حوار حول العراق والعرب والمسألة الكردية

2006-09-11 :: الحوار المتمدن

ترجمة :

عدالت عبد الله - الحوار المتمدن

 

* في مقال لك نَشَرتّه صحيفة الرأي و الذي يحمل عنوان "عندما يصبح الاحتلال تحريراً، نجدك تنحاز ، نوعاً ما، الى كلمة الاحتلال لوصف التواجد الأجنبي على الأراضي العراقية بينما تَعرض بنفسك لنا في مضمون المقال نفسه الاتجاهات العراقية المختلفة لتسمية ما حدث للعراق مع سقوط النظام السابق و ما بعده، و قد فسرت هذا الإختلاف بأزمة الوطنية،.ولكن لنسأل مجدداً كيف ياترى يمكن لنا أن نُعَرّف الوطنية في وطن معين يسمى العراق ؟!، اليس من الأفضل الآن أن يُبَدَل هذا المفهوم بمفهوم المواطنية كما يذهب اليه العالم الاجتماعي الفرنسي آلان تورين لاسيما بعد أن فقد المفهوم الأول و بسبب سياسات التهجير و التطهير العرقي و الطائفي للبعث كل معانيه لدرجة تمتد آثارها و وقعها الى عهد ما بعد صدام ؟

*وجود قوات أجنبية تقوم بتسيير شؤون البلاد بدل السلطة المحلية الوطنية هو احتلال، بصرف النظر عن الظروف التي أدت إلى هذا الاحتلال وأهدافه. وقد احتلت معظم البلدان العربية بعد الحرب العالمية الأولى باسم مساعدة الشعوب على تقرير مصيرها. وسمي الاحتلال وصاية في المشرق وحماية في بعض بلدان المغرب. وكان أيضا مدعما بقرارات دولية وتحت رعاية عصبة الأمم التي اندثرت في ما بعد. بالتأكيد ما تعيشه العراق هو احتلال. لكن يمكن القول إن الذي جر هذا الاحتلال على العراق، والتدخل الأمريكي السافر في شؤونه، هو نظام الاستبداد، بسياساته الداخلية القائمة على القهر والقتل وانتهاك حقوق الانسان بصورة جماعية، وبسياساته الخارجية القائمة على الغطرسة والعدوان والاستهتار بالقيم الانسانية. ووجدت فئات عديدة من المجتمع العراقي، وفي مقدمها الأكراد، لكن ليس وحدهم، فالعرب الشيعة في الوضعية نفسها تماما، أن من مصلحتهم التحالف مع الشيطان للخلاص من الظلم والقهر والعدوان، حتى لو كان داخلي الأصل والمصدر.
ولا شك أن سياسات النظام الصدامي الخرقاء قد قضت على روح الوطنية العراقية، أي الشعور بالوحدة وتضامن المصالح والأهداف والغايات بين مكونات الشعب العراقي المذهبية والقومية. وذلك لأن مصالح العديد منها أصبحت تتضارب مع بعضها البعض في مواجهة النظام وتحت سلطته قبل أن ينفق. وكان هو نفسه قد استغل الانقسامات الداخلية ولعب عليها في سبيل البقاء والاستمرار وتخليد السلطة القائمة. فلم يعد هناك مجال للإجماع على رأي ولا موقف.
والأمر مستمر إلى حد كبير حتى الآن. وفي مكان الوطنية العراقية، أي ولاء جميع مكونات الشعب العراقي للعراق الدولة وعملهم المشترك على دعمها وتعزيز مكانتها وسيادتها وازدهارها، أصبح كل طرف يسعى إلى تحقيق أهدافه الحقيقية الخاصة به وتعزيز مصالحه خارجها أو على هامشها. وهكذا أصبحت كردستان العراق في واقع الأمر دولة قائمة بذاتها، حتى لو لم تكن معلنة كدولة مستقلة، كما أن هناك مطالب قوية عند الشيعة لتحقيق مشروع مشابه تحت اسم الفيدرالية، أي الاستقلال بشؤون المناطق ذات الأغلبية الشيعية عن المناطق الأخرى وإخضاعها لأهداف ومصائر وسلطات مختلفة أو متميزة عن السلطة المركزية العراقية.
لم يعد هناك ما يوحد العراقيين بشتى أصولهم ومذاهبهم حقيقة، وهذا ما أطلقت عليه اسم أزمة الوطنية العراقية. ولا أعتقد أن في الأفق بعد ما يبشر بظهور مخرج من هذه الأزمة. فليس هناك ما يمكن أن يعيد لحم المكونات الرئيسية للشعب العراقي بعد أن اتجه الكرد بشكل واضح نحو بناء قومية، وما يشبه الدولة القومية الخاصة بهم، والشيعة يطمحون إلى ما يشبه ذلك في الجنوب. ولن يغير عنف بعض المنظمات السنية من هذا التباعد المضطرد بين هذه المكونات تحت تأثير جاذبيات كبرى خارجية. وسوف تبقى الأمور معلقة بانتظار ما سيسفر عنه التحول الكبير الراهن في المنطقة، سواء في ما يتعلق بمصير القومية الكردية، أو بوضع الجمهورية الإسلامية ودورها الإقليمي أيضا. ولا يبدو أن الديمقراطية يمكن أن تشكل مركز إجماع أو أن تسد فراغ الوطنية المنفرطة. وهو ما يفسر استمرار العنف بين الطوائف والجماعات المختلفة من تحت رداء العمليات الإرهابية التي تقوم بها عناصر ومجموعات أقلوية لا تمثل بالضرورة إرادة الأغلبية من الطوائف الكبرى.
وبالنسبة للوطنية، كتبت أكثر من مرة أنها ذات وجهين مترابطين ومتفاعلين. الأول هو الحفاظ على السيادة والاستقلال للدولة والمجتمع. ذلك أن دولة خاضعة لغيرها لا يمكن أن تشكل إطارا سياسيا صالحا لانبثاق إرادة شعبية سيدة ومستقلة، وبالتالي لبلورة تشريع مستمد منها يخضع له الجميع طوعا وعن اختيار. وعندما تخضع الدولة لإرادة خارجية يمتنع عليها أن تكون تعبيرا عن إرادة داخلية حقيقية، أي عن إرادة موحدة وبالتالي وطنية. بهذا المعنى الوطنية ترتبط بالسيادة والاستقلال. الوجه الثاني والأهم للوطنية، يتعلق بالمواطنية ويعني تحقيق الدولة شروط الحرية والمساواة والعدالة التي تحول الأفراد من رعايا إلى مواطنين، أي إلى رجال أحرار مسؤولين وقادرين على التعاون في بناء وتسيير الدولة والبلاد التي يعيشون فيها ويقررون بالتساوي مصيرها. وهو ما ينشيء مع الوقت أخوة في الوطنية تضاف إلى الأخوة الدينية أو الأقوامية وتتجاوزها. وكما أن الوطنية لا تنفصل عن المواطنية، لأن السلطة إذا ارتبطت بمصادر خارجية، استبدادية او أجنبية، ولم تصدر مباشرة عن إرادة شعبية، تنزع بالضرورة إلى التمييز بين المواطنين وتقديم بعضهم على بعض، حسب معايير الولاء والخضوع والزبونية. كذلك لا تنفصل المواطنية عن الوطنية، ذلك أن السلطة التي لا تتمتع بالسيادة والاستقلال عن الدول الأجنبية تضطر بالضرورة إلى الانتقاص من حقوق الشعب وحرياته للتغطية على المصالح الخارجية التي تفرض نفسها عليها. وجميع الحكومات العميلة التي تعرفها بلداننا تنحو نحو الديكتاتورية تماما كالحكومات القومية المتطرفة التي تنكر الحقوق والحريات الفردية الأساسية باسم الدفاع عن الحقوق الجماعية في السيادة والقوة والوحدة القومية.
ولعل أصل أزمة الوطنية في البلاد العربية، وفي العديد من البلاد الأخرى أيضا، هو هذا التناقض المصطنع أو المفروض، بسبب ظروف البيئة الإقليمية والاستراتيجيات الدولية، والعداء الناجم عنه، بين قيم الوطنية المرادفة للاستقلال والسيادة العامة وقيم الوطنية المرتبط بتنمية الحقوق والحريات الفردية والجماعية داخل الدولة نفسها. لكن يبدو لي أن ما يعيشه المشرق العربي من تحديات خارجية كبرى، بسبب وجود إسرائيل، وتعلق الدول الكبرى بأمنها وسلامتها، وكذلك بسبب وجود أهم مصادر الطاقة التي يحتاجها العالم الصناعي فيها، يؤسس لتناقض لا يكاد يمكن تجاوزه، ولهوة يصعب ردمها بين هذين المطلبين والبرنامجين. وهو وضع نادر العثور على مثيل له في مناطق أخرى من العالم. ففي العديد منها يمكن بسهولة التوفيق بين مطالب الاستقلال ومطالب التنمية الداخلية، الاقتصادية والسياسية والقانونية. بل إن فتح آفاق هذه التنمية يجعل من السهل على الحكومات التساهل في مسألة السيادة والاستقلال، وتجاوز مفاهيمهما التقليدية، ما دامت الحصيلة تحقيق مصالح أكبر مادية وسياسية للسكان. أما في البلدان العربية فلا تعني المساومة على الاستقلال فتحا لآفاق تعاون أكبر مع الدول الصناعية، ولا فرصا أكبر للتقدم والتنمية البشرية، ولكنها تتطابق مع القبول بالأمر الواقع، أي الاستسلام لأجندة السيطرة الأجنبية وما تعنيه من تثبيت للوضع القائم في فلسطين، أي للاحتلال والاستعمار الاستيطاني التوسعي، وللسيطرة السياسية والإستراتيجية الكاملة على مصير المنطقة. وهو ما لا يمكن أن ينسجم مع أي إرادة بناء دولة قانونية وسياسية تعكس الحد الادنى من إرادة مجتمعها ومصالحه. من هنا تبدو القضية الوطنية، في مطالبها الخارجية، في المشرق العربي، محددة وجوهرية، لا يمكن تجاوزها في أي محاولة لبناء دولة قانونية تحتاج للحد الأدنى من الكفاءة والشرعية والصدقية. وهو ما يفسر حساسية الشعوب العربية لهذا الوجه الخارجي من الوطنية ويسهل على الحكام الطغاة أيضا إمكانية استغلال هذه الشعوب وتركيعها واغتصاب حقوقها وحرياتها الأساسية، باسم الدفاع عن الاستقلال والسيادة والمصالح الوطنية العليا.

 

* كل المؤشرات و المعطيات الحالية و التجربة التي مر بها العراق بعد زوال النظام السابق حتى يومنا هذا، تحيلنا مجدداً الى التفكير في إيجاد صيغ أخرى بديلة لتنظيم العراق سياسياً و إدارياً و السيطرة الأمنية عليه، و كلما فكرنا في ذلك لانجد حلاً الإ القبول بنظام فدرالي، أي فدرلنة البلاد، ولكن ثمة مخاوف عراقية، أو بتعبير آخر مخاوف سنية ( و أعتذر على طيفنة مكونات الشعب العراقي) من مثل هذا النظام، لأن السنة يعتبرونه تمهيد لتقسيم العراق، ما هو منظورك لقيام نظام فدرالي في العراق و صحة المخاوف التي تُظّهَر تجاهه؟

* ليس اسم الفيدرالية أو مفهومها بالمطلق هو الذي يدفع إلى الاختلاف ويثير مشاكل، ولكن ما تنطوي عليه الفكرة وتشير إليه بالنسبة لكل من الاطراف المنخرطة في النزاع في سياق الوضع العراقي الخصوصي الراهن. فبينما تعني الفدرالية تحرير الأطراف الكردية والشيعية من التزاماتها العميقة تجاه الدولة العراقية المركزية، وترك الآفاق مفتوحة أمام احتمالات اندماجها في وحدات سياسية أخرى، أو تعزيز ارتباطها بها، في كردستان تركيا وغيرها بالنسبة للأكراد، وايران الاسلامية بالنسبة للشيعة، تعني بالنسبة للسنة تهميشا نهائيا في المعادلة العراقية. فالفدرالية تغطي مشاريع مختلفة كليا. وبينما يستطيع الأكراد الرهان، وهو ما يفعلونه بالتاكيد، على مشروع قومي بتجاوز العراق أو يقف إلى جانبه، ولا يهتمون كثيرا نظرا لهذا المشروع، بمستقبل العراق كوحدة سياسية، وكما يستطيع الشيعة الرهان على مشروع الاستقلال الذاتي للمناطق الشيعية المرتبط بعلاقات وثيقة مع ايران الدولة الكبرى، وما يقدمه ذلك من منافع وفوائد مادية واستراتيجية، لا يملك السنة مشروعا آخر في العراق سوى العراق المركزي نفسه، أي العراق القديم الذي هو اليوم في طريقه للانحلال. ولذلك ما كان بإمكانهم إلا أن يجعلوا من الحفاظ على الدولة المركزية ورفض الفيدرالية مشروعهم الخاص للإبقاء على العراق والبقاء في قلب العراق وتكوين نواته الأساسية.
باختصار الفدرالية لا تطرح هنا كوسيلة تقنية لتنظيم شؤون مجتمع عراقي وطني موحد ومستقر يتحول من المركزية إلى اللامركزية، كما هو حاصل في العديد من المجتمعات الحديثة، وكما ينبغي أن يحصل في المجتمعات العربية أيضا، لإعطاء المناطق والمحليات سلطات أوسع وإمكانيات أكبر لتحقيق التنمية المحلية، ولكنها تطرح بالعكس كبديل عن العراق المركزي، وكتغطية في الواقع على انحلاله وانفصال مكوناته وانكسار لحمته الوطنية. لذلك تبدو فكرة الفدرالية وكأنها تخفي مشروع تقسيم العراق وإنهائه. وفي الظروف الراهنة ليس هناك أي شك في أن الفيدرالية الكاملة ستعمل على تسريع تجزئة العراق وتفتيته.
لذلك أنا أعتقد أنه إذا كان من المشروع والممكن تطبيق الفكرة في ما يتعلق بالمنطقة الكردية باعتبارها تضم قومية متميزة عن بقية مناطق العراق، بلغتها الخاصة وثقافتها ونمط حياة سكانها، فلا شيء يمكن أن يبرر نظاما فدراليا في المناطق العربية الأخرى سوى التسليم بالقطيعة الطائفية والقبول بمعايير التمايزات المذهبية. وإذا دخل العراق في هذا الاعتبار لن يكون هناك إمكانية في المستقبل لبناء أي دولة وطنية، أي مدنية، تفترض التعامل مع المجتمع كأفراد مواطنين، متساوين في الحقوق والواجبات، لا كجماعات طائفية أو موالين وتابعين لمذهب أو عشيرة. فلا تستقيم الطائفية مع الدولة، ولا يمكن أن تعيش معها. فإما أن تكون الأسبقية لعلاقة الولاء لزعيم الطائفة والعشيرة، او يكون الخضوع لقانون واحد يقف أمامه الجميع، زعيم العشيرة وخادمها، متساوين وأحرار. فالدولة هي نقيض الطائفة من حيث هي تنظيم للأفراد حسب مباديء الحرية والمسؤولية الفردية وفصل السلطات ومحاسبة المسؤولين ومساءلتهم. أما الطائفية فهي تعني الولاء للزعيم الروحي والتسليم له والطاعة لمن والاه. ولا يمكن أن يتطور في حجرها أي مفهوم للحرية الفردية الفكرية والسياسية، ولا للمسؤولية الوطنية، العامة والخاصة، ولا للقانون والمساواة بين الأفراد والمحاسبة، على قاعدة العمل والانتاج والكفاءة.

 

* نلاحظ في كتابات العديد من المثقفين العراقيين و الباحثين لغة من التشاؤم إزاء مستقبل العراق، إذ أغلبهم لا يرون في ثقافة المجتمع العراقي، كإمتداد طبيعي للمجتمعات العربية و الإسلامية، عناصر و بنى و تجارب معينة تساعد في تُحول العراق الى مجتمع ديمقراطي- حداثي التفكير و التدبير ، أي مجتمع عقلاني خالِ من النزعات الطائفية و القبلية/العشائرية الضيقة التي تتحكم الآن كما في السابق بقيم المجتمع سياسياً و إجتماعياً و إقتصادياً و حتى سايكولوجياً، هل هذا يعني أن الديمقراطية و الحداثة الفكرية/العقلية و القيم الأخرى التي ساعدت مجتمعات كثيرة في تحولها التاريخي و تجاوز أزماتها و ظلماتها و بالتالي ضمان تقدمها و تحضرها، أصبحت مجرد حلم، أم أن كل هذا مرهون بوعينا بالذات و التاريخ و الواقع و بإرادتنا على التغيير؟

* من الواضح أننا لسنا اليوم أمام عراق معافى ومتحرر من الصراعات والتناقضات والنزاعات والأوهام الدينية والقومية والقبلية، ولكن أمام عراق خرج من تحت نير الاستبداد مثخنا ومدمى، وتعرض فيه جميع السكان، بصرف النظر عن أصولهم وطوائفهم، لرضات وجروح وتنكيل وأعمال قتل بربرية، أفقدتهم ثقتهم واحدهم بالآخر، وقضت على أي معنى لتواجدهم كمجموعة سياسية، أي أفقدتهم ايمانهم بأنفسهم كجماعة وطنية. ولا يختلف هذا كثيرا عما حصل ويحصل في بعض الدول العربية الأخرى. وهذا ما يفسر مشاعر التشاؤم واليأس، الذي يتجلى أيضا في عمليات الإرهاب الإجرامية التي يقوم بها، من دون شك، قطاع من العراقيين الذين فقدوا الأمل بكل شيء، وسلموا قيادتهم لأصحاب المشاريع الإرهابية الدولية، أو استسلموا لمشاعر الانتقام والموت من دون تردد.
لكن لا ينبغي لهذا الوضع الاستثنائي الكارثي أن ينسينا بالفعل وحدة العراقيين العميقة، التي تأسست في الحقبة الوطنية، ولا أن يفقدنا الأمل بقدرة العراق على الانبثاق من رماده، كالكثير من المجتمعات التي خربت بنيانها الحروب الداخلية والخارجية ثم لم تلبث أن خرجت من تحت الأنقاض أكثر قوة وحيوية ووحدة. لكن لن يحصل هذا بين يوم وليلة. ثم إن القوى الخارجية التي تتلاعب بمصير العراق والمنطقة لا تسهل شروط انبعاث العراق من أنقاضه، وتغلبه على جروحه وأحقاده. إنما ليس هناك أي شك في أن إمكان ولادة العراق الجديد قائمة وموجودة. ويكفي من أجل ذلك أن يدرك الجميع، أولئك المراهنين على مستقبل خارج العراق، أو على أشلائه، أو على مساعدات خارجية تعيد لهم عراقهم الذي مات وانتهى، أنه لا مستقبل لهم جميعا من دون العراق، وليس هناك بديل أفضل له في الأفق المنظور سوى التشتت والاحتلال وربما الاقتتال، وأن المساعدات الخارجية التي تبدو نزيهة وحريصة على مستقبل العراق، لا تسعى لنجدة العراق بقدر ما توظف فيه لتحقيق اهدافها الخاصة، أقول يكفي وصول العراقيين إلى مثل هذا الإدراك حتى يستعيد العراق حياته وثقته بنفسه وقدرته على التقدم والتفوق والعطاء. فالعراق بلد كبير وغني بكل شيء، وغني بتنوع سكانه قبل أي أن يكون غنيا بأي موارد أخرى، وهي وفيرة. إنما كي نصل إلى هذا الطور، لا بد من أن تزول الأوهام الكبيرة التي ولدت في العقود الماضية كرد فعل على الطغيان والديكتاتورية وفقدان الثقة بالنفس، وأن يدرك جميع العراقيين أن مستقبلهم ومستقبل أبنائهم مرتبط بالاستثمار في العراق وتنميته وتطويره، وليس بأي مشروع آخر، بصرف النظر عن أصولهم القومية والمذهبية. بل إن نجاحهم في إنقاذ العراق وتخليصه من كوابيسه وتحريره من توتراته العنيفة هو مدخلهم الرئيسي للاستفادة من وشائج القربي التي تربطهم بما هو وراءه وخارجه. ليس هناك بديل عن عراقي ديمقراطي بالمعنى الكامل للكلمة، أي وطني ومواطني معا، بعيد عن الوصايات الأجنبية وخال من كل أشكال الهيمنة الأقوامية والمذهبية.

 

* لنتحدث الآن عن الأكراد و دورهم في معادلات المنطقة و مستقبل دول إقليمية قُسَمت عليها هذه القومية..و لنذكر أولاً أنك من أشد المدافعين عن الديمقراطية و حقوق الإنسان، و نفهم إهتمامك الكبير أيضاً بمصير المجتمعات العربية و الوطن العربي، لدرجة أحياناً تَظهر لنا بمظهر مناضل فكري يبحث نظرياً و من خلال أبحاث و كتب و دراسات عن بنية المشاكل و الأزمات و التحديات التي يواجهها العالم العربي لتقدم اليه فيما بعد أفكاراً و طروحات و مفاهيم و إنتقادات أملاً منك في تحسين أحواله أو مراجعة أوضاعه أو معالجة أزماته أو مساعدة نهوضه أو بناء حداثته غير التقليدية -الرثة ، هل يمكن أن تقدم لنا إذاً وجهة نظر حول سبل تعامل العالم العربي القويم ،لا سيما الدولتين العربيتين العراق و سوريا، مع الملف الكوردي، و برأيك، ماهي القواسم المشتركة التي يمكن أن توحد صفوف الكورد و العرب في المنطقة و تقطع الطريق أمام أي إستغلال أجنبي للقضية الكوردية ؟

معك حق أن تحصر المسألة في علاقة الكرد بالعرب بسورية والعراق، فهي ليست مطروحة في العالم العربي خارجهما. ويتمتع الأكراد بسمعة طيبة جدا ويحظون بعطف كبير في أوساط الرأي العام العربي عموما، بقدر ما يرتبط اسم صلاح الدين الأيوبي بهم في مخيلة العرب والمسلمين عموما. ويكاد من الصعب الحديث عن مسألة كردبة في معظم أوساط الرأي العام العربي، حتى في بلد كسورية اتبعت فيه الحكومة البعثية، في عقود ماضية سياسات إجرامية بحق الساكنة الكردية. فالأكراد لا يظهرون في دمشق والمدن السورية الأخرى كما لو كانوا جسما غريبا او متميزا عن الجسم الاجتماعي العام، ولا ينظر إليهم على أنهم أقلية متميزة عن بقية أبناء الشعب السوري.
ذكرت ذلك لأقول إن السياسات العدوانية التي طبقها نظام البعث في العراق وسورية، وكان مضمونها القضاء على الهوية الكردية، أو محاصرتها بوسائل مختلفة، عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، لا تنبع من أي فكرة سلبية تسود أوساط الرأي العام العربي عن الأكراد، وليس لها أي جذور او مرتكزات في الثقافة العربية، لا في ا لثقافة القديمة التي يغلب عليها الطابع الاسلامي الديني بالتاكيد، ولا في الثقافة الحديثة التي تكونت في عصر النهضة والتي كانت تدعو إلى الحرية والعدالة والمساواة والأخوة بين جميع الشعوب الاسلامية والعربية.
لا بل إن من الصعب أن تجد جذورا لها في الفكر القومي العربي الحديث، سواء ما أنتجه المفكرون القوميون مثل ساطع الحصري أو قسطنطين زريق أو غيرهما، او ما ارتبط بأفكار وممارسات جمال عبد الناصر الذي يمثل نموذج السياسة القومية العربية وتجسيدها، في العصر الحديث، وكان صديقا كبيرا للشعب والقضية الكرديتين معا. ولن تجد أي وثيقة أو نص لأي مفكر عربي يستحق هذا الاسم تشير إلى الأكراد بسلبية أو تتساهل مع حقوقهم الطبيعية، بما في ذلك مفكري حزب البعث نفسه الذي ارتكبت المجازر والاعتداءات تجاه الأكراد في ظل حكمه وبغطاء منه.
ويحق لنا أن نتساءل، إذا لم يكن القضاء على الهوية الكردية وحصارها مطلبا شعبيا، أو لم يكن له أساس أو رصيد عند الرأي العام السوري والعراقي، وكان من الصعب ايجاد نصوص ذات صدقية تبرر للفاعلين فعلهم، وتجعل اضطهاد الأكراد عملا يجلب الشعبية، فمن أين جاءت سياسات الاضطهاد والظلم هذه وعلى أي أساس انبت؟
ينبغي القول أولا إن ما حصل بالنسبة للأكراد هو ثمرة تفكير وتخطيط مجموعات من العكسريين وأجهزة الأمن والمخابرات، محدودي الأفق والثقافة والضمير معا، سيطروا على مقدرات البلاد في الدولتين، واستخدموها لتحقيق مآرب شخصية، وتخليد زعامات وهمية. ومارسوا في سبيل تحقيق أهدافهم وتعظيم زعمائهم وتخليد إنجازاتهم سياسات إجرامية لم يكن ضحيتها الأكراد فقط وإنما جميع المكونات الوطنية والاجتماعية. وقادوا في النهاية الدول التي حكموها إلى الخراب والدمار. وربما كان الدافع الرئيسي لهم في عملهم هذا هو التعصب الناجم عن الجهل وضيق الأفق الذي جعلهم يفهمون القومية كحركة إقصائية، على غرار ما حصل ويحصل في البلدان المحيطة بهم، في تركيا وايران الشاه في ذلك الوقت، وغرار ما حصل مع القوميين المتطرفيين المسمين باليعاقبة في فرنسا، في القرن التاسع عشر، والذي جعل الدولة تمارس سياسة محو منهجي للثقافات واللغات غير الرسمية، على أمل الوصول إلى أمة أكثر توحدا وتجانسا وبالتالي قوة. ولا شك أيضا أن ما شجع على ذلك هو انسداد أفق التحولات التي ارتبطت بحركة القومية العربية نفسها، وإخفاق عملية التوحيد والعجز عن مواجهة إسرائيل. فقد بدا إخضاع الأكراد وتجريدهم إذا أمكن من هويتهم هو أحد الانجازات التي يمكن للسلطات الفاشلة أن تبيعها لرأيها العام باسم القومية أو كبضاعة قومية.
لكن ذلك لا يعني أن لا مسؤولية على المثقفين والمفكرين والقادة السياسيين في ذلك. ولعل مصدر الخطأ لا يكمن في هذا المجال في ما كتب أو نشر أو قيل ضد الأكراد كثقافة وشعب، ولكن في ما لم يقل وما لم يناقش في فكرنا القومي، أعني مشكلة الأٌقليات والجماعات القومية المتميزة عموما. فقد سيطرت فكرة الأمة العربية المعرضة للاضطهاد، او المضطهدة من قبل الدول الاستعمارية الغربية، على الأذهان إلى درجة منعت المفكرين والمثقفين والسياسيين من إمكانية النظر إلى ما يمكن أن يحصل من إضطهاد داخل هذه الأمة نفسها، ليس إزاء الأقليات الدينية والقومية فحسب، ولكن إزاء الفئات الاجتماعية وأصحاب المصالح كلهم. فلم يعد هناك احترام لأي حقوق خاصة، لا حقوق النقابات ولا الجماعات الدينية ولا القومية ولا لحقوق الأفراد انفسهم. لقد جبت الحقوق القومية، أي سيطرة الدولة والنظام القومي المتماهي معها، جميع الحقوق الأخرى.
من هذا الفراغ الخطير في النظرية القومية التي عالجت مسألة الاستعمار والأمبريالية ولم تعالج مسألة الحريات والحقوق الجماعية والفردية، أي حقوق الجماعات والأفراد، ومن الفراغ الخطير في السياسة القومية التي لم تلحظ العلاقة بين هذه الحقوق وقومية الدولة واستقلالها وسيادتها، دخل جميع الطامحين والمتسلقين على شجرة القومية وشعاراتها للحصول على مواقع سياسية لا يستحقونها، وتكوين أرصدة معنوية قومية. وبسبب هذا الفراغ لم يجدوا امامهم من يردعهم في أوساط المثقفين والرأي العام ويقول لهم إنهم بذلك يخونون الأمانة ويدمرون الأساس التي تقوم عليه الدولة نفسها. بل إن هذا الغياب قد منع الرأي العام من أن يرى ما يحصل، وهو يحصل أمامه، أي أن يفهمه ويكشف عن معناه من حيث هو اضطهاد وقهر غير مبرر وغير مقبول، لا أن يرى فيه إجراءات أمنية عادية او عقوبات رادعة ضد من غامر بالتمرد على السلطة ومد يده إلى الدول الأجنبية.
كل هذا يعيدنا إلى مأساة القومية التي تفصل بين الوطنية كدفاع ضد الهيمنة الخارجية والوطنية كتثبيت للحقوق والحريات الأساسية ووضع الضمانات الدستورية لاحترامها وممارستها.
الآن تغير الوضع كثيرا. فقد حصل الأكراد في العراق على استقلال ذاتي حقيقي. ولهم برلمانهم الخاص وحياتهم السياسية والثقافية المتميزة والمستقلة. وهم يشاركون بقوة بالحكومة المركزية حيث يحتل زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني منصب رئيس الجمهورية، إلى جانب مناصب وزارية أخرى يحتلها سياسيون أكراد. ولن يكون من الممكن العودة عما تحقق في العراق. وليس هناك أي خطر يتهدد هذه الانجازات. وهذه أرضية صالحة لنقل العلاقات العربية الكردية من ساحة الصراع او التنافس إلى ساحة التعاون والشراكة الوطنية، في العراق وخارجه: الشراكة لبناء الديمقراطية والأمن وتحقيق التنمية البشرية وتحسين شروط حياة السكان ورفع مستويات معيشتهم.
أما في سورية فلا يزال الامر معلقا. لأن نظام الحكم الأمني والمخابراتي الذي كان في أساس تفجير المشكلة الكردية لا يزال لم يتغير بعد. ولا تزال المشاكل الكبيرة التي يعاني منها الاكراد، وفي مقدمها الاعتراف بحقوقهم الثقافية وإعادة الجنسية إلى جميع من حرموا منها من دون حق وبطريقة لا شرعية، وإيلاء منطقتهم ما تستحقه من عناية واهتمام في مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، قائمة كما هي منذ عدة عقود. لكن الأكراد يشكلون منذ الآن مكونا أساسيا من مكونات المعارضة الديمقراطية السورية، وهم شركاء أساسيين في مشروع التغيير الديمقراطي السوري، وبالتالي في بناء النظام الجديد الذي سيولد منه. وبالإضافة إلى ما يضمنه هذا النظام، أو ينبغي أن يضمنه بالتعريف، من حقوق متساوية لجميع مواطني سورية من عرب وكرد وغيرهم، لن يطرح الاعتراف بحقوق الأكراد الجماعية أي إشكال على أي حكم ديمقراطي مواطني قادم. وليس هناك شك في أن الأكراد السوريين سوف يحصلون على جميع حقوقهم من دون تفريط، وليس بين قطاعات ا لرأي العام السوري من ينكر هذه الحقوق أو يخشى تحقيقها، باستثناء حفنة من أحفاد صاحب مشروع الحزام الأخضر السيء الذكر الذي أصبح اليوم نكرة حتى داخل حزبه الحاكم نفسه.

 

* كيف تنظر الى أكراد سوريا، أنك توقعت ذات مرة أن يلعب الأكراد دوراً نشطاً في أي تغيير سياسي مقبل في سوريا، ماهي طبيعة هذا الدور و كيف يلتقي مع إتجاهات أخرى وطنية معارضة لسياسات سوريا الداخلية التي تنتقدها كثيراً و لاتجد فيها ما تبشر بتحول سوريا الى نظام ديمقراطي أو على الأقل تمهيد الطريق للتحول الديمقراطي ، و كيف تُقَيّم دور المعارضة الكوردية في سوريا و نقاط ضعفها و قوتها؟

بسبب ما يعيشه الشعب الكردي عامة من نهضة قومية، احتفظ الأكراد السوريون، بنشاطية سياسية أقوى بكثير مما يسم بقية مواطنيهم، سواء ما تعلق بانتشار الممارسة السياسية أو القدرة على الحشد الجماهيري أو بارتفاع الروح المعنوية العامة للناشطين السياسيين. وقد سمح هذا المناخ للأكراد بالتحرك بديناميكية أكبر، وجعل منهم أحد أهم القوى المعارضة في سورية، إلى جانب قوى المعارضة الديمقراطية الأخرى والقوى الاسلامية. وليس من الصعب ملاحظة حضورهم الكبير في نشاطات هذه المعارضة وداخل هيئاتها الإتلافية أيضا، وبشكل خاص في إئتلاف إعلان دمشق. وبسبب هذه النشاطية الواضحة، تعرض المكون الكردي في السنوات الثلاث الماضية للقمع والتنكيل أكثر من المكونات الاخرى، خاصة في صفوف الشباب، بدءا بإطلاق النار على المتظاهرين وانتهاءا بفصل العديد من الطلبة من جامعاتهم مرورا باتساع دائرة الاعتقالات والتعقبات التعسفية للناشطين.
هذه الحيوية السياسية التي تسم المنطقة الكردية تشكل من دون شك نقطة قوة أساسية، وتفتح للنخبة السياسية الكردية السورية أفقا واسعا للمشاركة في الحركة الديمقراطية وممارسة نفوذ كبير فيها. لكن هذا لا ينبغي بالتاكيد أن يخفي نقاط ضعف هذه المعارضة أيضا، في شقيها الكردي والعربي معا. أعني التشتت والانقسام وتعدد الأحزاب والتنظيمات الصغيرة وعدم القدرة على العمل الجماعي الثابت والمستمر. وهو ما يفسر سيطرة الزعامات الشخصية على حساب العلاقات الموضوعية، وصعوبة التغلب على روح الخصومة والتنافس والنزاع بين الأفراد على احتلال المناصب. وهو ما يمنع من تطور روح القيادة كالتزام ومسؤولية، بدل أن تكون تكريسا لزعامات وتشريفا لشخصيات وتأكيدا لولاءات عائلية أو قبلية أو مذهبية.
ولعل السبب الأهم لهذا الوضع ضعف الثقافة السياسية عموما في بلادنا، وسيطرة نموذج العلاقات الشخصية وروح الولاء والانتماء للأفراد أكثر من الوفاء للمباديء والقواعد والقيم والقوانين. وهو ما يرتب على المفكرين والمثقفين ومسؤولي هيئات المجتمع المدني مسؤوليات كبيرة، في إطار إعادة صوغ الوعي وأساليب العمل العمومي، الجمعي والوطني، في السنوات القليلة القادمة. لكن لا ينبغي التوقف كثيرا عند ذلك. فليس لدي أي شك في أن المجتمعات لا تستعيد حيويتها واتساقها ووحدة تفكيرها ونجاعة أساليب عملها وتنظيمها إلا من خلال الممارسة العملية. ففي كفاحها من أجل إصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية، وعملها على تجديد قواعد العمل الوطني وأنظمته معا، ستجد حركات المعارضة السورية نفسها مدفوعة لا محالة إلى إصلاح أوضاعها الداخلية وتجديد أسس تفكيرها وعملها، في الوقت نفسه

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=75207