سورية والديمقراطية

2006-09 :: الحوار

ترجمة :

بدر خان علي


الدكتور برهان غليون مفكر و باحث سوري معروف على صعيد العالم العربي عموماً وهو من مواليد مدينة حمص السورية 4519م، أستاذ علم الاجتماعي السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس، دكتوراة الدولة في العلوم الإنسانية وأخرى في علم الاجتماع السياسي. واضع العديد من المؤلفات بالعربية والفرنسية أهمها:
¬ بيان من أجل الديمقراطية، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات- مجتمع النخبة، ¬اغتيال العقل، ¬نظام الطائفية، من الدولة إلى القبيلة، الوعي الذاتي، ¬ مابعد الخليج أو عصر المواجهات الكبرى، نقد السياسة الدولة والدين، المحنة العربية الدولة ضد الأمة، حوارات من عصر الحرب الأهلية،¬ حوار الدولة والدين مع سمير أمين، العرب ومعركة السلام، العالم العربي أمام تحديات القرن الواحد والعشرين،¬ ثقافة العولمة مع سمير أمين، النظام السياسي في الإسلام مع سليم العوا، العرب وتحولات العالم، الاختيار الديمقراطي في سورية، العرب وعالم ما بعد 11 سبتمبر ،إضافة إلى العشرات من المؤلفات الجماعية ومن الدراسات والتحليلات السياسية والاجتماعية المنشورة في المجلات العلمية والصحافة اليومية بالإضافة لكتب عديدة باللغة الفرنسية.
عضو في الجمعية الدولية لعلم الاجتماع، عضو في الرابطة الفرنسية للدراسات العربية، عضو في هيئة تحرير مجلة الشعوب المتوسطية،عضو في هيئة تحرير كونفلونس ميديبرانيين (روافد متوسطية)، باريس
عضو في هيئة تحرير الدراسات الشرقية، باريس.....
• في هذا الحوار الذي نجريه معه لا يتسع المجال للحديث عن جميع القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية التي يشتغل عليها باحثنا الكبير ، فقط سنحاول إضاءة بعض الجوانب التي لها راهنية سياسية حالياً وما يدور في أوساط الجماهير والنخبة في سوريا، سبق وأن تطرق الدكتور غليون لبعضها في مقالاته وكتابه الهام"الاختيار الديمقراطي في سوريا" الذي يعد وبحق دليلاً سياسياً ومعرفياً للحركة الديمقراطية السورية.....


* الأستاذ برهان غليون،نرحب بكم على صفحات مجلة "الحوار"، نشكرك جزيل الشكر على منحكم فرصة اللقاء من وقتكم الثمين... ولنبدأ معكم من عبارة لكم عشية أحداث 11 أيلول الإرهابية في أمريكا مازلت أتذكرها، كتبتم حينها في جريدة الحياة تقولون بأن تبرؤ الرأي العام العربي من الإرهاب موقف طفولي... وفي موضع آخر كتبتم: أسامة بن لادن، قبل أن يكون صنيعة المخابرات المركزية الأمريكية، رجل منا وقد صنعته نظمنا الاجتماعية...أين هي مسؤولية الشعوب العربية والإسلامية من المد الأصولي التكفيري و التدميري في المنطقة؟
* ينبغي تصحيح العبارة هنا. عندما نقول مسؤوليتنا فنحن لا نقصد الشعوب بالمطلق لأن هذا لا معنى له، إنما نقصد مسؤولية المؤسسات التي أقمنا عليها اجتماعنا، كما نقصد الاختيارات الكبرى التي اعتمدتها النخب الاجتماعية المسيرة للمجتمع والموجهة له على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية معا. فهذه المؤسسات والاختيارات التي تمثلها والتوجهات التي تفرض عليها من قبل النخب هي التي تحدد إطار عمل الشعوب والأفراد، وغاياتهم وأساليب عملهم واختياراتهم المحتملة ووسائل تحقيقهم لغاياتهم. وإذا فسدت المؤسسات أو فسدت الاستراتيجيات التي تسيرها، فسد المجتمع نفسه، فسار نحو الصراع أو العنف والاستثمار في القيم السلبية، أو نحو الفوضى والاقتتال. فالشعوب محكومة بمؤسساتها والمشاريع الجمعية التي تندرج فيها والقيم التي تحركها، وليس بموروثها البيولوجي أو الثقافي. ولا ينبغي أن نتردد في تأكيد فساد مؤسساتنا، وأكاد أقول جميعاً، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية معاً. وهذا الفساد هو المسئول في الوقت نفسه عن تحويل البلدان إلى مزارع إقطاعية يعبث بها أمراء من دون ثقافة ولا ضمير، حسب أمزجتهم الشخصية، خارج أي مفهوم للسياسة والقانون والدين والأخلاق والإنسانية. بقدر ما هي مسؤولة، أعني المؤسسات الفاسدة، عن تفجير ينابيع الحقد والانتقام وإرادة تدمير المجتمع والانقلاب عليه، لدى فئات لم تعد تحتمل النظام، ولكنها لا تعرف وسائل ولا طرقا أخرى لمواجهته غير ما يستخدمه هو ضدها. حركات التمرد والانتقام والعصيان وحمل السلاح هي الابن الشرعي لنظم العسف والفساد والإهانة والطغيان. ومصيرهما معلق واحده بالآخر.


* هناك مفارقة كبيرة تبدو لي عند الحديث عن الديمقراطية في سوريا، فللوهلة الأولى يبدو وكأن هاجس الانتقال/التغيير الديمقراطي في سوريا هو"مالئ الدنيا وشاغل الناس" في حين أن أغلبية الشعب السوري لا تكترث لهذه القضية التي تبدو مركزية في خطاب المعارضة السورية(الذين ليسوا سوى مجموعات الصغيرة نجت بأعجوبة من مذبحة السياسة حسب تعبيركم في "الاختيار الديمقراطي")، ناهيك عن تخوف قطاعات واسعة هنا في سوريا مواطنين عاديين وناشطين في حقل الشأن العام من أن البديل القادم للنظام القائم حالياً سيكون إما الفوضى(الحرب؟؟!!!) الأهلية أو إسلام سياسي متشدد(استبداد ديني إسلامي مذهبي الطابع) أو مندوبي حكومات غربية(عملاء)..... ما بين اللامبالاة الشعبية و"الحيادية السلبية" لآخرين وعداء الكثيرين للديمقراطية من جهة وحماس النشطاء السياسيين والمثقفين الوطنيين لشعار الديمقراطية من جهة أخرى..، هل هو "الخوف والهروب من الحرية" بتعبير إريك فروم، الساكن في البنية الثقافية والسيكولوجية لإنساننا المُستعبَد هو الذي يقف خلف هكذا مواقف؟! وكيف يمكن تعزيز ثقة الناس بقبول عقد اجتماعي سياسي جديد يؤسس لسورية المستقبل بدلاً من نظام الاستبداد والفساد والتفكك الاجتماعي والانهيار الاقتصادي؟
* سكوت الناس وشلل إرادتهم لا يرجعان لخوفهم من الحرية، كما يخاف الأسير الذي اعتاد الأسر من الخروج من قفصه. ربما كان الأمر أعمق من ذلك. فالشعوب العربية والإسلامية لم تعرف الحرية، ولا اختبرت ممارستها، بالمعنى السياسي والمدني الحديث الذي نستخدمها به اليوم، أي من حيث هي حقوق وممارسات فردية ومشاركة في تقرير الشؤون العمومية. فهذا المعنى هو ثمرة الحداثة السياسية التي جعلت الشعب مصدر السلطة وأسست لشرعية شعبية للسياسة، أي انتخابية ديمقراطية، بعد أن كانت شرعية ملكية تبقيها حكراً على الحاكم الملك أو السلطان. وباستثناء فترات قصيرة ومتقطعة لم تعرف مجتمعاتنا حياة سياسية ديمقراطية فعلية ولا سنحت لها الفرصة لتمثل قيم الحرية بمعانيها المدنية والسياسية. بقينا ننظر إلى الحرية من منظار الشريعة والعرف أي بوصفها صفة الشخص غير المملكوك من غيره، أي عكس العبد والرقيق. ولذلك لا يبعث الحكم الديكتاتوري مهما استمر وبالغ في تعسفه على الشعور بانعدام الحرية، فنحن نبقى من الناحية الشرعية أحراراً، ولا يثور الرأي العام ضده إلا عندما يرتبط بالظلم، فلهذا الأخير مدلولاً واضحاً وسلبياً في الثقافة والوعي الإسلاميين. بل إن الديكتاتورية لا ترى كديكتاتورية، ولا تعبر هذه اللفظة عن شيء مهم في الوعي السائد العام. إن المدلول الديكتاتوري يجد تجسيده في مصطلحات التعسف والطغيان والفساد. فإذا لم تترافق السلطة المطلقة بالفساد لا نسميها ديكتاتورية، ونتسامح كثيراً مع تغييبها الحريات، بل ربما نظرنا إليها كسلطة ايجابية إذا ارتبطت بالتطبيق الدقيق للشريعة أو القانون واحترمت قاعدة الإنصاف في تعاملها مع الأفراد فلم تميز بينهم. وهذا هو مضمون النظرية الشهيرة للعادل المستبد الذي كان يطالب به المصلحون الكبار في العصور الإسلامية، بما في ذلك في عهد الإصلاح الديني الأخير في أواخر القرن التاسع عشر. وأعتقد أن أغلبية النخب العربية والإسلامية لا تزال تعتقد حتى اليوم، بسبب عدم ثقتها بالشعب وجهلها العميق بمعنى الحريات المدنية والسياسية هي نفسها، بأن حكم المستبد المستنير خير من حكم الديمقراطية الذي ربما أتى بحكومات تقليدية معادية للحداثة والتجديد.
والواقع أننا لم نعرف في مجتمعاتنا معنى السياسة الحديثة من حيث هي مشاركة لجميع أعضاء المجتمع في تقرير الشؤون العمومية. لقد كنا معتادين، مثلنا مثل شعوب العالم جميعاً في القرون الوسطى، على تسليم أمرنا لأسيادنا، ملوكاً أو أمراء أو أعيان، في الشؤون العمومية، شؤون الحرب والسلام والحكم والقضاء، وربما حتى الآن، بينما نعتمد في تنظيم شؤون حياتنا الخاصة في كل ما عدا ذلك على تقاليدنا الدينية أو العرفية أو الاثنين معاً.
من الطبيعي في هذه الحال أن لا يحرك شعار الحريات الفردية، الذي يعني المشاركة في تقرير الشؤون العمومية، الأغلبية الشعبية التي لم تؤمن يوماً أن من حقها التدخل في ما هو من اختصاص الأعيان. بل ربما كان مثل هذا الشعار سبباً في تنفيرها من السياسة لأنه يبدو وكأنه شرك تستخدمه النخب السياسية المثقفة والحديثة لدفعها إلى الوقوف في مواجهة السلطة وتعريضها لانتقام هذه الأخيرة العنيف. وحتى أولئك الذين استبطنوا معنى الحرية الفردية، وهم أقلية، لا يتجرؤون على المطالبة بها لأنهم يدركون أنه لا أمل في تحقيقها في النظم السياسية العربية الراهنة، وأن المجاهرة بها يمكن أن تعرضهم لانتقام الحكام تماماً كما كان الأقنان يتعرضون للموت إذا اعترضوا على سياسات أسيادهم الإقطاعيين أو ارتفعوا بتفكيرهم إلى مستوى مناقشة أحكامهم السيادية.
لكن القول أن قلة من النخب السياسية والثقافية الحديثة هي التي تملك الحس العميق بمعنى الحريات الفردية، بقدر ما تطمح إلى المشاركة السياسية، والمعاملة على قاعدة المساواة ورفض العبودية، لا يعني أن قضية الحرية لا تعنى إلا النخب المثقفة الاجتماعية والسياسية، ولا تفيد غيرها. إن إقامة نظام مدني قائم على احترام الأفراد ومشاركتهم جميعاً في الحياة السياسية، وتطوير وعيهم المدني وتعميق شعورهم بالمسؤولية عن مجتمعهم وما يحصل فيه، عن حالته وتقدمه ومستقبله ومصيره، لا يشكل اليوم النظام الوحيد القادر على بناء جماعة سياسية حية وفاعلة ومبدعة فحسب، قادرة على التفاعل والتعاون والتواصل مع المجتمعات المحيطة بها والدفاع عن نفسها ومصالحها. إنه يشكل أكثر من ذلك شرط ولادة مفهوم المصلحة العمومية، أي نشوء رؤية وطنية تساعد الفرد على النظر أبعد من مصالحه الشخصية المباشرة ليأخذ بالاعتبار مصالح الآخرين أولا، وليضع مصلحته الفردية ضمن قاعدة القانون الذي يشكل مصلحة عمومية، لأنه لا بقاء للمجتمع من دونه، ثانياً. نظام الحرية هو وحده الذي يمنع من استفحال الأنانية البغيضة وما يرتبط بها وتنميه من قيم الوصولية والانتهازية والمحسوبية، أي يخلق داخل كل فرد وعيا بأنه جزء من كل، وأن الحفاظ على توازن الكل الاجتماعي وانسجامه هو شرط لاستمراره في تحقيق مصالحه الخصوصية. وليس هناك أكثر دلالة على ذلك مما نشهده من ارتباط واضح داخل النظم الاستبدادية بين إلغاء الحرية وانعدام المسؤولية وسيطرة المصالح الأنانية التي تتسبب في تدمير المؤسسات وتعميم الفساد والظلم والاقتتال معاً.
أما تأسيس عقد جديد ينقل المجتمع من الديكتاتورية والفساد نحو حياة ديمقراطية حقة فهو مرتبط بمجموع العملية التحويلية التي نسميها معركة الديمقراطية. وهي في نظري معركة تاريخية تستدعي الاستثمار الفكري والسياسي والاجتماعي والأخلاقي والاقتصادي الطويل، الذي يتطلب جهداً متواصلاً وإرادياً كبيراً من قبل النخب الاجتماعية وفي طليعتها المثقفون، تتناقض كلياً مع الانقلابات العسكرية التي عرفناها في السابق، ولا تقتصر على انتظار انهيار النظام الاستبدادي أو الانقلاب عليه. إنها ترتبط بإعادة بناء الوعي ومنظومة القيم وترميم قنوات التواصل والتفاعل والتضامن بين أفراد المجتمع، وقبل ذلك، بين أفراد النخبة الاجتماعية. ومن دون ذلك لن يجلب الانقلاب على الوضع الاستبدادي إلا وضعاً استبدادياً آخر شبيهاً به أو قريباً في صورته منه. فالديكتاتورية ليست انعكاساً لإرادة شخصية من قبل القائمين عليها، حتى لو ظهرت وكأنها كذلك، ولكنها قائمة على شروط موضوعية وذاتية ومرتبطة ببيئة فكرية وثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية أيضاً. فشبكات المصالح الأنانية وما تتميز به من بنيات خاصة، هي التي تخلق المستبد الحاكم بأمره، وليس العكس. لذلك إن الخروج من الديكتاتورية لا يتحقق إلا بتغيير يشكل جميع الأفراد ومستويات الحياة الاجتماعية، فهو مسؤولية الجميع، وفي مقدمتهم النخب الاجتماعية. والطريق إليه هو تربية الناس وكل فرد على مبادىء المسؤولية، أي إدراك ترابط مصالح الفرد الخاصة بمصالح الأفراد الآخرين، واستعداده للمشاركة في حمل المسؤولية. بل إن الديمقراطية ليست شيئا آخر سوى مشاركة الجميع في تحمل مسؤولية تقرير مستقبلهم المشترك. إذا وصلنا إلى هذا الموقف ونمينا هذا الاستعداد عند الأفراد أصبحنا واقعاً، أو من حيث الواقع، مجتمعات ديمقراطية. فقاعدة الاستبداد الكبرى ومورده هو الاستقالة السياسية، أي التخلي عن المسؤولية وتحييد الفرد لنفسه عن التفكير والعمل في الشؤون العمومية.


* ثمة التباسات عديدة حول مفهومي الديمقراطية والليبرالية نظرياً وإجرائياً وقد توسعتم في هذا الموضوع....في حين أن نقاشاً مشابهاً دار حول العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية في سوريا... هل صحيح أن العلمانية يجب أن تطرح الآن بالترافق تماماً مع الديمقراطية أم أن العلمانية كمطلب سياسي واقعي عند البعض وشعار براق بلا روح ومضمون ثقافي ديمقراطي عند آخرين، يجب أن يؤجل لمصلحة أولوية إقامة نظام ديمقراطي أولاً...؟
* لا ديمقراطية من دون "علمانية"، أي من دون قبول الأفراد بمبدأ الاحتكام للرأي في تقرير كل ما يتعلق بالشؤون العمومية، بما في ذلك في القوانين والتشريعات التي تحكم النظام الاجتماعي. إذا فرض فريق على المجتمع مبدأ آخر غير الرأي في معالجة الشؤون العمومية، لم تعد هناك ديمقراطية وإنما نظام مرهون بالنصوص المقدسة التي يحتاج تفسيرها إلى تفاهم واتفاق مسبق بين جميع أصحاب العقيدة الدينية الواحدة، وهو أمر مستحيل لأن الاختلاف في التأويل هو جوهر الحياة الفكرية، وهو واقع الحال اليوم في كل مجتمعات العالم وجماعاته الدينية. ولا أعني هنا بالنصوص المقدسة الإلهية منها ولكن المنزلة من قبل الحكام الذين يؤلهون أنفسهم أيضاً، حتى لو وسموها باسم العلمانية، كما حصل مع النظم الشيوعية. فقد كانت قوانينها توصف بالعلمية، أي التي لا تخطيء، والتي لا يمكن أن يكون موقفنا إزاءها وإزاء منتجيها من العباقرة الأفذاذ، إلا موقف التسليم والاقتداء. ونستطيع أن نقول الشيء نفسه تجاه بعض الترسيمات القومية التي يعتبرها أصحابها ثوابت لا تناقش ولا يمكن للمواطنين، قلة كانوا أم كثرة، التشكيك في صلاحيتها أو حتى طرحها على النقاش.
لكن تأكيد هذا المبدأ أو التوقف عنده لا يحل المشكلة أبداً. ذلك أن الاستخدام السياسوي، والتعبئة التي حصلت في الصراعات الطويلة السابقة بين الأحزاب والفرق السياسية المتنازعة، قد غيرا معنى العلمانية، بالمفهوم الذي ذكرته للتو، أي إنزال كل ما يتعلق بتنظيم المجتمع من قواعد ومؤسسات ومبادئ وقيم، إلى مستوى الرأي والقبول بتعريضه لنار العقل الكاوية. فأصبح البعض ممن يدافع عنها يطابق بينها وبين نزع الدين السماوي من المجتمع أو السياسة بمعنى النشاط الاجتماعي اليومي، وأخذ البعض الآخر ينظر إليها في مواجهة الفريق الأول على أنها مرادفة للكفر والتخلي عن الدين وأي إيمان واعتقاد، أو على الأقل تحييد الدين من حيث هو التزام عقائدي وأخلاقي، عن الحياة العامة، وبالتالي الانحطاط بالإنسان الآدمي في نظر هؤلاء إلى مستوى البهيمية. هكذا صارت العلمانية سلاح أولئك الذين يريدون وضع حد لنفوذ الدين السماوي وما يرتبط به من تقاليد محافظة في المجتمع، وصار التشهير بها وتشويه معناها وربطها بالدعوة إلى انعدام الدين والأخلاق ومساواة الإنسان والحيوان سلاح أولئك الذين يريدون تطبيق الشريعة الدينية وإقامة السلطة العادلة والأخلاقية. وشيئاً فشيئاً تحولت إلى مصدر إضافي للنزاع والصدام وسوء الفهم والقطيعة داخل قطاعات الرأي العام بدل أن تكون إطاراً لتجاوز اختلافاتهم العقائدية، لا إلغائها، في سبيل توحيد كلمتهم وإرادتهم السياسية. وعمل تشويه معنى العلمانية وإفساد مضمونها ودلالاتها عبر هذه المعركة السياسية والاستخدامات الأداتية على إساءة سمعتها، وقاد إلى تحييدها من النقاش السياسي، أو استبعادها الإرادي من قبل قسم كبير من أصحاب الرأي الديمقراطي والقومي، لتجنب النزاعات العقائدية الثانوية، والاحتفاظ بأمل توسيع قاعدة التفاهم بين الأطراف والتيارات الاجتماعية على اختلاف فلسفاتها، خاصة بعد فساد المصطلح واختلاط مدلولاته. وهو ما كانت الحركة الوطنية قد فعلته منذ بداية القرن التاسع عشر عندما رفعت شعار الدين لله والوطن للجميع، من دون أن تغامر بفتح النقاش النظري الضروري لتأصيل المصطلح وتأسيسه في الفكر والثقافة العربية الحديثين. فبقي لذلك عائماً ومائعاً من دون معنى واضح ولا مدلول دقيق، وبالتالي موضع نزاع مستمر.
ليس هناك حل لهذا الاختلاط الهائل الذي ارتبط بمفهوم العلمانية وصبغ طريقة تعامل الأطراف السياسية المختلفة معه، وتحميله معاني متباينة ومتناقضة تكاد تقضي عليه، إلا بالعودة إلى الموضوع والقبول بفتح النقاش المعلق أو المؤجل منذ عقود حول العلمانية وإعادة تعريفها وتحديدها، في إطار بناء ثقافتنا السياسية الديمقراطية الجديدة المنشودة. فإذا حررنا معنى العلمانية من استهداف الدين السماوي خصوصاً، كما أوحت به أو نشرته بعض العقائديات الماركسية واليسارية والتحديثية عموماً، واستبعدنا التأويلات اللا إنسانية واللا أخلاقية التي درجت عليها ولا تزال بعض التيارات السلفية الإسلامية، لن يبق منها سوى ما ذكرناه. أعني لن يكون للعلمانية معنى آخر مختلف عن معنى المدنية، بما تعنيه المدنية من أسبقية الاعتماد على الرأي، أي من إخضاع جميع القرارات والأحكام المتعلقة بالشؤون العامة للنقاش الحر والعقلاني بين ممثلي الشعب. والتأكيد على استخدام الرأي وإعمال الفكر في كل ما يتعلق بالشؤون العمومية، أي السياسية، والمجتمع الحديث هو مجتمع سياسي أساساً، لا يمكن أن تنفي الدين ولا حق المتدينين في استلهام القيم الدينية عند صوغهم لآرائهم وأفكارهم السياسية. فليس هناك مبدأ سياسي أو اجتماعي يمكن أن يستبعد الدين أو أن يقرر استبعاده من أن يكون مورداً للأفكار والقيم التي تحرك المؤمنين وتوجه تفكيرهم وأعمالهم وسلوكهم. إن ما يستبعد هو فرض الرأي، سواء أكان من استلهام الدين أو العقل، على الآخرين، وعدم القبول بقاعدة سيطرة الأغلبية على الأقلية. لكن هذه السيطرة لا تعني سوى حقاً مؤقتاً سياسياً، لا يصبح شرعياً إلا بقدر ما تضمن الأغلبية احترام رأي الأقلية، ولا تقوم بما يحرم هذه الأقلية نفسها من التحول، عن طريق النقاش والحوار والنشاطات السياسية والثقافية القانونية، إلى أغلبية سياسية. والخلاصة أن الديمقراطية لا تقوم من دون علمانية لكن العلمانية لا تعني تبني عقيدة لا دينية ولا استبعاد الدين من الحياة العامة ولا تقييد الحريات الدينية. إنها تعنى حياد الدولة ومؤسساتها تجاه الأديان والعقائد وعدم انخراطها فيها أو الاعتماد عليها للتغطية على سياستها غير المقبولة أو لخرق الشرعية الديمقراطية.


* هناك حساسية فائقة لدى البعض من أن أي دعوة للديمقراطية في سوريا تعني بالضرورة سيطرة الإسلاميين المتشددين على نظام الحكم في البلاد...بالمقابل نجد أن الديمقراطية كنظام وثقافة لا تتمتع بسمعة طيبة ورصيد كبير في أوساط الإسلام السياسي بشكل عام....كيف نفسر هذا الالتباس والتناقض وما المخرج من هذه الإشكالية؟
* ليس هناك تناقض بالضرورة. الفرق الإسلامية المتشددة الحديثة يمكن أن تستخدم أساليب حديثة لتحقيق أهداف قديمة. ويمكن أن تستخدم الديمقراطية لبناء سلطة معادية لها. وهي ليست الفرق السياسية الوحيدة التي تفعل ذلك. فالفاشية فعلته من قبل. لكنني لا أعتقد أن الانتخابات الديمقراطية تعني بالضرورة سيطرة الإسلاميين، وأقل من ذلك الإسلاميين المتشددين. ربما كان ذلك محتملاً منذ عقدين. وهو محتمل في مجتمعات تعاني من أزمة وطنية حادة ودائمة كما هو الحال في فلسطين أو في العراق. لكن في الظروف الطبيعية، وفي بلدان تتمتع بالحد الأدنى من الاستقرار لا يطمح الإسلاميون بالحصول على أكثر من ثلث المقاعد في أي مجلس نيابي محتمل، هذا في أحسن الأحوال. لكن لن يحصل المتشددون ربما على خمسة بالمائة كأقصى حد. وأمامنا أمثلة كثيرة في كل الدول العربية التي حصلت فيها انتخابات مثل مصر وبعض دول الخليج والأردن والمغرب الأقصى وحتى الجزائر وتونس. لكن الإسلاميين الذين سيفوزون ليسوا بالضرورة من النوع المنغلق الذي يرفض التفاهم مع قوى أخرى غير إسلامية. فهم يعرفون اليوم أنه ليس بإمكانهم حكم البلاد لوحدهم.
لكن ما هو أهم من ذلك هو أن أي انتخابات تقوم في سياق عملية انتقال مدروسة من حكم الحزب الواحد إلى حكم تعددي لا تقوم ولا ينبغي أن تقوم عبر انقلاب عسكري وإنما من خلال عملية سياسية يتم فيها التوافق بين القوى السياسية على شروط المرحلة الانتقالية، وبالتالي أيضاً على صوغ قانون للانتخابات يراعي مصالح الجميع ويمنع الانفراد أو الإجحاف بحق القوى المختلفة. ويشكل هذا التفاهم ضمانة قوية ضد الانحرافات أو المخاطر المحتملة لسيطرة الإسلاميين. بالإضافة إلى أن مؤسسات الجيش والأمن في جميع البلاد العربية تشكل، كما هو الحال في تركيا، معقلاً للتيارات غير الدينية. وليس من المطلوب حلها للقيام بالانتقال نحو الديمقراطية.
بالعكس، إن تأجيل الانتقال هذا، بما يرافقه من تراكم التوتر والضغط والاحتقان، هو الذي يضاعف من مخاطر الانفجار والانتقال من دون تفاهم نحو حكم تعددي يصبح فيه الأكثر قدرة على تعبئة المشاعر الطائفية هو الحكم في اللعبة الانتخابية. إن ترك الأمور للصدف هو بالضبط الذي يهدد باستلام الإسلاميين المتطرفين بالفعل، وليس تنظيم الانتقال من خلال عملية تفاهم وطني وتحول تدريجي مضبوط ومتفق عليه. والقصد لو كانت هناك إرادة تحول ديمقراطي بالفعل، لحصل ذلك من دون أي مخاطرة. ولكان من السهل جداً التوافق على مراحل انتقالية تمنع أي انزلاق أو انحراف.


* برز نقاش للعلن هذه الأيام حول المشكلة الطائفية في سوريا ، بعد أن أصبح مصير النظام القائم موضع جدال وتساؤل وأذكر أن حزباً سياسياً سورياً كتب ذات مرة أن الطائفة العلوية هي بيد النظام الحاكم وليس النظام بيد الطائفة ...وكتبتم أكثر من مرة أن الطائفية لعنة تلاحق المجتمعات العربية وأن الطائفية عبارة عن سوق موازية، سوق سوداء للسياسة وبأن هناك حرباً اجتماعية خفية دائرة داخل المجتمع السوري منذ عقود.... هل الصورة بهذا القدر من السوداوية؟ أين ذهب الإرث المدني المنفتح والسلم الأهلي لمجتمعنا السوري؟ وأين تنتظم الطائفية في المجال الاجتماعي السياسي السوري برأيكم؟
* لا ينبغي علينا المبالغة في تقدير حجم الطائفية ولا التقليل من مخاطرها أيضاً. الطائفية تلعب دوراً كبيراً في سياستنا اليوم، لكنها ليست خارج السياسية، ولا تأتيها من خارجها، إنها في قلبها، أي في خدمتها. والأطراف التي تستخدم الطائفية ليست طائفية بالضرورة لا في أهدافها البعيدة ولا في اعتقاداتها ولا حتى في سلوكها الرئيسي. إنها تستخدمها للدفاع عن مصالح اجتماعية واقتصادية أو للحفاظ عليها. فهي في جميع الأحوال تابعة للسياسة وللأطراف السياسية. أريد من ذلك أن أقول إذا حصل تفاهم سياسي بين الأطراف المتنازعة، والنزاع القائم في سورية وغيرها هو نزاع سياسي، أي على شكل النظام السياسي وتوزيع السلطة، المرتبط بالضرورة هنا بتوزيع الثروة، بقدر ما إن النظام استبدادي، فمن السهل جداً تحييد الطائفية أو العامل الطائفي واستعادة الفكرة الوطنية وإحيائها لتكون مرجعاً لجميع الأفراد بصرف النظر عن أصولهم المذهبية.
لكن إذا أخفق التفاهم السياسي وأصرت الأطراف المختلفة على مواقفها وحاولت القوى المسيطرة على الدولة أن تجعل من التوزيع الراهن للسلطة قسمة أبدية لا يمكن تعديلها ولا النقاش في أمرها، فهذا يعني الحكم بانسداد النظام السياسي وغياب أي قنوات سياسية لتمرير تيارات الضغوط من أجل التعديل بالطرق السلمية. وفي هذه الحالة سيزداد الاقتناع بأن التعديل في نظام السلطة وتوزيعها وممارستها لا يمكن أن يتحقق من خلال القنوات السياسية السلمية وأن الحرب هي المخرج الوحيد للأزمة. ومتى ما ترسخ منطق الحرب والمواجهة أصبحت الطائفية هي الغالبة على تفكير الجميع، لأن التعبئة الطائفية تصبح الطريق الوحيد لتشكيل قوى قادرة على خوض الحرب أو على منع الخصم من الانتصار فيها. الطائفية ليست السوق الموازية في السياسة فحسب ولكنها البديل الطبيعي للسلم الأهلي. إنها منطق الحرب والمواجهة والاقتتال. لا تصبح ولاءً غالباً عند الأفراد إلا عندما ينهار صرح السلام الأهلي القائم على السياسة، أي عندما ينهار الإيمان بالحلول السياسية لتغيير ما يعتبره جزء كبير من المجتمع حال من الظلم والإجحاف والتمييز الفاحش الذي يستحيل الاحتمال.
ومن هنا، بالرغم من كل ما نشاهده على الساحة العربية أستطيع أن أقول أن حل الأزمة الطائفية أو تجاوزها قائم وممكن في أي لحظة. يكفي تشغيل القنوات السياسية وتجديد الوسائل وأساليب العمل والحلول التفاوضية بين الأطراف الاجتماعية، أي حل أزمة الاحتقان والانسداد السياسي، حتى ينزع فتيل القنبلة الطائفية. الأمر بهذه البساطة.


* القضية الكردية كجزء من وضع إقليمي بالغ التعقيد حيث تداعياتها باتت تطرح بقوة على دول المنطقة تركيا-سوريا-إيران وللعراق وضع مميز في هذا المجال.فيما لو نظرنا إلى المسألة الكردية من منظار شمولي أي قومي كردستاني على مستوى "إقليم الشرق الأوسط" ما هي آفاق حل هذه المسألة التي تخص حوالي أربعين مليون من البشر، تجمعهم مشاعر وثقافة وأحلاماً مشتركة وماضي وتاريخ مشترك. ويبدو أن الدولة القومية الكردية ليست مطروحة على الأجندة الكردية والإقليمية والدولية، برأيكم كباحث في اجتماع المنطقة، هل هناك أي حل سياسي ممكن عدا ما تطرحه الكثير من القوى السياسية الكردية على أساس أن حل القضية الكردية يتم في إطار البلد المعني؟
* يخطئ الأكراد إذا تجمدوا في مواجهة حل المسألة القومية على مفهوم الدولة الكردية الواحدة ووقفوا عنده فحسب. وهو الخطأ الذي وقع فيه العرب من قبل فلم ينجحوا لا في بناء دولة ولا في بناء أمة متضامنة ومتعاضدة. القومية لا تتجسد بالدولة وحدها، لكن قبل ذلك في الوعي وفي الثقافة وفي بناء العلاقات الاجتماعية على أسس قانونية وإنسانية. إعادة بناء المجتمع الكردي أو الأمة الكردية من منطلق الثقافة والحضارة الإنسانية وتحسين شروط حياة سكانها ودمجهم وتطوير علاقات التضامن والتعاون في ما بينهم، أهم بكثير من الدولة، وهو المدخل الضروري لقيام دولة قومية أو وطنية بالفعل. في البلاد العربية دول كثيرة لكنها بسبب استلاب النخب العربية للدولة وتجاهل تربية الشعب وتكوينه تحولت إلى دول إقطاعية لا قومية ولا وطنية.
كانت الفكرة الكلاسيكية القديمة تقول بأن الدولة القومية ضرورية لأنها الإطار الوحيد لانعتاق الشعوب وتحررها. نحن اليوم في مرحلة تراجع وزن الدولة وانحسار فاعليتها في كل مكان مقابل تنامي دور المجتمعات المدنية والمبادرات الخاصة. على الأكراد الاستفادة من ذلك والتعلم من تجارب الآخرين.
لا أعني بذلك أن الأكراد لا ينبغي أن يفكروا في الدولة ولكن أعنى أنهم لا ينبغي أن يرهنوا تكونهم القومي بها، وأن يركزوا كل همهم عليها، خاصة وأنه أصبح لديهم اليوم مرتكزات قوية في الحكم الذاتي الذي يشبه الدولة في العراق. وهناك أمل في تغير في السياسة التركية تجاه الشعب الكردي. وفي اعتقادي، تشكل المشاركة في عملية التحويل الديمقراطي في إيران وتركيا وسورية خطوة أساسية في تحرر الشعب الكردي و إنعتاقه. فسوف يمكن ذلك التحويل الأكراد من تكوين وحدة ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية عميقة عبر الحدود المختلفة ومن ورائها، تجعل من بناء الدولة نفسها تحصيل حاصل، خاصة وأن المنطقة كلها مدانة بالسير في اتجاه الاندماج والتعاون، إذا لم تشأ السقوط جميعها في الفوضى وعدم الاستقرار. هذا لا يعني أنني لا أدرك عمق الشعور بالإحباط عند النخب الكردية التي ينمو لديها طموح عميق وشرعي لتنسم مناصب المسؤولية السياسية وتجريب حظها في ممارسة السياسة المحلية والعالمية.


* باعتباركم تبحثون في الاجتماع السياسي، لماذا لا تعير مراكز الدراسات و البحوث العربية أي أهمية لمسألة التنوع القومي في منطقتنا وبلداننا، ونتج بالتالي إهمال وتقصير واضحين وربما مقصود في كثير من الأحيان للقضية الكردية، مما أدى إلى تكريس صورة كردية عن المثقفين والمفكرين العرب باعتبارهم لا يخرجون عن سياسات الأنظمة العربية إلا فيما ندر. .ما هو دور المثقف العربي تجاه قضية الأكراد التي هي قضية عربية بمعنى من المعاني حسب قول أحد المفكرين العرب؟
* السبب هو العقيدة القومية التي سيطرت على العرب في العقود الطويلة الماضية والتي جعلتهم يتمحورون على أنفسهم ويركزون على مشكلات تكونهم كأمة وكدولة واحدة لدرجة لم يعودوا يرون فيها ما هو حولهم أو داخل مجتمعاتهم من تعدد وتنوع ثقافي أو قومي أو حتى ديني ومذهبي. هذه هي القومية، اعني أن كل فكر قومي يقوم على تجاوز الوقائع الفعلية لتأسيس أسطورة عن الهوية القومية الطبيعية والأبدية. في هذا المنظور يصبح كل حديث عن جماعات أقلية أو تعددية قومية أو مذهبية خيانة للفكرة القومية المحركة وتآمرا على القضية. جميع القوميين ينزعون إلى التقليل من قيمة التمايزات داخل مجتمعاتهم إن لم يتجاهلوها وينكروها. وإذا صعب عليهم ذلك فليس لديهم حل سوى أن يقمعوها. ولا أعتقد أن هذا لا يسري أيضاً على الحركة القومية الكردية في المناطق التي تكون غالبية فيها. الفكرة الديمقراطية وحدها تفتح أفقنا على معرفة التمايزات والتعددية وإدراكها والاعتراف بها وقبولها، لأن ذلك هو الوسيلة الوحيدة لاستيعاب هذه التمايزات و التعدديات في منظور نظام الحرية. بالمقابل ليس هناك لا حاجة للاعتراف بها ولا للتسامح معها في منظور نظام الاستبداد والقمع المعمم على الجميع، أقليات و أغلبيات.


* في سوريا باتت القضية الكردية مطروحة على الصعيد السياسي والإعلامي أكثر من أي وقت مضى، واحتل الشأن الكردي مكانة ملحوظة في النقاش العام والحراك السياسي في البلد. كما اختلفت التصورات حول سبل حلّ المشكلة الكردية، فجاء - على سبيل المثال- في الوثيقة الأولى لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي(الإطار الأساسي للحركة الديمقراطية السورية بما فيها غالبية القوى الكردية السورية):إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في البلاد....على أساس وحدة سوريا أرضاً وشعباً، ما هي تصوراتكم حول أبعاد المسألة الكردية في سوريا وحلّها؟ وما هي حدود هذا الحلّ برأيكم؟
* في السياسة ليس هناك حلول جذرية، لأن أساس السياسة هو التسوية بين المصالح. ولا يمكن للأكراد أن يطمحوا في إطار العمل داخل التحالف الديمقراطي بأكثر مما قدمه لهم إعلان دمشق، أي الاعتراف بحقوق الأكراد الفردية، من حيث هم مواطنين متساوين مع غيرهم من المواطنين، والجماعية من حيث أنهم يشكلون أقلية ثقافية متميزة بلغتها وثقافتها عن الأغلبية. مثل هذه التسوية تسمح للأكراد السوريين بالعمل مع القوى الديمقراطية الأخرى وتضمن لهم مشاركتهم هذه نفوذا في النظام الديمقراطي القادم كما تضمن لهم منذ اليوم تضامن القوى الديمقراطية السورية مع قضاياهم السياسية والاجتماعية والقانونية، وفي مقدمها إزالة الظلم الواقع على عدد كبير منهم بسبب حرمانهم من الجنسية، والاعتراف بهم كأقلية قومية ودعم مطالبهم العادلة في جعل هذه الثقافة معترفا بها والتعامل معها كثقافة شرعية وتأمين وسائل تطويرها وازدهارها.
من الواضح أن هذا الاتفاق هو الأرضية الوحيدة لبرنامج ديمقراطي سوري يضمن في الوقت نفسه حقوق الأكراد الرئيسية ويمكنهم من الحصول على دعم الأغلبية. لا أحد يستطيع أن يمنع أي فريق كردي من رفض هذا الخيار، القائم على العمل في إطار برنامج ديمقراطي سوري، يجمع كل القوى السورية، في سبيل تبني برنامج قومي قائم على المطالبة بالانفصال. وهناك بالفعل من يفعل ذلك. لكنه سوف يخسر دعم القوى السورية من جهة مع العلم بأنه لن يستطيع أن يحقق هدفه، طالما لم يتخذ قرار دولي، وهو لا يزال صعب المنال، كما يدل على ذلك تجنب الحكم الذاتي الكردي في العراق إعلان دولة مستقلة بالرغم من استقلاله الفعلي، بالسماح بقيام دولة كردية تضم أكراد تركيا والعراق وإيران وسورية. وستكون النتيجة عزل الأكراد السوريين عن حلفائهم في الحركة الديمقراطية وتأليب الرأي العام السوري عليهم وتعريضهم للاضطهاد والقمع الأعمى من دون أن تقبل حتى الحكومة الكردية الذاتية في العراق بدعمهم حتى لا تخسر تأييد الولايات المتحدة لها. ولهذا السبب نجد أغلبية الرأي العام الكردي في سورية مع خط الحركة الديمقراطية لا مع خط الحركة القومية الانفصالية.
وهذا هو في نظري الخط الصحيح، وهو لمصلحة الأكراد السوريين كما هو لمصلحة سورية نفسها. إن مشاركة الأكراد في الحركة الديمقراطية هو أفضل ضمانة لهم ولحقوقهم القومية داخل سورية نفسها. ولا أحد يعلم ماذا يخبئ التاريخ. المنطقة كلها على كف عفريت.


-----------------------------------------------------------
مجلة الحوار ، ثقافية فصلية حرة تصدر في سوريا – قامشلي منذ عام 1993م،
تهتم بالشؤون الكردية وتهدف إلى تنشيط الحوار العربي – الكردي.