مشكلتا العرب: الديمقراطية والاتحاد مجلة شؤون استراتيجية المغرب

2008-03-08 :: مجلة شؤون استراتيجية، المغرب الأقصى

ترجمة :

محسن الندوي -  شؤون استراتيجية - 

 

* كتبتم عن الديمقراطية، مند سنوات من خلال مقالاتكم وكتبكم، مثل كتابكم "بيان من اجل الديمقراطية" و"العالم العربي أمام تحديات القرن 21". هل ترى أن الأمور تسير في اتجاه تحقيق الديمقراطية في العالم العربي، بمعنى الفصل الحقيقي بين المؤسسات( التنفيدية والقضائية والتشريعية)، وتحقيق العدالةالاجتماعية، واحترام الحريات الصحافية واحترام حرية التعبير، وتشجيع الشباب على المشاركة السياسية، وتشجيع المبدعين منهم في المجالات المختلفة الخ... ؟

* واضح أن الأوضاع سارت منذ ذلك الوقت نحو الأسوأ على جميع المستويات التي ذكرت. والسبب في ذلك التحالف القائم على حساب الشعوب، منذ ما يقارب نصف قرن، بين النخب المحلية الحاكمة والدول الصناعية المهتمة بتأمين مصادر الطاقة والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، بصرف النظر عن أي مباديء أو قيم أخلاقية أو سياسية. ولا ينبغي أن تخدعنا المظاهر، ليس للنخب الحاكمة التي جعلت من البلاد مزارع شخصية وعائلية لها أمل في البقاء ومقاومة الشعوب المظلومة والمحرومة إلا بالالتصاق بالغرب والاستفادة من مظلته السياسية وحمايته الاستراتيجية. والعكس صحيح أيضا، ليس للدول الغربية الداخلة في منافسة اقتصادية شديدة في ظل بناء السوق الاقتصادية العالمية من أمل في الابقاء على مناطق نفوذها ومصالحها النفطية والاستراتيجية سوى بالتحالف مع قوى الاستبداد القائم ودعمها وحمايتها من السقوط. هذه هي الحقيقة حتى لو حصلت خلافات من فترة لأخرى بين الحلفاء لا تفسد حقيقة العهد المشترك. كل ما عدا ذلك خداع ونفاق.

 

* إذا لم تتحقق الديمقراطية العربية حتى الآن، متى ستولد في نظركم؟

* الديمقراطية لن تخرج من قلب المجتمعات كما يخرج الجنين من بطن أمه. إنها ثمرة مخاض وصراع طويل يبدأ بتكوين المجتمعات وتأهيلها وتربيتها على مباديء أخلاق الحق والقانون والمساواة والعدالة والحرية، وهو ما يقع على كاهل المفكرين والمثقفين والأدباء والفنانين. فمن دون فرد يملك الحد الأدنى من الشخصية، أي من الوعي والإرادة الحرة والقدرة على الالتزام والعمل الجمعي، لن تنشأ القوى الاجتماعية والسياسية الضرورية لإحداث التغيير. ومن دون قوى حية ومنظمة لن يكون من الممكن إعادة بناء ميزان القوى وتعديل الكفة لصالح سلطة تمثل الأغلبية المجتمعية. وسيكون من المستحيل الوصول إلى تغيير النظام السياسي والاجتماعي القائم، بل إلى تعديله. وهذه هي حالتنا اليوم. الديمقراطية لا تولد ولكنها تنتزع من المتسلطين كالحرية، وانتزاعها يعني أنها معركة طويلة بالكاد قد بدأت. ولكنها مع ذلك موجودة ومستمرة. إنها متجسدة في مقاومة النظم الاستبدادية والاحتجاج على السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تشارك فيه جماعات وقطاعات رأي متزايدة في العديد من بقاع العالم العربي. وهي موجود وقائمة في الأدبيات والإبداعات النقدية الفكرية والفنية، وفي المقاومات السلبية التي تتخذ شكل مقاطعة السلطة والتبرؤ منها. وستكون ثمرة تراكم هذه المقاومات ونضوجها وفي سياقها نضوج معنى الانسانية وقيمها في مجتمعاتنا التي أقفلت عليها عهود الظلام وحرمتها من الضوء والمعرفة والثقة بالذات.

 

* ادا كانت التجارب السياسية قد اثبتت أن الديمقراطية لا يمكن استيرادها جاهزة وتطبيقها في البلاد العربية، فكيف في نظركم يمكن الاستفادة من الديمقراطية الغربية مع احترام الخصوصية العربية؟

* لا يستطيع شعب حتى لو أراد أن يقلد شعبا آخر في نماذج حكمه السياسية، اللهم إلا إذا حصل التغيير من خلال انقلاب فوقي أو احتلال أجنبي. وفي هذه الحالة لن يكون النموذج المأخوذ مماثلا لنموذج الغرب أو صورة عنه، ولكن بالعكس تماما، غطاءا للانقلاب العسكري أو للاحتلال الأجنبي. فما هو ثمرة كفاح الناس لا يمكن إلا أن يتأثر بطبيعة الناس وثقافاتهم وشروط حياتهم وظروف انتصارهم التاريخية. وهذا يعني، لن تكون هناك ديمقراطية عربية أو في البلاد العربية إلا بقدر ما تنجح الشعوب العربية في تحرير نفسها من الاستبداد والظلم الذي يمثله، وستكون ديمقراطيتها في صيغتها ومضمونها وبرنامج عملها تجسيدا لهذا التحرير وانعكاسا له. إن الديمقراطية تخلق بالكفاح أي بالعمل والفعل، الفردي والجمعي. وبقدر ما يقود هذا الفعل الكفاحي إلى التغيير الذاتي ويستدعي نمو الفضائل السياسية عند الأفراد والجماعات، يفتح المجال أمام التغيير الموضوعي، أي أمام إعادة بناء النظام المجتمعي والدولة على أسس غير تلك التي قام عليه الاستبداد ولا يزال. الكفاح الشعبي من أجل الديمقراطية هو شرط قيام الديمقراطية ومدخلها الحقيقي بقدر ما يشكل مسار التربية الجديدة للشعوب على الجد والتضحية والتضامن والمسؤولية.

 

*من جهة أخرى لمادا في نظركم نجح الاتحاد الأوروبي في توحيد أوروبا، خصوصا في المجالات الاقتصادية والمالية (الاورو) والعسكرية وفي السياسة الخارجية، بل كاد أن ينجح في تكريس دستور أوروبي واحد، هدا الاتحاد الأوروبي الذي مافتئ يستقطب دولا من أوروبا الشرقية التي كانت في وقت سابق محسوبة على المعسكر الشرقي، في حين ان جامعة الدول العربية أخفقت في توحيد البلدان العربية خصوصا في المجالات الاقتصادية (السوق العربية المشتركة) والعسكرية (اتفاقية الدفاع العربي المشترك)، خصوصا ونحن نعيش في زمن التكتلات الدولية أكثر من أي يوم وقت مضى؟

*هناك ثلاثة أسباب رئيسية تفسر إخفاق العرب في التوصل إلى اتفاق سياسي للتعاون والتحالف والوحدة الاقتصادية. الأول هو افتقار العرب لحكومات ونخب اجتماعية مهمومة فعلا بمصير الناس ومنشغلة بضمان حقوقهم ومستقبلهم. معظم النخب العربية الحاكمة، على الأقل في الدول المركزية أو الكبيرة ذات التأثير، هي جماعات مصالح خاصة، لا تفكر إلا في خدمة نفسها وزبائنها الذين تعتمد عليهم للبقاء ولتأمين قاعدة دعم، وأجهزة أمنية قوية. ولهذا لا تملك هذه النخب سياسات وطنية حتى تنتقل منها إلى رؤية المصلحة الوطنية في الوحدة أو لاتحاد مع الدول المجاورة أو القريبة. بل إنها تخشى أن تفرض عليها مثل هذه العملية التوحيدية التزامات وشروط لممارسة السلطة داخل بلدانها نفسها تحرمها من قدرتها على الاستمرار في الحكم أو في النهب السافر لموارد شعوبها.
والسبب الثاني خوف البلاد الغربية قبل الاستعمار وخلاله وبعده من أن تتكون، على بعد أقل من ألف كيلو ميتر في جنوبها، قوة اقتصادية وبالتالي عسكرية يمكن أن تهدد أمنها في يوم ما، أو تفرض عليها شروطا للتبادل والتعايش تلغي نهائيا نظام الاستعمار الجديد الذي أقامته في المنطقة وحولتها من خلاله إلى مناطق نفوذ، وأحيانا حقول صيد خاصة. وللسبب نفسه لا تخفي هذه الدول إرادتها في رفض أي انتقال للتقنية الحديثة أو أي تطور سياسي يمكن أن يخل بموازين القوى القائمة ويؤثر على نفوذها الراهن. ولا شك ان هذا الموقف الغربي الذي لا يزال مستمرا من دون تغيير منذ عقود متوالية، والذي تمخض عن حروب عديدة واعتداءات مستمرة أيضا، هنا وهناك، كان ضحيتها الرئيسية الشعب الفلسطيني، لكن ليس وحده، هو الذي يشجع النخب العربية الحاكمة على خيانة شعوبها، بقدر ما يحبط إرادتها المستقلة ويخصيها ويدفعها إلى التخلي عن نزوعاتها الوطنية. فهو يؤكد لها أن بقاءها مرهون بسيرها في ركاب الاستراتيجية الغربية وقبولها بها. هذا هو الدرس الأكبر الذي تعلمته هذه النخب من تجربة عبد الناصر في الستينات والتجربة الفلسطينية، إن لم نقل المأساة الفلسطينية المستمرة منذ نصف قرن.
أما السبب الثالث فهو طبيعة الجامعة العربية نفسها. فمن الواضح من ظروف تأسيسها ولوائحها التنظيمية أن هذه الجامعة لم تقام من أجل توحيد الدول العربية ولكن من أجل منع مثل هذه الوحدة، والتغطية على ذلك بأشكال فلكورية من التعاون والتشاور وتبويس اللحى. والبرهان على ذلك أنها، وهي أول منظمة إقليمية نشات بعد الحرب العالمية الثانية في العالم، لا تزال كما كانت، لم يطرأ عليها أي تغيير، ولم تنجح في تجديد أي من لوائحها أو نظمها الداخلية ولا في بناء أي إطار لأي شكل من أشكال التعاون العربي، الجدي والثابت، المستقبل عن رغبات الحكام ومزاجهم، اقتصاديا كان أم ثقافيا أو سياسيا أم قانونيا. الأمر الوحيد الذي نجحت فيه، والذي يتفق مع مصالح الأطراف العضوة جميعا، هو التنسيق الأمني بين وزراء الداخلية وأجهزة الامن الوطنية في سبيل الوقوف صفا واحدا في وجه حركات التغيير أو منع انتشارها.

 

* بالنسبة للاتحاد المتوسطي الذي اقترحه الرئيس الفرنسي ساركوزي الا يعد نوعا من إعادة مفهوم الاستعمار الجديد من خلال رسم ادوار قديمة جديدة لفرنسا المستعمرة في المنطقة المغاربية ، فرنسا التي كان ينبغي عليها ان تقدم الاعتذار مثلا للجزائر على سنوات الاستعمار الطويلة. بدلا من دلك هربت إلى الأمام خلال زيارة ساركوزي التسويقية في المغرب العربي لمشروع الاتحاد المتوسطي بتوقيع اتفاقيات اقتصادية ضخمة، هل معنى هدا ان الكرامة العربية تلاشت أمام الاتفاقيات والمصالح؟

* التعاون الوثيق بين الكتلة العربية التي ينبغي تكوينها بأي ثمن والاتحاد الاوروبي المجاور شرط التنمية في بلداننا والأمن والاستقرار، وبالتالي الازدهار في أوروبة. وينبغي أن نكون نحن معنيين جدا بتطوير هذا التعاون. لكن للأسف لا تزال الدول الأوروبية تستخدم مسألة التعاون مع الدول العربية لأهداف سياسية تكتيكية، لا علاقة لها بأي خطة عمل صادقة وطويلة المدى. هذا هو الذي قوض صيغة برشلونة وجعل الاتفاقات الأورومتوسطية من دون فائدة ولا أثر. وهو نفسه الذي يجعل من الاتحاد من أجل المتوسط الذي أعلن عنه الرئيس الفرنسي سركوزي واضطر إلى أن يقلص فيه من طموحاته، مشروعا فارغا من المعنى. ففي الحالتين ليس الهدف خلق مستقبل أفضل للشعوب الاوروبية والعربية وبناء أسس تعاون دائم ومثمر، وإنما ايجاد إطار يسمح لاسرائيل بالاندماج في الشرق الأوسط على حساب العرب ومن دون التراجع عن السياسات الاستعمارية والاستيطانية المستمرة منذ قرن. وفي زيارته الأخيرة في العاشر من شهر مارس الجاري 2008 لفرنسا، لم يخف الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس حماسته لمشروع اتحاد المتوسط السركوزي ولا هدفه، فصرح من دون تردد إن الاتحاد سوف يكون إطارا لجمع العرب والاسرائيليين في رابطة واحدة. وهو على حق تماما. فلم يبق ولن يبق من هذا المشروع هدفا آخر بالفعل سوى هذا الهدف. وكانت واشنطن قد حلمت أيضا بإقامة سوق شرق أوسطية مرتبطة بها تضم العرب والاسرائيليين.
للعرب مصلحة كبرى في التعاون مع أوربة، كما ذكرت. لكن لا ينبغي أن ينظر لهذا التعاون من زاوية تحقيق المصلحة الاسرائيلية أولا وربما أخيرا، ولا على أنه بديل للتعاون والتكتل بين العرب أنفسهم. وكل من يرفض مبدأ الاتحاد العربي ويصر على الاتحاد في إطار آخر، ينفي العربية أو يهمشها، لا يفكر في مصلحة العرب والمنطقة عموما، وإنما في مصلحة إسرائيل وحدها. ولا أدري لمادذا يكون الاتحاد العربي مشروعا مرفوضا، وخطرا ينبغي الوقوف ضده، بينما تصبح مشاريع التوحيد القائمة على طمس الهوية العربية، المتوسطية منها والشرق أوسطية، مشاريع خير وازدهار وتجميع ضروري للطاقات يستحق الثناء والدعم.

 

* إنني اقترح لو يتم تأسيس اتحاد حقيقي يمكن تسميته بالاتحاد العربي الأوروبي ، يجمع اتفاقية موقعة بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية وغيرها ردا على الاتحاد المتوسطي على الأقل يكون أمر عضوية إسرائيل في هدا الاتحاد العربي الأوروبي محسوما ما رأيكم؟

ألقد رفض الاتحاد الأوروبي حتى فكرة إعادة إطلاق الحوار العربي الاوروبي الذي أطلق في الثمانينات، واستبدله بالحوار الأوروبي المتوسطي حتى يلغي هوية الجنوب وحاجاته السياسية والثقافية. وهو لا يزال يتردد منذ ثلاثة عقود في ضم تركيا، الجمهورية العلمانية إلى عضويته، فكيف تريد له أن يضم العرب جميعا ويتحمل عبء الارتقاء بشروط معيشتهم البائسة إلى مستوى معيشة الاوروبيين كما يفعل في أوربة الشرقية وبولونيا، وهو يرى فيه بؤرة التطرف والعنف والبطالة والفقر وانعدام المستقبل؟ لا أعتقد أن هناك أي أساس ممكن لمثل هذا المشروع.

 

* عندما تشرفت بمحاورة المفكر الاستراتيجي الأمريكي السيد ليندون لاروش اقترحت عليه تأسيس نظام إنساني عالمي جديد ميني على الحوار الحقيقي العادل بين الأمم والشعوب واحترام الديانات والحضارات، ما رأيكم ؟
* هذه هي المعضلة الكبرى. لقد قام نظام العلاقات الدولية منذ ثلاثة قرون على أساس ميزان القوة، ولا تكاد فكرة وجود قانون دولي تتبلور بعد، بالرغم من كل ما يصدر عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن من قرارات. ولا شك أن استمرار هذه العلاقات قائمة على منطق الغاب هو الثغرة الأكثر خطورة في نظام الحداثة بأكمله. وهو الآن، كما يظهر في الشرق الأوسط الذي نحن الشركاء الأكبر فيه، السبب الرئيسي في انتشار العنف والعداون والسقوط في الهمجية. وليس هناك مخرج من هذا السقوط من دون الانتقال نحو نظام جديد قائم بالفعل، كما هو الحال في العلاقات الاجتماعية داخل الدول القطرية، على مبدأ الحق والعدالة والقانون..