسية/الأمنية للحد من نمو المجتمع المدني، لا شك أيضا أن تفكيك الدولة الوطنية وانحلالها لصالح دولة الأجهزة الأمنية والمصالح الخاصة الفئوية قد حرم المجتمعات من نقطة الارتكاز الضرورية لبناء هياكل ومؤسسات من طبيعة مدنية، أي قائمة على الشراكة بين مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. فزوال الدولة الوطنية قد حطم قاعدة المواطنية وإمكانية التعامل على أسس قانونية سياسية عقلانية، لحساب عودة أشكال التعاون والتواصل القديمة ما قبل السياسية. وبموازاة تراجع النخب والنظم الحاكمة عن الأجندة الوطنية وانكفائها على برنامج إثرائها الخاص والشخصي، ومع تراجع صدقية العقد الوطني الضمني، والشك المتزايد بنجاعة الفكرة الوطنية، حصل تراجع تدريجي، لكن قوي ومتواصل، للقاعدة الشعبية العريضة، عن القيم الوطنية لصالح إحياء مصادر الألفة وقيم التضامن وهياكل القرابة الاجتماعية القديمة التي سيطرت في حقبة ما قبل الوطنية. وكما وظفت النخب الجديدة الدولة نفسها كإطار لتنظيم نفسها والدفاع عن مصالحها المتعددة، تحولت الأطر العشائرية والطائفية والعائلية المستعادة إلى أدوات لبناء الهوية الخاصة وإحياء التضامنات الاجتماعية، التي ستوظفها الفئات المختلفة في معركة الدفاع عن مصالح تصبح هي أيضا، أكثر فأكثر، مصالح فئوية، عشائرية أو طائفية أو مذهبية أو أصنافية. وهكذا ستتراجع قدرة المجتمعات على التفكير بمفاهيم ومقاييس عصرية في ما يجري من تحولات تاريخية لتعود إلى الصدارة مفاهيم ونظريات المؤامرات الخارجية والحروب الطائفية والدينية. وتتضائل الهياكل والمؤسسات المدنية الحديثة في العدد والوزن والقوة والنشاط، أمام الانتشار الواسع للمؤسسات والهيئات الخيرية والاجتماعية التي أطلق عليها الباحثون إسم المجتمع الأهلي، لتمييزها عن جمعيات المجتمع المدني الحديثة. ولا يوازي غنى هذه الجمعيات، التي تعتمد في بنائها المباديء والقيم والأعراف والتقاليد الدينية والعرفية، وتستمد مصادرها المالية الكبيرة من المساهمات الشعبية الداخلية ذات السمة الدينية، من زكاة وصدقة وتبرعات أهلية، سوى فقر الجمعيات المدنية الحديثة وبؤسها واعتمادها الكلي تقريبا على المعونات الخارجية المقدمة من قبل مؤسسات المجتمع المدني العالمية.
تضع هذه الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية منظمات المجتمع المدني في حالة هشاشة كبيرة. فهي تعيش في حالة عزلة نسبية عن المجتمع، ولا يتجاوز نشاطها الشرائح المثقفة وقطاعات محدودة من الطبقة الوسطى. ويتسم معظمها بالطابع الشللي وأحيانا العائلي والافتقار للهياكل التنظيمية السليمة والخبرة العملية والقدرة على توفير التمويل الذاتي. وتشكل العديد منها واجهات للربح وتحقيق مصالح شخصية أو أداة في يد بعض القوى السياسية أو الاقتصادية أو الطائفية أو الأقوامية. ويفتقر الكثير منها كذلك للشفافية وتسيطر عليه عقلية السيطرة الفردية وغياب التقاليد الجمعوية والديمقراطية.
وهي بشكل عام ضعيفة الصلة بالمجتمع الذي تعمل فيه ولا تزال بعيدة عن أن ترد على حاجات الاندراج في العولمة المدنية .

 

4-4- العولمة والمرأة العربية:

لعل المثال الأكثر سطوعا للعولمة الايجابية، أي النابعة من الالتقاء بين أجندة داخلية حقيقية تعكس حركة التحول المجتمعي المعبر عن خروج المرأة من العزلة التاريخية نحو الحرية من جهة، ونشوء المجتمع العالمي بوصفه إطار التفاعل والتضامن بين قطاعات الرأي العام العالمية عبر الحدود من جهة ثانية، هو نمو الحركات النسوية وما ارتبطت به من نمو الهيئات والجمعيات المدنية الخاصة بالمرأة. فقد أحدث هذا الالتقاء طفرة حقيقية جعلت من الحركة النسوية نموذجا ناجحا للمجتمع المدني العربي، بل ربما النموذج الوحيد الناجع والناجح. في حين بقيت حركات حقوق الانسان والمنتديات الفكرية ضعيفة وهشة ومعزولة إلى حد كبير عن الجمهور الواسع، سواء بسبب فقر الدعم الخارجي الجدي لها أو بسبب تمكن السلطات السياسية، بموافقة عملية خارجية، من ممارسة الضغوط الاستثنائية عليها.
فبعكس ما حصل بالنسبة للعديد من الفئات الاجتماعية الأخرى، يمكن القول إن القضية النسوية تشكل، مع مسألة الأقليات، أحد الملفات الاجتماعية الرئيسية التي استفادت من العولمة، وذلك بقدر ما أصبح التركيز على التمييز الحقيقي الموجه ضد المرأة وضد الأقليات في العقدين الماضيين مجال التأكيد الرئيسي للتضامن العالمي مع المجتمعات العربية والتشهير بنظمها الاجتماعية. وليس هناك شك في أن دعم قضايا تحرر المرأة قد جاء عند قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي استجابة لدواعي أخلاقية تنسجم مع حركة الانعتاق العام وتعميم القيم الكونية وفي مقدمها المساواة بين الجنسين ورفض التمييز العنصري تجاه أي فئة إجتماعية. كما أن هذا الدعم قد استفاد من تطور الحركة النسوية على الصعيد العالمي وداخل المنظمات الدولية. لكن ليس هناك شك أيضا أن النخب السياسية وقطاعات واسعة من هذا الرأي العام قد وجدت في التركيز على ما تعانيه المرأة من شروط قاسية في المجتمعات العربية تعويضا عن الدعم الخفي والعلني الشامل الذي قدمته وتقدمه للنظم الاستبدادية، ووسيلة للتغطية على هذا الدعم ونشر فكرة الدونية الأخلاقية اللصيقة بثقافاتها وعدم قدرتها على الارتقاء إلى مستوى المعايير الحضارية. والواقع أن التعاطف الخارجي مع النساء والأقليات هو الوجه الآخر للمواجهة السياسية مع هذه المجتمعات والصورة السلبية التي تستبطنها قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي تجاه العالم العربي وثقافته وقيمه التاريخية.
ومن هنا تبدو المفارقة كبيرة بين الانجازات الكثيرة التي حققتها المرأة العربية في العقود القليلة الماضية على أرض الواقع والفكرة التي أشاعتها الأبحاث والدراسات الاجتماعية عن حالة التخلف والقهر التي تعاني منها هذه المرأة نفسها. لا بل يبدو التناقض صارخا بين التأكيد الشائع على استمرار التمييز ضد المرأة ونتائج استقصاءات الرأي التي تظهر تشكل أغلبية ساحقة لصالح نهوض المرأة وتعميم مشاركتها في الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية عموما . وليس هناك شك في أن طفرة حقيقية قد حدثت في العقود الماضية في منظومة القيم العربية المتعلقة بموقع المرأة ومكانتها، وذلك بالرغم من سيطرة التيارات الثقافية الاسلامية المتزايد، واتجاه النساء عموما إلى التكيف مع التقاليد والعادات القديمة التي ارتبطت بالأفكار الإسلامية، من ممارسة الطقوس الدينية إلى وضع الحجاب وتجنب الاختلاط في المدارس والأمكنة العامة.
هكذا شهد العقد الثامن من القرن الماضي تناميا مطردا للجمعيات التي تعنى بوضع المرأة العربية في معظم الدول العربية. وبالإضافة إلى الاتحادات التقليدية شعرت الأحزاب السياسية نفسها، بما فيها الأحزاب الاسلامية، بضرورة إنشاء هيئات أو جمعيات مرتبطة بها لتحقيق هذا الهدف. وفي محاولتها للرد على الضغوط الخارجية في اتجاه الاصلاح عمدت الكثير من النظم التسلطية العربية إلى إبراز اهتمامها بالمرأة لإضفاء صورة الحداثة والتقدمية على سياساتها، وللتغطية على رفضها الذهاب قدما بسياسات الاصلاح السياسية. ونجحت العديد من الجمعيات النسوية، خاصة في بلدان المغرب العربي، في انتزاع هامش كبير من الاستقلالية تجاه السلطات السياسية، مثل جمعية النساء التونسيات للبحث والتنمية في المغرب (1987) وجمعية النساء الديمقراطيات في تونس (1989) ومجموعة كبيرة من الجمعيات النسوية المستقلة في الجزائر. ويقدر التقرير الرابع للتنمية الانسانية للمنطقة العربية الخاص بالمرأة أن القسم الاكبر من الجمعيات المدنية التي تكونت في العقدين الماضيين والبالغ عددها 225000 جمعية يعود إلى جمعيات نسائية. فقد بلغت نسبة هذه الجمعيات 45% في اليمن 42% في فلسطين و18% في مصر. وتوجت هذه الحركة بتأسيس منظمة المرأة العربية عام 2002 بإشراف الجامعة العربية وانضمت إليها 15 دولة عربية.
وقد ساهم نشاط هذه الجمعيات إلى جانب جمعيات حقوق الانسان في نشر صورة أكثر موضوعية عن معاناة المرأة العربية ودفع إلى تغيير القوانين الشخصية والمدونات المتعلقة بالأسرة، في صالح تحسين أوضاع المرأة وإزالة بعض الإجحاف بحقها. وقد تم تبني مدونة جديدة بالفعل في المغرب في 3 فبراير 2004، بدعم من السلطة السياسية، تقر التكافؤ بين الزوجين والمساواة بين الرجل والمرأة ومنع تعدد الزوجات إلا بترخيص من القاضي وولاية المرأة على أبنائها واعتبار الطلاق من مشمولات القضاء. وقامت الجزائر بتنقيح قانون الأسرة في الاتجاه نفسه عام 2005 فأقرت مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة. وفي مصر أقر القانون الجديد لعام 2001 حق المرأة في الخلع وفي السفر والسماح لها بإكساب أطفالها من أجنبي الجنسية المصرية. ورفع الأردن سن الزواج إلى 18 عاما بالنسبة للزوجين. وحتى في الدول الخليجية التي لا تزال جامدة تماما في هذا الميدان تزدادا الضغوط الداخلية والخارجية لتحرير المرأة من القيود الشديدة التي تكبلها. فقد تم إنشاء المجلس الأعلى للمرأة في البحرين عام 2001 ، ومديرية عامة للمرأة ومراكز للتأهيل النسائي في سلطنة عمان والمجلس الأعلى لشؤون الأسرة في دولة قطر.
وبالرغم من أن مشاركة النساء في النشاطات العمومية والسياسية منها بشكل خاص لا تزال محدودة في البلاد العربية، بالمقارنة مع بقية الكتل النامية في آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية، إلا أن تقدما ملحوظا بدأ يظهر في السنوات الأخيرة في هذا المجال. ففي المغرب ارتفعت نسبة النائبات في المجلس النيابي من 1% عام 1995 إلى 11% في انتخابات عام 2003 فكون البرلمانيات كتلة من 35 نائبة. وفي الأردن، ارتفعت النسبة نفسها من 2.5% عام 1995 إلى 5.5% عام 2003. وارتفعت في البرلمان التونسي من 6.8% عام 1995 إلى 11.5% عام 2003 ثم إلى 22.8% عام 2004. وتبلغ في سورية 12% .
ولا يختلف الأمر عن ذلك في انتخابات المجالس المحلية. فقد حصلت النساء الفلسطينيات على 17% من مجموع المقاعد البالغ عددها 306 في انتخابات 2004. وتشغل أربع نساء منصب عمدة في مصر واثنتان في لبنان. وتحتل 35 امرأة مناصب في المجالس المحلية في السودان، منذ عام 1999. وبالمثل تحتل 62 امرأة جزائرية مناصب في المجالس المماثلة.
لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل أن المرأة قد حرمت من المشاركة في أول انتخابات بلدية جرت في المملكة العربية السعودية في فبراير 2005. وهو ما حصل في الكويت منذ عام 1962 الذي استثنى النساء من الانتخابات البرلمانية حتى تاريخ تعديله في مايو 2005. ولا تتعدى نسبة البرلمانيات حتى الآن 2.9% في مصر و2.9% في عمان و0.3% في اليمن.
وقد ارتفعت مشاركة النساء في الاقتصاد وسوق العمل بشكل بارز في العقدين الماضيين. وبلغت نسبة الزيادة في هذه المشاركة 19% مقارنة ب3% للعالم أجمع. ومع ذلك فهي تظل ضعيفة نسبيا إذ لم تتجاوز مساهمة الإناث، من 15 عام فأكثر، إلى مساهمة الذكور عام 2003 نسبة 33.3% بينما يصل المتوسط العالمي إلى 55.6%. وهي تأتي في آخر مرتبة بعد نساء أمريكا اللاتينية والكارييبي وتقل كثيرا عن مساهمة المرأة في شرق آسيا والباسيفيكي حيث تبلغ 68.9% . كما أن مشاركة المرأة في العمل نسبة إلى مشاركة الرجل لا تتجاوز 42%، وهي الأقل في العالم أيضا حيث تبلغ 83% في شرق آسيا والباسيفيكي و73% في أفريقيا جنوب الصحراء بينما يبلغ المعدل العالمي 69% . وتبلغ مشاركة المرأة الاقتصادية أعلى نسبها في موريتانيا 36.1% تليها قطر (42.6%) والمغرب (41.9%). ومع أن نسبة الزيادة في مشاركة المراة في السعودية والأردن وعمان قد ارتفعت بين 1990 و2003 بنسبة 50% إلا أنها لا تزال تقل عن 30% .
وتشير إحصاءات التقرير ذاته للعام نفسه إلى أن النساء العاملات لا يتمتعن بالمساواة في الأجر ولا بفرص متساوية في الترقي الوظيفي وأن الفارق في الأجر قد تدهور مع الزمن خاصة في حالة العمال، في فترة زمنية صاحبت برنامج الإصلاح الاقتصادي.
وبشكل عام، لا تعكس معدلات تقلد المرأة المناصب الرسمية، من وزارة أو نيابة أو عضوية مجالس محلية أو قضاء، بالضرورة مشاركة فعلية للمرأة في القرارات السياسية وفي السلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائبة بشكل عام. فلا تزال هذه المشاركة شكلية إلى حد كبير، تخضع لاعتبارات سياسية وايديولوجية أكثر مما تعكس حقيقة اجتماعية. فهي لا تستند إلى تطور حاسم في العقلية أو الثقافة المحلية ولكنها تدين بوجودها إلى حد كبير إلى التدخلات السياسية ورغبة الأنظمة الخاضعة لضغوط خارجية قوية في سبيل التحديث والاصلاح في إضفاء بعض الشرعية على حكمها. فتمكين المرأة أصبح، مثله مثل االتظاهر باحترام حقوق الانسان، جزءا من برنامج التكيف مع العولمة الثقافية. وهو ما يشير إلى هشاشة هذه المكاسب النسوية وطابعها السطحي والديكوري في الوقت نفسه. وليس من قبيل الصدفة أن تكون نسبة مشاركة النساء في المناصب الحكومية هي الأعلى داخل البلدان التي تخضع للنظم الأكثر قساوة وتسلطية بين النظم العربية.

 

5-4- تعميم الفقر والبطالة :

وتميز النمو الاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي في عصر العولمة بتفاقم الفجوة التي كانت تفصله عن البلدان الصناعية بل والنامية. فقد عرف في العقود الثلاث الماضية أقل معدلات نمو إقتصادي بالمقارنة مع مناطق العالم أجمع، كما شهد أكبر تراجع في مستوى الخدمات التي تقدمها الدولة للمجتمع وفي مقدمها تلك المتعلقة بالمساواة والعدالة والضمانات الصحية والاجتماعية. ويبدو العالم العربي وكأنه التلميذ الأسوأ، والأقل كفاءة، في صف الدول الصناعية والنامية. وهو من المناطق النادرة التي تتراجع فيها جهود محاربة الفقر والبطالة بدل أن تتقدم. وبالرغم مما يتوفر فيه من موارد استثنائية يشكل العالم العربي اليوم بالمقارنة مع عدد سكانه أكبر مصدر لليد العاملة وللكفاءات المهاجرة معا .
وشهد عصر العولمة العربي أيضا تفاقم الفجوة التقنية والعلمية بين العالم العربي والعالم أجمع. فبالاضافة إلى ما كان ولا يزال يعاني منه من التأخر الشديد في نظمه العلمية والتعليمية وافتقاره لمؤسسات البحث العلمي والتقني الكلاسيكية التي تنتمي للحقبة الصناعية، راكم العالم العربي خلال الحقبة العولمية الراهنة تأخرا تقنيا وعلميا جديدا بسبب تخلفه عن اللحاق بتقنيات وأبحاث الثورة المعلوماتية وتقنية الاتصالات. فهو من بين أقل المناطق استخداما للأجهزة الاليكترونية وللارتباط بالشبكة العنكبوتية والتفاعل الايجابي والمنتج مع النخبة العالمية وسوق التقنية والمعرفة العلمية في ميادين الاختصاص والمعرفة المختلفة .
ويدفع التكيف مع سياسة العولمة وما تستدعيه من تأهيل الشركات الوطنية للمنافسة الحرة في السوق العالمية إلى تكثيف الضغوط على العمل من أجل تخفيض كلف الانتاج. وقد ترافقت سياسات الانفتاح في جميع بلدان العالم، بما فيه البلدان العربية، بمجموعة من الإجراءات التي ساهمت في زيادة البطالة كما قللت من معدلات نمو كتلة الأجور بالمقارنة مع كتلة الأرباح وبالتالي إلى تدهور مقابل في عدالة توزيع الدخل . وفي البلدان الأقل موارد أدى الانفتاح وإعادة هيكلة الشركات وتخصيص قسم كبير منها إلى تسريح عدد كبير من العمال وزيادة معدلات البطالة. ولأن هذه السياسات التحريرية لم تترافق بتأهيل مماثل للبيئة السياسية والقانونية والإدارية، لم تأت الاستثمارات الخارجية بالسرعة والمعدل الذين كانا منتظرين للرد على حاجات النمو الاقتصادي وتكوين فرص عمل جديدة تستوعب الفاقدين لمناصب عملهم السابقة. وهو ما ساهم في خلق ظاهرة البطالة المستديمة أو الطويلة. وهكذا تظهر الدراسات الحديثة إلى أن الفقر الذي كان في انخفاض مضطرد في العالم العربي خلال الفترة 1950-1980 أخذ بالارتفاع كنسبة من السكان وكعدد مطلق منذ منتصف الثمانينات حتى الآن .

وباستثناء تلك الدول القليلة التي تتمتع بوفرة من الريع، مثل الدول الخليجية، ترافق التكيف مع حاجات العولمة الاقتصادية مع تراجع من قبل الدولة عن تطبيق العديد من برامجها الاجتماعية التي كانت تشكل محور البناء الوطني في المرحلة السابقة، ومصدر تكوين الولاء للدولة الوطنية على حساب أو إلى جانب الولاءات التقليدية، الطائفية والعشائرية والعائلية. ومن هذه البرامج وأهمها تلك المرتبطة بتغيير هياكل توزيع الثروة وتعميم الخدمات الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم والتأهيل المهني والارتقاء بشروط حياة المرأة ورعاية الطفولة والامومة والتأمينات الاجتماعية والصحية وتعويضات البطالة ومشاريع كثيرة أخرى. والواقع أن انجازات الدول العربية في هذا المجال تجاوزت في الحقبة السابقة انجازات العديد من مناطق العالم الأخرى. وبذلت السلطات الوطنية الناشئة جهودا كبيرة في مجال التعليم الأساسي الذي أمنته لمعظم الأطفال في نصف القرن الماضي. وفي الجزائر ومصر والأردن واليمن وفلسطين اعتبر حتى التعليم التكميلي إلزاميا أيضا. كما بذلت المنطقة جهودا كبيرة لتعليم المرأة. وفي عمان ارتفع معدل التمدرس الابتدائي من 3% في 1970 إلى 72% عام 2000.
وقد استمر هذا الاتجاه في بعض الدول بالرغم من تغير المناخ السياسي بسبب توفر العوائد النفطية الكبيرة. لكن تطبيق سياسات التحرير الاقتصادي أجبر الدول جميعا على التخلي المطلق أو النسبي عن معظم هذه البرامج الاجتماعية التي شكلت في المرحلة السابقة أساس اللحمة الوطنية الجديدة، بما أحدثته من إصلاحات مست شروط حياة ملايين الناس في المدن والأرياف، وأدخلت القسم الأكبر من الجمهور الذي كان يعيش في عالم ماقبل السياسة، إلى دائرة التفكير والمشاركة الوطنية، ولو عن طريق الشعبوية والتفاعل السلبي مع القيادات الكاريزمية.
وتشير احصاءات البنك الدولي إلىأن إنجاز العرب في الفترة الواقعة بين عامي 1960-1985 فاق جميع مناطق العالم الأخرى ما عدا منطقة شرق آسيا من حيث نمو الدخل وعدالة توزيعه. وكانت المكاسب الاجتماعية كبيرة للغاية إذ انخفضت معدلات وفيات الأطفال في المنطقة بأكثر من النصف وارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة بأكثر من عشر سنوات. وكانت حكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فعالة في تخفيض عدد الفقراء. إذ بحلول سنة 1990، لم يكن هناك سوى 5.6% من سكان المنطقة يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، مقابل 14.7% في منطقة شرق آسيا و28.8% في منطقة أمريكا اللاتينية وأفريقيا . بالمقابل تدهور الوضع بشكل كبير في العقدين الأخيرين. فبالرغم من نمو متوسط الدخل الفردي بحوالي 2% سنويا خلال الفترة من 1960 إلى 1993، إلا أنه يوجد في السنة الأخيرة، استنادا إلى تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للتنمية البشرية حوالي 73 مليون يعيشون تحت خط الفقر، ويعاني أكثر من عشرة ملايين من نقص التغذية. وكانت بعض الدراسات (التكيف والفقر في السودان، لعلي عبد القادر علي) قد ذهبت إلى أن ثلاثة أرباع السكان يعدون فقراء في منتصف الثمانينات. وتبين الأرقام أن الفقر قد تفاقم بعد بدء التكيف الهيكلي. وبالمثل شهد ربع القرن الماضي تدهورا كبيرا في مستوى المعيشة واستقطابا أكبر للثروة من قبل فئات صغيرة في مصر حيث كانت ظاهر الفقر في الخمسينات أقل مما هي عليه في منتصف السبعينات . ولا يختلف الوضع في الأردن حيث تآكل التحسن في مستوى الدخل الذي حصل بين عامي 1980 و1986 في النصف الثاني من الثمانينات وحتى سنة 1992. فقد زاد مؤشر الفقر في المرحلة الثانية 11.9%، كما ارتفعت فجوة الفقر بمقدار 3.4% بسبب التراجع في النمو الاقتصادي وتقهقر الناتج المحلي بنسبة 8.8% .
وساهم التدهور في مستويات الدخل الناجم عن فقدان التكيف مع الظروف الإقليمية والدولية وسوء السياسات الاقتصادية والاجتماعية في تفاقم الهوة داخل المجتمعات العربية وفي ما بينها في توزيع الدخل. فبينما يصل دخل الفرد في بلد كالكويت إلى أكثر من عشرين ألف دولار لا يتجاوز في اليمن 350 دولار .
ويقدر التقرير العربي للتنمية الانسانية معدل البطالة في البلدان العربية بحوالي 15% من القوة العاملة، وهو من أعلى المعدلات في العالم. بينما ترتفع هذه النسبة بشكل خطير في بلدان عربية عديدة مثل العراق وفلسطين والسودان. وهي مرتفعة بشكل خاص بين النساء والشباب.
لم ينجم تزايد معدل الفقر والبطالة في العالم العربي عن اندماج فعلي وواسع للاقتصاد العربي في السوق العالمية، ولا عن توسيع نطاق تطبيق التقنيات الحديثة وتسريح جزء من فائض العمالة. لقد حدث نتيجة تباطؤ النمو من جهة وتراجع الموارد الريعية بموازاة انخفاض أسعار النفط النسبي والتقلبات الاقتصادية بالإضافة إلى الفساد الكبير الذي قاد إليه التحالف الجديد الذي حصل في العقدين الماضيين بين أصحاب الثروة وأصحاب السلطة. فقد سمح التحكم المزدوج بالسلطة والمال وما أدى إليه من التلاعب بالقانون وتقييد للحريات وتخفيض سياسي للمرتبات والأجور بإعادة توزيع مجحف للثروة لم يحصل في أي حقبة سابقة.
وكان لسوء الحكم والإدارة نصيب أكبر، في تراجع النمو وتقليص فرص العمل وتدهور شروط المعيشة وسوء توزيع الخدمات، من نصيب سياسات التحرير الاقتصادي. ويقدر تقرير للبنك الدولي أن الإدارة السيئة للحكم قد ساهمت في منطقة مينا بتخفيض نمو الناتج المحلي الاجمالي السنوي بمعدل 1 إلى 1.5% . بيد أن العواقب الحقيقية لاستمرار النظم الفاسدة وتمكينها من التحكم بالمجتمع وموارده معا لا ينبغي أن ينظر إليه من زاوية اقتصادية فحسب. ففي ما وراء ما أدت إليه الإدارة الفاسدة من عرقلة للنشاط الاقتصادي وزيادة في تكلفة الانتاج، أدى الجمع بين سياسات الانفتاح الاقتصادي وسياسات الانغلاق السياسي والحد من قدرة المنتجين على الدفاع عن حقوقهم، إلى نشوء طبقة رأسمالية خاصة تعيش على استغلال نفوذها في السلطة وتستند إليها أكثر مما تراهن على تطوير معايير اقتصادية سليمة. وبدل أن يساهم الانفتاح الاقتصادي في توفير بيئة إنتاجية قائمة على معايير موضوعية وشفافة وفي إعادة الحياة إلى الطبقات الرأسمالية الوطنية المنتجة التي شاركت في الحركة الاستقلالية وساهمت في وضع أسس المجتمع العربي الحديث، قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها بقليل، من دولة ومؤسسات وهياكل اقتصادية ومالية، عمل على تكوين شبكات من المصالح الضيقة والخفية التي لا يربط بينها مشروع عمومي آخر سوى الشره المشترك والموحد للإثراء وجمع الرساميل ومراكمتها قبل تصديرها إلى الخارج. وكان من الطبيعي أن تتكون هذه الطبقة الرأسمالية الطفيلية بشكل رئيسي من العناصر المرتبطة بالنخب العسكرية والبيرقراطية والأمنية التي تماهت مع الدولة، الوطنية منها والأبوية. فقد ورثت هذه النخب وضعا احتكاريا استثنائيا بكل المعاني، السياسية والثقافية والقانونية، سلمت بموجبه المجتمعات مقاليد أمورها تماما للزعامات الكاريزمية. وباستغلالها هذا الوضع الاستثنائي الذي ارتبط بتحقيق مشروع البناء الوطني، تمكنت هذه النخب البيرقراطية من تجيير رصيد السلطة الوطنية الاستقلالية والاجتماعية معا لحسابها، ونجحت، لقاء بعض التنازلات اللفظية، في أن تؤمن لسيطرتها الاجتماعية وضعا تنتزع لنفسها فيه أقصى الصلاحيات من دون أن تلزم نفسها بأي نوع من الواجبات. وهو ما دفع شيئا فشيئا إلى تطوير سلطة مطلقة تعسفية لا تخضع لأي قانون ولا تقبل أي نوع من المحاسبة أو المكاشفة أو السؤال في العديد من البلاد العربية.

 

6-4- أثر العولمة في التنمية الاقتصادية:

مثل ما حصل على الأصعدة الجيوسياسية والسياسية والمدنية التي خضعت لعولمة سلبية لكن حقيقية بحيث حلت إعادة تشكيل المنطقة من وجهة نظر الاستراتيجية الأمريكية محل التكتل العربي، وتم تحويل الدولة إلى أداة لضبط المجتمعات لصالح النظام العالمي، كما تم ربط منظمات المجتمع المدني الجديدة التي تعاني من فقر الموارد والمرتكزات الداخلية بالمنظمات الدولية، ترافقت العولمة الاقتصادية في تعميق العيوب نفسها التي عانى منها الاقتصاد العربي في الحقبة السابقة وفي مقدمها التبعية للاقتصاد العالمي.
فقد استمر الاقتصاد العربي يعتمد على تصدير رأس ماله للخارج، سواء أجاء ذلك على شكل تصدير الثروة الباطنية وفي مقدمها النفط، أو تصدير اليد العاملة والكفاءات الفنية، أو تصدير الرساميل المحلية إلى أسواق الاستثمار الخارجية في الوقت الذي لم يتلق فيه العالم العربي سوى فتات من الاستثمارات الأجنبية. وبالمقابل لم يتجاوز نصيب هذ الاستثمارات المتوجهة إلى العالم العربي 1% من مجموع الاستثمارات الأجنبية مقابل حوالي 58% لجنوب شرق آسيا و28.8% لأمريكا اللاتينية. وهكذا تميزت العقود الثلاث الماضية بتباطؤ شديد للنمو، فلم يتجاوز متوسط النمو الاقتصادي السنوي للفرد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حسب احصاءات صندوق النقد الدولي 0.9%، أي أقل حتى من المعدل في دول جنوب الصحراء الأفريقية . ولم يطلق الاصلاح الهيكلي الذي اعتمده أكثر الحكومات العربية حركة استقطاب للاستثمارات الأجنبية كما كان متوقعا، فبقي النمو يعتمد بشكل رئيسي على الاستثمارات العامة وذلك على عكس ما حصل في بقية بقاع العالم. فقد بلغت 35% في تونس و50% في لبنان و57% في المغرب و60% في الأردن . وانخفض متوسط الناتج المحلي الاجمالي للفرد في المنطقة بمعدل 0.8% في العام منذ 1970. وشهدت معظم الدول العربية، بما فيها النفطية، تراجعا في معدل نموها للفرد بعد أن تخطى نموها السكاني نمو الدخل الوطني . ولا تزال الانتاجية تشهد تراجعا منذ ثلاثة عقود على التوالي بالرغم من تسارع خطاها، نتيجة الثورة التقنية، في معظم بقاع العالم.
هكذا لم يشهد الاقتصاد العربي نموا يذكر خلال العقود الثلاثة الماضية. وقد كانت المعدلات العالية لنمو مدخول الفرد في السنوات الماضية ثمرة العائدات النفطية والعائدات الريعية الأخرى من التحويلات المالية والمداخيل غير المباشرة والتجارية أيضا وليس من نمو الانتاج. وبالرغم من ارتفاع نسبة الاستثمارات المحلية بقي النمو أقل مما كان في الستينات. ولكن سوء الإدارة والفساد والصراعات السياسية وعدم الاستقرار جعل هذه الاستثمارات غير ذات فعالية.

وبالإجمال حافظ الاقتصاد العربي في حقبة العولمة على وضعيته الهامشية بالنسبة للاقتصاد العالمي إن لم يكن قد فاقمها. وزادت بالمقابل حركة انتقال عناصر الانتاج الرئيسية فيه. وهو ما أبقاه في حالة تخلف كبيرة بالنسبة للتطورات والتجديدات التي طرأت على الاقتصاد العالمي في عصر العولمة. ولعل أفضل برهان على افتقار السياسات الاقتصادية العربية إلى الاستجابات الضرورية والناجعة لمواجهة تحديات الاقتصاد المعولم والانفتاح على السوق العالمية هو تجاهل قطاع البحث والتطوير الذي بقي من أكثر قطاعات الاقتصاد العربي تخلفا. فلم يتجاوز نصيب الاستثمار في هذا القطاع 0.2% من الناتج الوطني مقابل 2.5 و3% في الدول المتقدمة و1% في أفريقيا. بالإضافة إلى أن 89% من الانفاق على هذا القطاع يأتي في البلدان العربية من مصادر حكومية وتساهم القطاعات الانتاجية والخدمية بنسبة 3% فقط بينما تمثل 50% في البلدان المتقدمة .
ويبين العدد القليل لبراءات الاختراع المسجلة من قبل مواطني الدول العربية في سجلات براءات الاختراع الأمريكية لأعوام 1988/1998-2000، بالمقارنة مع الدول الأخرى، الضعف الشديد للاستثمار في هذا القطاع والتأخر الواضح الذي يعاني منه الاقتصاد العربي في الاستفادة من الثورة التقنية. فلا يزيد عدد هذه البراءات عن 171 في السعودية و77 في مصر و15 في الأردن و10 في سورية مقابل 16328 في كورية و7652 في إسرائيل و147 في تشيلي .
يختلف أداء الأقطار العربية بالتأكيد كما تختلف النتائج من قطر إلى آخر. فهناك من البلدان من بدأ عملية تأهيل اقتصادي وإصلاح منذ عدة عقود، في حين لا يزال بعضها يتردد في الأخذ بسياسة اقتصادية واضحة. لكن ما يمكن قوله هو أن غياب استراتيجية جماعية وفعالة، لمواجهة تحدي السوق العالمية وحتمية الانفتاح الاقتصادي، قد عمل على تعميق التشوهات التي كانت تعاني منها الاقتصادات العربية بدل أن يساهم في فتح آفاق جديدة لها. وعزز اللجوء إلى الاتفاقات الثنائية مع الدول الصناعية بدل بناء سوق عربية مشتركة التنافس بين الدول العربية لتقديم التنازلات القانونية والاقتصادية لرأس المال الأجنبي أملا في جذب الاستثمارات. ودفع الانخراط الإجباري في العولمة البلاد العربية إلى المزيد من التبعية للموارد الريعية، بدل مساعدتها على تطوير بنياتها الانتاجية وتحسين أدائها عن طريق الارتقاء بمستوى تأهيل القوى البشرية وإدخال عناصر الإدارة العقلانية والمدخلات التقنية. وهكذا لم يكن العالم العربي من بين المناطق التي استفادت من فرص العولمة بقدر ما خضع لمفاعيلها السلبية وتمت عولمته لصالح قوى أكبر منه.

 

7-4- تأثير العولمة في النظام الثقافي

لا تعيش الثقافة في الفراغ ولكن في سياق تاريخي وإجتماعي يحدد تراتبية القيم المؤثرة فيها في هذه الفترة أو تلك والتوجهات العامة والأفكار التي تحرك المجتمع الذي يخضع لها في كتلته الرئيسية. فهي تتبلور في إطار ما نسميه نظاما ثقافيا يعكس هذا التراتب ويجسده معا ويحدد منظومة الأفكار والقيم التي تفرض نفسها في المجتمع وتصبح ملهما للسياسات الرسمية من جهة، ومصدرا لنيل الشرعية في النظم الاجتماعية المرتبطة بها وبالنسبة للنخب العاملة عليها من جهة أخرى. وهو ما اصطلح على تسميته في العلوم الاجتماعية بالايديولوجية السائدة. وبصرف النظر عن الأوضاع السياسية، سيطرت على النظام الثقافي العربي لحقبة ما بعد الاستقلال منظومة القيم الوطنية التي ارتبطت ببناء الهويات السياسية الجامعة. وارتبط بهذه الثقافة الوطنية مجموعة من القيم الإضافية المشتقة منها أو الموضوعة في خدمتها، مثل قيم التكافل الاجتماعي والعدالة التي اتخذت في بعض الأقطار صورة تبني الأفكار الاشتراكية، كما ارتبط بها مفهوم خاص للعلاقات الدولية والإقليمية يؤكد على وشائج القربى بين الشعوب العربية من جهة، ويحث على التضامن بينها في مواجهة الاستعمار والامبريالية من جهة ثانية. كما ارتبطت بهذه الثقافة أيضا مجموعة من القيم الحداثية التي تنادي بتقليص دور السلطات التقليدية والأهلية، سواء أكانت سلطات رجال الدين أم زعماء العشائر أم السلطة الأبوية في الحياة السياسية والاجتماعية معا. ونشأ عن جميع هذه التوجهات والتفضيلات ثقافة تربط بين ثلاثة عناصر رئيسية مؤسسة للحداثة في المجتمعات العربية لما بعد الحقبة الاستعمارية: أولا التأكيد على الهوية العربية والعروبة بشكل عام كمحتوى رئيسي لهذه الهوية إلى جانب الهوية الدينية وأحيانا فوقها أو ضدها، وثانيا التقدمية التي يمكن أن تتخذ شكل تبني قيم النزعة الانسانية أو شكل التعلق بالقيم الفردية التحررية أو الليبرالية، وثالثا العداء للهيمنة الاجنبية التي يشكل الاستيطان اليهودي في فلسطين تجسيدها الأقصى، والتمسك بالاستقلال والسيادة الوطنيتين.
وفي موازاة تصدع النظام الوطني وتبدل طبيعة النظم الاجتماعية نفسها وتحولها من نظم وطنية ذات محتوى اجتماعي ينحو نحو التكاتف في وجه القوى الأجنبية والقوميات المنافسة الأخرى، إلى نظم أوليغارشية تخدم الفئة الحاكمة وبعض الفئات الصغيرة الأخرى التي تدعمها أو تتحالف معها، بدأ النظام الثقافي السائد يتعرض للتفسخ أيضا. وكما اختفى مشروع الوحدة العربية من العقيدة الرسمية صارت العودة إلى مفاهيم العصبية الوطنية، بمعناها الأكثر تطرفا وضيقا، معيارا للتكيف مع الوضع الجديد وتأمين المساندة الخارجية. وأدى التراجع عن مشاريع التنمية الطموحة وخطط الدولة، بحجة إعطاء المسؤولية في تحقيق الازدهار الاقتصادي للقطاع الخاص والرهان على جذب الاستثمارات الأجنبية، إلى انحسار أسطورة الدولة الراعية.
ومع تفاقم القطيعة بين الطغم الحاكمة والمجتمعات وسعي الأولى، في سبيل الحفاظ على بقائها في السلطة، إلى التخلي عن السياسات الوطنية ببرامجها المختلفة لصالح التحالف مع القوى الأجنبية والتعويض بدعمها الخارجي عن انحسار مشروعيتها الداخلية، بدأ الخطاب القومي المرتبط بالعداء للخارج يفقد الكثير من صدقيته. وفي جميع البلدان العربية نظر الجمهور الواسع إلى التراجع عن تطبيق البرامج الرئيسية التي شكلت محتوى الحركة الوطنية العربية، وتفريغ الدولة الوطنية من محتواها الاجتماعي وتحويلها إلى أداة لخدمة نظم عائلية أو عشائرية، على أنه خيانة. ومما فاقم من هذا الشعور تراجع النظم نفسها عن ادعاءاتها الوطنية، وتنامي مراهنتها على التحالف مع الدول الكبرى والاعتماد عليها في حل المشاكل المحلية بما فيها التحديات الوطنية، وفي مقدمها المسألة الفلسطينية. وجاء الانتقال السريع منذ الثمانينات نحو نظم تسلطية تعتمد في بقائها على الأجهزة الأمنية، واختصار السياسة نفسها في مهام ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار، ليطابق بين الدول نفسها وأدوات القمع والتحكم الآلي بالمجتمعات وتذليلها لخدمة مصالح النخب الحاكمة وحلفائها.
وبقدر ما ساهمت العولمة في تحلل الدولة الوطنية وتفكيك برامجها التقليدية في المنطقة العربية من دون أن تقدم بديلا آخر لها سوى الفوضى، وسطو كل صاحب سلطة أو موقع في الدولة والمجتمع على ما يقع تحت يديه من موارد مادية ومعنوية، وتجييرها لحسابه الخاص وحساب عائلته وعشيرته، فتحت الباب أيضا أمام تحلل مماثل لثقافة الحداثة الوطنية وانحسار مضطرد للنفوذ الواسع الذي كانت القيم المرتبطة بها قد أحرزته في العقود الطويلة السابقة. ولا شك أن انتشار أفكار الديمقراطية وحقوق الانسان في العالم العربي، بعد غياب طويل، يدين بقسط كبير منه إلى انحسار هذه الثقافة الوطنية/القومية وقيمها التي تحدثنا عنها. وقد شكلت استعادة الفكرة الديمقراطية نافذة للتواصل مع العالم وجزءا من العولمة الثقافية التي ساهمت في وضع العالم العربي على المستوى نفسه من تبدل التوجهات الفكرية العالمية. وفي سياق انتشار العقيدة الديمقراطية، استعادت الثقافة مفاهيم الفرد وقيمها كما استعادت مفاهيم جديدة للسلطة والحياة السياسية، تندرج في دائرة الفكرة المواطنية .
لكن منظومة القيم الديمقراطية الجديدة لم تمس بعد في الواقع سوى قشرة رقيقة من المجتمع تضم تلك الشرائح الثقافية النقدية وبعض أبناء الطبقة الوسطى الذين بقوا مخلصين لقيم الليبرالية، أو على اتصال وثيق بالتحولات العالمية السياسية والفكرية. لقد ترك انحطاط الفكرة الوطنية وتفسخها عالم المجتمع الواسع مجردا من أي مرجعية فكرية أو أخلاقية سياسية. ومع التحرر من الثقافة والقيم الوطنية لم يحصل الربط من جديد مع الثقافة العربية، في صورتها الدينية أو الأدبية أو الفلسفية أو الصوفية، ولا من باب أولى مع الثقافة الغربية، ولكن ما حصل هو انحسار حقيقي للثقافة والقيم الثقافية نفسها وفي جميع أشكالها والانكفاء نحو منظومات تعكس عودة العصبية والتماهيات الطبيعية. وفي موازاة ذلك أصبح الاستهلاك والسعي إلى مراكمة الأشياء المادية وتحقيق الملذات الحسية بأقصى طاقة هو معيار السعادة والالتحاق بالانسانية عند الأغلبية. وفي هذا الإطار نفسه للتجرد من أي ثقافة، لأن التسليم للأهواء الطبيعية ليس مصدرا لأي واحدة منها، لم يعد للفرد من مرجعية في توجيه حياته وسلوكه سوى المصالح الفردية وتضخيم معايير الحياة الشخصية. لم يعد هناك في عصر العولمة العربية وجود فعلي لمواطنين ولا لوطنيين ولا لمؤمنين وإنما لمئات ملايين المستهلكين فحسب.
وفي غياب شروط تحقق الإنسانية الاستهلاكية في مجتمع يفتقر للقوة الشرائية والإمكانيات، لم يكن أمام الأغلبية من حل آخر لمواجهة الإحباط المستمر سوى الانكفاء على التقاليد الدينية، لا في سبيل تصعيد الغرائز والتسلح ضد الإحباطات الشاملة فحسب ولكن، أكثر من ذلك، في سبيل ملء فراغ الحياة الثقافية أو التغطية عليه. من هنا لم يغير التدين من سيطرة معايير الثقافة الاستهلاكية ولا حد من سطوتها، تماما كما أنه لم يشكل مدخلا إلى تجديد الثقافة العربية الاسلامية والربط الجديد مع مواردها وقيمها الروحية والفكرية العظيمة. ومن هنا بقي التدين حالة طقوسية تماهوية ولم يتحول إلى أرضية لاسترجاع القيم الإنسانية التي ارتبطت بالدين، بما تنطوي عليه من الأخوة والتسامح والتواصل والحميمية، بل ربما جاء ليعوض عنها ويقطع الطريق عليها في الوقت نفسه. ولذلك لم تغير موجة التدين الجديدة لا في سلوك الأفراد العميق ولا في أسلوب تعاملهم مع أنفسهم ومع الآخرين ولا في تطلعاتهم وطريقة تحقيقهم لها. إنه أعطي الانطباع، من خلال ما فرضه على المتدين من ممارسة يومية ومنتظمة لطقوس يفترض أن لها معنى دينيا أو توحي بذلك، بامتلاك أرضية ثقافية، أي بامتلاك مرجعية تساعد على تكوين اختيارات شخصية. والحال أن جوهر الاندراج في التدين الراهن هو انمحاء الذاتية، وتعويض النفس التي لا تملك في الواقع أي خيار أو غير القادرة على الاختيار، عن ذلك بالتأكيد على هوية جماعية لا تتحقق بالوعي الذاتي والاختيار ولكن بالمشاركة الآلية في طقوس جماعية، أي من خلال إلغاء الحاجة إلى الاختيار والتفكير في معنى الاختيار نفسه.
لكن ثقافة الديمقراطية التي تمس شرائح محدودة من المثقفين والطبقات الوسطى المهنية وثقافة الاستعادة الطقوسية للقيم الدينية ليستا الثقافتين الوحيدتين اللتين حلتا محل الثقافة الوطنية الكلاسيكية. فحيث يفتقر الفرد للذاتية الفردية الضرورية لحمل قيم الديمقراطية ومطالب الاشتراك في الحياة العمومية ولا ينجح التدين الطقوسي أو التمائمي في تذويب الذاتية الفردية وإخفاء الفراغ الثقافي، وما ينطوي عليه من عجز عن الاختيار الأخلاقي، تبرز ثقافة ثالثة أقلوية لكن ذات قوة استثنائية. أعني بها ثقافة العنف بأشكاله الانتحارية المتعددة الموجهة نحو الذات ونحو الخارج في الوقت نفسه. فمن الممكن أن يقود إخفاق التجربة الأصولية، أي فشل تعويم الفردية في التدين التمائمي، إلى تحويل الانتماء الديني نفسه إلى اختيار أخلاقي ثقافي. وفي هذه الحالة يصبح التمرد على كل ما هو غير ديني وتدمير كل النظم التي تخالف هذا الاختيار الكلي الطريق الوحيدة لتجاوز مشاعر الفشل والرد على عالم لا يثير إلا الاحباط واحتقار الذات. فكما أن ثقافة الديمقراطية نشأت هنا في إطار العولمة فإن الإرهاب هو أيضا ابن سياق العولمة ذاتها بقدر ما أن الضياع والتجرد من الثقافة وانعدام القدرة على الاختيار هو أيضا من ثمراتها الرئيسية.
فالقيمة الثقافية الرئيسية التي تنشرها العولمة والتي تؤسس لانتشار الديمقراطية والعقيدة الاستهلاكية والأصولية التمائمية والممارسة الارهابية جميعا هي الفردية المنخلعة من إطارها والباحثة عن معنى لوجودها . فكما تقوم الديمقراطية بتثقيل هذه الفردية وتفعيلها من خلال استثمارها في القيم الكلاسيكية الأخلاقية والسياسية، تقوم الحركات الإرهابية بتفعيلها من خلال روح التمرد والنقمة على الحضارة المحبطة واللاإنسانية. بينما يقدم التدين الطرقي القائم على التسليم بالقيم الدينية المتحولة إلى طقوس واضحة وصريحة لا تتطلب الاختيار ولا تطرح مسألته، الوسيلة الأبسط للتغلب على مشاعر الانعدام والدونية أو بالأحرى الافتقار للانسانية، أي ببساطة أيضا للثقافة والمقدرة على تحديد وجهة السلوك وغايات العمل والحياة الانسانية.
هذا هو ما نسميه بأزمة الهوية التي تطرح مسائل عديدة وفي مقدمها تحديد المرجعية الجمعية. ومن النافل القول إن هذه الأزمة تحمل في طياتها كل بذور الصراع والنزاعات الداخلية والخارجية . فالحرب هي التعبير الأوضح عن غياب التفاهم والتواصل والاتساق الذي لا يقوم إلا بالثقافة وبفضل ما تمده من جسور لا مرئية بين الذوات الفردية، بل بقدر ما تنشيء الذاتية تفسها بوصفها تعبيرا مفردا عن الهوية الجمعية. وما يميز الوضع الثقافي العربي الراهن هو الحرب الثقافية بالمعنى الحرفي للكلمة: الحرب الثقافية الداخلية التي تشق المجتمع بين معسكرين ايديولوجيين، إسلامي وعلماني ، وحرب ثقافية خارجية تضع العالم العربي وجها لوجه أمام حملة تشويه وتدمير منتظمة لرمزية الثقافة والهوية العربية والاسلامية في سياق ما سمي بحرب الحضارات أو الصدام بين الثقافات. والتي تهدف إلى تشكيك الفرد بثقافته وقدرة مجتمعاته على البقاء والاستمرار من دون تغيير هويتها والانسلاخ عن جلدها .
فلم يكن العالم العربي يظهر في أي حقبة سابقة متباينا في ثقافته وسلوك مجتمعاته ونظم حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع المعايير العالمية السائدة، أي مناقضا للحداثة والديمقراطية والعلمانية، كما هو عليه اليوم. حتى أصبحت الحرب الحضارية مفهوما موجها بشكل رئيسي لوصف العلاقات بين العرب والغرب، وأصبح الحديث عن الاستثناء العربي فكرة مقبولة ومأخوذ بها عالميا. ولم يكن الفرد في العالم العربي أكثر شعورا بالاختلاف والغربة والاستلاب في حضارة العالم والعصر، وبالتالي أكثر تعاسة وبؤسا ويأسا، كما هو عليه اليوم. ويدخل في هذا الإطار الشعور المتزايد بالهوة التي تفصل النظم السياسية العربية والقيم التي تنشرها أو تعبر عنها عن الثقافة السياسية العالمية وما ترتبط بها من تأكيد على الحريات والحقوق الانسانية .
باختصار، دفعت الضغوط الداخلية والخارجية، ولا تزال، إلى تعميق أزمة الهوية والتراجع عن سياسة بناء الثقافات الوطنية السابقة القائمة على تعزيز إطار بناء الكوادر الوطنية وتوطين الحداثة واستنباتها في الثقافة والبيئة العربيتين. وتزداد في المقابل موجة التبعية الثقافية لأسواق الانتاج الثقافي الخارجية أو للثقافة الاستهلاكية. وبقدر ما تتسارع وتيرة بناء المؤسسات التعليمية والجامعية والثقافية الأجنبية التي تدرس بلغاتها الخاصة تتحول الحداثة من جديد إلى بنية أجنبية أو غريبة وتحدث شرخا متزايدا بين قطاعات الرأي العام الإسلامي والعلماني. ويقود الانفتاح الثقافي من دون رؤية ولا هدف ولا مضمون، أي من دون أن يكون مرتبطا بمشروع مجتمعي واضح وواع للتنمية أو للتحديث، إلى تذرر البنية الثقافية وتعميق التشتت الفكري والنفسي والضياع. وتزداد حركة الهجرة بالقدر نفسه للكفاءات والكوادر الثقافية والعلمية العربية التي تفتقر لأي آفاق في بلدانها الأصلية .
من هنا لم تحمل العولمة في العالم العربي إعادة التواصل بين الثقافة المحلية والعالمية فحسب عبر النبتة الوليدة للثقافة الديمقراطية ولكنها حملت معها التجريد الجماعي من الثقافة التقليدية، وبالتالي فتح أزمة الهوية التاريخية . ولا يمكن لهذه الأزمة أن تجد نهايتها من دون الربط من جديد مع الثقافة الحقيقية، وهو ما يستدعي حتما كي يستقيم إعادة بناء الثقافة العربية نفسها.

 

5 – العولمة والاندماج الاجتماعي.

ليست العولمة تحديات ومخاطر بالنسبة للجميع وفي كل الأوقات والسياقات ولو كانت كذلك لما قامت ولا استمرت. ففي مقابل هذه التحديات الكثيرة التي تمس جميع الدول الوطنية، تفتح العولمة أيضا نوافذ فرص عديدة، أمام الأفراد والجماعات والمجتمعات، خارج إطار الدولة الوطنية وبمعزل عنها. وليست هذه الفرص في الواقع إلا الوجه الآخر للتحديات والمشاكل المطروحة. فالعولمة التي تضعف اللحمة والروح الوطنية في جميع بلدان العالم هي نفسها التي تفتح الباب أمام نشوء مجتمع مدني عالمي يحمل في صلبه بذور تنظيم جمعي يتجاوز الاختلافات الوطنية والإتنية ويشكل مصدرا عميقا لتضامنات إنسانية عبر الحدود لا تزال في مهدها.
لكن منذ الآن تلعب المنظمات الأهلية دورا كبيرا في ملء الفراغ الذي يخلقه انحسار الدولة الوطنية أو تراجعها عن التزاماتها التقليدية في العديد من البلدان والمناطق. وتشارك منظمات المجتمع المدني العالمية بشكل فعال في مواجهة مشاكل الفقر والصحة وشح الموارد ومعالجة عواقب الكوارث الطبيعية، خاصة في البلاد الصغيرة المفتقرة للموارد والإمكانيات. كما تساهم المنظمات والهيئات المدنية بصورة متزايدة في تنظيم قوى التضامن الانساني عبر الحدود وتقديم الدعم للشعوب في مواجهة الاحتلال أو التمييز أو الديكتاتورية. وهي تنحو أيضا، من خلال تنظيمها للرأي العام العالمي، إلى ممارسة تأثير متزايد على صانعي القرار الدولي والوطني أيضا، خاصة عندما يتعلق الأمر بشؤون مشتركة تتجاوز المصالح الوطنية، كالتنمية والتجارة والحرب. ويكفي في هذا المجال الإشارة إلى المنظمات النسائية التي شكلت قوة ضغط دولية وإلى منظمات مثل أطباء بلا حدود أو منظمة العفو الدولية أو المنتدى الاجتماعي العالمي.
وفي الوقت الذي تهدد فيه العولمة الاقتصادات التقليدية الضعيفة بالتراجع والتفكك أمام قوانين المنافسة الدولية العنيفة، تقدم سياسات الشراكة فرصا جديدة أيضا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية بما تتيحه من تدفق الرساميل والاستثمارات عبر البلدان، خاصة تلك التي تتوفر فيها شروط أفضل لتقليل كلف الانتاج أو للتوسع الرأسمالي واقتناص الفرص الجديدة. ويدفع الشعور المتزايد بالاشتراك في مصير واحد والتعرض لمخاطر واحدة عددا كبيرا من الدول الصناعية الكبرى إلى الاهتمام بالمناطق التي تعتقد أن لها مصلحة في استقرارها ونموها. وقد ولد عن هذا الإدراك المتنامي لترابط المصالح الدولية وتفاعلها اتجاه قوي نحو بناء الكتل القارية، بما يعنيه ذلك من مساعدة الدول الفقيرة والضعيفة على تأهيل نفسها والاندراج في الوحدات الإقليمية كما حصل بالنسبة لبلدان أوروبة الوسطى والشرقية التي ضمنت التحاقها بالاتحاد الأوروبي. ومنه أيضا نشأت مشاريع الشراكة الاقتصادية التي تقترحها العديد من الدول الصناعية الكبرى على البلدان الفقيرة لمواجهة مخاطر التهميش والإفقار والدمار الاقتصادي الذي يتهددها بسبب تقدم مسار العولمة وتفاقم المنافسة الاقتصادية العالمية. ويرتبط بمشاريع الشراكة الاقتصادية فتح أسواق الدول الصناعية على منتجات الدول الفقيرة وتأهيل هذه الدول للمشاركة بشكل أفضل في التجارة الدولية والاستفادة منها ونقل الخبرة الفنية والتكنولوجية والتشجيع على انتقال الصناعات التي أصبحت قليلة المردود في الدول الصناعية نحو البلدان الأخرى.
وربما كان المثال الأبرز لنتائج العولمة الاقتصادية والتجارية ما حققته الصين الشعبية في ظل سياسة الانفتاح التي اتبعتها منذ أكثر من عقدين من نمو اقتصادي مضطرد يزيد عن 9 بالمئة وقد تجاوز في المرحلة الأولى 20 بالمئة .
وفي هذا السياق نفسه ينبغي الإشارة إلى ما تقدمه ثورة الاتصالات والشبكة العنكبوتية من فرص استثنائية لردم الفجوة المعرفية بين المجتمعات، عن طريق تسهيل سبل اكتساب المعرفة وتعميم نتائج البحث العلمي وربط التقدم الاقتصادي بالابداعات العلمية والفكرية، كما لم يحصل في أي حقبة سابقة. فبالرغم من أن سياسات العولمة الراهنة تركز بشكل كبير على العمليات الاقتصادية، وتدفع الاقتصاد إلى المقدمة بوصفه الحامل الرئيسي لهذه العولمة، والقاعدة التي يقوم عليها نظام جديد من العلاقات الدولية الذي يضمن إدراج المجتمعات جميعا، على قدر أو آخر، وبصورة أو أخرى، في الحضارة التقنية العلمية، إلا أن المحرك الأكبر للعولمة، أو رأسمالها الحقيقي، بما في ذلك على الصعيد الاقتصادي، لم يعد الرأسمال المادي ولكن الرأسمال اللامادي أساسا. فالمعرفة وما يرافقها من طفرات تقنية سوف تشكل بصورة متزايدة ميدان التراكم الأهم في عملية التنمية البشرية. والمشاركة في إنتاج المعرفة وتداولها وتطبيق نتائجها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، سيحدد ذلك كله بشكل أكبر قدرة المجتمعات على الاندماج في النظام العولمي الجديد وموقع كل منها فيه.
وبالمثل، إن العولمة التي تساهم في الانتشار السريع للأمراض المعدية هي نفسها التي تقدم وسائل مكافحة هذه الأوبئة وحماية البيئة والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل ومعاقبة الجريمة وتهريب المخدرات وتبييض الأموال. والعولمة التي تعمل على تعميق التفاوت في توزيع الثروة والقوة هي نفسها التي تقدم فرص تحقيق الأمن الدولي الجماعي والدعم الفعال لحقوق الانسان والتعددية السياسية والديمقراطية.
وبهذا المعنى ينطبق على العولمة ما ينطبق على جميع الطفرات التقنية التي تتوقف نتائجها على القوى التي تتعامل معها والأهداف التي تسنها لنفسها والاستراتيجيات التي تصوغها لتحقيقها.
ويبدو لي أن أول شرط للاستفادة من العولمة، بأي شكل كان ولأي هدف كان، هو وجود الفاعل الاجتماعي الذي يستطيع أن يميز بين معطياتها وآثارها المختلفة. وعندما نتحدث عن فاعل اجتماعي فنحن نعني بالدرجة الأولى وجود قوة اجتماعية، سواء أكانت نخبة أو طبقة أو مجموعة مهنية أو مجموعة مصالح تملك مشروعا خاصا بها بما يفترضه وجود هذا المشروع من وعي بالأهداف ومن مهام واضحة وإرادة مشتركة. وغياب هذا الفاعل يعني أيضا غياب أجندته الخاصة وبالتالي التضحية بمصالحه.
وما يميز العولمة أنها بقدر ما تعمل على تفكيك الفاعلين الاجتماعيين التقليديين مثل الدولة القومية والطبقة والأمة، تترك الأفراد أو الأغلبية الساحقة منهم مشتتين خارج أي إطار يسمح لهم بممارسة دورهم الجماعي أو بالتحول إلى جزء من مشروع عمومي. وهذا التفكيك هو الذي سمح للنخب الحاكمة بالتحرر من الالتزامات التقليدية وتحويل الدولة التي يسيطرون عليها إلى أداة لتحقيق أجندة خاصة تتناقض مع الأجندة الوطنية العامة أو تختلف اختلافا كبيرا عنها بقدر ما تتفق وأجندة السيطرة الخارجية النازعة إلى أن تكون سيطرة امبرطورية.
وهكذا ما كان من الممكن في غياب أجندة عربية، وطنية أو قومية إقليمية، أن يحصد العالم العربي من العولمة إلا ما يفيد شريحة صغيرة من المجتمع على هامش تحقيق أجندة القوة الأكثر حضورا وتأثيرا في المنطقة، أعني الولايات المتحدة الأمريكية. وأجندة العولمة الأمريكية، في الشرق الأوسط وخارجه، تتكون من بنود واضحة ومعروفة. تأكيد القيادة الامريكية للعالم، الحفاظ على التفوق الاستراتيجي الذي تتمتع به والحؤول دون صعود قوة قادرة على منافستها وتقليص حجم هذا التفوق وبناء سوق عالمية مفتوحة تتطابق مع المصالح الأمريكية ومع العقيدة الليبرالية المرتبطة بها، ومنع انتشار الاسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل وأخيرا القضاء على الارهاب الذي يمكن أن يطال أراضيها وفي سياقه على قوى المقاومة للهيمنة الامبرطورية الأمريكية.
ومن الطبيعي أن تدفع مثل هذه الأجندة إلى تحويل العالم العربي إلى ساحة رئيسية من ساحات الصراع على صياغة أجندة العولمة بين التكتلات والدول الكبرى، وأن يصبح التحكم به كموقع استراتيجي، والسيطرة على موارده البشرية والاقتصادية والنفطية، جزاء من الصراع المرتبط بعصر العولمة. فهو يلتقي مع هذه الأجندة في عدة نقاط. أولا من حيث موقعه الجيوسياسي الاستراتيجي بوصفه ممرا يفصل بين الولايات المتحدة وأوروبة من جهة، وآسيا الصاعدة كقوة منافسة رئيسية، والصين على رأسها، من جهة أخرى. وثانيا من حيث هو مصدر لأهم احتياطات طاقة ذات قيمة استراتيجية كبرى في التنافس الدائر وفي تحقيق المنافسة في السوق الاقتصادية. وثالثا من حيث هو بؤرة توتر دائمة ومستمرة بدأت تشكل تهديدا خطيرا للأمن الأمريكي والأطلسي عموما مع تنامي قوى وحركات التخريب الدولية ذات الأصول الشرق أوسطية العربية والاسلامية. ورابعا من حيث هو مصدر لخطر تطوير الأسلحة النووية والكيمائية والبيولوجية، وهو لا يبعد سوى مسافات قصيرة عن البلدان الأطلسية. وخامسا من حيث هو مجموعة من البلدان التي تفتقر إلى حياة سياسية واقتصادية مستقرة، وتعاني أنظمتها من أزمة مستديمة في الشرعية. وقد ساهم الخروج الكارثي للبلدان العربية من الحقبة الوطنية وما نتج عنه من تفكك في العلاقات الاجتماعية وتقهقر في معايير الإدارة والحكم معا ومن شرخ متزايد بين النخب الحاكمة والمجتمعات، في خلق الاعتقاد بأن العالم العربي قد أصبح ثمرة ناضجة للقطاف، وأن من الممكن بسهولة ابتلاعه استراتيجيا واقتصاديا وحضاريا، وبالتالي تحقيق كسب استراتيجي كبير في المنافسة العالمية يمكن الولايات المتحدة من متابعة سياستها الامبرطورية ويقدم رافعة قوية لضمان التفوق المنشود في العقود القادمة على القوى الجديد الصاعدة.
وهكذا بدل أن تخرج البلاد العربية من الأزمة الوطنية نحو تكتل إقليمي يسمح لها بتجاوز الصعوبات الاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها وسوف تواجهها بشكل أقوى مع تصاعد وتائر العولمة، وجدت نفسها في مواجهة مشروع إعادة الهيمنة الأجنبية بما تعنيه من محاولة جدية لتقليص هامش مبادرتها وفرض الوصاية السياسية عليها وإضفاء الشرعية على التدخل السافر في شؤونها الداخلية.
وقد أظهرت البلدان العربية، في مواجهتها لهذا المشروع الذي لا يزال قائما، صعوبة كبيرة في بلورة سياسات عقلانية، سواء أتعلق الأمر بالحكومات والنخب المسيطرة أم بالمجتمعات وما يمثلها من أحزاب ومنظمات مدنية. وتراوحت ردود أفعالها النظرية والعملية بين العودة إلى تقاليد المقاومة القديمة التي راكمتها خلال المرحلة السابقة للكفاح ضد الاستعمار التقليدي وبين الاستسلام للقدر والتكيف، في حدود ما أمكن، مع حاجات السيطرة الامبرطورية الأمريكية. ولم تستطع بالتالي لا أن تبلور رؤية واضحة لمواجهة المخاطر والتحديات المتفاقمة، ولا من باب أولى أن تنجح في تنظيم رد عملي ايجابي من نوع التكتل أو التحالف الواعي والمنظم لضمان المبادرة والحفاظ على الحد الأدنى من السيادة وانقاذ الكرامة الوطنية والقومية. وبقي الرأي العام العربي مقسما وموزعا بين تيارات شتى تنفي كل واحدة منها الأخرى، تبدأ بالتسليم للإمبرطورية والاندماج فيها من دون مناقشة ولا شروط، وهو ما تظهره العديد من التيارات الليبرالية الخارجة من رحم النظم الاستبدادية التسلطية، وتنتهي بفرق السلفية الجهادية وغير الجهادية التي لا تقبل بأقل من القطيعة الكاملة بين المجتمعات الاسلامية والحضارة الحديثة الغربية، مرورا بكل ما يمكن تصوره من تيارات وسيطة محافظة أو إصلاحية. كما بقيت النخب الحاكمة بعيدة عن أن تفكر برد جماعي على التحديات ذات الطبيعة الشمولية. واختار معظمها المناقصة الوطنية والمزاودة على الدول الأخرى من أجل الحصول على مزايا التفاهم الأسرع والأكمل مع الدول الأطلسية، بما يعنيه ذلك من القبول ببعض الاصلاحات الجزئية، بينما اختار قسم آخر منها الابتزاز بالقدرة على التخريب والمساومة على القيم الوطنية في سبيل ضمان وجوده في السلطة، من دون أي يضطر إلى القيام بالإصلاحات التي يطالب بها الأمريكيون أنفسهم لتبرير وصايتهم الاستراتيجية. فما يجمع بين الاستراتيجيتين: استراتيجية تصفية الإرث الوطني بأرخص ثمن والمزاودة بالقومية أو تحويل الوطنية إلى قناع للمصالح الأكثر فئوية، الهدف نفسه: الحفاظ على الحكم من دون أي أجندة أخرى، لا عولمية ولا إقليمية ولا وطنية.
من هنا أعتقد أن تقويم مسار العولمة العربية بما يساعد على إعادة ترتيب أوضاع المجتمعات العربية فيها وتحقيق قيم المساواة والحفاظ على فرص الاندماج الاجتماعي والوطني والحد من نزوع النخب المحلية إلى الاستثئار بالثروة الوطنية على حساب الأغلبية الاجتماعية يستدعي قبل أي شيء آخر تكوين الفاعلين الاجتماعيين على جميع المستويات : المستوى الإقليمي، والمستوى الوطني والمستوى المحلي والقطاعي. ويستدعي هذا بلورة برنامج للعولمة العربية يستند إلى خمس محاور رئيسية: تعزيز الديمقراطية وتأسيس الفكرة الإقليمية للتغلب على تجزئة الأسواق الوطنية، والاندراج في الثورة العلمية التقنية وتحديد أهداف التنمية الانسانية وإعادة بناء الذاتية الفاعلة.
فالعمل على مستوى التكتلات الإقليمية لم يعد اليوم مسألة استجابة لنزعة أو لمطالب قومية. لقد أصبح شرطا رئيسيا من شروط الاندراج الناجع في الثورة العلمية والتقنية والمشاركة فيها بما يساهم في رفع كفاءة القوى البشرية والمؤسسات والمجتمعات العربية، ويضاعف قدرتها على تحقيق التنمية الانسانية المنتظرة والمطلوبة. فهو مرتبط بشكل مباشر بتأمين شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سياق العولمة الراهنة التي سحبت البساط من تحت أقدام الرأسماليات الوطنية، سواء أكانت رأسمالية دولة أو رأسماليات ليبرالية. ولا ترتبط هذه الشروط بالشروط الاقتصادية والمادية فحسب، بما يعنيه ذلك من ضرورة تجاوز التبعثر الراهن في الموارد والأسواق والمصالح، ولكنها ترتبط أيضا بتأمين الشروط السياسية والجيوستراتيجية. فلا يمكن ضمان الاستقرار واستتباب الأمن والسلام من دون التوصل إلى تسويات نهائية بين مجموعة الدول المكونة للإقليم، والخروج من دوامة الحروب والنزاعات المدمرة للطاقات والموارد والمنفرة للاستثمار والمحبطة للجهد والجاذبة للعقول الحية والمبدعة.
ويعتمد الاستقرار الداخلي لكل قطر إلى حد كبير على الاستقرار الإقليمي ولا يمكن أن يتحقق من دونه. وقد كان لمناخ الحرب المستمرة والتوتر الدائم دور كبير في إجهاض جهود العالم العربي الكبيرة التي بذلها في نصف القرن الماضي من أجل الخروج من التأخر الاقتصادي والاجتماعي وإطلاق عملية تحديث جدية لمؤسساتها الاجتماعية والسياسية والثقافية. وكل ما تعاني منه المجتمعات العربية اليوم من انعدام الأمن القومي والوطني وضعف وتائر النمو الاقتصادي وتفكك اللحمة الوطنية والقطيعة الثقافية وما تحمله من أزمة هوية يعود في جزء كبير منه إلى غياب بيئة إقليمية تتمتع بالحد الأدنى من الاستقرار والثبات.
ويطرح موضوع التكتل الإقليمي مسألة الخروج من حالة التبعثر والتقوقع الوطني المتجاوز والمتحول إلى حجاب للمصالح الفئوية الصغيرة، كما يطرح مسألة التخلص من مناخ الحرب الداخلية وتجنب الحرب الحضارية، في سبيل إعادة الحوار مع الدول والمجتمعات الأخرى. ويطرح كذلك مسألة الاستفادة من هذا الحوار في سبيل تحقيق التسوية العادلة في الحرب العربية الاسرائيلية التي تمكننا من إقامة السلام الدائم والانتهاء من قرن كامل من الدمار المادي والمعنوي. ولن تكون هناك إمكانية لإدخال المنطقة بأكملها في دورة الانتاج والابداع العالمية المرتبطة بتطور الثورة العلمية التقنية من دون إعادة بناء النظام الإقليمي، سواء أحصل ذلك من خلال إعادة هيكلة الجامعة العربية أو من خلال إنشاء هيئة إقليمية جديدة تتجاوز حدود الدائرة العربية وتشمل بلدانا أخرى غير عربية.

ولن تكون هناك إمكانية للاستفادة من العولمة على المستوى الوطني القطري من دون إعادة بناء الدولة بما يجعل منها من جديد حاملا لإرادة جماعية ويحررها من استلابها لشبكة المصالح الخاصة التي تسيطر عليها. وتشكل الديمقراطية في هذا المجال الوسيلة الوحيدة لنزع الطابع الخصوصي عن الدولة وإعادة إلحاقها بإرادة جمعية ولصالح بناء هذه الإرادة أيضا.
ولا يساعد تعزيز الديمقراطية على ربط المجتمعات العالمية بالتاريخية الكونية ويدمجها في ثقافة عصرها وسياسته فحسب، ولكنه يقدم الوسائل الوحيدة الكفيلة بملء الفراغ الذي يخلفه انحسار الدولة الوطنية والخروج من أفقها الايديولوجي والسياسي. وإذا لم نشأ ان يكون البديل لأزمة الدولة والايديولوجية الوطنية التمزق والفوضى والاقتتال وتبعثر الجماعة السياسية، فليس هناك بديل من الانتقال من مفهوم الدولة الوطنية إلى منظور الدولة القانونية. ويكمن تفوق هذا المنظور في أن الولاء لدولة القانون هو ولاء للقانون نفسه وأساس بناء مواطنية مفتوحة على كل الأفراد المقيمين في ظل الدولة ولا يحتاج إلى بلورة عقائد وتضامنات إتنية وأقوامية تتعارض مع انتشار الفردية والنزوع العميق نحو المزيد من التعددية السياسية والاجتماعية والثقافية.
وتعميق مفهوم الدولة القانونية في النظرية والممارسة هو الذي يسمح بأن تكون العولمة رديفا للديمقراطية بدل أن تكون مصدرا للحرب والهيمنة والوصاية الأجنبية كما هي اليوم. والانتقال من الدولة الوطنية إلى الدولة القانونية هو السبيل إلى تعزيز المجتمع المدني وتمكينه من المبادرة والقيام بوظائف متزايدة، لا تعوض عن انحسار وظائف الدولة وتراجع دورها الاجتماعي فحسب، ولكنها تعيد تكوين الفرد والجماعة على أساس تنمية روح المبادرة والمسؤولية والتضامن والتعاون الجمعي أيضا. وفي الدول العربية يمر بناء الدولة القانونية عبر تفكيك الأجهزة الأمنية التي أصبحت العائق الرئيسي أمام تفتح حياة سياسية طبيعية.

لكن ربما كان المستوى الأهم الذي يعنينا هنا عند الحديث عن استثمار فرص العولمة من أجل تحقيق المساواة والاندماج الاجتماعي وعدم السماح للتحولات السريعة الجارية في تهميش الغالبية الاجتماعية، هو المستوى المحلي والقطاعي. وتشكل العناية بالتنمية المحلية محورا رئيسيا من محاور مواجهة الآثار السلبية للتنمية وتتماشى مع ما يمثله نشوء المجتمع المدني وتطويره من رهانات تاريخية. وتفترض التنمية المحلية نشوء الفاعلين المحليين، سواء أكان ذلك على مستوى السلطات البلدية أو على مستوى الجمعيات الأهلية أو المنظمات القطاعية.
وعلى هذا المستوى يتجلى أكثر من أي مستوى آخر فقر المجتمعات العربية وانعدام وسائلها تجاه العولمة. فالمجتمعات المحلية تفتقر افتقارا كليا للموارد المادية والبشرية، كما تفتقر للتواصل في ما بينها ومع العالم أيضا. وتخضع المجتمعات المحلية خضوعا كاملا للتنظيمات البيرقراطية الرسمية، حتى أن الانتخابات البلدية لا تكاد تشكل رهانا مهما حتى بالنسبة لأحزاب المعارضة السياسية. وفي العديد من البلدان العربية يتم تعيين رؤساء المحليات والبلديات مباشرة من قبل السلطة التنفيذية.
لكن في ما وراء السلطة المحلية وتفعيلها لتحويلها إلى موطن لفاعل اجتماعي قادر على العمل والتأثير والتواصل عبر الحدود مع العالم، اعتقد أن نموذج الحركة النسوية الذي تحدثت عنه في فقرة سابقة هو الذي يستحق التأمل العميق، في إطار البحث عن سياسات جديدة تستفيد من فرص العولمة. فمن الواضح أن وجود أجندة واضحة في هذا المجال، والنجاح في توحيدها إلى حد كبير، بصرف النظر عن حدود الدول والثقافات، قد سمح بنشوء حركة نسوية قوية شكلت عامل ضغط جدي ليس على الحكومات فحسب، ولكن على الرأي العام أيضا، وساعدت على تعديل جذري أحيانا في وضعية المرأة القانونية وفي صورتها ووظيفتها الاجتماعية. ويقدم هذا النموذج مثالا للاستغلال الناجع لفرص الانفتاح العالمي والتواصل عبر الحدود والتقارب في القيم والمعايير. كما يبين ما ينطوي عليه الالتقاء بين حاجات التحول الداخلي والتحولات الديمقراطية الخارجية من قوة حقيقية ومن فرص لنمو قوى اجتماعية قادرة على ،أن تقدم حلولا أو مساهمات فعالة في ايجاد الحلول للعديد من المشاكل الاجتماعية. والأمر يتعلق بقدرة قطاعات الرأي العام المختلفة على صوغ أجندة خاصة بها والتواصل عبر الحدود وايجاد الوسائل للعمل المشترك من أجل تحقيق أهداف واضحة ومحددة. وتأمين الوسائل والشروط والتأهيل الضروي لتحويل الأفراد المشتتين في القطاعات المختلفة إلى فاعلين في وسطهم وبيئتهم، وتمكينهم من بلورة مشروعهم الخاص كفاعلين جمعيين، وتحسيسهم بالفرص التي يقدمها التواصل في ما وراء الحدود الوطنية، هو ما ينبغي أن تعمل له وتساعد فيه المؤسسات التنموية الوطنية والإقليمية والدولية.
ويبدو لي أن النجاح في إعادة بناء المجتمع المحلي يتوقف على عاملين. الأول هو بناء أسس التضامن بين الأفراد أنفسهم، في سياق تحلل القيم والتقاليد والثقافات، ثم بين قطاعات المجتمع المختلفة وعبر الحدود الوطنية وفي ما ورائها. وهو موضوع لا يزال بحاجة إلى المزيد من البحث والتدقيق. فبناء هذه الأسس يتعارض كما يبدو مع الميل المتزايد الذي تنميه العولمة إلى الاهتمام بالمصير الفردي والمراهنة على الخلاص الفردي. وهو الميل الذي يفسر تزايد مخاطر خيانة النخب عموما والاستعداد إلى التضحية بالفئات الاجتماعية الضعيفة وعدم العناية بمستقبلها ومصيرها من قبل النظم والفئات الغنية، الرسمية وغير الرسمية معا. وهذا ما يفسر نجاح الحركات الدينية التي تعتمد على تعبئة عاطفة الأخوة العقدية ونجاحها في ملء الفراغ الذي تتركه السياسة، أي الدولة والنخب الحديثة. ولا شك أن تشجيع التفاعل بين الأفراد والجماعات داخل الفضاءات الوطنية وعبر الحدود أيضا، وتعزيز فرص قيام تجارب نوعية مشتركة، باستغلال فرص التواصل التي تقدمها العولمة، سوف يساعد على إعادة بناء شبكات التضامن الإنسانية الممزقة، ويمهد لنشوء لحمة اجتماعية تخلف اللحمة الوطنية التي أصبحت على مستوى الممارسة اليومية ذكرى من الماضي، وربما في انبثاق أخلاقيات جديدة لعصر العولمة، إنسانية ومشتركة معا، كما هو الحال بالنسبة للحركة النسوية، ويساهم في بلورة مشاريع عمل جماعية لقطاعات مختلفة من الرأي العام. وما قامت به الحركة النسوية يمكن أن يقدم نموذجا ناجحا لسكان الأحياء العشوائية أو القصديرية التي تتكاثر من حول المدن العربية من دون أي أمل في المستقبل القريب.
أما العامل الثاني فهو يتعلق بإعادة بناء مفهوم التنمية وبرنامجها معا. فلا تستطيع القوى المدنية الناشئة أن تنمو وتتقدم ما لم تستند إلى رأي عام متفاعل مع المطالب التي تقدمها. ويطرح هذا الموضوع سؤالا كبيرا علينا جميعا، أقصد مجتمعات العالم كلها، هو: أي تنمية نريد؟ وما علاقة التنمية الاقتصادية بالحرية وما علاقتها بالثقافة؟ وهل نريد مستهلكين أم بناة حضارة جديدة إنسانية. هل يكون المعيار الرئيسي للتنمية التقدم في القوة الشرائية والمداخيل والقدرة على استهلاك الحاجات المادية، بما يمكن أن يخلفه هذا من استلاب الانسان للموضوع والبضاعة، وما يحمله من تهديدات بتحويل الفرد إلى ذئب للفرد الآخر، وهو حالنا اليوم، أم يكون المعيار الرئيسي للتنمية تنمية الانسان والقيم التي تسمح له بالتفاهم والتعاون والتكافل والتكامل والانسجام؟ وما هي هذه التنمية الانسانية والثقافية النوعية وعلى ماذا تقوم؟ باختصار، ليس هناك أمل في تحقيق التنمية اليوم من دون مراجعة مفهوم التنمية نفسه، وربما تحريره من مفهوم التنمية المادية والكمية. فهل تعني التنمية تنمية الاقتصاد أم تنمية قيم التضامن والتفاهم والأخوة الوطنية والانسانية؟ ويبدو لي أننا لا نعاني اليوم من نقص النمو المادي ولكن ربما من هذا النمو الكبير ذاته الذي يفتقر للمعنى، أي للمحتوى غير المادي. ولذلك فهو نمو للتفاوت الفاحش في توزيع المادة والموضوعات المادية، وضمور لا حدود له للروح والفكر ونوعية العلاقات الانسانية. إنه تراكم لقيم الوحشية: وحشية الذين يحتكرون الثروة المادية ولا يهمهم مصير الآخرين، ووحشية المحرومين من هذه الثروة التي تعبر أحيانا عن نفسها في تنمية قوى العنف الدموي المنفلتة من أي ضوابط قانونية أو سياسية أو أخلاقية.

لكن في جميع الأحوال، لا مجال لانتعاش المجتمع المحلي في إطار دولة استبدادية، ولا مجال لتعزيز الديمقراطية السياسية والاجتماعية في بيئة إقليمية غير مستقرة وخاضعة لتجاذبات القوى الخارجية، أو متحولة إلى مسرح عمليات لحرب السيطرة الدولية. ولذلك يبقى إصلاح الدولة وتحويلها إلى دولة قانونية ديمقراطية وإصلاح المجتمع بتحويله من ملحق للدولة إلى إطار لانتعاش الإرادات الجمعية والفاعلين المبادرين وتعزيز الديمقراطية المحلية المستندة إلى نمو الهيئات المدنية التي تشرك الأفراد في تنظيم حياتهم اليومية مباشرة، هو الطريق الإجباري نحو أي إصلاح يمس بنية العلاقات الإنسانية، ويسمح بتحقيق تنمية تنشد المساواة وتضمن الاندماج الاجتماعي. وكما يحتاج تأهيل الدولة اجتماعيا إلى بناء الديمقراطية لا يمكن للمجتمعات أن تستفيد من فرص العولمة والتواصل المثري الذي تؤمنه مع العالم والتفاعل معه إلا ببناء الفضاءات الإقليمية المفتوحة.

 

6- خلاصات وتوصيات:

ترجع مشكلة العالم العربي في مواجهة العولمة إلى ما عاشه من عزلة وانكفاء على الذات خلال أكثر من نصف قرن، ومن خضوعه لأنظمة سياسية عملت على تكريس هذه العزلة، ليس بالنسبة للمنطقة ككل فقط، ولكن حتى بالنسبة للأفراد والجماعات، وإلى ما أشاعه ذلك الوضع من نمط تفكير وممارسة وردود أفعال منفصلة إلى حد كبير عن العالم وعن المعايير المتبعة فيه. لكن الانفتاح الذي يحصل الآن بعد عقود من العزلة، تحت ضغط الظروف والقوى الخارجية، ومن دون رؤية بعيدة وسيطرة اجتماعية، يعمل بشكل حثيث على تفكيك، بل تفجر، النظم القائمة جميعا، بداية من النظام الإقليمي حتى النظم الاجتماعية. وهو يقود بالضرورة نحو حالة من الفوضى العامة التي تفتقر فيها الدول والمجتمعات والأفراد معا إلى قواعد واضحة وثابتة ومقبولة لتنظيم شؤونهم العامة واليومية. وما نعيشه على المستوى الجيوسياسي وعلى المستوى السياسي في العديد من البلدان، وما شهدناها في أكثر من قطر عربي من نزاعات وحروب أهلية، هو التعبير عن هذا التفكك والانفجار وما يعنيه من تفتت النظم المجتمعية وتطاير أشلائها من دون أن تكون هناك، حتى الآن، فرص واضحة لإعادة بنائها على أسس جديدة وبوسائل جديدة.
وما دام محرك هذا التفكك المتعدد الجوانب لنظم العالم العربي الحديثة، الجيوستراتيجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي ولدت في المرحلة الوطنية والتزمت بقيمها، قائم في الخارج ويسير حسب أجندة أجنبية أيضا، فهو لا يولد حركة معاكسة، أي في اتجاه إعادة التركيب على ضوء حاجات الانخراط في عصر العولمة وطبقا لمعاييرها، ولكنه يعمق بشكل مستمر الأزمة ويدخل العالم العربي ومجتمعاته في تخبط لا حدود له ولا آفاق. وبقدر ما تستمر حركة التفكك هذه بمحركات خارجية يزداد خطر تعميم هذه الأزمة الطاحنة التي تعيشها المجتمعات العربية وما يرافقها من ضياع متعدد الأوجه، كما يزدادا اعتماد المجتمعات العربية وتبعيتها للتدخلات الخارجية وتتضاءل بالقدر نفسه فرص استعادة السيطرة على الوضع وفتح آفاق إعادة التركيب.
ومن هنا تتطلب لملمة الوضع العربي من جديد، أفرادا وشعوبا ومجتمعات وجماعة، حركة قوية لقلب الاتجاه واستعادة المبادرة لجعل حركة التحويل والاصلاح حركة من الداخل خاضعة لحاجات المجتمعات العربية ومرتبطة بتحقيق أهدافها ومطالب شعوبها. ويستدعي إطلاق حركة الاصلاح الشامل الذي يساهم في إعادة مركزة العالم العربي حول نفسه واستعادة المجتمعات العربية لقرارها، وبلورة أجندة عربية قطرية وإقليمية معا لمواكبة العولمة:
1- العمل على تغيير البيئة الجيوسياسية القائمة. فإذا لم يكن هناك نقاش حول مركزية العملية الاقتصادية في الانخراط في عصر العولمة، إلا أن الاقتصاد لا يوجد خارج السياسة والمجتمع والثقافة معا. وبقدر ما كان الاقتصاد مرتبطا بالسياسة في الحقبة الماضية، فهو اليوم على ارتباط وثيق بالجيوسياسة. فلم يعد الاستقرار مسألة داخلية بقدر ما أصبح مسألة إقليمية، وفي الشرق الأوسط الذي يخضع لتدخلات وضغوط خارجية عديدة، أصبح مسألة عالمية. وليس من الممكن ضمان أي عملية تنمية مستديمة ومتواصلة من دون حل النزاعات القائمة العديدة، ليس بين العرب والاسرائيليين، فحسب ولكن بين الدول العربية نفسها. وهي النزاعات التي تهدد بالتفاقم بسبب المصاعب المتزايدة التي ستتعرض لها الدول الصغيرة والفقيرة في السنوات القادمة. ومن هنا لا بد أن تترافق برامج الإصلاح الاقتصادي، التي تشكل اليوم جوهر الاندراج في العولمة في البلاد العربية، ببرامج رديفة تهدف إلى بناء النظام الجيوسياسي العربي. لكن هذه المرة من منظور الفكرة الإقليمية لا من منظور الفكرة القومية كما في السابق. وبصرف النظر عن نوعية الرابطة التي يمكن أن تقام بين البلدان العربية والشرق أوسطية، إتحادا أو كونفدرالية، ليس من الممكن إطلاق عملية تنمية إقتصادية جدية هي قاعدة أي إعادة بناء للنظم المجتمعية الأخرى، من دون حل هذه المسألة وتغيير الطابع الكارثي للبيئة الجيوسياسية القائمة والتي تتميز بحجم لا مثيل له من التدخلات الخارجية وبانعدام كامل تقريبا للاستقلالية ولحرية القرار الإقليمي والوطني.

2- إعادة بناء الدولة وتعريف دورها ووظيفتها الاجتماعية. فبعكس ما توحي به الايديولوجيات الليبرالية السائدة، لن يقدم التسليم للقطاع الخاص ولرجال الأعمال والجمعيات أو المؤسسات المدنية أي فرص جدية للتقدم على طريق التنمية الاقتصادية والانسانية من دون وجود عقد وطني قوي يؤطر نشاطات الأفراد والجماعات ويبث الاتساق فيها ويوجهها نحو خدمة أهداف عامة، أو على الأقل يدفعها إلى التكيف مع الأهداف العامة. وبغياب مثل هذا الإطار القوي السياسي والقانوني الذي هو الدولة، لن يقود الانفتاح إلأ إلى ازدهار المصالح الخاصة السريعة ونشاطات المضاربة على حساب المصالح العامة وضدها ويؤدي بالتالي إلى فوضى أكبر بكثير مما هو قائم اليوم.
3- أولوية الإصلاح السياسي. تحت تأثير الأدبيات والأجندات الخارجية، يكاد الرهان على إصلاح الأوضاع يتوقف في نظر الكثيرين، وعلى رأسهم السلطات والمؤسسات الدولية، على الرهان على المجتمع المدني، في مقابل التقليل من قيمة المجتمع السياسي بعد إلحاقه بالدولة. والحال أن المجتمع المدني العربي لن يستطيع أن يكون بالفعل منظومة عاملة في خدمة المصالح العامة والمجتمع ككل، وليس وسيلة لتنمية المصالح الخاصة على حساب المصالح العامة، إلا إذا وجد المجتمع السياسي والبيئة السياسية السليمتين. ويبدو لي، بعكس ما هو سائد، أن تطوير النظام السياسي في البلاد العربية هو شرط النجاح في تطوير المجتمع المدني وتنشيطه ودفعه إلى لعب دور ايجابي في إعادة هيكلة المجتمعات العربية وتهيئتها للمساهمة النشطة في بناء المجتمع العالمي.
بالتأكيد لا ينبغي أن يفهم من تطوير المجتمع السياسي وتدعيم دور الدولة والسلطة العمومية تدعيم دور البيرقراطية والنخب التسلطية، كما هو حاصل اليوم. فهذه النظم التي حولت الدولة إلى أجهزة قمع فحسب ليست قوية إلا من حيث هي أداة للقمع والدفاع عن مصالح فئات خاصة محدودة. لكنها لا تلعب أي دور في مساعدة الناس على تنظيم أنفسهم وتطوير علاقاتهم الايجابية لتعظيم فرص النمو والازدهار الشخصي والعام. بل ليس من المبالغة القول إن هذه الدول فقدت تماما مضمونها كدول وطنية وتحولت إلى أدوات (أجهزة) لا هدف لها سوى تفكيك المجتمع المدني وحل روابطه، وبالتالي ترك المجتمع في حالة فوضى في كل ما يتعلق بشؤون حياته ونشاطاته الرئيسية. فهي لا تهتم إلا بضمان أمن النخب الحاكمة ومصالحها. وهي المصدر الرئيسي للفوضى السياسية والقانونية والاقتصادية والمالية والثقافية التي تدمر حياة المجتمعات العربية. إن تطوير المجتمع السياسي يعني التحول نحو أنظمة ديمقراطية قانونية تعكس حاجات المجتمعات لتنظيم نفسها بنفسها، ومن داخلها، وبوسائل الحوار والمفاوضات والتسويات، وليس من خلال نظام مفروض عليها بالقوة لإخضاعها لحاجات وأهداف خارجة عنها.
إن الدولة، بوصفها الإطار السياسي والقانوني الذي يعبر عن إرادة التنظيم الذاتي للمجتمع المدني الحديث وعن هذا التنظيم معا، لم تنحل في العراق وحده فحسب، ولكن، إلى درجة أو أخرى، في أكثر البلاد العربية. ذلك أن معظم الدول لا توجد في الواقع إلا على مستوى كونها أداة لتنظيم صفوف الفئة الحاكمة والتنسيق بين مصالحها وتأمين سيطرتها بوسائل العنف المادي والرمزي، وبالتالي تحويلها، كما هو حاصل اليوم في العديد من البلدان، إلى طبقة ارستقراطية، بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي طبقة تضع يدها على الدولة كما لو كانت ملكية عقارية. هكذا يتماشى تعزيز قوة الدولة الفئوية الأمنية مع التفكيك السافر والمستمر للمجتمعات وتركها نهبا للفوضى، أي لغياب التفاهم والتفاوض والحوار والتعاون والقانون. لكن، كما أنه لم يعد من الممكن أعادة تنظيم البيئة الإقليمية على أسس القومية القديمة، كذلك لن يمكن منذ الآن إعادة بناء الدولة على أسس النظرية الوطنية ولكن انطلاقا من فكرة الدولة القانونية، أي الالتزام المشترك والمتساوي بقانون يساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات ويكرس الاعتراف بحرياتهم الفردية والجمعية.
باختصار ، لا ينبغي للحديث عن أهمية المجتمع المدني في دمج المجتمعات في المجتمع العالمي أن ينسينا أن المجتمع المدني لا يتقدم في الفراغ، وأن المؤسسات المدنية غير قادرة على حل المشاكل المرتبطة بالسياسة الكبرى، ولا تستطيع أن تتقدم في عملها من دون بناء أسس المواطنية، أي الشعب المكون من مواطنين معترفين ببعضهم ومتساوين ومشاركين. من هنا ينبغي التركيز على مفهوم الديمقراطية المرتبطة بالشعب ودوره بوصفه محور العمل السياسي الجماعي في مواجهة الدولة ولإصلاحها بالقدر نفسه الذي نركز فيه على مفهوم المجتمع المدني واستقلاله.

4- العمل على إعادة المركزة الذاتية الثقافية والتمحور حول الذات الذي لا هوية من دونه. لكن، هنا أيضا، ليس من منظور التأكيد على ماهية ثابتة أو تراث خاص قديم، وإنما من منظور التأكيد على الذاتية بما تعنيه من وعي وإرادة المشاركة الايجابية في الحضارة الكونية.

5- تعزيز مكانة المجتمع المدني ودوره تجاه المؤسسات والنخب الحاكمة معا. وهو ما يستدعي العمل في اتجاه تطوير الديمقراطية المحلية وتجديد وسائل عملها. ولا بد للدولة من أن تقدم الدعم لهذا المجتمع إذا أردنا أن يستقل عن الدعم الخارجي ويتجذر في البنية المجتمعية المحلية. فالتعاون بين الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني، ونزع فتيل الصراع والنزاع بينهما، شرطان لاتساق النظام العام في جانبيه السياسي والقانوني معا. فليس هناك ما يمنع المجتمع المدني، في عالم عربي يفتقر لمقومات الدولة القانونية، ويعاني أيضا من حالة شح في الموارد، من أن يتحول إلى مؤسسات مصالح خاصة تعمل لصالح أصحابها أو القائمين عليها فحسب، من وراء الحديث عن حقوق عامة. ومساهمة الدولة في تمويل مشاريع المجتمع المدني وتأطيرها هما شرط تأسيس قاعدة قوية لنشوء مجتمع مدني مختلف عن المجتمع المدني الراهن، المرتبط بحبل سرة المجتمع المدني العالمي، والذي يعزز تبعية العالم العربي للاستراتيجيات وأجندات الدول الكبرى. فبذلك يمكن تعزيز استقلالية المجتمع ككل. ويتطلب هذا جهدا سياسيا أيضا وعملا مع الدول ومع السلطات المحلية في كل المناطق العربية لإدراك وظيفة المؤسسات المدنية وأهمية الارتقاء بها وتقويتها.
وأخيرا، أعتقد أن مفتاح التقدم في اتجاه التكيف الخلاق مع عصر العولمة واستعادة العالم العربي لاستقلاليته وتنمية ديناميكيات المساواة والاندماج داخل مجتمعاته يتوقف قبل أي شيء آخر على إعادة المجتمع إلى ميدان القرار السياسي والاجتماعي والثقافي معا، تماما كما أعتقد أن أصل تخلف العالم العربي عن الركب العالمي يكمن في استبعاد هذا المجتمع وتهميشه وفرض الوصاية السياسية والاجتماعية والفكرية عليها وتحويله إلى مجتمع قاصر بهدف السيطرة على موارده وحرمانه من المطالبة بحقوقه.