المثقفون العرب ومعاداة السامية

2002-05 :: الوطن

ترجمة :

 

* صدر بيان منذ فترة لبعض المثقفين العرب بباريس يدينون أية أعمال معادية يتعرض لها اليهود في فرنسا .. وقد توقف الكثيرون أمام عبارات محددة بالبيان ... منها اتهام العرب بهذه الأفعال قبل إدانتهم من قبل جهات التحقيق ، أيضا ذكر أن الأصدقاء والشركاء الأقرب لنا هم اليهود المدافعين عن القضية الفلسطينية ، وعبارات أخرى ... فما رأيك ؟

* باعتقادي أن هناك سوء تفاهم حول هذه النوعية من البيانات . إنها نوعية من البيانات موجهة لخدمة القضية العربية والفلسطينية ، وليست من أجل أي شيء أخر وذلك بصرف النظر عن بعض العبارات وكيفية صياغتها ، هذه الصياغة التي ترتبط أحيانا بنوعية الصائغ لها ، من حيث أسلوب تفكيره أو ما شابه ذلك ، كما ترتبط أيضا بنوعية الترجمة ، أحيانا الترجمة لا تكون دقيقة مائة بالمائة . وهذا تقريبا ما حدث مع هذا البيان ، لقد قرأت النص الفرنسي له ، ووافقت على التوقيع عليه. وأرى أنه من المفيد, في سبيل انتزاع حقنا في الحديث عن قضيتنا بأوروبا ، أن نوضح قبل كل شيء الموقع الذي نتحدث من خلاله . نحن نتحدث من موقع الدفاع عن قيم لا خلاف عليها اعني قيم الاستقلال والحرية والمساواة والديمقراطية واحترام الإنسان . هذا هو الهدف من البيان ، إعلان أننا ندافع عن القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني والقضية العربية من نفس المنطلقات الذي يدافع فيها أي فرد عن القضايا الكبرى ، أي أننا ننطلق من قيم كونية وعالمية . أما البيان فلم يكن فيه ما يوحي بتوجيه أي اتهام للعرب ، بل إنني ذكرت حين قرأت البيان أنه يجب التوضيح أننا لا نتهم العرب بهذه الأفعال ، أولا لأنه لم يثبت اتهام عرب بهذه الأفعال ، وثانيا لأنني على المستوى الشخصي لا أعتقد أن العرب وراء هذه الأفعال المتطرفة العنصرية، وقيل لي أن العبارة واضحة وأنها تقول : في حال أنه كان مسؤوليها من العرب . لكننا في البيان كنا ندين هذه الأعمال بصرف النظر عن قيام العرب بها من عدمه . لأنه بالفعل علينا أن نقر أن الأعمال المعادية للسامية في فرنسا أو في أي مكان أخر لا تخدم القضية العربية ، بل أنها تضعها في موقف حرج للغاية ، وهذا هو هدف الصهيونية ، دمج المقاومة العربية بمعاداة السامية ، لذلك كان هدفنا القول أن أعمال المقاومة للاحتلال والعنصرية والوحشية الإسرائيلية ، لا علاقة لها إطلاقا بالأعمال المعادية للسامية التي تعرفها أوروبا منذ قرون والتي لا علاقة لنا بها ، فنحن نناضل من أجل تحرير أرضنا من الاحتلال والاستعمار الاستيطاني . ولا ندين اليهود لكونهم يهود . ونحن ندين وأنا مازلت أدين تعرض أية جماعة سواء أكانت يهودية أو غير يهودية لأعمال عنف فقط من أجل ديانتهم أو مذاهبهم أو اعتقاداتهم ، نحن ندين أعمالا نعتبرها مخالفة للأخلاق والأعراف والقوانين الدولية . من هنا أتصور أن البيان كان وسيلة مفيدة لكي نعلن للرأي العام الفرنسي والأوروبي ، أن قضيتنا متميزة تميزا مطلقا ، ولا علاقة لها بمعاداة السامية أو اليهود لمجرد كونهم يهودا . لم نوقع على البيان من أجل إدانة العرب ، ولكن من أجل إدانة المعادين لليهودية الذين يريدون خلط أوراق قضيتنا بقضيتهم التي تنحصر في معاداة اليهود لكونهم يهودا . 

لقد قرأت النص الفرنسي ولم أر الترجمة العربية له ، ولكن عبارة أصدقائنا وشركائنا الأقرب هم اليهود ، فهذه ترجمة سيئة جدا للنص الفرنسي ، بالنص الفرنسي كانت تعني أنهم الطرف الاقرب بمعنى المباشر في قضيتنا ، وبالطبع فإن اليهود الفرنسيين الذين تضامنوا مع قضيتنا كانوا قريبين منا ، ولكن ما معنى الأقرب هنا ، هل تعني أنهم قد صاروا أحبابنا مثلا ؟ المعنى المقبول هو أن الفلسطينيين عليهم أن يتعاملوا مع اليهود الديمقراطيين الذين يقبلون بحقوق الشعب الفلسطيني ، ولكن نحن لم نجن لهذه الدرجة لنعلن أنهم أقرب إلينا من العرب ، أو أننا سنقدسهم لكونهم يهودا . هذا البيان صدر فقط من أجل تمييز أهداف القضية العربية وفصلها عن الأعمال المعادية للسامية بأوروبا ، وعموما هذا البيان موجه للرأي العام الأوروبي ، لذلك أجد ترجمته لا معنى لها لأنه غير موجه للرأي العام العربي ،  بالطبع هناك دوافع إعلامية ، لكنه غير موجه للمواطن العربي الذي لا توجد لديه مشكلة معاداة للسامية كما هي بأوروبا . إنه أداة للعمل السياسي والفكري في فرنسا لصالح القضية العربية وليس أداة لتغيير قناعات الجمهور العربي بقناعاته السياسية اي لضرب القضية العربية .

هذا ينقلنا إلى نقطة هامة ... لماذا يوجد تباين في الروىء بين المثقف العربي المقيم بالخارج ونظيره الذي يحيا ببلاده في العديد من قضايانا الفكرية الشديدة الحساسية ؟

ينبغي الاعتراف بداية ان هناك بالفعل بعض المثقفين المقيمين في الخارج الذين يسعون وراء اهداف شخصية بالدرجة الاولى وينزلقون احيانا وهم يجرون وراء هذه الاهداف الى مواقف تجعلهم يخرجون عما يمكن ان نصفه بالاجماع العربي الادنى. بل ان مثل هذا الوضع يمكن ان يدفعهم احيانا لاتخاذ مواقف تستفز الضمير العربي سواء اكان المرء مقيما في الخارج او الداخل. بيد ان من الخطأ التعميم على جميع مثقفي الخارج او على المثقفين. فهناك العديد من مثقفي الداخل الذين يقومون بالشيء نفسه ولو كانت القضايا مختلفة فيضعون مصالحهم الشخصية وفرص تقدمهم ومكاسبهم قبل المصالح العامة والوطنية. كما أن هناك العديد من المثقفين العرب في الداخل والخارج يضحون بالكثير ماديا ومعنويا من أجل الدفاع عن حقوق الشعوب العربي وحرياتها وفرص تقدمها ومستقبلها . كما ان من غير الصحيح ان جميع المثقفين في الخارج مقطوعين عن شعوبهم. وأستطيع أن اذكر هنا تجربتي الخاصة ذاتها. فأنا دائم الذهاب إلى بلدان مختلفة في العالم العربي ، ولم أجد أن الناس تشعر بأن ما اطرحه من رأي أو قضايا أو أفكار مناقض لافكارهم او مستفز لها ، بل على العكس أشعر أن هناك نوعا من التماهي والتفاعل العميق بيني وبين الجمهور العربي .هذا لا ينفي أن بعض المثقفين المقيمين بالخارج لديهم مشاكل متعددة فيما يتعلق بالتواصل سواء مع المثقفين العرب أو مع الرأي العام العربي ، لأنهم مشدودون إلى ما يمكن أن نسميه جدول أعمال مختلف ، بمعنى أنهم لا يعيشون بالضرورة جدول الأعمال العربي ، بمعنى أن اولوياتهم مختلفة عن أولويات الشارع العربي أو عن اولويات المثقفين داخل الوطن العربي ، ربما كانوا هم الأكثر حساسية تجاه كسب الرأي العام الأوروبي الذين يعيشون معه . وهذا ليس بالشيء الخطأ

دائما ، وعلى من يعيشون بالشرق أيضا أن يتفهموا بعض المقيمين بأوروبا الذين يحاولون الحصول أو المحافظة على مركز أو موقع ما ، من أجل أن يتمكنوا من النقاش وعرض وجهة النظر من أجل خدمة القضية العربية . ولا شك ان من الممكن لبعضهم ان ينسى الأولويات العربية ويسير باتجاه الأولويات الغربية، بالنسبة لي أنا أسعى الى ان اظل متمسكا بها وواعيا لها ، لكني في الوقت نفسه لا أصب حمم جهنم فوق رأس من ينساها .   

لنناقش الأمثلة التي ذكرتها او اشرت اليها مثل الضجة التي حصلت عندما طالب المثقفون العرب الحكومة اللبنانية منع مؤتمر دعاة مراجعة التاريخ الذي كان سيعقد ببيروت وكذلك الضجة التي قامت حول ترجمة بعض الأعمال الأدبية إلى العبرية عن طريق التعاقد مع دار نشر الأندلس التي تقولين انها اسرائيلية. وأنا لست طرفا في أي منها . أولا ليس صحيحا أن البيان الأول الخاص بمؤتمر دعاة المراجعة لتاريخ المجازر الاوروبية ضد اليهود قد وقع من جميع مثقفي الاغتراب أو انه يمثل كل المثقفين بفرنسا . أنا شخصيا وكثير غيري لم نوقع عليه ـ لذا يجب عدم التعميم ـ, وثانيا إن الموضوع يستحق بالفعل النقاش.  توجد هناك اليوم فعليا وجهتي نظر ، الأولى تتساءل هل يصب في مصلحتنا أن نسمح لمنظمات معادية للسامية أن تنظم مؤتمرات بالبلدان العربية ، وفي النهاية يتحمل العرب وزر تاريخ اللاسامية كله بدون أي فائدة ؟ لقد دفعنا بالفعل ثمن الجرائم اللاسامية الأوروبية ، وأعطوا فلسطين لليهود ليحلوا مشكلتهم وتتخلص أوروبا من عقدة الذنب ، والآن يمكن تحويل قضية اللاسامية كلها علينا أيضا ، ويصيروا هم مدافعين عن قسم التحرر والحقوق الإنسانية ،ونحن معادين وعنصرين ولاساميين ، لابد أن نكون حذرين قدر الإمكان من الوقوع في هذا الفخ .

أما وجهة النظر الأخرى يتبناها بعض المثقفين العرب وترى أن كل شيء معاد أو ينتقد اليهود هو مفيد للقضية العربية ولذلك ينبغي ان نستقبله ونتعاون معه. ةمن المواضع ان رأيي هو اقرب الى الوجهة الاولى. فليس للعرب أي مصلحة في أن يحملوا انفسهم مسؤولية جرائم لم يرتكبوها ولا يعرفون عنها ما كيفي من الحقائق ليتبنوا وجهة نظر فاعليها. يكفينا الصورة السلبية المعطاه لنا. ولا أعتقد ان مايريدوه اصحاب وجهة النظر الثانية هو الاساءة للقضية العربية ولكنهم ليسوا دائما على معرفة دقيقة بشروط الصراع في الساحة الغربية كما ان بعضهم يقوم بذلك من باب المزايدات بالو طنية للدفاع عن مواقع مكرسة اأو للتوافق مع سلطات سياسية معينة. لكن ليس في هذا أي فائدة ، بل بالعكس إن تمييز قضيتنا عن قضية اللاسامية محور أساسي في دفاعنا السياسي ضد الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي . فلابد أن نعي أن أنصار اليمين المتطرف في أوروبا يريدون توحيد قضيتهم مع قضيتنا ليكسبوا بعض الشرعية العالمية. انما نحن قضيتنا مختلفة تماما انها قضية تحرير للاراضي المحتلة من قبل اسرائيل, فنحن الضحايا,  وليست قضية معاداتنا لشعب أخر بسبب ديانته او عقيدته . وهذا يعني ان وجهة نظر من أصدروا البيان تستحق المناقشة وليست بالضرورة ثمرة ابتعاد عن الراي العام العربي او قطيعة . فلا يوجد أي مكسب للعرب من احتضان مثل هذه المؤتمرات في بلادنا . أنا الآن أتحدث بصرف النظر عن كوني  من الخارج أو الداخل, وأنا لم أوقع على البيان ، لكن كمواطن  عربي يحاول ان يزين الامور لمصلحة القضية العربية منطلقا من معرفته بظروف العمل في أوروبا وفي  وسط الرأي العام الدولي، لأن هذا الرأي العام هام بالفعل.  بالتأكيد لا ينبغي ان نراعي الراي العام العالمي على حسابنا ، ولكن في الوقت ذاته لا يجب علينا التضحية به بسهولة من أجل أعمال لن نجني من ورائها أي مكاسب لقضيتنا . ما هو مكسبنا الحقيقي من تبني هذه المؤتمرات ؟ لاشيء سوى تقريب قطاع صغير معاد للسامية . بيد ان أفكار هؤلاء  ضارة بنا في واقع الأمر ، وعلى سبيل المثال الجميع عرفوا جان ماري لوبن في الفترة الأخيرة ، هل يعني هجومه على اليهود من آن لأخر أنه أصبح حليفا لنا؟  لوبن صرح قبل أسبوعين من الانتخابات الرئاسية الفرنسية تصريحا يعطي الحق الكامل لشارون في حربه ضد الشعب الفلسطيني وقال انه كان على الجنرال ديجول  أن يحذوا حذون وأن لا يقبل الاستسلام للارهابيين الجزائرينن ويخرج من الجزائر. ماذا يمكن ان ننتظر من مثل هؤلاء السياسيين المرضى بالعنف والمسكونين بأحلام العظمة والتطهير العرقي والاستعمار الناجح والقوة؟ واللجوء الى القوة؟ المعادون للسامية لا يمكن ان يكونوا حلفاؤنا وهم ليسوا كذلك بأي شكل من الأشكال .

أما موضوع الترجمة : الترجمة ليست جريمة في حد ذاتها ، ولا نستطيع منع أي بلد معادية من ترجمة أعمالنا ، لكن المحرم لدينا عن حق هو التطبيع مع اسرائيل الذي يضعف الموقف العربي والفلسطيني معا. وهذا هو الذي أدانه المثقفون العرب جميعا ، وأنا مع إدانته أيضا . لكني طبقا لما سمعته عرضا او ما وصل الي من شتات المعلومات  يبدو ان الأندلس دار نشر بديرها فريق من الاسرائيلين المعادين للصهيونية والمؤيدين للقضية الفلسطينية وقد انشؤوها بهدف التعريف بالأداب العربية الديمقراطية وتغيير صوزة العرب في اسرائيل . واذا كان هذا هو الوضع فعلا فالموضوع ليس محسوما بالادانة البسيطة او القبول ولكنه يناقش او يستحق النقاش بالحجة العقلية وبالبيانات الملموسة. ولا أعتقد أن الرأي العام العربي عاجز عن فهم واستيعاب مثل هذا النوع من النقاشات اذا عرضت عليه بصورة سليمة وموضوعية. فهو ليس محدودا لدرجة انه لا يدرك ما الذي يخدم مصالحه وقضيته وما الذي يقف ضدها. لكن للأسف ما يحصل غالبا هو ان فريقا صغيرا من المثقفين غالبا ما يفضل لغة التهجم والتخوين تجاه أي وجهة نظر يختلف معها بدل النقاش العقلاني والموضوعي. ولا يخدم هذا الموقف القضية العربية ايضا. فالرأي العام بحاجة الى ان يعرف الحقائق وهو وحده الحكم او ينبغي ان يكون الحكم. ففي احيان كثيرة لا تكون الامور سوداء او بيضاء تماما وانما فيها وجهة نظر, أي تحتاج الى تحكيم العقل والتعمق اكثر في التفكير, ولو كانت الامور جميعا واضحة ومحسومة من النظرة الاولى لما كان هناك سبب لا للبحث ولا للحوار ولا للنقاش.

 إن استمرار اللجوء الى اسلوب التهجم والادانة المسبقة فور الشعور بالاختلاف في وجهات النظر أضر بالفكر العربي كثيرا في العقود الماضية كما أساء لصورة المثقف العربي عموما وبصرف النظر عن وجهة نظره عند الراي العام . فكثيرا ما أظهر هذا الاسلوب المثقفين كما لو كانوا كلابا مسعورة تهاجم بعضها بعضا وتنهش واحدتها الاخرى من دون مراعاة معايير ادبية او الاستناد الى اخلاقية مهنية. وكانت النتيجة تشويه صورة المثقفين جميعا  فقدان الثقة في النخب الثقافية . وهذا ثمرة غياب الحوار العقلي والموضوعي في الوطن العربي ، وظهور المثقفين والنخب الاجتماعية كما لو كانوا يتعاركون جميعا على حساب المصلحة الوطنية ، كل واحد يريد استغلال خطأ زميله أو زلته لتدميره او المزايدة عليه لتحقيق أغراض متعددة شخصية. وهكذا تبدوا القضية الوطنية وهموم الجمهور العريض آخر الاهتمامات للأسف عند المثقفين. وكل هذا يدل بوضوح على عمق الأزمة التي يعيشها المثقفون العرب الذين يفتقدون إلى أية لغة حوار أو إلى حد أدنى من التفاهم فيما بينهم ويميلون الى التنابذ والتشاحن والتشكيك والتهشيم المتبادلين . والمعارك التي دارت حول العديد من الأحداث والمواقف التي قدمت امثلة عنها في هذا اللقاء تعكس مدى تسمم المناخ الثقافي في الوطن العربي أكثر بكثير مما تعكس تنامي روح الحوار والمناقشة الوطنية النزيهة والموضوعية .