لايمكن ايجاد حل للصراع الذي ولده الظلم بمزيد من الظلم

2016-02-02 ::

ترجمة :

 

 محمد خالد 


* كنت أريد أن أسألكم أولا بخصوص المباحثات ورؤيتكم لمصيرها في ضوء التجاذبات الراهنة..
* لا يزال مسار المفاوضات غير مؤكد، أولا بسبب عدم وضوح المسار، وثانيا بسبب الخلاف المستمر في تفسير قرار ٢٢٥٤ الذي يشكل إطار المفاوضات القانوني والسياسي، وثالثا بسبب رهان النظام المستمر على استخدام الدعم الروسي والايراني لتحقيق حسم عسكري على الارض وتجنب أي تسوية سياسية تفترض لا محالة تنازلات أساسية في موضوع تغيير النظام والانتقال السياسي نحو نظام ديمقراطي يساوي بين الجميع ويفتح طريق المصالحة الوطنية. وهذا ما عبرت عنه آخر تصريحات الأسد الذي وصف الحل السياسي بوقاحة على أنه الفساد السياسي وأن الحل لا يكون إلا بتشكيل حكومة مع المعارضة على أساس الدستور القائم وتحت سلطته الأبدية. نحن أمام حالة من الجنون السياسي المدعم بمصالح القوى الأجنبية الذي يقطع الطريق على أي مفاوضات سياسية فعلية.


* كيف تقيم الدور الروسي، ومدى تأثيره على المفاوضات؟
* كل الآمال التي عقدتها الاطراف الدولية وبعض السورية والعربية على دور ايجابي لروسيا في تذليل العقبات التي تحول دون تقدم الحل السياسي قد أحبطت بسبب تبني روسيا خطة إعادة تأهيل النظام والقضاء على المعارضة الديمقراطية والسعي إلى فرض تسوية قائمة على إقصاء القوى الإقليمية والانفراد بالسيطرة على سورية من قبل روسيا وايران فحسب. والمجتمع الدولي بأكمله يعترف اليوم بأن التدخل العسكري والسياسي الروسي قد أبعد فرص السلام بمقدار ما فاقم من محنة السوريين الانسانية ووسع دائرة القتل الجماعي المجاني للمدنيين وتدمير المدن والقرى وتهجير مئات آلاف السوريين الجدد ودفعهم إلى البحث عن اللجوء في بلدان أخرى. روسيا تفرغ البلاد من أجل ضمان سيطرة سلطة الأسد المتهاوية عليها وتفتح بذلك الباب أمام طهران لتحقق مخططها الطائفي الهادف إلى تغيير الطابع الديمغرافي والديني للبلاد.


* حصلت المعارضة على تطمينات أميريكية دفعتها للذهاب إلى جنيف، كيف ترى الدور الأميريكي، ومدى إمكانية الثقة في الرسائل الأميريكية؟
* بعد خمس سنوات من الخديعة والكذب وانقلاب المواقف وتغيرها تعلم السوريون أن لا يثقوا بأحد. والحال لا يختلف عن ذلك تجاه واشنطن التي اعتبرت نفسها المدافع الرئيسي عن حل سياسي يضمن تنحي الاسد والانتقال السياسي نحو نظام جديد، بينما لم تقم بأي فعل جدي للوصول إلى ذلك ، وأكثر من هذا بدأت التراجع عن موقفها في الأشهر الاخيرة مع اعلان الاتفاق الروسي الامريكي عن إطلاق مفاوضات جنيف٣.
والواقع أن واشنطن لم ترسل اي رسالة تطمين ولم تقدم اي ضمانات ولم يعد أحد يعرف بالضبط موقفها الحقيقي، وأنا أقول لم يعد هناك من يعرف في ما إذا كان لديها موقف ثابت ومستمر، أم أنها تغير رأيها كل فترة على حسب تحليلات جزئية يتحكم بها الافتقار لأي خطة أو استراتيجية فعلية، ليس في ما يتعلق بحل الحرب السورية فحسب، ولكن بالنسبة لأزمة المشرق العربية ومستقبل المنطقة برمتها. من موقعنا نحن السوريين والعرب تبدو واشنطن في حالة تخبط أكثر مما أن لديها سياسة مبلورة ومتسقة ثابتة.


*المتحدث باسم هيئة المفاوضات رياض نعسان أغا قال إن واشنطن لو قدمت للمعارضة 10% من الدعم الذي قدمه الروس للنظام لحلت الأزمة من 2012.. ما رأيك؟
* بالتأكيد. بل أكثر من ذلك لو قامت واشنطن بمنع طهران من التدخل المباشر وغير المباشر في سورية ومن القدرة على تقديم الدعم الهائل لنظام الأسد منذ بداية الثورة لما نجح الأسد في البقاء اشهرا، ولما فكر هو نفسه في مقاومة إرادة الشعب واتخاذ قرار إعلان الحرب الشاملة ضده، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيماوية وسلاح الجوع والقصف الاعمى للمدنيين.
الانتقاد لواشنطن لا يقتصر على أنها لم تقدم الدعم للشعب السوري الثائر ضد نظام دموي ارهابي ولكن أكثر من ذلك لأنها سمحت لحماة النظام الذين كانت تدعي أنهم خصومها أيضا في العمل بكل الوسائل لتثبيت النظام وحرمت الشعب السوري من زسائل الدفاع عن نفسه، وبالتالي من حقه في تقرير مصيره، بل ساهمت في حرمانه من هذا الحق وأخلت بالتزاماتها الدولية الداعية لحماية المدنيين والشعوب المعرضة لانتهاكات خطيرة لحقوق الانسان. وانت تعرف أن كل تقارير المنظمات الانسانية اتهمت نظام الاسد والاسد نفسه صراحة وعلننا بأنهما يرتكبان جرائم ضد الانسانية وجرائم ترقى إلى مستوى جرائم حرب.
لكن ما يقال عن واشنطن لا يخصها وحدها. إنه ينطبق على كل المجتمع الدولي بما في ذلك الجامعة العربية الأقرب التي تركت السوريين يموتون بالآلاف من دون أن تحرك ساكنا أو تقوم بأي عمل لوضع حد للماساة.


* ما تعليقك على ما يؤمن به البعض بشأن أن قرار مجلس الأمن قد خفض سقف مطالب جنيف 1 وبالتالي لا يمكن اعتماده كمرجعية رئيسية للمفاوضات؟
* لم يشر قرار مجلس الامن الاخير ٢٢٥٤ بصراحة إلى تغيير واضح لمرجعية جنيف١، بل ترك الأمور غامضة نسبيا، وذلك بوضعه مرجعية جنيف١ ومواقف الدول في مؤتمر فيينا جنبا إلى جنب. من هنا لا تعتبر المعارضة أن القرار الجديد قد ألغى مرجعية جنيف١ وسوف تتمسك بهذه المرجعية ولن تقبل التفاوض من دون الاعتراف بأولوية الانتقال السياسي. ذلك لأنه من المستحيل وقف الحرب والنزاع بأشكاله المختلفة ومحاصرة التطرف والقضاء عليه من دون إزالة النظام السياسي الفاشل الذي كان السبب في نشوئهما، والتحول نحو نظام سياسي جديد يطمئن جميع السوريين ويساوي بينهم. لا يمكن بالابقاء على نظام القهر والارهاب والاستبداد والتمييز شبه العنصري بين المواطنين الخروج من الأزمة ولا إعادة بسط السلام والأمن في ربوع البلاد، ولا من باب أولى القضاء على الارهاب وضمان عودة السوريين الذين تشردوا من بلادهم في كل أصقاع الأرض إلى مواطنهم. هذا هو المهم والباقي تفاصيل.


* هل تعتقد بجدية النظام في المفاوضات؟... وهل تعتقد أن أحداث حلب الأخيرة رسالة للموجودين في جنيف بأنه "لا حل سياسي" وأن الروس يحاولون تمييع نظام الأسد؟
* النظام نفسه وعلى لسان رئيسه يقول إنه لن تكون هناك مفاوضات وأن الحل هو في أعادة فرض النظام على كامل التراب السوري. ومثل هذا الكلام يتردد باستمرار على لسان مسؤوليه وأنصاره. الاسد يعتبر أي تنازل من قبل النظام عن سلطاته وصفاته، أي عن حكم الإرهاب، هو تراجع وهزيمة له أمام المعارضة يمكن أن يشجع الشعب الذي لا يزال تحت سيطرته على رفع سقف توقعاته والخروج عليه.
وهو لا يكف عن الخلط بين وجود نظام القمع والارهاب وبين وجود الدولة السورية، ويبتز الدول الأخرى بذلك، ويقول أي تنازل عن آليات القمع وتقييد الحريات وإخضاع الشعب بالقوة يقود إلى الفوضى، وهكذا يصبح وجوده كنظام ارهاب الشعب هو الضمانة للأمن والاستقرار. والحال لقد أظهر هذا النظام منذ نشوئه، وفي كل المواقف والمواجهات الداخلية والخارجية، أنه لا يفهم إلا لغة القوة ولا يخضع إلا لمنطق القوة الذي يطبقه على شعبه قبل أي طرف آخر. ويشكل هذا الامتحان الرئيسي لموسكو التي تدعي أنها تراهن على تعزيز موقف النظام في الصراع الجاري لدفعه نحو مفاوضات جدية.


*كيف تقيم أداء المعارضة الان بالمقارنة بأدائها من ذي قبل فيما يتعلق بالعملية السياسية؟
* حتى الآن أظهرت المعارضة أداء جيدا، ونالت من أجل ذلك تأييد معظم الفصائل المقاتلة وثقة الشعب وعليها ان تستمر.


* وماذا عن طبيعة الدور الذي تلعبه طهران في دعم الأسد، وهل تقبل إيران بتسوية سياسية؟
* أظهرت طهران منذ البداية أنها لا تقبل بأقل من الانتصار الكامل على الثورة السورية التي اتهمتها بالخيانة وعلى خصومها الاقليميين الذين تريد كسرهم انتقاما لنفسها من سنوات العزلة والحصار. وبعد أن فشلت في ذلك واضطرت لطلب المساعدة من روسيا أصبحت مستعدة لمقايضة الانفراد بالسيطرة على سورية بتمديد أجل الحرب وزرع الفوضى حتى تستطيع خلال السنوات القادمة تحقيق حلمها في تغيير الواقع على الارض وايجاد موطء قدم لها في البلاد بالمراهنة على نشر الطائفية والتفتيت وربما إذا نجحت على تقسيم البلاد. ايران سوف تستغل التسوية لتحقيق أهدافها بطريق آخر إذا أمكنها ذلك. لكن لم تعد هي اليوم صاحبة القرار الوحيدة ولا الأولى في تقرير مصير النظام.


*البعض يروق له أن يروج لأن بديل الأسد هو "داعش".. كيف ترى ذلك؟ وألا تعتقد أن وجود التنظيم الإرهابي يهدد نجاح أي تسوية سياسية على الأرض؟
* الواقع البسيط يقول إنه لم يكن هناك وجود لداعش قبل تطبيق سياسة الأسد في قهر الشعب السوري وإعلان الحرب عليه من أجل الحفاظ على سلطة فردية وعائلية مافيوية قائمة على العنف والارهاب. كما أن الأسد هو صاحب النظام الوحيد في المنطقة الذي اعتمد تنظيم الارهاب واختراق منظماته وصناعة بعضها كوسيلة رئيسية وربما الوحيدة لبسط نفوذه داخل سورية وخارجها وفي محيطها المباشر. وإطلاق سجناء القاعدة في دمشق وبغداد لخلط الاوراق وتوجيه الانظار نحو الخطر الامني لقطع الطريق على التغيير السياسي، ونزع الشرعية عن حركة الاحتجاج، وتحويل الثورة إلى فوضى عن طريق تعميم العنف والحروب في كل البلاد، هو الذي فتح الثغرة الأمنية التي دخلت منها المنظمات المتطرفة الدولية ومنها القاعدة وداعش، وحولت سورية إلى مركز استقطاب جميع المتطرفين في العالم، بما في ذلك في الغرب. ولا يمكن للنظام الذي استخدم الارهاب الدولي كفزاعة يخيف فيها الشعب والمجتمع الدولي ليحول انظار الجميع عن حتمية الاصلاح والتغيير أن يكون هو فرس الرهان لمحاربة التطرف والارهاب. بالعكس تماما إن حرمان الشعب من تطلعاته المشروعة وتقسيم المجتمع لمنعه من الاستمرار في مطالبه هو أفضل وسيلة لتنمية التطرف والارهاب.
تأهيل النظام من جديد ودعمه يعني بشكل تلقائي إضفاء شرعية سياسية على التطرف ودفع المزيد من الشباب الذين سيفرض عليهم الاستسلام والتسليم للعنف إلى الارتماء في حضن الارهاب. لا يستقيم الأمن والسلام بتعميم الحرب والخراب..


* كيف ترى طبيعة الوضع الميداني حاليا عقب نحو 4أشهر من التدخل الروسي؟
* الوضع الميداني يتغير تحت ضغط القوة الروسية بالتأكيد على حساب سيطرة قوى الثورة والمعارضة. لكن ليس لهذا التغير قيمة كبيرة في تعظيم فرص ضمان الامن والسلام والاستقرار. أولا لأن النظام الهالك لم تعد لديه اي امكانية سياسية او عسكرية للسيطرة على الارض والبقاء فيها وإدارتها، وثانيا لأن قوى المعارضة لن تتأخر في تغيير استراتيجيتها والتحول إلى طريقة حرب العصابات التي لن تسمح للنظام بأن يستعيد قوته ويستقر في الأماكن التي أخرجت منها كما أخرج منها سكانها.
باخنصار لا يمكن أن يكون الامعان في الظلم والاقصاء والقهر طريقا لاعادة الأمن والاستقرار، وقاعدة لاستعادة حكم القانون والسلام. لا يمكن حل الأزمة الناجمة عن الظلم بمزيد من الظلم. حتى تخرج سورية من الجحيم الذي أنزلها إليه نظام يرفض الاعتراف بفشله والانصياع لإرادة الشعب، ينبغي قبل أي شيء آخر الاعتراف بحقوق الشعب والاستجابة لتطلعاته الأكثر من مشروعة في الكرامة والحرية والعدالة والمساواة وحكم القانون، أي ينبغي وضع حد لسياسة العنف والعسف والاهانة والتمييز والاستعمار، الداخلي والخارجي، على حد سواء.