حول المجتمع المدني. موقع الحوار المتمدن

2007-11-05 :: نادية أبو زاهر

ترجمة :

   نادية أبو زاهر -  الحوار المتمدن 

 

* يوجد جدل فكري كبير حول مفهوم المجتمع المدني، فرغم رواج هذا المصطلح ووجود العديد من المؤلفات التي تعالجه إلا أنه يُعتبر من أكثر المفاهيم خلافية التي لا يوجد اتفاق حول تعريفه ومكوناته ومقومات وجوده والدور الذي من المفترض أن يلعبه، الأمر الذي أدى إلى فوضى في معانيه. برأيك لماذا كل هذه الفوضى حول المفهوم؟
* ببساطة لأن المفهوم مخلوق تاريخي، يظهر ويتطور ويغتني بالمعاني والمضامين ويتحول ويموت أيضا. وهو لا ينفصل في استعماله عن السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية التي ترافق استخدامه من قبل هؤلاء وأولئك. وهذا هو وضع جميع المفاهيم المرتبطة بالعلوم الاجتماعية بشكل خاص. وقد استخدم فلاسفة القرن التاسع عشر وعلى رأسهم هيجل مفهوم المجتمع المدني بمعنى مختلف عما استخدمه غرامشي في مطلع القرن العشرين، وعما سيستخدم به في أواخر القرن العشرين، ثم عن استخدامه اليوم في عصر العولمة. وما نعطي للمفهوم من معنى يرتبط بالحاجات الاجتماعية التي استدعت استحضاره في هذا المجتمع أو ذاك وفي هذا السياق أو ذاك، كما يرتبط بطبيعة الفاعل المجتمعي الذي يتداوله ويوظفه في بناء رؤيته أو تحديد غاياته. لا ينبغي إذن ان نستغرب اختلاف الناس في تعريف المفهوم نفسه أو تحديد مضمونه، ولا في ألا تكون للمفاهيم، بالرغم مما يبدو عليها أحيانا من أهمية مركزية في بلورة فكر أو سياسة ما، من غموض وتشويش. هذا تعبير عن حياتها وكثرة استدعاءاتها من قبل الفاعلين الاجتماعيين واختلاف مطالب هؤلاء ومصالحهم. باختصار، إن اختلاف التعريفات وأحيانا تضاربها هو انعكاس للنزاع حول استملاك المفهوم من قبل الفاعلين المختلفين، سواء أكان ذلك بسبب تنوع مشاربهم واختلاف منظومات قيمهم وثقافتهم، أو بسبب تباين المصالح والغايات، مما لا يخلو منه أي مجتمع إنساني.

 

* تعتقد بأن ما يمكن أن يُطلق عليه مجتمعا مدنيا في العصر الحديث يضم مكونات مثل الجمعيات والنقابات والتكوينات العشائرية والطائفية والقبلية والعائلية، والثقافة والأخلاق والعادات والتقاليد، ويأخذ بعض الكتّاب عليك هذا الأمر معتبرين بأنه لن يعود هناك أي مكونات أخرى في المجتمع غير تلك الموجودة في المجتمع المدني في هذه الحالة، برأيك هل يوجد فرق بين مكونات "المجتمع" عن مكونات "المجتمع المدني"، وأين سيكون الفرق بينهما في هذه الحالة؟

انتقدت بالفعل في بعض كتاباتي القديمة أؤلئك الذين يسعون، من خلال التركيز على الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، إلى إقصاء بعض التنظيمات الاجتماعية الفاعلة في الحياة المدنية وحرمانها من الشرعية بحجة أنها لا تحترم القيم والمباديء الحديثة التي يستند إليها نشوء المجتمع المدني. وكان هدفي أن لا يتحول هذا المصطلح إلى أحد أدوات الصراع الايديولوجي بين التحديثيين والتراثيين الاسلاميين. لكنني لم أكتب أبدا أن التنظيمات العشائرية والقبلية والعائلية تشكل جزءا من المجتمع المدني.
لكن بما أنك تطرحين السؤال، أعتقد أن هناك حاجة للتفكير الجدي بهذا الموضوع.
حسب المصطلح القديم، يغطي المجتمع المدني تلك النشاطات التي تميز حياة الفرد، الخاصة، في مقابل النشاطات والأطر التي تتعامل معه بوصفه جزءا من كل عام، أي الدولة. ولذلك تحدث هيجل عن المجتمع المدني من حيث هو تجسيد للنشاطات الاقتصادية والعائلية وغيرها التي تعبر عن مجال بحث الناس، كأفراد ومجموعات، عن مصالحهم الخاصة، وهذه هي غاية المجتمع المدني ومنطقه، في مقابل ما يميز عمل الدولة من تجسيد لمصلحة عامة أو عليا، تتجاوز الفرد ومجموعات المصالح الخاصة ولا تتداخل معها. ولذلك وضع هيجل بالفعل المجتمع المدني كمفهوم للخاص في مقابل الدولة كمفهوم للعام والعمومي في إطار التطور السياسي والمدني الحديث. وطور غرامشي تحت تأثير الماركسة هذه النظرة بالعلاقة مع مفاهيم الثقافة والهيمنة الخاصة به. ولم يستبعد العائلة ولا الكنيسة أيضا من المجتمع المدني. وهي ليست مؤسسة حديثة ولا تقوم على القيم السمتمدة من الحداثة.
والواقع أن هذه الروابط والتشكلات العشائرية والعائلية والطائفية كما كانت قائمة في الماضي لا يمكن إدراجها تحت مفهوم المجتمع المدني، لأن وجود هذا المجتمع نفسه هو ثمرة لنشوء النظام الحديث أو الدولة الحديثة، وما نجم عنهما من انفصال فعلي وحاسم بين مجال الخاص ومجال العام. وهو ما لم يكن قائما في النظم المجتمعية التقليدية. ولذلك كانت هذه الروابط والتنظيمات تشكل في الماضي جزءا من الدولة التقلدية وبطانة لها، وما كان من الممكن دوام هذه الدولة السلطانية من دونها.
لكنني أعتقد أن من الضروري التمييز بين هذه الروابط كما كانت قائمة في الماضي، وبين الدور الذي كانت تلعبه، وبين ما تمثله وما تقوم به من دور في مجتمعاتنا الراهنة. فهي لم تعد اليوم جزءا من نظام مجتمعي عام، تحدد فيه وظائفه وبنياته، وإنما أصبحت تندرج في نظام مجتمعي او نظام دولة حديثة عموما، مما غير كثيرا من بنيتها وطبيعة عملها ووظائفها. بل يمكن القول إن ما نشهده الآن في هذا السياق هو إعادة تشكيل هذه الروابط وانماط التنظيم الأهلي القديمة على ضوء الحداثة الزاحفة تكيفا أو رفضا. وفي الحالتين فهي تلعب أدوارا لا علاقة لها بالأدوار القديمة التي كانت تلعبها في النظام الاجتماعي. ويقوم الفاعلون الاجتماعيون الحديثون، من نخب متنافسة حديثة وفئات اجتماعية وجماعات قومية أيضا بتوظيفها لتأدية خدمات تدخل في نطاق الصراعات الاجتماعية والقومية والثقافية التي تميز نشوء الدولة الحديثة وترافق توطينها في البلدان الناشئة.
وعندما نقول إنها ليست استمرارا بسيطا أو امتدادا للماضي في الزمن الحديث ولكن إعادة بناء وتشكيل، استفاد من هذا الفصل، النسبي هنا، بين مجال العام والخاص، وأصبح يشكل جزءا من حقيقة مجال الخاص أو غير الرسمي في مجتمعاتنا. لقد أصبحت تعبر عن الشكل الانتقالي الذي اتخذه تشكل المجتمع المدني في إطار حداثة متعثرة، لا تزال هي نفسها في مرحلة انتقالية، بل في أزمة تخبط عميقة لأسباب ليس هنا مجال ذكرها. وهذا يعني أننا إذا رفضنا، بسبب عدم تطابق بنيتها مع ما يشكل بنية مثالية أو نموذجية للمجتمع المدني الناشيء في حجر دولة ديمقراطية حديثة، أن ندرج دراستها ضمن دراستنا لتشكيلات المجتمع المدني، أي أشكال تنظيم هذا المجتمع لمصالحه الخاصة، بمعزل عن الدولة وبإزائها وبموازاتها معا، لن نفهم حقيقة المجتمع الذي نعيش فيه ولا التناقضات العميقة التي تخترقه وتضعف إرادته، بل تكاد تجعله عاجزا عن القيام بدوره في كبح جماح تفرد السلطة العمومية واكتساحها له. ورفضنا الاعتراف بها، أو التبخيس من قيمتها واعتبارها مجرد امتداد للماضي لا يشكل خطأ مهجيا علميا فحسب وإنما خطأ سياسيا كبيرا أيضا، لا بد أن ينعكس في ممارسة النخب الاجتماعية الحديثة، وقد انعكسس بالفعل على شكل تبرير للاستبداد والديكتاتورية. والحال، وهذه هي أطروحتي، ليس هذا التشكل الهجين للمجتمع المدني إلا تعبيرا عن انسداد آفاق الحداثة، وربما خيانتها أيضا من قبل هذه النخب الحديثة، أي خيانة مبادءها للمحافظة على سلطة احتكارية تدمج بين السياسة والعقيدة، تماما كما يمزج المجتمع بينهما على صعيد التنظيمات المدنية. ومن هنا، أنا أعتقد أن تعثر مشروع الحداثة نتيجة لذلك، بما يعنيه من ندرة الرأسمال الرمزي المرتبط بها، أو هدره من قبل لم تستبطن قيم الحداثة السياسية ولا أفكارها، قد دفع الأفراد إلى إعادة تنظيم أنفسهم، في مواجهة الدولة والنخبة المستبدة، أو بالأحرى الدولة النخبة، في إطار روابط، سياسية أو خيرية أو اجتماعية أو أحيانا إقتصادية، تستخدم إلى حد كبير ما تبقى من رأسمال رمزي قديم، وتعيد إحياؤه. لكنها لا تقوم في الواقع إلا بتوظيفه لبناء تنظيمات ذات وظائف ومهام جديدة تماما.
ولا ينبغي أن نستهجن ذلك. فقد حصل شيء من ذلك أيضا في المجتمعات الصناعية وإن كان على نطاق أضيق بكثير لم يؤثر على طبيعة عمل المجتمع المدني الحديث الرئيسي. فالصليب الأحمر منظمة مجتمع مدني حديثة، بالرغم من توظيفها للأفكار والمشاعر الدينية التقليدية، وهي أيضا جزء لا يتجزأ اليوم من منظومة التضامن الاجتماعي والعالمي المرتبطة بالنظام العالمي الحديث، لا وسيلة لنشر المسيحية أو تعزيز سلطة البابوية والكنيسة.
بيد أن الأمر اتخذ في مجتمعاتنا أبعادا لا تقارن ، نظرا لأن صيغة استثمار الرأسمال الرمزي الماضي، والديني منه بشكل خاص، امتد ليشمل الجزء الأكبر من تنظيمات المجتمع المدني، أي من تلبية حاجات التنظيم الذاتي للمجتمع: في وجه الدولة (في حالة استبداديتها)، وبموازاتها ودعما لجهودها (في حالة وجود حياة ديمقراطية سليمة). ولهذا لا يقتصر تشكيل الروابط المدنية عندنا على الجمعيات الخيرية، وهي تقريبا الوحيدة الفاعلة والنشيطة في تأمين التضامن والتكافل الاجتماعي، وإنما تجاوز ذلك نحو الروابط السياسية والثقافية والاجتماعية معا.
يخلق هذا الوضع بالضرورة مفارقات وتناقضات وبؤر توتر كثيرة وأحيانا متفجرة في المجتمعات العربية، بما في ذلك داخل المجتمع المدني ومنظماته أيضا. فالحدود الفكرية والرمزية التي يفرضها بناء روابط المجتمع المدني على مصادر رمزية دينية غالبا ما يضع العمل المدني في طرق مسدودة، أو في تناقضات ذاتية، أو في ما بينها، أو مع المجتمع المدني الدولي، تؤثر لا محالة على اتساق عملها العام، وتقلل من قدرتها على تحقيق المهام المطلوبة، وتشوش على مسار الحداثة الاجتماعية نفسه. لكن بعكس ما يعتقد الكثيرون ، لا ليس التحجر الفكري أو الديني، ولا صلابة التقاليد والعقائد الروحية، هو الذي يفسر تنامي وزن هذه الروابط المدنية الجديدة، المبنية على قواعد تقليدية. إن ما يفسره هو الفراغ الذي يتركه تراجع الدولة الحديثة أو فسادها أو استبدادها من جهة، ولكن أكثر من ذلك، وهذا ليس مفارقة، الفراغ الذي يخلقه أيضا تحلل العصبيات الحقيقية تحت تأثير التحديث ونمو الفردية، وما يعنيه من تراجع فاعلية نظام القرابة العائلية وانهيار الأخوة الدينية الساذجة القديمة.
لا ينبغي أن نفهم من فكرة وضع هذه الروايط ضمن مقولات المجتمع المدني أن علينا أن نكرسها أو نعتبرها أمرا طبيعيا. بالعكس إن هدفها هو إظهار الطبيعة الانتقالية والمتعثرة معا لمسار الحداثة الذي تعرفه مجتمعاتنا، وللتوليفات المعقدة التي ترافق هذا التعثر. فهي تشكيلات هجينة ومؤقتة، تعكس الازمة التي تعيشها هذه المجتمعات، والتناقضات والتوترات العميقة التي تخترقها، على صعيد الدولة والمجتمع المدني من جهة، وداخل كل منهما أيضا. فكما أن عملية الفصل بين مجال العام ومجال الخاص لم تكتمل، فإن الفصل بين الروابط الأهلية، أو العصبيات الجماعية، والروابط المدنية القائمة على اختيارات طوعية للأفراد تعكس قيم الفردية والمسؤولية والاستقلال، يبقى هو نفسه محدودا ومشوشا. لكن هذا هو مجتمعنا المدني اليوم، وتشوش نظمه ومؤسساته وبنياته هو مصدر من مصادر التخبط الفكري والسياسي والاجتماعي الذي نعيشه: على حافة الحداثة من جهة وفي مستنقع التقليد أو خرابه من جهة أخرى.

 

* هناك بعض الكتّاب الذين يميزون بين مصطلح "المجتمع المدني" ومصطلح "المجتمع الأهلي" لكن بالنسبة إليك لا تميل للتمييز بين المصطلحين معتبرا بأن هذا التمييز وسيلة لإنكار شرعية وجود التكوينات والعادات والقيم القبلية أو الطائفية، ويمنع من فهم طبيعة القوى الفعلية التي تحرك المجتمع كمجتمع مدني، وبالتالي من رؤية المهمات التي ينبغي على السياسة في المجتمعات العربية أن تعالجها وتقدم إليها الحلول. برأيك إلى أي درجة استطاعت المجتمعات المدنية العربية، إن كانت موجودة، القيام بدورها؟

* أعتقد أنني أجبت على الموضوع في الجواب السابق عموما. لكن في ما يتعلق بما إذا كانت المجتمعات المدنية العربية قامت بدورها ام لا، فإن الجواب هو أنها، رغم الطبيعة الشاذة أو الهجينة التي تميزها، تقوم بأدوار كثيرة وعديدة، خيرية اجتماعية، وسياسية محسوسة، ورمزية غير محسوسة عموما مثل تقديم خيارات للتماهي أو بناء هوية، مهما كانت وهمية وهشة وضيقة الأفق أحيانا، إلا أنها تحمي الأفراد من العزلة القاتلة. لكنها لا تقوم بالتأكيد بالأدوار التي نريدها أن تقوم بها في سبيل الخروج من الأزمة الراهنة التي تعيشها المجتمعات، وربما كانت تعمل على تكريسها. هذه هي مشكلتها الأولى. كما أن الثمن الإنساني والسياسي لهذه الخدمات مرتفع جدا بالمقارنة مع ما يمكن للمجتمعات المدنية السليمة والصحيحة البنية أن تقدمه لمجتمعاتها.

 

* بعض الكتّاب لا يشترطون العلمانية لوجود المجتمع المدني فيما أن بعضهم الآخر يرى بأن العلمانية شرط لوجوده، إلى درجة أن اعتبر بعضهم بأن العلمانية والمجتمع المدني وجهان لعملة واحدة، ما رأيك حول هذا الجدل بين الكتّاب وأين تقف من هذا الشرط الذي يشترطه بعضهم؟ ولماذا يضع بعض الكتّب هذا الشرط لوجود المجتمع المدني بينما لا يشترطه آخرون؟

* بمعنى ما نعم، العلمانية، أي التجرد عن العصبية الطائفية والقبلية، هي شرط لبناء مجتمعات مدنية سليمة وصحية، أي منسجمة مع الدولة الحديثة المواطنية ومتكاملة معها. هذا هو الوضع المثالي الذي ينبغي أن ننزع إليه ونتجه لإقامته. لكن ما ذا نفعل إذا جاءت الوقائع التاريخية بمجتمعات مدنية مشوهة أو نصف مشوهة، نصف علمانية ونصف طائفية؟ هل نعدمها أم نسعى إلى إصلاحها والحد أكثر ما يمكن من أثارها السلبية؟ هل نغلق مثلا الجمعيات الخيرية المرتبطة بالطوائف الدينية المسيحية والإسلامية، لأنها لا تقوم على رؤية مواطنية إنسانية، ونحرم الناس من فوائدها، أم نأخذ ذلك بالاعتبار ونشجعها على الانفتاح وتجاوز عصبياتها الضيقة، ونسعى في الوقت نفسه إلى ملء الفراغ ببناء جمعيات خيرية تخترق الطوائف والقبائل والعائلات، أو على الأقل نضع السلطات العمومية أمام مسؤولياتها لبناء المستشفيات الضرورية للسكان؟ ثم ألا ينبغي علينا أن نتساءل لماذا لم تنشأ جميعات خيرية ولا منظمات سياسية قوية إلا على أسس القرابة الدينية أو الإتنية أو العائلية؟
يتعلق الأمر إذن بسيرورة تاريخية لا يصلح معها التهديد ولا الوعيد ولا الشجب، وإنما لا بد من كشف أوالياتها وفهمها وتحليلها حتى تمكن السيطرة عليها. لا نستطيع أن نلغي التاريخ وإنتاجه، لأسباب خارجة أحيانا عن إرادة كل واحد منا، لكن ما نستطيع وينبغي أن نفعله هو تفهم الأخطاء التي جعلتنا نغيب عن هذا التاريخ أو أضعفت قدرتنا على التدخل فيه والمساهمة في توجيهه الوجهة التي نريد، وبالمناسبة القيام بما هو ضروري كي لا يعيد إنتاج نفسه، أي كي لا نعيد نحن أيضا الأخطاء التي سمحت بتعثر المسار السابق. وإذا أردنا بالفعل أن ينسجم مسار التاريخ مع تطلعاتنا كمجتمعات، ينبغي علينا قبل أي شيء آخر أن نفكر في هذه التطلعات ونرى في ما إذا كانت هي نفسها متفقة مع المعطيات التاريخية، متسقة وقابلة للتحقيق، وأن نعد شروط تحقيقها ونمهد لها. فما قيمة علمانية نموذجية في سياق مجتمعات تنحدر نحو أصولية مغلقة في شروط حداثة ممنوعة ومجهضة معا؟ أخشى أن تكون النتيجة في مثل هذه الحال هو تحويل العلمانية إلى غيتو تنعزل فيه نخبة مثقفة مثالية، وتعزل المثقفين في الوقت نفسه عن مهامهم التاريخية في قيادة مجتمعاتهم وإخراجها هي أيضا من الغيتوات التي تصنعها لنفسها وتلتجيء إليها هربا من العدوانات الخارجية، الأجنبية والمحلية. ولا يمكنها أن تفعل ذلك إذا ربطت نفسها بهذه العدوانات أو تبنت موقفا محايدا منها وبالأحرى إذا ساهمت فيها وصارت جزءا منها.

* ربط روبرت بوتنام بين مفهوم رأس المال الاجتماعي وبين المجتمع المدني في مقالته :"اللعب المنفرد للبولنج: تدهور رأس المال الأمريكي الاجتماعي" عام 1995، ومنذ هذا الربط بدأ جدل فكري بين الكتّاب حول علاقة المجتمع المدني برأس المال الاجتماعي، كيف تنظر لهذه العلاقة، ولماذا برأيك لا يوجد مثل هذا الجدل في المجتمعات العربية حول العلاقة بين المفهومين كما هي في المجتمعات غير العربية؟

* لا أعتقد أن هناك تطابقا بين المفهومين. المجتمع المدني يستثمر الرأسمال الاجتماعي لكنه لا يغيب فيه، حتى لو كان من الممكن على سبيل المجاز الحديث عن المجتمع المدني بوصفه رأسمالا اجتماعيا كونه ممنتجا هو نفسه أيضا لمثل هذا الرأسمال. فعلى سبيل المثال، لا يمكن إقامة رابطة مدنية فاعلة، مهما كانت أهدافها، إذا انعدمت الثقة بين الأفراد. فالثقة هي رأسمال أساسي لبناء الجمعيات والشركات والأحزاب والتجمعات. وربما كان رأسمال الثقة هذا هو أكثر ما ينقص مجتمعاتنا العربية بالفعل. لكن الرابطة بقدر نجاحها تولد مزيدا من الثقة الاجتماعية. إن نجاح الجمعية الخيرية ونجاح الشركة الاقتصادية المساهمة ونجاح الحزب أو التنظيم السياسي يخلق عند الأفراد المنتمين إليها شعورا أقوى بالثقة بالآخر، كما يخلق نجاح هذه المؤسسات شعورا أقوى بالثقة بالنفس، وبالقدرة على التقدم والإنجاز لدى المجتمع كله الذي تعمل فيه هذه المؤسسات.
لعل أبسط تعريف ممكن للمجتمع المدني يكمن في نظري في اعتباره يشتمل (أي ينطبق او ينبغي أن ينطبق على) كل الروابط والتنظيمات التي تتوسط العلاقة بين الفرد والدولة والتي تقوم على اختيارات طوعية، وتعمل على تعزيز الاتساق والتناغم بينهما، وداخل المجتمع الكلي، سواء أجاء ذلك عن طريق تحسين معادلة توازن السلطات (منظمات المجتمع المدني السياسية والقانونية والحقوقية)، أو حل مشكلات وتناقضات (طائفية، إجتماعية، سياسية)، او ملء فراغ (خدمات عامة، مساعدات، تضامنات)، أو تحقيق مصالح (نقابية، مهنية، فئوية)، أو تنفيذ مهام (ثقافية، إعلامية، تواصلية) لا يستقيم نظام المجتمع من دونها.

* بعد اتفاق أوسلو ظهر على الساحة الفلسطينية لأول مرة لا سيما بين الكتّاب الفلسطينيين جدل فكري حول إمكانية وجود مجتمع مدني فلسطيني أم لا، واشترط بعضهم وجود دولة فلسطينية من أجل وجود مجتمع مدني فلسطيني فيما رأى آخرون أن وجود السلطة الفلسطينية تكفي لوجود،ه وغيرهم رأى بأن المجتمع المدني الفلسطيني تشكّل بعد عام 1967، فيما اعتبر بعضهم الآخر أن المجتمع المدني الفلسطيني وُجد حتى قبل عام 1948، ما رأيك بهذا الجدل حول إمكانية اعتبار وجود مجتمع مدني فلسطيني أم لا في ظل الخصوصية للحالة الفلسطينية بعدم وجود دولة معترف بها ووجود سلطة سياسية تحت احتلال إسرائيلي؟

* هذا مثال آخر على الأوضاع الاستثنائية أو الشاذة الحدية التي تحتاج إلى مرونة فكرية كبيرة لفهمها. هناك بالتأكيد مجتمع مدني فلسطيني لا يختلف عن المجتمع المدني في العالم العربي كثيرا، إلا أنه يعيش في ظروف مختلفة، هي ظروف الاحتلال. فمن جهة تظهر السلطة أقل قدرة من شقيقاتها العربيات على تقديم وسائل التقدم والاندراج في مسار الحداثة الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو العلمية. ومن جهة ثانية أنتج هذا الاحتلال والصراعات الإقليمية المحيطة به حالة استثنائية جعلت المجتمع الفلسطيني مجتمعا مدولا بالمعني الحقيقي للكملة. فهو لا يعتمد في وجوده على المساعدات الاقتصادية الخارجية فحسب، ولكن سلطته العمومية أو الوطنية هي نفسها محصلة توازنات وتسويات إقليمية ودولية إلى حد كبير. وربما كان المجتمع المدني الفلسطيني هو المسرح الرئيسي والأول لتجسيد هذا التدويل. وهذا ينقلنا إلى وجه آخر لموضوع المجتمع المدني في العصر الراهن، هو وجه العولمة الذي يجعل المجتمعات المدنية تستقل بشكل أكبر عن الدول الوطنية، وتحظى بهامش أكبر، في إطار إعادة توزيع الموارد المادية والمعنوية التي تستفيد منها المجتمعات المدنية. لكن لهذا الكسب ثمنه أيضا. فكما أن المنظمات الدولية غير الحكومية تقوم بدور كبير في تمويل المجتمع المدني الفلسطيني وإبقائه على قيد الحياة، يمكن أن تشكل أيضا عامل إعاقة حاسم لنشوء دولة وطنية بالمعني الحقيقي للكلمة. وخير دليل على ذلك الأزمة الوطنية العميقة التي تفجرت عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة وأدت إلى الفصل السياسي بين عزة والضفة العربية على قاعدة القطيعة الحاصلة بين فتح المعولمة وحماس المؤهلنة.

* ظهرت تعبيرات أو مصطلحات جديدة مثل "المجتمع المدني العالمي Global Civil Society" و"المجتمع المدني العابر Transnational Civil Society" برأيك هل هناك إمكانية لوجود مجتمع مدني عالمي في ظل عدم وجود دولة عالمية، وما هو الفرق بين المجتمع المدني العالمي والعابر؟

* نعم يمكن وجود مجتمع مدني عابر للدول من دون وجود دولة عالمية. هذا هو ما ذكرته للتو، وهذا هو الجديد في الواقع. وهو ما يعيدنا إلى الاستطراد على السؤال الأول المتعلق بتعريف العلمانية. فشرط الاستخدام السليم للمفهوم هو أن ننظر إليه كمفهوم تاريخي، متحول ومتطور، لا أن نحصره في الاستخدامات والمعاني السابقة ونشيؤه. فالواقع يتطور وهو أغنى من المفهوم دائما. ولا يستمر مفهوم في الحياة إلا بقدر ما يظهر قدرته على الانفتاح على حقائق الواقع الجديدة، والخروج بالتالي من جلده لملاقاة استخدامات ومعاني مختلفة عما سبق وعرفه من قبل. وهو لا يغتني إلا بقدر ما يقبل أن يستثمر في مثل هذه الأوضاع الجديدة التي تدفع به إلى توليد معاني لم تكن منظورة في السابق. فهو لا يضمن اتساقه النظري والتاريخي إلا أي بقدر ما يخون نفسه أي ينفي ماضيه ليبدع حاضرا جديدا، أي بقدر ما يتحرك مع التاريخ وبموازاته، بدل أن يبقى جامدا ومجمدا له وللفكر الذي يستخدمه. ومفهوم العلمانية لا يزال ينطوي في نظري على إمكانيات تفسيريه كبيرة بشرط أن لا يصادر من قبل هذه الفئة أو تلك لبناء ايديولوجية تبرر بها جمودها وعجزها عن اللحاق بالواقع والتعامل الفعال معه.