وظفنا الدين لمصادرة العقلانية.. ومهمتي كانت ثورية

2016-05-11 :: مجلة الفيصل

ترجمة :

 

* على الرغم مما أوليته من اهتمام لمسألة الثقافة، باعتبارها مجموعة القيم العامة، التي يستطيع العقل أن يطل من خلالها، إلا أن هذه المسألة تبدو أبعد كثيرا من أي اهتمام يمكن أن توليه الحكومات العربية، فهل يمكن أن نتوصل إلى حلول لمشكلة النهضة ومشاكل النهوض، من دون اهتمام بهذه المسألة الثقافية؟

*  بالطبع لا. الثقافة والتعليم والتربية هي محور أساسي من محاور التحديث واللحاق بالعصر. ولا يعرف قيمة الثقافة، أي في الواقع إغناء شخصية الفرد وإثرائها من الناحية العقلية والأخلاقية والفنية سوى المجتمعات المتقدمة التي تراهن على الانسان، وعلى قواه الابداعية ومبادرته. المجتمعات التي لم تدخل المنافسة الحضارية تتمسك أكثر بالهوية الساكنة، وتتغطى بالتراث لتخفي فراغها وهامشيتها إزاء الحضارة والتاريخ، ولذلك تميل إلى وضع التراث كنقيض للحداثة أو الثقافة. وهي لا تكاد تفرق بين الدين والثقافة أي بين الهوية والحرية.

 

* ضمن مشاغلك الفكرية الكثيرة، احتلت الحركة الإسلامية المعاصرة، وتأمل أسباب نشوئها وتطورها موقعا مهما، لكن هل توقعت أن تمضي هذه الحركة في سيرورات غير مفهومة حتى الآن للكثير، لتتكشف عما آلت إليه اليوم، أم أن ما يحدث في الراهن العربي ليس مفاجئا، بسبب تراكمات وارتباك العلاقة بين الدين والدولة؟

*  ما يحدث في مجتمعاتنا من عودة إلى الدين والتراث هو ثمرة سياساتنا الثقافية والقواعد التي تبنيناها في التعامل مع الفرد على مستوى الأسرة والعشيرة والدولة والمجتمع. وجميعها تشكك بالحرية وتخاف منها، وللتحوط تمنع الفرد من التفكير العقلاني والحس النقدي وتشجع لديه النزوع للامتثال والتقليد والإمعية. بدل أن يكون الدين أحد الموارد المثرية للشخصية العربية حولته عقلية المحافظة والخوف من الحداثة والحرية إلى سياج يمنع الفرد من تمثل القيم الجديدة والانفتاح على الأفكار والآفاق المبتكرة. وبدل أن تتخذ معارضته واحتجاجه على أوضاعه المجحفة غالبا، الأسلوب السياسي وتعلم نقد السياسات الخاطئة واقتراح بدائل سياسية، أو إصلاحات، والعمل على تطبيقها، يميل الأفراد الذين يشعرون بالغبن إلى قلب النظام وتقويض أسسه المعنوية، أي تجريده من الشرعية وإقامة نظام جديد مكانه. وليس لصعود المد الاسلامي منذ أربعة عقود سوى محرك واحد هو نزع الشرعية عن النظم السياسية القائمة على أمل إقامة نظم أخرى مكانها أكثر تطابقا مع ما يعتقدون أنه أقرب إلى العدالة كما تعرفها بعض الأوساط المشايخية. وهذا هو كما ترى ثمن التصحير الثقافي للمجتمعات وتحصينها ضد الحرية، واستخدام الدين كمصدر للشرعية وبالتالي لتبرير الأوضاع القائمة. لا تستطيع النظم التي تتلاعب بالشرعية الدينية كي تؤمن هيمنتها وسلامها أن تحول دون استخدام الشرعية ذاتها من قبل خصومها لتقويض سلطانها. وهذا يهدد الاسلام أكثر من أي دين آخر لأنه لا يوجد في الاسلام كما هو الحال في المسيحية أي سلطة أو مرجعية دينية مركزية واحدة تضمن أن لا يتحول الدين إلى مصدر لشرعية مناقضة بل لمرجعيات وشرعيات متنافسة. وهذا ما حصل عندنا، وكانت نتيجته كما هو واضح الفوضى السياسية من جهة، أي غياب أي نصاب واضح ومقبول للسياسة، وخراب السلطة الدينية نفسها وانقسام مرجعيتها إلى تيارات ومذاهب لا يمكن لأي هيئة دينية أن تسيطر عليها من جهة ثانية. وهذا ما نسميه بعد ابن خلدون خراب العمران.

 

* أين يمكن للمفكر أو المثقف أن يقف اليوم، ما الذي يستطيع أن يفعله في برهة عربية مثل التي نعيش، مثلا أنت غادرت موقعك كمفكر له أدواته ومفاهيمه في تأمل التحولات والأشياء إلى موقع آخر فيه الكثير من المواجهة والمباشرة مع الواقع، ثم بعد مدة أعلنت العودة ثانية إلى موقعك الأول، ما الذي خرجت به من هذه التجربة؟

 *  أنا أعتقد أن الفكر جزء من الممارسة وأن المفكر لا ينبغي أن ينفصل عن المجتمع الذي يفكر داخله، ولا يمكنه أن ينفصل عن سياقه الاجتماعي وعن التفكير بالتحديات التي يواجهها مجتمعه إذا كان شخصا سليما يتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه. قبل ثورات الربيع العربي، كان لي دائما موقف في المعارك الايديولوجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية الدائرة فيه. وعندما اندلعت هذه الثورات قمت بواجب المواطن، أي مواطن، في التعبير عن رأيه والمشاركة في رسم مصير المجتمع الذي انتمي إليه.

وأنا لم أغادر موقعي كمثقف منخرط في تحويل مجتمعه وتغييره، ومقاومة نظم القهر من أي نوع كانت. ولكنني رميت بنفسي في الثورة السورية كأي ناشط سوري، وقبلت أن أرأس تآلف المعارضة للقيام بمهمة ثورية وليست سياسية جوهرها توحيد المعارضة وحشد الدعم ثورة الشعب السوري وتنسيق علاقاتها بالعالم. لكنني لم أكف عن التأكيد على أنني لا أتطلع إلى احتلال أي منصب سياسي بعد انتصار الثورة. وبعد أن اضطررت إلى تقديم استقالتي بطلب من الناشطين الثوريين، لم أرشح نفسي إلى أي منصب جديد منذ أربع سنوات. كنت مع الثورة وحاولت أن أضع المعارضة المنقسمة والمتنازعة في صف هذه الثورة وفي خدمتها ولكنني فشلت. وعدت إلى الصفوف التي انتمي إليها والتي وضعتني، بالرغم من المعارضة، على رأس المجلس الوطني.

والآن أنا في مكاني الأول، مثقف في خدمة ثورة شعب فاقت تضحياته من اجل حريته واستقلاله كل التصورات والحدود.

 

* كتابك "بيان من أجل الديموقراطية" على الرغم من صدوره في وقت مبكر، إلا أن الاحتياج إلى قراءته، والتعمق في اطروحاته، يبدو اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، ورغم ما أبرزته من مخاطر وتحديدات تتهدد العرب، إلا أن تلك المخاطر، ما تزال تكشف عن نفسها في أشكال وحركات ووجوه تتجدد بتجدد اللحظة، في رأيك ما الذي يجعل مفكرا ما أو أفكار ما، تحضر في كل الأزمنة ويغدو الاحتياج إليها ملحا باستمرار؟

 * قراءة موضوعية ومجردة عن الهوي للواقع والتاريخ. رؤية الواقع كما هو لكن ليس في صورته الجامدة، ليس كبنية ثابتة وجامدة، وإنما كحركة وديناميكية واتجاه. وجوهرها الحس السليم أكثر من أي شيء آخر، مع التمكن من بعض الأدوات المعرفية والعلمية. مشكلة القراءات الخاطئة التي يكذبها الواقع تنبع من أن الناس على العموم ينظرون إلى الواقع من خلال أهوائهم ورغباتهم وأوهامهم. ولذلك يخطئون التحليل.

 

"تحول الشعب المسكين إلى شعب من اللاجئين ... لاجئين في أوطانهم”، تقول في كتابك"بيان من أجل الديموقراطية"، إلا أن الشعب المسكين لم يعد لاجئا في وطنه، إنما خارجه، ماذا يعني لك ذلك؟

* عاشت شعوبنا قرونا طويلة مغيبة عن الفعل وتابعة للطغاة الذين تعلموا كيف يخضعونها على مر الأزمان. وعندما انهارت السلطنة العثمانية، تحررت الشعوب من هالة القوة والعظمة ورهاب السلطة. وحدث في أعقاب ذلك أن النخب الصاعدة من المجتمعات المحلية كانت بحاجة إلى دعم الشعب لتعزز موقفها امام الاستعمار الغربي وتحل محل السلطة السلطانية الزائلة، فاضطرت إلى تعبئته وإدخاله في الحياة السياسية وأعطت له آمالا كبيرة بالمشاركة. وبفضله استطاعت بالفعل أن تربح النزاع مع الاحتلال وسلطات الوصاية الأجنبية وتبني دولا وطنية خاصة بها. وكانت هذه من اللحظات التاريخية المهمة والمضيئة والحاسمة في تاريخ العرب الحديث.

لكن ما إن استتب الأمر لهذه النخب حتى بدأت مسارا معاكسا، وهو إعادة الشعوب إلى الحظيرة، وإجبارها على التخلي عن مكتسباتها. منذ الاستقلال كان هم النظم الحاكمة هو تجريد شعوبها من آمالها وتطلعاتها في المشاركة والتحول إلى رجال أحرار قادرين على المساهمة في تقرير مصير مجتمعاتهم. وباستثناء مرحلة سيطرت عليها الشعبوية، أي مخاطبة الشعب المهمش مع الابقاء على تهميشه، وهي ما نسميه المرحلة القومية، اصطبغ تاريخ هذه الشعوب بالديكتاتورية الدموية وحكم القهر والعنف.

بعد ثورات الربيع العربي، التي فجرت العنف المختزن لدى الشعوب لم يعد من الممكن ضبط المجتمعات بالديكتاتورية والقمع، ولم يعد لدى النخب الحاكمة مجال للاحتفاظ بالسيطرة إلا بتشريد هذه الشعوب وتخييرها بين الخضوع أو الموت أو الهجرة. وللعلم قبل هجرات ما بعد الربيع العربي كانت نسبة المهاجرين من العرب بالنسبة إلى عدد السكان هي الأعلى بين كل شعوب العالم. الآن سيتضاعف اللجوء بوتيرة قياسية وسيحتاج العالم إلى عقود حتى يستدرك تاخره عن العرب في هذا الميدان. سوء الإدارة والديكتاتورية والعنف والفساد وانعدام المسؤولية والاستهتار بمصير الشعوب ومصالحها وانسداد الآفاق حول مجتمعاتنا إلى مجتمعات طاردة لأبنائها، وهذا هو الدليل على أننا سرنا ولا نزال نسير على الطريق الخاطيء.

 

* تعرضت في الفترة الأخيرة للانتقاد وطاولتك الاتهامات من خصومك، ما موقفك من هذه تلك الاتهامات والانتقادات؟

* اسمع عن هذه الاتهامات من أصدقاء لكن نادرا ما أقرأها. هناك دائما ما يشغل أكثر من ذلك. وفي الحقيقة لا أشعر أن لدي رغبة بالخصومة مع أحد. لدي شعور بالواجب، لكن ليس بالخصومة. والقيام بهذا الواجب هو المهم، بصرف النظر عما يثيره ذلك من اعتراضات وانتقادات واتهامات لدى الآخرين. أعرف أن هناك من اتهمني بالألحاد علنا في القنوات التلفزيونية لأنني كما يرى علماني، ومن يتهمني بدعم الجهاديين والتكفيريين. لا أعتقد أن هناك أي التباس في موقفي منذ بدأت الكتابة : أنا مع الدولة الديمقراطية واحترام الحريات والآراء الشخصية، والتعايش بين المذاهب والأديان والأعراق، وتنمية القيم والأخلاق الإنسانية التي تعني المساواة العميقة ونبذ العنصرية والرهان على تربية وعي الفرد المدني والأخلاقي، من أي قومية او دين.

حاولت في العقود الماضية أن أعمل كل ما بوسعي لتفكيك القنبلة الموقوتة التي هي الصدع داخل مجتمعاتنا بين الاسلامية والعلمانية والذي عمل عليه وعمقه مثقفون ورجال دين صغار وضيقو الأفق ومتعصبون. وسعيت إلى المساهمة بكل ما كتبت في ردم الهوة بين شقي المجتمع المنقسمين، لاعتقادي بأنه من دون ذلك لن يكون لدينا أمل لا في ديمقراطية ولا دولة ولا أمن ولا سلام ولا تقدم ولا ازدهار. ولكن لا حياة لمن تنادي. وها نحن نعيش انفجار هذه القنبلة التي صنعناها بأنفسنا في جسدنا، وتفجيرها لثوراتنا، وإحراقها لربيعنا المأمول.

 

* من خلال ما أتيح لك من إطلاع على ما كتب من أدب عن الثورة السورية، هل ترى أن هناك أعمالا مهمة صدرت في هذا الخصوص، أم أن القضية تبقى أكبر من أن يستوعبها الأدب؟

 ثمار أدب الثورات العربية بالكاد بدأت تظهر. فهي تحتاج حتى تنضج إلى مسافة عن الحدث وإلى اختمار. لكنني لا اشك أن هذه الثورات التي حولت إلى نكسات ونكبات ومآسي سوف تلهم أجيالا عديدة قادمة من المبدعين العرب والسوريين. الآداب العظيمة هي ثمرة الآلام العظيمة التي هي بدورها ثمرة الكفاح العظيم للمجتمعات من أجل الحرية والانعتاق والخروج من القوالب الجاهزة والقماقم البائدة.

 

* بالمناسبة ما رأيك في ما أثير ويثار حول أدونيس ومواقفه مما يحدث، هل تشعر، مثلا، بخيبة أمل؟

* أبدا. لم يكن لدي اي وهم حول موقف أدونيس الذي أعرفه عن قرب. لم يكن أدونيس يهتم في أي وقت بمسألة الحريات العامة، والسياسية خاصة. همه مركز على كل ما هو فردي وامتيازي واستفزازي وتفردي. مثل كثيرين غيره من المثقفين"المتنورين" اعتقد أنه يخشى الجمهور مالم يكن من معجبيه، ويخاف ويقلق من الجماهير والشعوب والجماعات، وبالحري من ثوراتها، ربما لأنه لا يرى فيها سوى الفوضى والسديم واللاتميز والانغلاق.

 

* تنتمي إلى جيل من المفكرين العرب، ربما يصعب تعويضهم، أو على الأقل، لم يأت جيل بعدكم يتمتع بملامح معينة، ويشتغل على مشاريع كبرى وتقلقه أسئلة النهضة والتقدم والتخلف والعقل والتراث، ربما وجد مفكرون ينتمون إلى لحظة مختلفة جاءت تالية لكم، لكن هؤلاء المفكرين لم يلفتوا الانتباه ويحظون بانتشار وقراءة مثلكم، حتى في أوساط الدوائر المتخصصة، من المسؤول هنا؟ المفكر نفسه أم البرهة التاريخية والاجتماعية والسياسية التي وجد فيها، أم أمور أخرى؟  

*لا أعتقد أن هناك مسؤولا. أعتقد أن السياقات التاريخية والظروف هي التي تخلق مثقفيها ومفكريها. المكانة والدور الذي لعبه جيل المفكرين الذين تتحدث عنهم ارتبط بسياق الخروج من الحقبة الاستعمارية والتطلع إلى بناء عالم عربي جديد، دولة ومجتمعا، يجاري في تقدمه وأطر تنظيمه وتطلعاته المجتمعات الحديثة. وولد في هذا الظرف طلب من نوع خاص على مثقف لا يقتصر دوره على تقديم معرفة علمية وصفية اختصاصية وإنما يربط هذه المعرفة أيضا برؤية تاريخية وشاملة ترد على سؤال النهضة والتقدم والتحديث. وهكذا نشأ المثقف الايديولوجي وإلى حد كبير العضوي أو المتفاعل مع المجتمع والتاريخ، والذي ورث المثقف الوطني الذي سبقه وقبله المثقف الاصلاحي وقبلهما مثقف النهضة التجديدي. الآن تكاد مشاريع النهضة التي تكسرت تغيب عن الذهن والنقاش، لتفتح الباب أمام حقبة جديدة يسود فيها المختصون من علماء الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتاريخ. ولذلك يتراجع أيضا استخدام لفظ المفكر ليحل محله مصطلح الباحث أو الأكاديمي أو العالم. وفي اعتقادي سوف يزيد الطلب على المعرفة الاختصاصية في المستقبل بشكل أكبر مع الانكفاء على إعادة بناء المجتمعات لنفسها وانحسار الحديث في المشاريع التاريخية الكبرى التي كانت تختفي وراء أفكار النهضة والوحدة القومية والحداثة، التي ربما تعود في ما بعد في حلة مختلفة من المناهج والصيغ والمفاهيم.

 

* عندما تجلس أمام مرآة نفسك، كيف ينظر برهان غليون الشيخ إلى برهان غليون الشاب، أي منعرج تراك سلكته بعد أعوام وأعوام من الاشتغال المثابر والالتزام، ما الذي تغير في رؤيتك، تبدل في آليات اشتغالك؟

* أشعر أنني بين بين. لم أعد كما كنت بالتأكيد لكنني لم أصبح شيخا بالتأكيد أيضا. لا زلت أحلم وأعتقد أن هناك قيما وغايات كبرى لا يمكن التوقف عن الصراع من أجل تحقيقها. وهذا هو معنى الشباب في نظري : استمرار الحلم والتطلع إلى الانجاز والتعلق بالتحولات الكبرى والمثيرة. ما دام الايمان بالحرية والعدالة والمساواة والأخوة هو الذي يسكننا ويحركنا ويلهمنا فنحن لم نغادر الشباب. كما ترى لا يزال الشاب يصارع الشيخ، بالرغم من فتور الهمة والعزيمة.

 

* تقول:" لا يمكن درء مخاطر العولمة وهي كبيرة سوى بالاندراج فيها تماما كما هو الحال مع الانحناء للعاصفة"، هناك من يرى إن العرب شاءوا أم أبوا هم مندرجين في العولمة، في شكل أو آخر، لكن من دون وعي، اندراج هش بلا أسئلة يطرحها العرب على أنفسهم في هذا الشأن؟

*  بالطبع. نحن لا نختار أن نكون في العولمة أو ضدها لأننا لا نستطيع أن نخرج من العالم. لكننا نستطيع أن نختار بين أن نكون معولمين بالرغم منا أو مشاركين بشكل واع ومتفاوض عليه في العولمة التي تريد طحننا. والحال، لأننا لم نسع للمشاركة فيها، ولم نفاوض على موقعنا ولم نعد شروط الانخراط الايجابي فيها ونطور سياساتنا وهياكل مجتمعاتنا بما يجعلنا جزءا من المجتمع الصناعي والتقني والثقافي العالمي المنتج، أصبحنا سوقا استهلاكية للدول المتحكمة بها، ونحن نتحول إلى قطع غيار لها أو مواد خام لخدمة أغراضها، كموارد وكقوى بشرية أيضا. ومهاجرونا هم جزء من هذه المواد الخام التي نصدرها للسوق المعولم. لقد رفضنا الحداثة المنتجة والفاعلة، وتعلقنا بالحداثة الرثة فلم يبق أمامنا من خيار سوى العولمة السوقية، أي نفايات العولمة وضحايا ديناميكياتها التدميرية. ولا يمكن فهم ما حصل لنا في السنوات الخمس الماضية ومصير تحولاتنا السياسية إذا لم نراجع تفكيرنا ونفهم فشلنا في تطوير نظمنا المدنية والسياسية والانتاجية لتصبح على مستوى التفاعل المنتج مع الفضاءات العالمية وتحمينا من مفاعليها السلبية.

 

* في تعاطيك مفكرا وكاتبا مع الثورة السورية وتداعياتها الدموية، تتخفف كثيرا من عتادك كمفكر، تكتب بلغة مباشرة وواضحة، بعيدا من لغة المفاهيم، والتراكيب المعقدة، هل لكل لحظة أسلوب تعبير مختلف، "منطوق" يأخذ شكله من ملامح راهنيته؟

* كل كتابة أو بالأحرى خطاب هو تواصل أو محاولة تواصل مع جمهور. في الكتابات العلمية يكون التواصل مع المختصين، ولا بد من استخدام لغة الاختصاص حتى يكون لخطابك معنى، ويتسق مع الميدان الذي يصب فيه. في الكتابات الموجهة لجمهور عام من غير المختصين تشكل اللغات الاختصاصية عائقا للتواصل. ولذلك يميل المتكلم إلى استخدام لغة مفهومة من الجميع. أعتقد أن السهولة في الانتقال من لغة مخاطبة إلى لغة أخرى ناجمة عما ذكرته من قبل عندما ميزت بين الاختصاصي والمفكر. فحتى في الكتب العلمية أو المختصة، لم يكن هم التواصل مع أوسع جمهور ممكن غائبا عن جيل الباحثين العرب الذين اشتهروا في الحقبة الماضية. ثم إن هؤلاء كانوا على العموم ذوي هموم سياسية، ومعظمهم جمعوا في فترات مختلفة الهم السياسي والهم المعرفي، من العروي إلى الجابري إلى جعيط وآخرين كثيرين.

 

* نكبات كثيرة حدثت في أصقاع متفرقة في العالم، وكانت تداعياتها مؤثرة ومثيرة للكثير من الأسئلة والتساؤلات، مدرة سيلا واسع من التعاطف، لكن نكبة اللاجئ السوري كانت مختلفة. مشاهد الفرار ليس من سوريا فحسب، إنما من العالم العربي ككل، كانت مرعبة. لكن السؤال هنا يتعلق بالآخر الغربي، الذي من جهة يمثل سببا رئيسا في ما يحدث، بتشجيعه السياسات المتعجرفة تارة، وصمته أحيانا عن تغول بعض الأنظمة من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة، يمارس مفهوم الدولة ودولة القانون، ويبدي تفهما كثيرا لحقوق البشر أينما كانوا، ويفتح لهم حدوده، كيف ترى هذه المسألة مع وجهيّ الغرب؟

*  الغرب الذي كنا نعرفه ونطابق بينه والنزعة الكونية والانسانية قد انتهى. وولد في مكانه غرب نثري يتحول بشكل متسارع إلى الركاكة والرثاثة الأخلاقية والقيمية.غرب لم يعد هو نفسه منتش بتاريخه ومبادئه وحضارته الفكرية. كل نخبة اجتماعية فيه تهتم اليوم أكثر بشؤونها الداخلية وإرضاء ناخبيها وتأمين عملية انتخابية مقبولة، وتطمين الناخبين على استمرار المرافق والخدمات العامة والتأمين الصحي ودعم النمو وايجاد فرص عمل جديدة. الغرب يعيش اليوم في تاريخية عادية ليس لها أي علاقة بتاريخية العظمة التي كان يسعى إلى الحفاظ عليها سواء بتطلعه نحو القيادة والسيطرة الحضارية والتماهي مع القيم الانسانية الجامعة وحقوق الانسان، أو في مساعدته الشعوب الأخرى للحاق بركب حضارته التي كان يراها دائما كونية.

أحداث ربيع الثورات العربية الكبيرة أظهرت انسحاب الغرب وتقوقعه على ذاته، ليس على مستوى نشر القوى العسكرية، وإنما على مستوى المباديء والقيم والتطلعات. لا يريد أن يكون محسنا ولا كونيا ولا قدوة ولا حاميا ولا وصيا. يريد أن ينقذ رهاناته الأساسية. وهو يراها أكثر فأكثر في الحفاظ على التناغم والانسجام داخل مجتمعاته وبيئته الداخلية. الأمن والصحة والسلم الأهلي هي القيم الثلاث الرئيسية التي تحكمه وتتحكم بسلوكه. ومن الطبيعي أن تبدو موجات الهجرة القادمة تهديدا كبيرا لهذه التوازنات، ما لم ترد على حاجة اقتصادية كما هو الحال في ألمانيا. لم يفقد الغرب إرادة السيطرة العالمية التي كانت تحركه ولكنه فقد أيضا "كرمه" المعنوي أي أريحيته. ما يريده اليوم هو الراحة والاستقرار والرخاء.

باختصار، الغرب يعرف اليوم أنه ليس العالم، وربما لن يبق طويلا في قلب العالم، ويريد أن يحتفظ بما يمتكله من تراث وقيم لنفسه. لا يهمه الآخر. أي لا يهمه موت الآخر أيضا ولا مصيره.

 

* اعتدنا على نمط من المعارضة يكون وجها آخر للنظام، يتماهى معه ويبرر أفعاله ويسوق برامجه، كيف يمكن أن نصل إلى معارضة، بقدر ما تفضح بشاعة النظام وتواجه تغطرسه، بقدر ما تساعده على اكتشاف خططه الخاطئة، وتهوره في صنع القرار؟

*  في غياب الحريات، كما هو الحال في جميع النظم غير الديمقراطية، لا توجد ولا يمكن أن توجد معارضة فعلية وفاعلة وديناميكية. المعارضة هي وظيفة سياسية في نظام يسمح بتعدد القوى ويعترف بتعدد المصالح والرؤى ووجهات النظر وبشرعية التنافس كآلية للتصحيح والتعديل بهدف تحقيق الانسجام والتوازن في ما بينها، وبالتالي الاستقرار الطويل المدى.

بغياب هذه الوظيفة وهامش المنافسة المرتبط بها، تنشأ معارضة شكلية هدفها التغطية على الجمود وانعدام امكانية التعديل والتصحيح، من جهة، وهي بالضرورة معارضة طفيلية تعيش على جسم النظام. وهذا هو وضع معظم معارضاتنا حيث تغيب هوامش الحرية وعلى حسب غيابها. أما الوظيفة الأساسية التي تسمح بتعديل الأوضاع وتسوية المصالح في ما بينها فلا تتحقق من داخل النظام ولكن من خارجه، وتتخذ شكل رفض له وتمرد عليه. وهي بالضرورة ودائما ذات طابع متطرف، وفي مجتمعاتنا الفقيرة بالثقافة السياسية، يتخذ تمردها وتطرفها شكل انشقاق لا يجد مصدرا للشرعية سوى الدين. هذا هو أصل نشوء الحركات الاسلامية السياسية. ومن الواضح أنه لا المعارضة العائشة كالطفيليات على جسم النظام القائم ولا المعارضة التمردية الناقمة على النظام والرافضة لشرعيته ووجوده قادرة على ملء الوظيفة الشاغرة التي تتعلق بايجاد آلية للحراك الاجتماعي والسياسي والتعديل السلمي والتفاوضي للمصالح والتوازنات حتى يتحقق حد من الانسجام والاستقرار. الحل هو في خلق شروط المعارضة السياسية الطبيعية، وهي مرتبطة بولادة أنظمة سياسية ديمقراطية تعددية وتداولية.

 

* لزمن طويل هيمنت الثنائيات على خطاب الفكر العربي، الأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة، إضافة إلى مواضيع عامة، تكاد لا تمتّ بصلة إلى مجتمع معين، على ما يذهب الكاتب المرموق حازم صاغية، وهو يتأمل حالتك كمفكر يواجه عنفا لفظيا، ويعاين انتقالك من العام المجرد إلى الوطني المحدد، إذن هل نحن أمام لحظة ستغير كثيرا من قناعات المفكر، أي مفكر، وستهبه فرصة لا تعوض، لاختبار الكثير من أفكاره في لحم الواقع؟

*  بالتأكيد. طرحت علي الممارسة أسئلة وإشكاليات وتحديات لم اكن اعرفها ولا أتوقعها. وأنا أشعر أن هناك ورشات عمل نظرية عديدة كنا قد تجاهلناها وهي تفرض نفسها بقوة الآن. بالنسبة لي بعد تركيزي في مؤلفاتي السابقة على محوري الثقافة والسياسة، أشعر اليوم أن هناك عملا نظريا كبيرا لم نقم به بعد على صعيد تحليل المجتمعات المدنية، أو البنى الاجتماعية والانتربولوجية والنفسية والأخلاقية لهذه المجتمعات.إذا لم تغير مثل هذه الأحداث العظيمة والمآسي والإخفاقات الرهيبة أفكارنا فلن نتغير أبدا. ولا أتحدث عن المفكرين والعلماء فحسب وإنما عن عموم العرب وإنسانهم.

 

* تعيش في باريس وتعمل في جامعتها المرموقة، لكنك بقيت منخرطا في قضايا الواقع العربي، كيف ترى اليوم ما يحدث في الغرب، وتحديدا باريس، من اعتداءات وإرهاب، يقوم بها أناس يحملون جنسيات أوروبية وفي الوقت ينتمون إلى الإسلام والعرب، لماذا على الإسلام و"العربي" الذي يعيش أوضاعا مأساوية في أطوار كثيرة من تاريخه، أن يدفع ثمن كل ذلك؟

*  ما يحدث من عمليات عنف يقوم بها فرنسيون أو أوروبيون من أصل عربي مسلم هي نتيجة التقاء عاملين. الاول فشل بعض المهاجرين في الاندماج في مجتمعاتهم، لأسباب شخصية او جماعية. وسرعة انعكاس آثار الأزمة الكبرى التي تعيشها المجتمعات العربية على هؤلاء المهاجرين هو في العمق تعبير عن اليأس الذي يساهم في انتاجه فشل سياسات الادماج في الكثير من الدول الأوروبية. والسبب الثاني هو فشل إقلاع المجتمعات العربية ونشوء بيئة متفجرة ومشجعة على التمرد ونشر ثقافة التمرد والاحتجاج. وكلاهما أزمة اندماج المهاجرين، أو الاوروبيين من أصول مسلمة عربية، وأزمة اندماج المجتمعات العربية في الحضارة وتحقيقها لتطلعات شعوبها يدفعان إلى توجيه أصابع الاتهام للغرب. الاعتداءات التي تتكرر تعكس روح الانتقام التي تعبر عن التخبط واليأس أكثر مما تعكس رؤية لأي مشروع طويل المدى.هي ردود أفعال فاشلة لأناس فاشلين يغطون على فشلهم باستعراض أقصى ما يمكن من العنف والقوة والعدوان على الأبرياء.

 

* قلت مرة إن غياب أجندة قومية أو إقليمية لدى العرب، غذى من شراهة التوسع والاستحواذ عند إيران، وبدلا من أن تكون ظهيرا للعرب، تحولت طهران إلى عامل يقسم الدول العربية ويشتتها، لكن كيف ترى الدعوات التي تطلقها بعض الأنظمة العربية في اتجاه إيران، من أجل علاقة يطبعها حسن الجوار، وتوحيد المواقف تجاه مكامن الخطر على إيران والعرب، بحكم الدين الذي يجمعهم؟

*  لم يعد الدين يجمع أحدا، حتى داخل المذهب الواحد. وأنت ترى الصراعات داخل صفوف الحركات الاسلامية السياسية ذاتها. منطق العلاقات الدولية شبيه بالأواني المستطرقة، حيثما يظهر فراغ تتحرك القوة الأقرب لملئه. ما تبقى هو خطاب لإضفاء الشرعية على الفعل. لكن الفعل لا علاقة كبيرة له بالخطاب ولكن باختلال التوازنات في القوى.

ما حصل في منطقتنا هو أن ايران تحولت إلى قوة نشيطة بعد الثورة الاسلامية التي عرفتها في الثمانينيات، مزودة بإرادة تأكيد للذات، وبعقيدة دينية قومية جامعة، وبسلطة فردية استثنائية في ما تملكه من الشرعية، حيث لا تشبه سلطة الولي الفقيه سلطة أحد سوى بابا الكنيسة الكاتوليكية. وقد عمق العداء الغربي للجمهورية الجديدة من لحمتها الداخلية وبعث فيها روح التحدي والتطلع إلى الهيمنة الاقليمية. وجاءت الحرب الدولية لاسقاط النظام العراقي لتفتح امام طهران الخمينية آفاقا كبيرة لممارسة سياسة التوسع باسم نشر الثورة ومبادئها. وفي سياق هذه السياسة التوسعية وركابها انتعشت روح المذهبية الدينية وصارت سلاحا إضافيا لزعزعة استقرار البلدان العربية التي تعيش في فراغ استراتيجي كبير بعد سقوط الحاجز العراقي وتسهيل اختراقها.

وقد نجحت طهران في ايقاع أكثر من نظام عربي في احابيلها وراهنت على تعبئة القوى المحلية المذهبية، وبقينا نحن خاملين نراهن على قوة الدعم الأجنبية اعتقادا بأن الولايات المتحدة قادرة عند الحاجة على الدفاع عن حلفائها. بينما كانت طهران تنمي قواها، كنا نبني الفنادق والمركبات السكنية الفاخرة.

ليس من الممكن عودة الاستقرار والأمن والسلام للمنطقة من دون استعادة التوازن الاستراتيجي بين العرب وايران. وهذا يستدعي إعادة هيكلة النظام العربي الوطني والاقليمي ليصبح متماسكا وقادرا على المقاومة العسكرية والمعنوية.

 

* كيف تصف هذه اللحظة التي يعيشها العرب؟ لا يكاد بلد عربي يخلو من مأساة، هل يعقل أن يكون كل ذلك بسبب "الربيع العربي"، وهل فعلا نحتاج إلى عشرات الأعوام من أجل الاستقرار وتحقيق المكاسب، على نحو ما يذهب البعض، في ما يخص ما تحتاجه الثورات لتحقق أهدافها؟

* هذه ثورات لم تعرفها المجتمعات العربية من قبل لأنها تعكس قيم وتطلعات جديدة. بعد قرون من التبعية والامعية وانمحاء الشخصية، أدرك العرب، أو جزءا من نخبهم الثقافية والاجتماعية، انهم بشر، وأن الهوية البشرية تعني التمتع بالحرية والسيادة على النفس والكرامة والمشاركة في تقرير المصائر العمومية. وفي الثورة أرادوا أن يعلنوا عن تحولهم من أفراد موالين لهذا وذاك إلى شعب مستقل عن السلطة الفردية، له إرادة، ولديه وعي بحقوقه ودوره وقادر على تحمل المسؤولية عن نفسه وكل فرد فيه.نزل إلى الشوارع بالآلاف ليقول للطغاة الذين قضوا عقودا في إخصائه واستخدموا من أجل ذلك كل الوسائل الناعمة والخشنة والعنيفة والارهابية، لقد تحررت منكم وأصبحت أنا السيد والكلمة لي منذ الآن وأنا أقرر من يمثلني ومن أقلده المسؤولية بمقدار ما يبعث في الثقة والقدرة على القيام بالواجب.

تصرف الطغاة والملتفون حولهم والمستفيدون من حكمهم، من النخب المنفصلة عن شعوبها والمنفصمة في شخصيتها، كما يتصرف ملاك العبيد الذين كان لهم كامل الحقوق على العبد حتى قتله وانتزاع روحه. ووجد هؤلاء من بين القوى الأجنبية من يخشى ولادة شعوب حرة ليس من السهل السيطرة عليها والتحكم بقرارها وشراء سكوتها. ودخل إلى جانب هؤلاء من القوى من اعتقد أن الفرصة أصبحت سانحة للسطو على مقدرات الشعوب وتهجيرها لانتزاع مواردها وأرضها. وهكذا انتقلنا من معركة تحرر سلمية إلى محرقة تاريخية للشعوب العربية، زجت فيها الجيوش والميليشيات المحلية والإقليمية والدولية. وشيئا فشيئا تحولت إلى حرب دولية على الهيمنة الإقليمية جرت وراءها جميع شعوب المنطقة.

من الآن فصاعدا، لن تخمد نار الحرب ولن يهدأ القتال قبل أن يصبح احترام حقوق الانسان، أي كرامته، القيمة المشتركة بين جميع نظم المنطقة، وتستعيد الشعوب في بلدان المشرق كافة سيادتها واستقلالها وتفاهمها. لذلك نحن سائرون إلى حقبة طويلة من الحروب المتعددة الأشكال والأهداف والمفاجآت، قبل أن تستقر المنطقة كلها، وليس هذا البلد أو ذاك، على قاعدة مشتركة ومقبولة من الاحترام المتبادل، داخل الدول وفي ما بينها، تحل محل قاعدة الغزو المنفلت التي بدأته النخب المحلية على شعوبها واستكملته ايران الخمينية باسم نشر الثورة وتسعيرها.

 

* تتفشى في العالم العربي النزعات الطائفية، وما يزال هناك من يردها إلى المسألة الدينية، وكأنما هم يدافعون في شكل أو آخر عن غياب الدولة، إلى أي حد مفهوم الدولة الغائب يمثل سببا جوهريا ليس فقط لتفشي الطوائف إنما لكل ما يحدث من نزاعات؟

* ليس هناك مجتمعات صافية المذهب والدين، لا اليوم ولا في الماضي. التعددية الدينية والمذهبية هي القاعدة في كل المجتمعات، حتى تلك التابعة لديانة واحدة. والطائفية هي توظيف هذا التنوع في مشاريع سلطة أو سيطرة أو هيمنة أو غزو.

الطائفية كما نشهدها اليوم هي استراتيجية واعية وهادفة تطبقها نخبة سياسية، وفي معظم الأحيان، نظم سياسية ليست بالضرورة دينية وربما تكون علمانية، من أجل تحقيق أهداف سياسية. لذلك قلت أكثر من مرة إن الطائفية مسألة سياسية وليست مسألة دينية. الدين يستغل فيها لصالح السياسة والسلطة وليس العكس. فمهما حاولنا إقناع الناس بعدم التعصب لن نصل إلى نتيجة، ذلك أن ما يقودهم لخوض حروبها ليس تعصبهم للدين وإنما بالعكس تطلعهم إلى المكاسب السياسية والدنيوية التي يجنونها من استخدامه.

وهناك اليوم صيغتان للاستراتيجية الطائفية في منطقتنا. الاولى هي الاستراتيجية السياسية للحفاظ على السلطة أو تعزيزها من قبل نظم أقلوية بكل المعاني، السياسية والاجتماعية وأحيانا العشائرية، تستخدم تأجيج التوترات الطائفية لتحمي نفسها من احتمالات قيام تفاهم شعبي واسع ضدها، أي لإجهاض تطور معارضة سياسية ذات قاعدة شعبية عريضة.والكثير منها يستخدم تفجير الكنائس والمساجد من فترة لأخرى ليبقي التوتر الطائفي مستعرا في مجتمعه ويعطي لنفسه موقع الحكم والضامن للأمن والاستقرار. وهذا حصل قبل الثورات العربية في أكثر من بلد عربي.

الثانية هي استراتيجية توسعية تستخدم فيها النظم السياسية والدول التعبئة المذهبية لتعزيز خططها التوسعية أو لتقوية نفوذها داخل البلدان الأخرى، سواء أكان ذلك من خلال تفجير هذه البلدان من الداخل أو حشد القوى والميليشيات الطائفية للضغط عليها. وهذه هي اليوم استراتيجية التوسع الايراني في المشرق القائمة على شحن النزاعات الطائفية وتحويلها إلى قوة ضغط خارجية لإضعاف مناعة هذه المجتمعات أو حتى تفجيرها من الداخل للسيطرة عليها أو اختطاف حكوماتها ودولها.

ولن نستطيع بعد اليوم إعادة مارد الطائفية والشحن المذهبي إلى القمقهم ما لم نقر بمباديء أساسية مقبولة ومعترف بها من الجميع لتنظيم العلاقات داخل البلدان بين أبنائها ومواطنيها، أي ما لم نتمثل روح المواطنة وأولويتها كقاعدة لضبط العلاقات بين الأفراد، أولا، ولتنظيم العلاقات بين الدول على أساس الاحترام المتبادل لسيادة الشعوب، من جهة ثانية. ولا نزال بعيدين جدا في منطقتنا عن ذلك.

 

* يشيع الآن أن أميركا وأوروبا تغذي مسألة الأقليات، بمزاعم الوقوف إلى جانبها والضغط على الحكومات العربية أو سواها، لتطبيق مفهوم العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية، إلى أي حد يمكن أن نصدق ذلك؟

*  هناك بالتأكيد اليوم قلق كبير في الغرب على مصير الأقليات بسبب تصاعد موجة الاسلام السياسي وبشكل خاص دور التنظيمات الاسلامية الجهادية واحتمال سيطرتها على السلطة. لكن قصر القلق على مصير الأقليات فيه إجحاف تجاه الأغلبية وسوء تدبير وفهم أيضا للأزمة السياسية المتفجرة التي تواجهها اليوم معظم المجتمعات العربية والاسلامية.

فالخطر يمس الجميع، وكما شاهدنا في السنوات القليلة الماضية تعرض المسلمون أنفسهم لاضطهاد التنظيمات المتطرفة التي تدعي الاسلام تماما كما تعرض له المسيحيون وغيرهم من الأقليات وأحيانا أكثر.

أما سوء التدبير فهو ناجم عن الأثر السيء لمثل هذا التركيز على مصير الأقليات وتجاهل الأكثريات. فهو يعزز الشكوك بها بين شركائها في الوطن ويعمق الشعور بين أبنائها أيضا بأنهم يتمتعون بحماية أجنبية ويدفعهم إلى رفع سقف تطلعاتهم. والنتيجة تعميق الشرخ بين الأقليات والأكثرية، وإضعاف قدرة المجتمعات وميلها نحو المفاوضات الداخلية لحل مشاكلها وزيادة الرهان على الحمايات الخارجية.

والواقع لم يخدم تركيز الغرب على مصير الأقليات منذ القرن الثامن عشر لا الأقليات ولا الأكثر