العربي الجديد: “الائتلاف” عاجز .. والخلافات العربيّة انعكست على الثورة

2014-03-19 :: العربي الجديد

ترجمة :

عبد الله رجا - العربي الجديد

 

تدخل الثورة السورية عامها الرابع، شاهدة على مأساة إنسانية كبرى، دون أفق لحل يوقف الدم، وتتعقّد المسألة بين ميادين القتال من جهة، وبين تراجع المجتمع الدولي عن إيجاد مخرج سياسي يوقف النزاع من جهة أخرى، بل ويبدو أن العالم ينسحب من تحمّل مسؤولياته تجاه أكبر مأساة في العصر الحديث.
أمام هذه المعطيات، حاورت "العربي الجديد" عضو "الائتلاف السوري" المعارض، الدكتور برهان غليون، لتسليط الضوء على ما يحيط بالأزمة داخلياً وإقليمياً ودولياً.
ودعا أول رئيس لـ"المجلس الوطني السوري"، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى ضرورة الإسراع في إصلاح جسم المعارضة الأبرز، "الائتلاف"، والذي وصفه بالعاجز عن تحمّل مسؤولياته تجاه الثورة، بالتزامن مع إعادة هيكلة الأركان، وفقاً لخدمة الثورة لا الشخصيات.
وحول الموقف الروسي من الصراع، رأى غليون، الذي زار موسكو أربع مرات، أن الروس خدعوا الغرب في الأزمة السورية وأنهم باتوا يعتقدون أن النظام السوري قادر على حسم المعركة على الأرض.
وفي ما يأتي نص الحوار:

 

• أهم ما جرى في "جنيف-2" أن المعارضة أثبتت للمجتمع الدولي، وبالتحديد للمبعوث العربي والأممي لسوريا، الأخضر الإبراهيمي، أن النظام لا يريد الحل السياسي، وهذا كشف النظام أكثر، ووضع المجتمع الدولي الفاشل، حتى الآن، أمام مسؤولياته، وأصبح أمام مبادرات أخرى ضرورية والسؤال: ماذا بعد جنيف-2؟
* انتهينا الآن من دفع العالم للمعارضة بالذهاب إلى جنيف-2، وكل المبادرات الدولية كانت معلقة بسبب المؤتمر، سواء كان الدعم أو تحميل النظام المسؤولية. وبعد ذلك، فتحنا الباب لخيارات أخرى تجاه معاناة السوريين.


• هل صحيح أن مندوب سوريا في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، أساء للأخضر الإبراهيمي؟
* نعم... الجعفري اعتدى على الإبراهيمي عدة مرات خلال جلسات التفاوض، ورفع صوته على الوسيط الدولي، وقال له: "أنت مسهّل ولست وسيطاً" من أجل أن يقلل من مكانة وشأن الإبراهيمي، في حين أن من أعراف التفاوض ألا يتم التطاول على الوسيط.


• ما هو تقييمك لأداء "الائتلاف" في "جنيف-2"؟
* عندما ذهب "الائتلاف" إلى "جنيف-2"، بدا أنه غير قادر على عزل النظام دولياً، إذ إن غالبية مَن ذهبوا للتفاوض هم من الهيئة السياسية. في حين أردنا أن يكون المفاوضون شخصيات اعتبارية سورية قادرة على إعطاء الانطباع بأنها تمّثل الشعب السوري، مع وجود شخصين أو أكثر من "الائتلاف". لكن ما حدث، هو أن كل المفاوضين كانوا من "الائتلاف". في وقت كان على جسم المعارضة الأبرز أن يتعلّم نكران الذات والعمل من أجل الثورة لا من أجل ذاته ومؤسساته وشخصياته.


• تحدثت عن خيارات المعارضة، فما هي؟ وما المطلوب منها برأيك؟
* أولاً، يجب إعادة النظر في هيكلية الكتائب المقاتلة من أجل أن نكون قادرين ومهيئين لتسليح أكثر، وهنا يأتي النقد ضد القوى المسلحة. ففي الوقت الذي نحتاج فيه إلى استقطاب الدعم الدولي العسكري لـ"الجيش الحر"، رأينا ما حدث في إقالة اللواء سليم إدريس، التي خلقت حالة انقسام لم نكن بحاجة إليها على الإطلاق.
وأصبح لدينا رئيسان للأركان، وانقسام في المجلس العسكري، وصورة مشوّشة لدى الدول الداعمة حول قراراتنا التي نتخذها. لقد جاء الخصام في "الجيش الحر"، في أسوأ وقت من عمر الثورة. وإقالة سليم إدريس بهذه الطريقة، والعودة عن القرار، وما تبعها من لغط وشد وجذب أعطى انطباعاً بأن المعارضة غير مستقرة.


• ما الحل برأيك، إذاً؟
* الحل الآن يتمثّل بدعوة المقاتلين على الأرض، وقادة الألوية والكتائب للاجتماع، وتشكيل مجلس عسكري جديد. وما حدث في هيئة الأركان، من انقسام وإقالات متبادلة، يدعو لمحاسبة المسؤولين سواء في "الائتلاف" أو في القوى العسكرية، وأول مَن تجب محاسبته هو وزير الدفاع، إضافة إلى كل مَن تسبّب بهذه الحالة.


• كيف تعوّل على إعادة هيكلة الكتائب المقاتلة في ظل التنوّع والتناحر والأيديولوجيات المتضاربة؟
* عندما نتحدث عن توحيد الكتائب، نقصد بها كتائب "الجيش الحر"، أما توحيد المقاتلين جميعهم على الأرض فتبدو مهمة شبه مستحيلة، والتوحيد لا يعني تحويلهم إلى جيش واحد، وإنما تنظيمهم بشكل يسهّل توزيع الأسلحة والذخيرة والتخطيط بشكل محكم على الأرض، ونحن بحاجة إلى تغيير استراتيجية "الجيش الحر"، بحيث تتغيّر استراتيجية الدفاع والمقاومة إلى استراتيجية الهجوم.
اليوم، نواجه الهزيمة على الأرض لأننا فقدنا استراتيجية الهجوم، وبات "الحر" يدافع فقط عن المواقع التي نسيطر عليها، وإعادة هيكلة الأركان لا تعني استبدال شخص بشخص، وإنما إيجاد بنية عسكرية تعيد توزيع القوات.


• هل ترى أن "الائتلاف" يقوم بما يجب القيام به تجاه الثورة عموماً؟
* للأسف، "الائتلاف" لا يزال مقصّراً بحق المتضررين من الثورة، مقصّراً في شؤون الإغاثة واللاجئين والجرحى وأسر الشهداء. على سبيل المثال، علمت أن أسرة الشهيد "أبو الفرات"، لا تزال تعيش في حالة يائسة ولا أحد يسأل عنها، و"الائتلاف" مقصّر أيضاً في متابعة شؤون الطلبة والأطفال الذين لا يعرفون ما هو مستقبلهم. يجب على "الائتلاف" أن يشعر بمسؤولية تجاه السوريين، لكن هذا ليس مجسّداً على أرض الواقع، وهناك تقصير تجاه المقاتلين، بل إن بعض العناصر المقاتلة لا يوجد لديها ما تأكله، ولا ما تقاتل به. "الائتلاف" أثبت أنه غير قادر على القيام بمسؤولياته حيال نكبة الشعب السوري.


• هناك مَن يقول إنه لا بد من تجاوز "الائتلاف" إلى تشكيل معارضة جديده، بعد فشله في تحمل مسؤولياته؟
* أعتقد أن هذا خطأ جديداً يمكن أن ترتكبه المعارضة. تعوّدنا في المعارضة أننا كلما وجدنا إطاراً جديداً، نقوم بحل القديم لصالح إطار أكثر فشلاً من السابق، وهذا حدث بالانتقال من "المجلس الوطني" إلى "الائتلاف"، علماً أن بُنية "المجلس الوطني" وعمله أفضل بكثير من "الائتلاف". وإذا تم الذهاب إلى إطار ثالث للمعارضة فسيكون أكثر فشلاً، إذ لا يمكن أن نتوصل إلى عمل جيد في أي منظمة، إلا عندما تراجع نفسها وتتعلّم من الأخطاء. وهنا يجب إصلاح "الائتلاف" وتغيير بعض الأمور الهيكلية.


• مثل ماذا؟
* مثلاً.. لا يوجد في القانون الداخلي لـ"الائتلاف" ما يوضح لنا آلية اتخاذ القرار. هناك بعض القرارات مرتبطة بالأمين العام، وأخرى مرتبطة برئيسه، أما الهيئة السياسية فهي هيئة استشارية فقط، وهذا عنوان الفشل لأي منظمة، لأنها لا تملك الآلية لاتخاذ القرارات. القرارات بيد شخص أو شخصين، كما لا يوجد إطار للمحاسبة.
كل القوانين الداخلية في "الائتلاف"، أو بالأحرى بُنيته، صُنعت بحيث لا يكون هناك قرار جماعي، وصُنع بطريقة ألا يسير إلا عبر شخص واحد. وعندما حاولنا إصلاح النظام الداخلي وجدنا أن هذا النظام وضع بآلية لا تقبل أيّ إصلاح. الفشل ليس نتيجة الأشخاص وإنما نابع من آليات العمل وتنظيمه واستخدام القوى والطاقات. تصوّر أن هناك شخصين في "الائتلاف" يتحكمان بكل شيء، يذهبان ويقرران ويتصرفان حتى بالمال كما يريدان. هذا ليس ائتلافاً، بل مؤسسة مبنية لاختطاف "الائتلاف".


• زرت موسكو أربع مرات، هل لمست متغيّرات في الموقف الروسي؟
* التقيتُ وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أربع مرات، وكان أطولها اللقاء الأخير لمدة أربع ساعات. الذي تغيّر في الزيارة الأخيرة أن موسكو تخلت عن القرار 2118 بشكل صريح، وهو ينص على تشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات، إلا أن لافروف قالها صراحة: الأفضل أن تناقشوا بيان جنيف-1، نقطة نقطة، وتضعوا لجاناً على كل نقطة.
وهذا ما يريده النظام السوري، لتحويل المفاوضات إلى مفاوضات ماراثونية ليس لها آخر. والنتيجة أن كل هذه المفاوضات تكون ضمن الاعتراف بشرعية النظام. في الاجتماع الأخير مع لافروف، بدا واضحاً أنه ليس في ذهن الروس الانتقال السياسي، ويعتقدون أن بإمكان النظام الانتصار على الأرض.


• وماذا عن الموقف الأميركي؟
* الولايات المتحدة الآن في موقف محرج، فهي لا تزال تضغط على النظام لتسليم الترسانة الكيماوية التي أوقفت من أجلها الضربة العسكرية، في حين أن النظام، على ما يبدو، ما زال يخفي بعض هذه الأسلحة. كما أنها محرجة من أن النظام، وبعدما وافق في مجلس الأمن على القرار 2139 المتعلق بوقف القصف بالبراميل المتفجرة ومرور المساعدات الإنسانية، لم يطبّق شيئاً من بنود القرار.
أميركا محرجة لأن روسيا تخطت كل المبادئ التي تتحدث عن سيادة الدول واحتلت القرم، ومحرجون لأنهم لم يحققوا شيئاً في مسار عملية السلام، وأخيراً لأن "جنيف-2" انتهى دون نتائج تذكر.
الروس ضحكوا على الأميركيين بكل الملفات (الكيماوي ـ جنيف ـ أوكرانيا). أميركا، الآن، بحاجة لعمل ما لإنقاذ مصداقيتها في العالم، وهي بحاجة لأن تثبت لروسيا وللنظام السوري أنهم ليسوا هم مَن يفرضون على العالم ما يريدون.


• ما هو الرابط بين الأزمة السورية والأوكرانية؟
* الأزمتان تتراكمان في ميزان العلاقات الدولية لزيادة خوف الغرب من روسيا، التي كانت تبرر مواقفها في مجلس الأمن بخداع الغرب لها في ليبيا والعراق، أما الآن، فنحن نشهد الحالة المعاكسة؛ الغرب والأميركيون يقولون إن روسيا خدعتهم في سوريا وأوكرانيا وهي تردّ بالمثل.


• شهدت العلاقات السعودية ـ القطرية توتراً في المرحلة الأخيرة، كيف سينعكس ذلك على الثورة السورية؟
* تأثرت الثورة السورية بهذا الخلاف، وأوّل التأثيرات أن هاتين الدولتين الداعمتين للثورة، بدأتا تنشغلان بقضايا داخلية، بدلاً من التركيز على الشأن السوري. وعلى مدار الثورة، كنا نقول بضرورة التنسيق بين الدول الداعمة للثورة لصد محور: (إيران ـ روسيا ـ العراق ـ حزب الله)، وهذا التوتر في العلاقة يعني أن الثورة السورية تخسر الكثير، وهنا يجب على السوريين ألا يستخدموا كأداة في الصراع على حساب قضيتهم.


• بدا الموقف المصري مريباً من الثورة السورية، كيف تقرأ موقف القيادة الجديدة الآن؟
* معاملة السوريين في مصر وفرض التأشيرة على الهاربين من ويل النظام، توحي أنه ما من ترحيب مصري ولا قبول للثورة السورية، بالرغم من أن وزير الخارجية المصري، نبيل فهمي، يؤكد في كل مرة على التزام مصر وإيمانها بقضية الشعب السوري، لكنني أعلم أن وزارات الخارجية لا تسيّر سياسات الدول. وبكل الأحوال، أنا أؤمن أن الشعب المصري والكثير من المسؤولين في الدولة، وخصوصاً الجيش، مع الشعب السوري، ويمكن أن يكون ثمة علاقات بين الأجهزة الأمنية المصرية والسورية، لكنه ليس واضحاً.


• هل تخشى على بنية النسيج الاجتماعي السوري من التطرف؟
* أعتقد أن المجتمع السوري لفظ تنظيم دولة الشام والعراق الإسلاميّة "داعش" وأفكاره، ليس لأنه معتدل وضد التطرف فحسب، وإنما لأن سلوك "داعش" لا علاقة له بالإسلام، خصوصاً إعدام الأطفال والتعذيب والمقابر الجماعية، التي لا تنتمي إلى الإسلام ولا الأخلاق. السوريون ثاروا وضحّوا من أجل حريتهم وكرامتهم، وضحّوا بكل شيء للتخلّص من الذل وانتهاك الكرامة، فهل بعد كل هذه التضحيات ضد أسوأ نظام في العالم يمكن لـ"داعش" أن تسيطر عليهم؟