حول الارهاب وعالم ما بعد 11 ايلول

2003-11-20 :: رزكار

ترجمة :

ياسين الحاج صالح : موقع رزكار
_ المشاركون:
د. صادق جلال العظم، المفكر وأستاذ الفلسفة المعروف.
د. برهان غليون، مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في السوربون بباريس وأستاذ علم الاجتماع السياسي فيها.
د. يوسف سلامة أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق.
المحاور: ياسين الحاج صالح، مترجم وكاتب سوري.
ليس هناك مشكلة عالمية أساسية واحدة نشأت عن 11 أيلول الأمريكي، لكن 11/9 كما يسميه الأمريكيون، كان مناسبة لإعادة هيكلة ودوزنة المشكلات العالمية المزمنة والحادة جميعا، كما لإعادة ترتيب وتوزيع الأوزان النوعية على هذه المشكلات، وذلك باتجاه تهميش المشكلات المتصلة باختلالات توزيع القوة والثروة والمستقبل وفرص التوازن والتكامل بين مختلف دول العالم وكتله الجيوسياسية و"الحضارية" من جهة، وإبراز مشكلات الأمن والاستقرار الدولي بالمعنى الأمريكي للتعبير الأخير من جهة أخرى. وما كان لـ11/9 أن يكون تاريخا ـ مفصلا إلا لأن القوة العالمية الوحيدة القادرة على تفعيل وحدة العالم، والتي تحتكر وحدها اليوم القدرة على بناء حلف أو أحلاف سياسية وعسكرية، هي الطرف الأول المعني في ما حدث قبل قرابة عام من اليوم. وإذا كان جدول الأعمال العالمي يتمحور اليوم حول "الحرب على الإرهاب" فليس هذا لأن "الإرهاب" أهم قضايا العالم ولكن لأن القضايا "الأهم" هي التي وراءها أناس مهمون. ومن المفهوم بالتالي أن تكون القضايا عديمة الأهمية، كالفقر والنظم الدكتاتورية ومشكلات البيئة والإيدز في أفريقيا...، هي قضايا الضعفاء والمضطهدين والمعدمين.
هذه الندوة مساهمة في مناقشة قضايا الوضع الدولي والإقليمي والعربي والسوري المحلي على ضوء التغيرات الواقعة أو المحتملة بعد 11/9.
عقدت الندوة في السابع من الشهر الأول من هذا العام. وقد تسببت مشكلات فنية في التسجيل الأصلي في تقسيم الحوار إلى قسمين، قسم أول يشمل الأسئلة العشرة الأولى هو عبارة عن ندوة حية فعلا بمشاركة الأساتذة الثلاثة؛ وقسم ثان (بدءا من السؤال عن مستقبل الدول والحركات الإسلامية بعد 11 ايلول) ضاع من التسجيل فاستكملناه عبر الانترنت والفاكس. قاد هذا الخلل إلى تأخير نشر الندوة التي ارتأت "الآداب" نشرها بمناسبة مرور عام على 11 أيلول. أضفت السؤالين الأخيرين في شهر آب الفائت بهدف إضاءة المخاطر المحتملة، بل المرجحة، التي تستهدف البلاد العربية ومنطقة الشرق الأدنى راهنا. وقد اقتصر هذان السؤالان على الأستاذين برهان غليون ويوسف سلامة لأسباب خارج استطاعتي.
المحاور. آب 2002


الندوة
* تسابق المعلقون والكتاب والصحفيون على تأكيد تاريخية 11 أيلول وفرادته وعلى أن العالم بعده لن يكون كما قبله. ما مصدر أهمية هذا الحدث؟ ولماذا يبدو أنه يحمل قيمة تدشينية وبحثية وإعلامية عظيمة بحيث يكاد لا يستنفد قراءة وتحليلاً وتداعيات .. هل 11 أيلول حدث عالمي بامتياز ؟
* د. برهان: يبدو لي أولا أنه حدث مهم موضوعياً. فلأول مرة منذ القرن التاسع عشر تهاجم أمريكا على الأرض الأمريكية، ولأول مرة تبرز أمريكا معرضة أيضاً لخطر عسكري، معرضة للضرب .. بمعنى أنها ليست بعيدة عن الأخطار التي تتعرض لها الدول الأخرى. وهذا قد يدفع إلى الاعتقاد أن أمريكا ستضطر أكثر فأكثر إلى أن تأخذ مسألة الأمن الجماعي باعتبارها، وبالتالي ربما ينفتح الأفق نحو تعددية قطبية، بينما عشنا خلال العقد الماضي على الأقل أو العقدين الماضيين على أساس أحادية القطب المعروفة على المستوى الجيوسياسي.
إذن هناك معالم تغيير حقيقي في الساحة الجيوسياسية وفي توازن العلاقات الدولية بما يعطي للحدث أهمية موضوعية لا جدال فيها. لكن الحدث مهم أيضاً لأننا اعتبرناه مهماً، وخصوصا لأن أمريكا اعتبرته مهماً؛ لا يكفي القول إنه مهم من الناحية الموضوعية بالنظر إلى مضمونه الجيوستراتيجي والجيوبوليتيكي… وإنما لأن أمريكا كدولة عظمى اعتبرته أساسا لإعادة بناء وترتيب الساحة الدولية لتأكيد هيمنتها وسيطرتها.
هنا أصبح لدينا حدثان: أولهما موضوعي يمكن أن نمر عليه دون إعطاءه الأهمية الكبرى، والثاني هو توظيف الحدث الأول من قبل الدولة العظمى (أمريكا) لإعادة تأكيد هيمنتها ولإعادة ترتيب العالم والعلاقات الدولية. ومن هنا جعلت منه أساسا لعالم جديد، للعالم كما تتصوره هي على ضوء الضربة التي تلقتها، أي لعالم خال من القوى المعادية لها. ومن هنا تحولت حربها ضد الإرهاب أو ضد أفغانستان أو ضد طالبان إلى حرب لتصفية كل الحركات السياسية والعنفية التي قد تشكل تحديا لها. وبرأيي ليس من قبيل الصدفة أن الولايات المتحدة الأمريكية اعتبرت أن الحرب طويلة .. فبحربها الطويلة هذه ضد الإرهاب تريد إعادة ترتيب الساحة الدولية وفق منظورها .. بهذا المنطق أصبح حدث 11 أيلول حدثاً مؤسِساً لحقبة جديدة لن تنهي الصراع ولا يراد لها أن تنهيه، لا بين الدول الكبرى ولا بين الشمال والجنوب، ولكنها تضعنا في سياق جديد لاستمرار الصراع ونموه. فهو فرصة سانحة أمريكيا لإجبار جميع الدول الأخرى على الاصطفاف وراء أمريكا والسير على أساس الأجندة الأمريكية التي ستصبح هي الأجندة الأساسية المُعتمدة لأي تحالف أو تفاهم دولي .. لقد خلق الحدث بالفعل أوضاعا جيوسياسية جديدة، خلق أجندة جديدة للولايات المتحدة، وخلق تحديات جديدة لكل الدول في مواجهة المستقبل وإعادة بناء العلاقات الدولية. إذن بهذا المعنى يمكن اعتباره حدثا مهما بالمعنيين الموضوعي والذاتي .


* د. يوسف: كان للحدث بحد ذاته طبيعة الزلزال لأنه بدا وكأنه فاجأ الجميع، وعلى رأس من فوجئوا الولايات المتحدة الأمريكية. فأن تتعرض أكبر قوة في العالم لتحد بهذا المستوى وهذا الحجم، وأن تفشل أكبر مؤسسات أمنية في العالم (CIA وFBI) وما يرتبط بهما من عملاء منتشرين في كل مكان… هذا الفشل أصاب الأمن القومي الأمريكي بثغرة ضخمة مست جسد الاستراتيجية الأمريكية ذاتها ووجهت ضربة إلى القطب الأوحد الذي كان يخيف الجميع ويهيمن على الجميع ويحسب له ألف حساب. أظهر الحدث أن من الممكن تحدي هذا القطب الوحيد، وأن من الممكن أن يتشكل أقطاب متعددين أو قطب نقيض للولايات المتحدة. ليس من الضروري أن يكون هذا القطب عبارة عن دولة أو قوة منظمة على هيئة مجتمع وجيش وسياسة الخ؛ وإنما مجموعة من البشر لها رؤية مخالفة للولايات المتحدة وتمتلك من الإعداد والخبرات ما يكفي لتحدي قطبيتها.


* د. صادق: إنه حدث عالمي بامتياز، لا شك . ولكني أعتقد أن هناك مبالغات كثيرة في تقييمه، وكأن التاريخ سيبدأ بعد 11 أيلول، وكأنه حد فاصل وقبله الجاهلية. أتفهّم هذه المبالغات وخاصة في الإعلام بسبب الوقع الشديد للحدث، بسبب طبيعته الجديدة والمستوى العالي جداً للتخطيط والتفكير والتحضير والتنسيق.. وكما قال لي أحدالزملاء: هل من المعقول أن "يطلع" هذا العمل من العرب؟ .. فنحن نعرف عاداتنا ومواعيدنا وتلكأنا العربي… ولكني أرجع بذاكرتي إلى الهجوم الفلسطيني في الألعاب الأولمبية في ميونيخ عام 1972؛ فقد تكهرب العالم وكان رد الفعل كبيرا ضد العرب والمسلمين، وكان وقع الهجوم كبيراً جداً، وقال الناس إنه انعطاف في التاريخ وحدث عالمي بامتياز الخ، لكن زال الحدث من الذاكرة بعد فترة وعادت الأمور لوضعها الطبيعي. ما أريده من هذا الحديث هو أن أدخل قليلاً من التوازن في النظرة لحدث 11 أيلول … لا شك أن الولايات المتحدة وجدت فيه كما قال د. برهان فرصة لتأكيد هيبتها وهيمنتها، ورأت أنه سيوصلها إلى مناطق لم تكن لتطالها يدها بصورة مباشرة .. وهي تتحدث عن حرب طويلة الأمد لأنها تعتبر نفسها مركز الإمبراطورية، والمركز دائما، سواء كان الإمبراطورية العثمانية أو الرومانية أو العربية، يتصرف بهذه الطريقة مع أي تمرد في الأطراف، فما بالك إذا كان التمرد ضرب قلب المركز من قبل أطراف كان المركز ذاته مسؤولا بالأساس عن صنعهم. لكن يبقى الحدث فاصلا بمعنى أننا سنشهد ترتيبات جديدة في العلاقات الدولية كما قال د. برهان .


* هل من المحتمل أن يترك 11 أيلول أثارا هامة ودائمة على وضع الحريات العامة في الولايات المتحدة ودول الغرب الأخرى؟ هل سيترك آثار دائمة على الجاليات العربية هناك؟
* د. صادق ـ ما يهمني وضع الحريات عندنا وفي بلادنا. ولن أنفعل كثيراً على الحريات في أوروبا أو في الولايات المتحدة لأنني أعرف أن لديهم ضمانات هائلة وكبيرة لحرياتهم. وحتى لو انجرفت بعض هذه الضمانات في لحظة مثل هذه اللحظة، يبقى الهامش واسعا لدرجة إن الحريات لن تتأثر عمليا. ولذلك لن أعطيها كعربي أهمية كبيرة. لقد خاضوا الحرب العالمية الثانية ومع ذلك ظلت الرقابة على الصحافة في حدودها الدنيا في بلدان الحلفاء، وبقيت الضمانات القانونية للأفراد على حالها أو تقلصت قليلاً فقط . وبعد الحرب عادوا إلى مسيرتهم الطبيعية، لذلك لا أعتقد أن وضع المواطنين هناك مشكلة كبيرة.
نلاحظ، مثلاً،أنه عندما حاولت الحكومة الأمريكية حظر نشر حديث ابن لادن التلفزيوني أو "قصقصته" على قناة الجزيرة، قام داخل أمريكا من يدافع عن حق الجزيرة في أن لا تُراقب وأن تذيع هذه الأشرطة كاملة من أجل الرأي العام.. هذا ملفت للنظر ويدل على يقظة هذا المجتمع على نفسه وتنبهه إلى احتمالات أن تقوم السلطات بتقليص حرياته وحقوقه الخ .
بالنسبة للجاليات العربية والإسلامية لا أعتقد أن الآثار دائمة وطويلة المدى. أعود هنا لمثال الهجوم الفلسطيني في ميونيخ عام 1972. لقد عانى العرب وقتها من اضطهاد وتمييز، وبعد ذلك عادت الأمور إلى وضعها الطبيعي، وعاد التمييز للمستوى المعتاد بالنسبة لهم قبل الحدث. لذلك لا أتوقع تأثيرات هامة على الجاليات، وخاصة في بلد مثل أمريكا قائم أصلا على الهجرة.


* د. يوسف: السؤال عن مدى ما ستتركه أحداث 11 أيلول على الحريات في أمريكا هو سؤال مهم بالنسبة لنا ليس خوفاً على الحريات الأمريكية وإنما خوفاً من انخفاض مقياس درجة الحرية عندنا.. إذ ما قيل: حتى الحرية في أمريكا هامشها يضيق، فسيصبح من الطبيعي في ظل النظم الشمولية والتسلطية عندنا أن يتم اقتطاع القدر الأكبر من الهامش الصغير الذي قد يكون متاحاً في بعض الأوقات. ومن هنا أعطي يا د.صادق أهمية للسؤال. نحن محتاجون إلى أن نرصد بعناية تأثير هذا الحدث على مفهوم الولايات المتحدة للحرية وللحياة الليبرالية؛ أهمية الموضوع إذن أهمية ذاتية ومحلية قبل أن تكون أهمية بالنسبة الأمريكان.. تحضرني من الذاكرة واقعة أن الولايات المتحدة احتجزت أثناء الحرب العالمية الثانية الأمريكان من أصول يابانية لفترات طويلة. أرجو أن لا يتكرر هذا مع الجاليات العربية والإسلامية حتى لو كان بشكل مخفف، لا سيما أن هذه الجاليات الآن أكثر اندماجاً مما كانت عليه الجاليات اليابانية الأمريكية .


* د. برهان: أنا أميل لما قاله صادق لأني لا أعتقد أن هناك مخاطر كبيرة على حرية الجاليات في الولايات المتحدة أو في أوروبا؛ قد توجد قليل من التجاوزات كالمحكمة العسكرية .. وقد يتعرضون لبعض المضايقات العنصرية وهي بالأساس موجودة لكنها قد تزيد قليلاً، لكن في المجتمع الأمريكي، سواء كمجتمع ليبرالي يقوم جوهر ميثاقه الداخلي على الليبرالية والحرية، أو كمجتمع من المهاجرين، من الصعب أن تستمر هذه التعديات لفترة طويلة. أعتقد أيضا أنه لا يوجد خطر على الديمقراطية في الولايات المتحدة. ومن الصعب انخفاضها هنا في بلادنا، ولو لأن لموضوع الحرية والديمقراطية في بلادنا استقلاليته الخاصة...


* تشير بعض الممارسات الأمريكية والغربية إلى أننا نتجه نحو وضع استعماري شبه كلاسيكي. هل من الممكن الحديث عن إعادة بناء النظام والأيديولوجية الاستعماريين على قاعدة الحرب ضد الإرهاب وصدام الحضارات؟
* د. برهان ـ أنا ميال إلى الإجابة بنعم لأنه يوجد موجة من الهيمنة الجديدة الأمريكية تتجه نحو إعادة بناء النظام الدولي لترسيخ نمط السيطرة الراهن وتكريس امتيازات الدول الصناعية الكبرى وأمريكا في العالم. أقول نعم إذن على هذا المستوى. وفي نفس الوقت أقول لا، لأنه يجب أن لا نخلط أنماط الهيمنة الجديدة بأنماط الهيمنة الاستعمارية الكلاسيكية السابقة من أجل عدم الخلط في التحليل.
أعتقد أن الخطر الآن أن الولايات المتحدة بقيادة اليمين الأمريكي الجديد الذي تمثله حكومة بوش وعلى رأسها وزير الدفاع رامسفيلد ستعتمد أكثر فأكثر على مفهوم الأمن القومي والسيطرة والإملاء بالقوة على الشعوب والمجتمعات الأخرى بدلا من التوجه الذي يقوم على إيجاد وتطوير سياسة رأسمالية ناجعة اقتصادياً وإن في إطار المفهوم الرأسمالي ذاته .. أعتقد أن الخطر في إطار السياسة اليمينية القومية الجديدة يتجسد في أن الأمريكيين يتعاملون مع العالم كما لو كان حقل صيد: يأخذون الموارد والكوادر والأسواق التي يريدون ويرمون ما لا يلزمهم خارجا. هذا نمط من الهيمنة الإمبريالية ( أفضل من أن نقول الاستعمارية) المتوحشة العنيفة يقود إلى عدم توازن مطلق ويؤدي إلى دمار واجتياح الجنوب( كما في الأرجنتين)، وهو بداية أنماط الاجتياحات والانهيارات التي يمكن أن تحصل في مجتمعاتنا. هذه السياسة أخطر بكثير من سياسة إمبريالية بدورها كانت تمثلها سياسة كلينتون القائمة على بسط الهيمنة الاقتصادية من خلال العولمة، من خلال منطق التوسع وخلق سوق عالمية لدمج بعض الشعوب أو البلدان التي لديها إمكانيات في سوق واحدة.
أعتقد أن الولايات المتحدة سارت على هذه السياسة ـ سياسة السيطرة والإملاء ـ بعد 11سبتمبر، لكن ليس الحدث هو الذي خلقها؛ فمنذ نجاح بوش مشت أمريكا بخط إمبريالي متوحش ومدمر فعلا لمستقبل الإنسانية.


* د. صادق: أوافق على ما قاله برهان وليس لديّ ما أضيف، إلا إذا حاولت إجراء نوع من المماثلة: إذا أخذنا حكم الحزب الديمقراطي، أي اليسار بالمعنى الأمريكي نجد أن سياسته الداخلية تقوم على الضمان الاجتماعي ودولة الرفاه ونوع من العدالة بالنسبة لمواطنيهم. ولهذا ترجمته وتطبيقاته في سياستهم الخارجية أيضا. أما فريق بوش الحاكم الآن فسياسته يمينية معادية للنقابات وتهاجم الضمان الاجتماعي… هذا توحش داخلي وله بدوره ترجمته الدولية: إمبريالية متوحشة مفترسة ضارية… الخ .


* برأيكم هل تطرح الهجمات الإرهابية على أمريكا قضية أخلاقية متميزة مستقلة عن المواقف السياسية، وعن الخلفيات "الحضارية" المتقابلة؟
* د. يوسف ـ الهجمات الإرهابية التي شنت على أمريكا هي من صنع أمريكا. ومن هنا إذا كان هناك هاجس أخلاقي فيجب أن ينصب على مراجعة السياسة الأمريكية لنفسها أكثر من التساؤل عن وجود أو عدم وجود البعد الأخلاقي في الإرهاب.
القضية بالدرجة الأولى ليس قضية أخلاقية بل قضية سياسية مدارها نزاع على السلطان والسلطة، نزاع على تأكيد المقدرة على بسط سلطان جهة ما أو جهات متعددة في العالم، وتنافس على مقدار ما يمتلكه كل طرف من القوة أو من السلطة التي تخوله إرسال رسائله إلى الغير وترجمة هذه الرسائل إلى حقائق ملموسة في العالم.
هذا النزاع في جوهره سياسي وهذه الهجمات في جوهرها هجمات سياسية تريد أن تقول أن بوسع الآخرين أن يوجهوا ضربة مؤلمة إلى الولايات المتحدة.
لكن في هذا الهجوم الذي ندّ عن مجموعات معينة لا نعرف ما هي ومن هي اختلطت الرسالة السياسية التي تريد أن توجهها بالتباس وغموض المصدر الذي نشأت عنه الرسالة إلى درجة أن أصبح مضمونها غير محدد بشكل واضح .. ماذا يريد أصحاب هذه الرسالة أن يقولوا؟ هل يريدون أن يقولوا أن الولايات المتحدة تمارس طغياناً في العالم؟ هل يريدون أن يقولوا أن الولايات المتحدة تمارس نوعاً من العولمة التي تحرم بموجبها شعوباً بأكملها من العدالة الاقتصادية ومن الحق في اتخاذ القرار السياسي؟
في رأيي أن غموض الرسالة السياسية لهذه الهجمات جعلت منها أقرب إلى صرخة احتجاج غير منظمة سياسياً وغير ممنهجة أكثر مما هي دعوة إلى موقف محدد، لأن كل عمل إرهابي بطبيعته عمل فردي وفي كثير من الأحيان يصدر عن دوافع أنانية وشخصية .
تختلط في هذه العمليات التي وجهت إلى الولايات المتحدة الرغبة بالانتقام بالرغبة في توجيه رسالة سياسية. ومرة تُحمل على أنها رسالة إسلامية ومرة أنها رسالة فلسطينية وأخرى رسالة إنسانية. وفي رأيي في النهاية ورغم أن الرسالة في جوهرها سياسي إلا أنها لا تعرف ما تريد أن تقول ولا تعرف الهدف الذي تريد الوصول إليه، بل هي نوع من الصرخة الرافضة، نوع من كلمة لا بصوت مرتفع ضد القهر دون أن يكون لدى مرسليها البصيرة النافذة التي تصل بهم إلى هدف محدد. فلو كان لديهم رسالة إسلامية فقد انقلب الأمر على المسلمين، وإذا كانوا يريدونها فلسطينية فالعنف زاد على الفلسطينيين… رسالتهم لم تحقق شيئا، بل قدموا لأمريكا مسوغا لسرعة تنفيذ مخططاتها الموضوعة سلفا، وأضعف فعلهم الجانب الأوروبي الذي كان في بعض الأحيان يقف موقف مؤيد للقضية الفلسطينية. وكان البيان الختامي الذي صدر عن قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة التي عقدت في بلجيكا برهاناً ساطعاً على أن هذه العملية لا تحمل رسالة سياسية ذات جدوى. فقد أنضم الأوروبيون إلى الأمريكان في دمغ المقاومة الفلسطينية بجوانب كثيرة منها بأنها إرهابية وهذا يشكل خسارة كبيرة من الناحية السياسية .. مما يؤكد أن الرسالة السياسية التي انطوى عليها هذا العمل رسالة ملتبسة وغامضة وغير واعية ولم ترسم لنفسها أهدافاً محددة الأمر الذي انتهى إلى هذه الخسائر التي لحقت بنا رغم إننا لسنا طرفاً في هذا العمل لا من قريب ولا من بعيد. لأول مرة لا يجرم الفلسطينيون بأنهم طرف في "عملة" ما، ومع ذلك حصدوا أبشع أنواع العنف…


* تحدث الدكتور يوسف سلامة عن النجوع السياسي وأغفل الجانب الأخلاقي. د. برهان حيث أن معظم العرب كانوا مزدوجي المشاعر تجاه هذا الحدث .. هل هناك عنصر أخلاقي مستقل عن المواقف السياسية والميول الانفعالية يجدر بنا فرزه مما جرى وكان ينبغي إبرازه بصورة أكبر؟
* د. برهان: هل الإرهاب أخلاقي؟ هل هو ناجع؟ هل الاعتداء على أبرياء أو غير أبرياء من أجل تأثير على سياسات الدول أمر مبرر...؟ هذا يستحق النقاش وخاصة في العالم العربي حيث لم يناقش موضوع الإرهاب على الإطلاق، بل استخدم كشعار لاتهام الآخرين.
أهم المناقشات التي حصلت حول الموضوع هي التي جرت في روسيا بين البلشفيين حول تحديد الموقف من الحركات الإرهابية الأخرى وتحت شعار هل الغاية تبرر الوسيلة؟ هل قتل القيصر وهو مجرم ومدان مبرر أو قتل ابنه الخ؟
الموضوع أهم من 11 أيلول وسابق له. والإرهاب لم ينشأ مع 11 أيلول، فهو أحد أنماط العنف التي تستخدمها الجماعات لتحقيق أهداف يصعب تحقيقها بوسائل سياسية .
نحن كعرب اليوم حين نناقش الإرهاب يجب أن نطرح السؤال من طرفين. طرف أخلاقي: هل نسمح لأنفسنا قتل أبرياء لغايات شريفة ؟ وطرف سياسي: هل الإرهاب ناجع من الناحية السياسية؟ في كثير من الأحيان الإرهاب رد على إرهاب أو على إغلاق كل باب من أبواب التحويل الممكن حتى بعنف غير إرهابي لوضع واجب التحويل. فالمسؤولية السياسة تقع إلى حد كبير على الإرهاب الأصلي. مثلا يحدث في فلسطين قتل لأبرياء إسرائيليين ولكن سبب هذا هو انغلاق الباب أمام الفلسطينيين. ولكن يجب مع ذلك أن ندين الإرهاب، فقتل الأبرياء مدان بصرف النظر عن طبيعة الهدف والغاية .. هذا من حيث المبدأ، لكن إذا وقفنا عند إدانة الجانب الأخلاقي فقط نكون مخطئين سياسيا؛ لا نكون مخطئين أخلاقياً بل سياسياً. إذا أردنا تجاوز إدانة الإرهاب نحو إزالة الإرهاب يجب تحديد المسؤوليات السياسية بوضوح. في هذه الحالة ننتقل من المجرم أخلاقياً إلى المجرم السياسي الذي دفع الآخرين لاستخدام الإرهاب كحل وحيد للاحتجاج أو كوسيلة وحيدة للتعبير عن الذات.
أنا اعتقد أن الخطأ في موقف أمريكا والدول التي أدانت الإرهاب هو أنها وقفت فقط عند الإطار القانوني. هذا الموقف صحيح من منظور جنائي فقط: فمن يقتل إنسانا بريئا يجب إدانته. لكن عندما يصبح الإرهاب هو الوسيلة الوحيدة للاحتجاج، ويصبح الانتحار التعبير الوحيد عن مصالح لا يمكن التعبير عنها بوسائل أخرى، عندئذ تشمل المسؤولية القتلة والذين دفعوهم أو اضطروهم لسلوك سبيل القتل. وأمريكا تحاول اليوم أن تخفي المسؤوليات السياسية عن ظهور الإرهاب وتوسع انتشاره في فلسطين بشكل أساسي وفي العالم ككل. السياسة الأمريكية قائمة على إملاء القرار ولا تتسامح حتى تجاه حلفائها. إنها سياسة قائمة على الانفراد بالقرار ورفض الحوار والتفاوض، وهذا الانفراد والرفض هو المصدر الرئيسي للإرهاب. يتطلب منا الموقف الأخلاقي أن نأخذ بالاعتبار المسؤوليات السياسية عن الإرهاب، وهي التي يجب أن تدان إن شئنا إزالة الإرهاب من العالم.


* د. صادق: - سأبدأ بازدواجية المشاعر. فككل عربي كان لدي ازدواج في المشاعر وشمتّ في داخلي بالأمريكان. هذا على الصعيد العاطفي البدائي.. أما على صعيد التحليل السياسي والمردود وعلاقات القوة فهناك حكم من نوع آخر ..مثلا عندما ظهر فلسطينيون على التلفزيون يوزعون حلوى ويحتفلون بهذه الضربة، وظهرت أيضا جماعة السلطة الفلسطينية وبينهم أبو عمار يؤكدون بأن هؤلاء حفنة من الصبية لا عتب عليهم ونفوا فرحهم وشماتتهم، ثم ظهر عرفات وهو يتبرع بالدم لضحايا نيويورك…كنت وقتها في اليابان وقلت لهم إن ما يفعله عرفات هو "الزعبرة" وما فعله الصبية هو الشعور الحقيقي؛ ولا تتصوروا عربيا مهما يكن مستوى علمه ورجاحة عقله وتحكمه بنفسه ليس عنده شماتة بالأمريكيين أو ليس في داخله مساحة من الفرح لما حدث بغض النظر عن التحليل السياسي… أما إذا جئنا إلى التحليل فالمسألة لا تعود أخلاقية بل قضية سياسية. فالإرهاب هو سلاح الضعفاء أحيانا لأنه ليس لديهم أي خيار آخر. هذا يجب أخذه بعين الاعتبار. في الوقت ذاته أنا اعتبرت ما جرى ليس انتحارا فحسب بل هو تدمير للحركة الإسلامية كلها. فما قامت به القاعدة بهذه العملية هو تدمير الحركات الإسلامية التي ستتحول بعد 11 أيلول إلى ما يشبه ما آلت إليه الناصرية بعد هزيمة 1967.


* د. برهان كتبتَ في مكان ما أن وجهاً أساسياً لـ "الحرب ضد الإرهاب" موجهُُ نحو منع تبلور قطب أوروبي مناظر للقطب الأمريكي. وقرأتُ كلاماً لكيسنجر يفهم منه أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي كانت موجهة قبل 11 أيلول نحو التمايز عن أمريكا .. وأن الغلبة اليوم للوحدة الأطلسية، أي مع أمريكا، بمبادة نشطة من بلير وشرودر الخ. فما رأيك؟
* د. برهان - لقد وضعتُ ما قلت ضمن إطار تحليل التحولات الجيوسياسية لما بعد 11 أيلول. المطروح منذ حرب العراق 1990 إعادة بناء النظام الدولي على أسس جديدة: هل الولايات المتحدة تأمر وتقرر وتنفرد بالقرار أم أن للدول الأخرى دور كما كان خلال الحرب الباردة فيؤخذ برأيها ولها هامش استقلال…؟ حاولت الولايات المتحدة تحت قيادة بوش اليمينية أن تستفيد وتوظف حادثة 11 أيلول لإعادة أوروبا إلى بيت الطاعة بعد ظهور علامات تنافس حقيقي بينهما. والرهان في "الحرب ضد الإرهاب" في جزء منه على الأقل هو إعادة السيطرة على أوروبا أو إجبار الأوروبيين على أن يطيعوا من جديد ويتبعوا أمريكا.. إذ كلما تعزز الانفراج في العالم نما اتجاه أوربا نحو الاستقلال في المواقف وفي المؤسسات. وعلى العكس من ذلك تحاول أمريكا استغلال كل حدث للعودة إلى مناخ الحرب الباردة. فما فعلته حكومة بوش هو العودة إلى الحرب الباردة دون خصم أو عدو سوفييتي. ولا شك أن مناخ الحرب الباردة مناخ موحّد للمعسكر الغربي. وليس من قبيل الصدفة أن رأى هنتنغتون أن الحرب التالية لـ 11 سبتمبر دفعت إلى توحيد القطب الغربي من جديد بينما كان يواجه قبلها خطر الانشقاق. لذلك نعتبر أن تكريس وتعزيز السيطرة على الإدارة الأوربية النازعة أكثر فأكثر إلى الاستقلال هو جزء من الأجندة الأمريكية لما بعد 11 سبتمبر.


* سارعت الدول والكتل الكبرى إلى الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وعرض الخدمات عليها: الهند، الصين، أوروبا، روسيا… كيف نفهم هذه المواقف؟ وهل يحتمل أن يتكون "مجلس أمن" جديد بحكم الواقع وليس بالضرورة بحكم الحق( أي ليس بالضرورة أن تضم الهند أو اليابان لمجلس الأمن) يتكون من هؤلاء الكبار ويفرض إرادته على الصغار؟
* د.يوسف: من المؤكد أن الأطراف التي عرضت خدماتها على أمريكا فعلت ذلك إما تجنباً لضربة ما منها (ليس بالضرورة ضربة عسكرية… ربما عقاب اقتصادي، حرمان من مزايا إلخ كما حدث للصين التي لديها اقتصاد محتاج لفرص تصدير…)، ودولة مثل الهند بحاجة لحليف قوي ضد الباكستان من أجل فرض رأيها في القضية الكشميرية التي طالت حروبها ولم تحل رغم أنه تمت تجزئة الباكستان عام 1971 تحت الضغط الهندي نتيجة الحرب المعروفة وقيام دولة بنغلادش.
بهذا المعنى لا يوجد مجلس أمن دولي محتمل أن ينشأ خارج الأمم المتحدة. بل ولا يمكن أن يقوم حتى تحالف دولي ضد الإرهاب بالمعنى الحقيقي للكلمة. لأن الإرهاب ليس طرفاً حتى يقوم ضده تحالف دولي. وبالتالي ليس هناك من إمكانية لقيام مجلس أمن خارج الأمم المتحدة ولو لأن الولايات المتحدة لا تقبل بذلك. الهدف من تضخيم حدث 11 أيلول هو انفراد الولايات المتحدة بدرجة أكبر بالقرار الدولي, وهي لا تستطيع أن تتصور وجود شريك لها بصورة أو بأخرى في اتخاذ القرارات الأساسية والمصيرية في السياسة الدولية. ومن هنا كما قال برهان إذ كانت أوروبا نفسها مطلوب ضبطها أمريكياً وإعادتها إلى الجادة المستقيمة، فما بالك بدولة مثل الهند أو إندونيسيا أو دول الشرق الأوسط أو لبنان أو مثل الحركات المعارضة الصغيرة؟ في النهاية، لا تقبل الإدارة الأمريكية اقتسام القرار مع أي طرف في العالم، وعلى الأطراف العالمية الأخرى أن تعرف مصالحها. فإما أن تكون مع الولايات المتحدة وفي هذه الحالة لن تخسر شيئاً، وإما أن تتجنب عقاب الولايات المتحدة وفي هذه الحالة قد تربح شيئاً. وأنا لا أقول إن هذا يجب أن يظل أبدياً ولكنه وصف للوقائع فقط.


* كان القصد من السؤال هو أن الدول الكبرى لم تعد ترى أن مصلحتها تكمن في منازعة الولايات المتحدة بل في التفاهم معها بطريقة من الطرق مع التسليم الصريح بتفوقها وأرجحيتها العالمية. بينما ستبقى الدول الأفريقية ومعظم الدول العربية أو كلها وبعض دول أسيا وأمريكا اللاتينية خارج المركب ووضعها ميؤوس منه تماما.. بتقديري بعض الدول مستفيد ماديا أو اقتصادياً وبعضها مستفيدة أمنيا أو عسكرياً وثبتت وجودها العالمي، بمعنى أنها مشاركة بشكل من الأشكال في نظام السيطرة الدولي وإن بموقع ثانوي، وبعض الدول أصبحت موضع سيطرة نهائية ومهددة بالانهيار والخروج من اللوحة العالمية...


د. صادق: أوافق مع د. يوسف ولن أكرر. بهذه الحالة الاصطفاف مع أمريكا له مردودات كثيرة بعضها إيجابي وبعضها سلبي. أثناء الحرب الباردة كان للاصطفاف مع هذا أو ذاك وحتى الوقفة في المنتصف ثمن يفترض دفعه، لكن الآن الوقوف مع أمريكا لا يعني الكثير. وكما قال الدكتور يوسف ليس الإرهاب طرفاً كبيراً فاعلاً يجب أن يحسب له حساب. وهناك مسألة أخرى بعض هذه الدول التي ذكرتها استفادت، مثل الهند وغيرها، لأنها تعاني من حركات داخلية أصولية أو مسلحة أو إرهابية وفي بعض الأحيان انفصالية. هذه مناسبة لها لكي تفرض سيطرتها عليها. وبعض هذه الحركات كانت أمريكا تغذيها ضمناً أو صراحة، لإضعاف الصين مثلا كما في التيبت. الآن أمريكا توقفت عن مثل هذا الدعم أو اللعب بالحركات الداخلية، وهذا مكسب لبلد مثل الصين. أما بالنسبة للبلدان العربية فقد تعرض بعضها لحروب أهلية أو شبه حروب أهلية وتعرض رؤساء بعضها لمحاولات اغتيال، لذا فهي مهيأة لمسايرة الولايات المتحدة بغض النظر عن التقييم. نحن نصف واقع وحالة راهنة .


* يتحدث إنياسو رامونيه في لوموند دبلوماتيك عن هشاشة العولمة وميل الأمريكيين لإنشاء جهاز أمن لها إما بالبناء على الناتو أو عبر اتفاقات ثنائية تكون أمريكا طرفاً دائماً فيها .. سؤالي المتصل بالسؤال السابق: هل نتجه إلى حالة طوارئ عالمية مديدة، ديكتاتورية عالمية، نظام حزب واحد عالمي؟
* د. برهان ـ نحن نعيش فعلا حالة دكتاتورية عالمية. لا يوجد أي مشاركة حقيقية لأغلب سكان البشرية، مجتمعات ودول، في تقرير السياسات العالمية. هذه السياسات تقررها اليوم الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها أمريكا، وأحياناً بعض الأمور تقررها واشنطن وحدها. ولا أعتقد أن خيار العولمة أو سياسة العولمة منفصلة أصلا عن الأمن وعن بناء نظام للأمن. كما لا أعتقد أن واشنطن بعد 11 أيلول فقط أصبحت تفكر باستخدام الناتو كوسيلة للدفاع عن مصالحها وللدفاع عن سياساتها واستراتيجياتها بما فيها استراتيجية التجارة العالمية وتطوير سوق التجارة العالمية، المسألة مسألة استمرار. أنا أيضا بالعمق لا أعتقد أن الولايات المتحدة غيرت بعد 11 أيلول أجندتها. أعتقد أنها ستستغل وتوظف 11 أيلول لتحقق في أحسن الظروف أجندة كانت تتعرض إلى مقاومات عديدة جداً بما فيها في أوروبا، في المفاوضات والتجارة الخ وكذلك في العالم الثالث.
قد يكون تحليل رامونيه دقيقا أو لا يكون، لكن الأوضاع الجديدة بعيدا عن إظهار هشاشة العولمة يمكن أن تؤثر على حركة مناهضة العولمة وتضعفها. شيء آخر: لا يمكن للولايات المتحدة أن تتخلى عن العولمة. وعندما نقول أن الأولوية اليوم لفكرة الأمن والسيطرة هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستتخلى عن العولمة، لكن الأولويات الآن هي للأمن والسيطرة. والعولمة اليوم هي النقطة الثانية للأجندة الأمريكية. لذلك يمكن للولايات المتحدة اليوم يمكن أن تقدم بعض التنازلات للدول الأوروبية والكتل الصناعية الكبرى في المفاوضات في إطار منظمة التجارة العالمية من أجل أن تضمن تعاونها الأوثق في مجال إعادة بناء نظام دولي قائم فعلا على هيمنة مباشرة وشرعية على الدول التي يسمونها مصادر الإرهاب، والتي هي أساسا منطقتنا في الشرق الأوسط وربما أفريقيا وبعض مناطق آسية وأمريكا اللاتينية .


* د. صادق: هم يقدمون تنازلات في النهاية للأقوياء. بالفعل، حتى الصين قدمت تنازلات نستغربها لأننا نعتبرها قوة حقيقية، أما باقي الدول فهي هامشية الدور في العملية. ما المقصود بشيء مثل هشاشة العولمة؟ العولمة process (صيرورة) تنطلق من دول المركز باتجاه الأطراف ويبنى لها مؤسسات وإدارات، وسيبنى لها أمن أيضا. وهذا يكمل بعضه كما هو الحال في أوروبا عندما بنوا الإتحاد الأوروبي لم يكتفوا بمؤسسات مصرفية وتجارية وحكومية وبرلمان فأضافوا مؤسسة أمنية تحمي أمن مصالحهم. وأعتقد أن هذا ينطبق على process العولمة إذا استمر ولم ينتكس ويتراجع. أحياناً الحركات التاريخية تنتكس وتتراجع إلا إذا استمرت قوة دفعها وازدادت مؤسساتها وكثرت وتوسعت.


* د. سلامة ـ لا يمكن تصور وجود أي انفصال في داخل نظام القوة. نظام القوة الاقتصادي بحد ذاته ينطوي على نظام قوة أمني. فالعملية الاقتصادية لوحدها غير كافية للتحكم بالناس والهيمنة عليهم وفرض المصالح والدفاع عنها. فمن هنا أنت محتاج لنظام قوة آخر، وهذا ما يفسر أن الولايات المتحدة لها أساطيل جبارة منتشرة في كل محيط في العالم وقادرة على خوض حرب في المنطقة التي توجد فيها وكسبها غالباً. هذا معناه أن نظام القوة سابق على فكرة العولمة. فكرة العولمة بحد ذاتها إذا كانت القاعدة الأساسية التي تنطلق منها هي القاعدة الاقتصادية فالقاعدة الخفية التي يستند إليها النظام الاقتصادي هي قاعدة أمنية مؤلفة من جهاز استخباراتي قوي وجبار قادر على الاستطلاع والتنبؤ ومن قوة عسكرية قادرة على التدخل في أي مكان في العالم. وهذه التجربة أثبتت صحتها ابتداء من حرب الخليج الأول والثانية وفي الأحداث التي تلت 11 أيلول. واليوم يبدو أن هذا التداخل الأمني الاقتصادي سيصبح نمطا واضحا وبارزا وقوي المعالم في الأحداث الدولية التالية. الآن في أفغانستان أو في الباكستان لا ينفصل العمل العسكري عن العمل الأمني، ولا عن نظام المساعدات الاقتصادية للفقراء الأفغان… مما يعني أن هناك نظام سيطرة أكثر تعقيدا مما كنا نشهد في الفترات السابقة. ففي نفس الوقت الذي تشن فيه الولايات المتحدة غاراتها على الأفغان تمد اللاجئين الأفغان ببعض وسائل الحياة الضرورية التي تبقيهم أحياء. هذا نظام سيطرة معقد، نظام قوة معقد، يحتاج إلى تحليل أكثر تفصيلاً.