الحوار المتمدن: حول القضايا العربية

2004-06-16 :: الحوار المتمدن

ترجمة :

هشام القروي - الحوار المتمدن

 

في هذا الحوار الذي أجريته معه مؤخرا في باريس, تحدث المفكر العربي الكبير الدكتور برهان غليون بصراحته المعهودة عن كل المواضيع الفكرية والسياسية التي طرحتها عليه. وقد دام اللقاء حوالي ثلاث ساعات في غرفة مكتبته التي تصطف على رفوفها الكتب العربية ( وسواها) والتي من حيث طابعها تبدو واحة شرقية في قلب باريس. وكانت الضيافة على الطريقة العربية السورية: عدد غير متناه من فناجين القهوة, والحلويات الشامية, التي لا يزال مذاقها في فمي – للذتها ولإفراطي في تناولها! وقد بدأ الحديث عن المواضيع الفكرية العامة التي عالجها برهان غليون في كتبه, وكنت أحضرت معي بعض الأسئلة. ولكن ما أن استرسل الحديث, وتشعبت المسائل, حتى تركت جانبا تلك الأسئلة, ورحت أثير غيرها مما له صلة بكل المواضيع المطروحة على الساحة اليوم: فلسطين والعراق وما وقع في سوريا والمغرب والمملكة السعودية ومصر والسودان والجزائر...وتصورات القوميين والاسلاميين وغيرهم من الحركات والحساسيات والأنظمة العربية والغربيين لحل الأزمة او ادارتها, أو تقديم الاصلاحات أو سواها من التسويات والاطروحات.

  

* منذ نشر "بيان من أجل الديمقراطية" في سنة 1979, يقرنك البعض بتيار فكري يؤكد على الدمقرطة من وجهة نظر الأقليات والمجموعات الصغرى، وهو ما يتميز عن التيار الذي يمثله عبد الله العروي ومحمد عمارة ومحمد سعيد العشماوي، والذي يؤكد على الدمقرطة من وجهة نظر العصرنة في الثقافة الاسلامية. هل تتعرف على نفسك في هذا التصنيف ؟

* كلا، أبدا. لا أرى نفسي مشمولا بهذا التصنيف. أعتقد ان عملي تمثل في الدعوة لدمقرطة بالمعنى التقليدي للكلمة، أي إقامة نظام ديمقراطي يعترف أولا بالأفراد كمواطنين، ومن ثم لجميع المواطنين بنفس الحقوق والواجبات بغض النظر عن أصولهم القومية أو الثقافية. هذا هو الأساس في رأيي. بيد أنه يتعين طبعا على نظام ديمقراطي ينتمي الى القرن الحادي والعشرين أن يكون مسؤولا عن - وبالتالي أن يفكر بطريقة أعمق في - قضية الأقليات التي تفرض نفسها اليوم على جميع الأمم بما فيها الأمم الديمقراطية الغربية. وقد كرست أنا نفسي في هذا السياق الفكري الديمقراطي كتابا يعالج العلاقة بين الدمقرطة ومسألة الأقليات الدينية والأقوامية.

 

 * في كتابك " المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات" تقول : " ان العلمانية تزهو برجوعها الى تاريخ النزاع بين الكنيسة والدولة في الغرب. ولكن بقدر ما كان هذا التيار ملائما لبروز فكر حر في أوروبا، بقدر ما برر في العالم العربي العدوان على الحريات الأساسية، بصفته ايديولوجية الطغيان التحديثي". أليس هناك أمل اذا بأن تبرز العلمانية يوما مقترنة بنور الديمقراطية عند العرب؟ وإذا أمكن ذلك، أفلن يحوي شرط حدوثه مفارقة تعني الاعتراف بالاسلاميين الذين لا يعترفون بالعلمانية؟
* لقد عبرت عن هذه الأفكار في الواقع كرد على اولئك الذين باسم الدفاع عن العلمانية يتخذون موقفا غير ديمقراطي، ويشتركون مع الأنظمة السلطوية القائمة – وأتحدث هنا عن المثقفين وعن الحركات السياسية - في مجابهة صعود الاسلاميين. في ذلك الوقت، كنت أعتقد أن الخطاب العلماني وقع توظيفه لخدمة أهداف منافية للعلمانية نفسها، بصفتها احدى ركائز الديمقراطية والمساواة بين المواطنين. وبرأيي أن العلمانية عنصر أساسي في تاريخ التطور الديمقراطي ، واليوم تمثل الديمقراطية نفسها تجاوزا لمسألة العلمنة، واقصد أنه منذ الوقت الذي نعترف فيه بالمساواة في الحقوق والواجبات بين كل المواطنين ، وكذلك بحرية التفكير وحرية التعبير، فإن المسألة تغدو محسومة. لا يوجد دين علمانية. وهذا يعني بالنسبة لي حرية الوعي والتعبير، ببساطة. هذا لكي أجيب عن الجزء الأول من سؤالك. أما فيما يتعلق بالجزء الثاني منه، فلا أعتقد أن العلمانية تسلك نفس الدروب في الغرب والشرق، او في آسيا وافريقيا، فهي ليست شيئا مجردا. كل المجتمعات في نظري شهدت ظاهرة العصرنة أو بروز القيم الدنيوية وتقدمها على القيم الدينية في التفكير بالمستقبل وبتنظيم الحياة الدنيا، أو أنها تخلت عن المرجعية الدينية في التعبير عن العديد من نشاطاتها، لتؤسس مجالات العمل في السياسة والاقتصاد والقضاء على قاعدة عقلانية ، أو باعتماد العقل كمرجع. بيد أن العصرنة، أو أسبقية القيم الدنيوية، لا تنتج بالضرورة في كل مكان ايديولوجية العلمانية، ذلك الوعي المتطور الذي نصطلح عليه بهذه التسمية. يمكن أن نكون ذوي نزعة دنيوية قوية، أي محدثين، - من حيث أن الحداثة تعني كذلك التركيز على القيم الزمنية والتاريخية – دون أن يؤدي ذلك ضرورة الى العلمانية، فهذا ما يمكن لنا ملاحظته في مجتمعات عديدة، أي دون أن يوجد ضمن الوعي الجماعي لشعب ما فصل واضح بين ما هو عائد بالنظر للدين وما هو عائد بالنظر للسياسة المدنية.هذا ما يجعلني أميز بين ايديولوجية العلمانية أو خطاب العلمنة وبين الوقائع التاريخية للتحول نحو القيم الدنيوية الذي سميته النزعة العصرانية التي يطلق عليها باللاتينية (سيكولاريزم ) والعصرانية والعصرنة مشتقة من العصر أو الزمن كما هو الحال في الكلمة اللاتينية. ان كل المجتمعات والأمم تسير نحو هذه القيم بمجرد أنها تنخرط في الحداثة والتحديث، الا أنه لا يفترض فيها جميعا انتاج خطاب حول العلمانية. فنحن نرى اليوم بوضوح أنه لا يوجد نفس الخطاب بشأن العلمانية في فرنسا والولايات المتحدة، في الوقت الذي نعرف فيه أن المجتمع الامريكي مثله في ذلك مثل المجتمع الانجليزي معصرنان بشكل عميق. وأما في العالم الاسلامي، فأعتقد أن الوضع مشابه تقريبا، حيث أن المجتمعات الاسلامية معصرنة بطريقة لا رجعة فيها من حيث انخراطها في الحداثة واقبالها على التحديث. ولكن من الصحيح أيضا أن الايديولوجية العلمانية – ولأسباب مختلفة – لم تتطور من ناحية، و من ناحية أخرى فحتى ذلك التيار العلماني الذي كان له بعض الصدى في وقت ما داخل الثقافة العربية نراه يتراجع منذ سنوات بسبب تدهور المناخ السياسي والثقافي والنفسي كنتيجة لهذه المواجهة بين الاسلاميين والأطراف المنافسة أو المعادية لهم.


* هل يمكنك أن توضح أكثر الفرق بين العصرنة والعلمانية؟
* أعرف العصرنة بأنها تلك النقلة التي تحدث في كل المجتمعات من المرجعية الدينية الى المرجعية العقلانية... انها التعبير عن موقف جديد عفوي وطبيعي لا يرى الفرد فيه المجتمع والعالم والتجربة التي يعيشها فيهما من خلال منظورات الدين وقيمه الرئيسية، أي من وجهة نظر الحياة الأخرى والمآل النهائي للانسان وإنما من وجهة نظر الحياة الدنيا، أي الفعالية والانجاز وتحقيق الذات والسعادة الأرضية. وكلها قيم مرتبطة بالحياة الدنيا وبتحسين شروط هذه الحياة والارتقاء بها عن طريق العقل والخبرة المتراكمة عبر الزمن، في مقابل الخبرة المستمدة من النصوص الدينية والوحي والالهام الرباني. وهذا الموقف الجديد الذي يسيطر أكثر فأكثر مع الحداثة على سلوك الناس ووعيهم ليس مستمدا من عقيدة أو مرتبطا بها ولكنه قائم في شروط الحياة الحديثة نفسها. إنه محصلة للحداثة التي تقود إلى تعظيم القيم التاريخية والعملية والسياسة المدنية على حساب القيم الرمزية أو ذات الطابع الالهامي واللدني والسحري. فهناك من ناحية الواقع التجربي والتاريخي للحداثة الذي يدفع كما ذكرت إلى الاعتماد بشكل أكبر على العقل والخبرة الزمنية المتراكمة والتنظيم السياسي والمدني، وهناك من ناحية أخرى الايديولوجيا، أي وعي الواقع التجريبي وإضفاء معنى عليه. وفي نظري أن التوجهات العصرانية أو التاريخانية هي توجهات عملية تفرضها الحداثة ولا تنبع من الاعتقاد، وهي قسرية، أي لا بد أن يخضع لها جميع الأفراد وجميع المجتمعات بصرف النظر عن اعتقاداتهم الدينية ما أن يدخلوا مجال الحداثة. بل إن هذه التوجهات الحتمية المرتبطة بالحداثة تغير مفهوم الأفراد للدين وعلاقتهم به وبالشأن القدسي معا. فتحن لا نتدين اليوم كما كان يتدين أجدادنا أبدا ونفهم الدين بطريقة مختلفة كليا، وهو ما تعكسه التأويلات العقلانية والتاريخانية والديمقراطية المستمرة والمتزايدة للدين نفسه، عندنا وعند المجتمعات الأخرى جميعا. فلا يمكن تبني التحديث من دون تبني قيم السياسة المدنية لأن الحداثة ليست هي نفسها شيئا آخر سوى ترسيخ الاعتماد في سلوكنا وفكرنا على معايير العقل والتجربة والسببية وحصيلة التجارب التاريخية البشرية والانطلاق منها لإعادة بناء المؤسسات المجتمعية وقواعد العمل ومباديء السلوك والتعامل بين الأفراد داخل المجتمعات . لا يمكن اقامة دولة حديثة مثلا من دون قانون وضعي يستند في وجوده على خبرة قانونية زمنية، أي معتمدة على نشاط عقلي ومباشر لهيئة تشريعية بشريه. وهو ما يجعل منه قانونا او تشريعا قابلا للتغيير والتعديل حسب حاجات المجتمع وتطور خبرته التاريخية بعكس التشريعات الدينية المستمدة من الوحي أو النص المقدس والتي لا يمكن تغييرها ولا تعديلها لأنها لا تستند إلى مرجعية بشرية ولكن إلهية. لا يمكن اقامة دولة حديثة على أساس تشريع ديني يعتمد على تأويلات الفقهاء ورجال الدين الذين لا يمكن أن يسعوا في تشريعاتهم إلى شيء آخر سوى مطابقة سلوك المؤمن مع الأوامر الإلهية في الوقت الذي يهدف فيه التشريع الوضعي إلى تحسين شروط حياة الفرد في الأرض والارتقاء بسلوكه ليكون متفقا أكثر مع متطلبات التجربة التاريخية أو مع الخبرة الزمنية. فالتشريع الوضعي النابع من التجربة البشرية والهادف إلى تطويرها في الوقت نفسه من حيث هي تجربة الحرية والتحرر من القيود الطبيعية والايديولوجية في سبيل زيادة الفاعلية التاريخية هو النسيج الاساسي للتحديث. وهذا ما أوضحه ماكس فيبير بشكل جيد ، عند حديثه عن العصرنة والعقلنة في المجتمعات الحديثة. وأعتقد أن معنى الحداثة هو العقلنة، أي تقديم المرجع العقلي على المرجع الديني في كل مجالات العمل الجماعي والاجتماعي، أي في كل ما يتعلق بالحياة على الأرض. فالانطلاق من القيم والمعايير الزمنية أو التاريخية هو شرط تحسين شروط هذه الحياة وتحقيق السعادة الأرضية .
أما العلمانية، فهي ايديولوجية خاصة رافقت تطور قيم الزمنية والتاريخية العقلانية وعكست نوعا من التنظير لها، أي من فهمها وإضفاء معنى أخلاقي عليها في الوقت نفسه. فالعلماني لا يرضى بأن يتصرف فقط في حياته وسلوكه من وجهة نظر القيم والمعايير الزمنية أو المستمدة من التجربة والخبرة البشرية ولكنه يعتقد أكثر من ذلك أن هذه القيم والمعايير تشكل بحد ذاتها مرجعية قائمة بذاتها. وهو يسعى إلى ربطها بهذه المرجعية التي تعني سيادة العقل والتجربة على ماعداهما حتى في ممارسة التجربة والشعائر الدينية. إن العصرنة سلوك عملي وإحساس داخلي وتوجهات وتطلعات عميقة داخلية عند الأفراد أما العلمانية فهي مبدأ فكري وعقيدة يدافع عنها في مواجهة عقائد أخرى، وبشكل أساسي في مواجهة العقيدة التيولوجية التي تبني أو تسعى إلى أن تبني كل التجربة البشرية التاريخية، الفكرية والسياسية معا، على مرجعية وأصول دينية.
ولم تترافق جميع عمليات التحديث في العالم والمرور من اللاهوتية إلى العصرانية بنشوء وتطور عقيدة علمانية واضحة وواعية لذاتها. فالأمر يتوقف على الظروف والسياقات التي حصلت فيها الحداثة والعلاقات التي ميزت الصراع بين السلطة الدينية والسلطة السياسية-المدنية في صيروة الحداثة والتحديث التاريخية. ولم يحصل الدخول في الحداثة في المجتمعات العربية في سياق الصراع بين سلطة كنسية متحالفة مع النظام القديم وسلطة سياسية-مدنية ناشئة جديدة في المجتمع المدني ولكنه حصل في العديد من الحالات في سياق تطور النخبة الدينية نفسها وتحت رعايتها وإشرافها. إن العقلانية العربية مثلا نشأت في سياق الاصلاح الديني والتأويل العقلاني الذي رافقه على يد رجالات مثل الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما في مواجهة النخبة الدينية الرجعية والمحافظة.
إذن ليس من الضروري أن نتتج جميع تجارب التحديث في ثقافتها تصورات متماثلة سواء أتعلق الأمر بالعلمانية أو غيرها من التوجهات الحديثة. وغياب الايديولوجية العلمانية القوي في المجتمعات العربية لا ينبغي ان يدفع إلى الشك في قدرة هذه المجتمعات على استيعاب قيم الحداثة والانخراط فيها. فأنا أعتقد أن مجتمعاتنا مجتمعات حديثة ومعصرنة بالرغم من سيطرة الايديولوجيا الاسلاموية اليوم على الساحة. بل على العكس من ذلك، حتى الاسلاموية نفسها أرى فيها تعبيرا عن هذه العصرنة العميقة التي تجعل من التنظيم السياسي والمؤسساتي قطب الرحى في تأسيس العلاقات الاجتماعية مقابل الرهان الشامل للنظام الديني على الايمان. غير أنني لا أرى أن المجتمعات العربية مقبلة على تبني ايديولوجية علمانية قوية، أو أن هذه الاخيرة ستكون تيار الأغلبية السائد. فحتى في فرنسا، لا أراها تمثل تيار الأغلبية ، وإنما هي الحساسية الغالبة. ولا أراها ستمثل في البلدان العربية أيضا الحساسية الغالبة. فسيكون هناك على الدوام تيار علماني سيؤكد نفسه بصفته تيارا راديكاليا ضمن اطار الصيرورة التاريخانية والتحديث، دون أن يحظى بالهيمنة، بحيث سيوجد أيضا دائما تواؤم بين العصرنة الاسلامية والعربية وبين المرجعية الدينية.


* ثمة من يؤاخذك على اهمال فترة الليبرالية السياسية في مصر، في تحاليلك. أذكر على سبيل المثال الباحث الفرنسي أوليفييه كاريه الذي كتب في " القومية العربية" قائلا ان غليون لم يول اهتماما للفترة الليبرالية العربية السابقة ل 1950في مصر، والتي بالرغم من أنها كانت فعلا تحت الرقابة الاجنبية، فإنها في المنظور البعيد مثمرة، بحيث نراها تبرز اليوم مجددا.
* لا أظن أنني أهملتها، وانما قلت انها كانت مرتبطة بوضع جيوبوليتكي وسياسي خاص وأن ليبرالية ذلك العصر لا تعبر عن توازنات نهائية داخل المجتمعات العربية بقدر ما تعكس ميزان القوى كما ساهم في تكوينه الاحتلال. ولذلك ما إن تغير الوضع الجيوسياسي الاستعماري حتى انهارت النظم الليبرالية العربية. إن ليبرالية وتعددية حقبة الاحتلال أو الوصاية الأجنبية لا تعكس في نظري نضج الشروط الداخلية لقيام ديمقراطية عربية مستقرة، أي لا تعكس وضعا أصبح فيه الشعب صاحب السيادة الفعلية وأصبحت فيه السلطة السياسية انعكاسا لوجود إرادة شعبية ديمقراطية أو سيطرة شعبية حقيقية على السلطة ومصادرها. إن الديمقراطية ينبغي أن تنبع من تحولات عميقة داخل التوازنات المجتمعية الداخلية تنحو نحو تأكيد السيادة الشعبية وتحويل الشعب بالفعل إلى مصدر السلطات. والحال أن ليبرالية حقبة الاحتلال والوصاية كانت تشير إلى الوضع المعاكس، أي أن مصدر السلطة الحقيقي هو القوى الخارجية المسيطرة. وهو ما نواجهه اليوم مع دعوات الدمقرطة الأمريكية.


* يبدو أن الخلاف بينكما عائد اذا الى خلاف في الرؤية. من ناحية أخرى، فقد وصفوا كتابك "المحنة العربية" بأنه نابع من "تشاؤم جليدي". هل صحيح أنك كنت تنوي اعطاءه عنوان " موت الأمل العربي"؟
* كلا، اطلاقا. لقد كان العنوان منذ البداية هو "المحنة العربية". ثم انني لا اعتقد أنني كنت متشائما. والمرحلة التي يمر بها اليوم العالم العربي وكذلك كل ما يبديه المتابعون للوضع، الاجانب والعرب أنفسهم، من ملاحظات بخصوص التبعية والوصاية ، يؤكد أن ما توقعه هذا التحليل من غياب آفاق الحل السريع واستمرار التدهور لم يكن تشاؤما ولكن تقديرا واقعيا للوضع. يمكنك أن تقول انني كنت متشائما لو أن تحليلي للمحنة العربية كان خاطئا وان العرب خرجوا من أزمتهم بأسرع مما كنت أتوقع. لكن لا أعتقد أن ما حصل منذ خمسة عشر سنة – أي عندما ألفت الكتاب- يثبت العكس. ولو لم أكن متشائما كما تقول لكنت ساذجا في التفاؤل وبالتالي صاحب تحليل رغبوي لا واقعي ولا موضوعي. نحن لا نزال نتخبط في الأزمة المحنة وسوف نستمر نتخبط فيها لفترة طويلة قادمة لأن جميع المؤسسات التي قام عليها الوضع العربي ما بعد الاستقلال تتعرض اليوم للتفكك والانهيار قبل أن ننجح في بلورة رؤية واضحة للمؤسسات البديلة و في تكوين النخب الجديدة المتمثلة لقيمها وقواعد عملها والقادرة على تسييرها.


*  فمن أين أتى هذا العنوان الخيالي الذي ألصقوه بكتابك اذن؟ ..."موت الأمل العربي"!
* لا أعرف، ولكن ما شرحته في "المحنة العربية" يتعلق بما سميته موت الوطنية الشعبوية التي نشأت في البلدان العربية بعد الاستقلال، دون أن يعني ذلك أنني أردت الانتقام من هذه الوطنية. على العكس من ذلك، لقد قلت انها قوة حملت العالم العربي لمدة عقود وجعلته يطمح الى احداث ثورة تغيير شامل في بناه ، ولكنها تاهت في الطريق ولم تجد النفس الثاني للاستمرار. وهذا يعني أنه لم يعد هناك قوة حاملة للتغيير، مما فتح المجال على سعته للاسلاموية ، التي لا اعتقد أنها حاملة لأمل كبير أيضا للعالم العربي.


* عندما نتجه بأنظارنا الى الخلف، خاصة ما يهم العلاقات بين العالم الاسلامي والغرب منذ نهاية القرن التاسع عشر، يبدو وكأن القومية العربية – التي كان صعودها مكتسحا في فترة الخمسينات والستينات – لم تكن سوى حلم وجيز. كان من شأن هزيمة 1967 أن تؤدي الى انحسار للتيار القومي الناصري...والبعض في هذا السياق يتحدثون عن "موت قبل الأوان"... هذا في الوقت الذي بدا فيه أن سقوط صدام حسين ينهي فصلا حزينا من "كتاب" البعث. برأيك، في النهاية أليس أكثر بساطة ان نختار خليفة ونرتاح؟
* كلا. أعتقد أن الايديولوجية البعثية لما بعد الناصرية تعكس انحطاط الفكر القومي العربي أكثر مما تعبر عن هذا الفكر. وسبب هذا الانحطاط الرئيسي هو صعود الناصرية التي مثلت كحركة وطنية عربية لحظة أكثر نضجا وحيوية وشمولا من البعثية وأدانتها بالتشرنق على نفسها والمراهنة على القواعد الزبائنية والعشائرية للحفاظ على البقاء. فالناصرية التي ارتبطت بقيادة زعيم كرزماتي فعلا واستندت على دولة كبيرة ذات موارد وتقاليد مؤسسية أهم تحولت بسرعة إلى حركة شعبية جارفة جعلت البعث يبدو أماما كلعبة قديمة مفوتة. لقد بعثت الناصرية بالفعل الأمل في نفس الجماهير التي بقيت محرومة لقرون من الكرامة والحرية والحضارة وأخرجتها جميعا من عزلتها وأوكارها إلى ميدان الحياة السياسية والعامة، إلى الأمل والتفاؤل والنهوض. والحقيقة أن آمال التقدم لم تكن معدومة في ذلك لو استطاع العرب أن يوحدوا أنفسهم, أو لو اتبع القادة العرب – بما فيهم عبد الناصر – أسلوبا أكثر عقلانية ورصانة وجدية في معاركهم العديدة التي خاضوها ضد أعداء العرب وفي ما بين القوى الوطنية العربية أيضا. ولو فعلوا ذلك لما وقعوا في فخ حرب 1967 الذي نصبه لهم أعداؤهم. كان هنالك أمل بالتأكيد، لكن العالم العربي لم يعرف كيف يمسك ببرهة الأمل الذي انفتح له في تاريخه الحديث. في الغرب، رأوا في القومية العربية نزعة للهيمنة والتوسع أو نوعا من احياء التراث الاسلامي والخلافة. وهذا مخالف للصواب. فالناصرية – والحركة القومية العربية عموما- كانت في العمق واسطة تحديث وعصرنة في العالم العربي، عكس ما تصور الغربيون. ولا أرى أننا اليوم بحاجة الى خليفة، بقدر ما نحن بحاجة الى مواطنين... بحاجة الى برهة ازدهار ثقافي وسياسي للخروج قليلا من مأزق الوضع الحالي، بما يعيد للأفراد في المجتمعات العربية شيئا من الأمل، اذ أنهم برأيي يعيشون فعلا في يأس.


* المثقف العراقي كنعان مكية حاول في أحد كتبه أن يبحث عن عاهات نظام صدام في صلب ثقافة النخبة العراقية. وألاحظ أن هذا التمشي هو ذاته الذي نجده لدى عدد آخر من الباحثين والمفكرين الذين رأوا أن بذور الإنحراف الشمولي موجودة في نصوص المفكرين القوميين العرب الأوائل من أمثال زكي الارسوزي ، وساطع الحصري، وميشيل عفلق، وغيرهم. هذا ما يذكر من ناحية أخرى بالفلاسفة الجدد في فرنسا وموقفهم من النصوص الماركسية. نجد أندريه جلوكسمان يقول مثلا "ابحثوا عن الجولاج ( المعتقلات السيبيرية) في كتابات ماركس". والسؤال هنا هو: ماذا لو كان الارسوزي وعفلق والحصري وعبد الناصر، أي ذلك الجيل الأول من المفكرين القوميين، على خطأ؟ أليس في هذا ما يمكن أن يفسر هذا التيه الذي نحن عليه اليوم؟ ومن ناحية أخرى، إذا كانوا مصيبين، فهل يعدو التاريخ العربي المعاصر الا أن يكون اذا " نتاج مؤامرة أوروبية- أمريكية"، كما يقول جورج قرم؟ وفي هذه الحالة ، فالحداثة السلطوية قد تكون أخذت مجرى ناجحا في العهد الناصري، بيد أنه وقع ايقافها أو عرقلتها اراديا من طرف القوى الغربية، بحيث يجوز القول ان في ذلك اعادة انتاج لسيناريو الصراع مع محمد علي باشا بعد حوالي قرن من الزمن. هل هذا ما يمكن قوله أيضا عن نظام صدام؟
* لا أعتقد أن السلطوية أوالديكتاتورية التي يشهدها العالم العربي موجودة في نصوص عفلق أو البيطار أو أي من المفكرين القوميين . والواقع أننا اذا عدنا الى النصوص النظرية التأسيسية لحزب البعث فسنجد أن الخيارات كانت ليبرالية ، حيث هناك كلام عن جمهورية برلمانية تمثيلية وانتخابات حرة وغير ذلك. ولا أجد في فكر الحصري ما يوحي بتبني أنظمة متسلطة أو شمولية , بل على العكس من ذلك تماما، أرى أن ذلك الجيل من المثقفين العرب كان يميل أكثر الى الافكار الليبرالية والانظمة البرلمانية. الحقيقة أن الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي شبيهة بغيرها من الديكتاتوريات الحديثة في افريقيا وآسيا واوروبا الشرقية تتبنى في الغالب ايديولوجية تقدمية وتتحمس لتغيير سريع للمجتمعات. لم يكن ستالين بعثيا ولا ناصريا ولا قوميا عربيا، وكذلك هو حال أمثاله من الحكام في أوروبا الشرقية سابقا. ولكن برأيي أنه في لحظة ما, ساد الاعتقاد في كل مكان من العالم,- ولم يكن ذلك تحت تأثير الماركسية وحسب ، وانما أيضا بفضل ما تحقق للاتحاد السوفياتي من قوة وتفوق، - أن الانظمة التي يغلب عليها الطابع المركزي الأولوي للدولة هي أكثر ملاءمة لتطوير الدول النامية واخراجها من تخلفها الاقتصادي والسياسي من الأنظمة الليبرالية والديمقراطية, التي اقترنت – حسب التصورات السائدة في كل مكان – بالفساد وغياب النمو الاقتصادي وسيطرة قوى المحافظة والتقليد وبتدهور النخب ، وتكاثر النزاعات واحتدادها حتى داخل تلك النخب، أو بالجمود. لذلك، كان هناك ميل، في العالم العربي كما هو الحال في ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، الى تلك الأنظمة التي تتميز بسيطرة الدولة. وبأية حال، فليس العرب من أطلقوا شعار أن "السلطة تنبع من فوهة البندقية"، وانما هو ماوتسي تونغ. ومن الصحيح أيضا أن أغلب الناس اعتقدوا أن هناك حاجة ماسة للعمل الطليعي ولممارسة الإرادوية وعصب الواقع والقفز عنه لتطويع التاريخ، وحرق مراحله، وتسريعه لتحقيق التقدم المطلوب. ولم يكن وراء ذلك التعلق بفكرة الدولة التحديثية التي تضع نفسها فوق الواقع المجتمعي وفوق القانون والتاريخ لتصبح محرك المجتمع وروحه وأداه إصلاحه وتثويره، نزعة محافظة عربية أو إسلامية نابعة من التشبث المريض بهوية ثقافية تقليدية. لقد كان وراءه بالعكس من ذلك الايمان بالتقدم والرغبة الجامحة في الالتحاق السريع بالدول الغربية المتقدمة والمزدهرة. في نظري هذا هو الأصل، أعني ايديولوجية التقدم، والأمل أو بالأحرى الشوق العارم لتحقيقه بأسرع وقت. بيد أن النتيجة كانت معاكسة تماما. وليس لهذا كله أية علاقة بالثقافة العربية، ولا بإيديولوجية القومية العربية. فالقومية العربية تبنت نفس الموقف ازاء ذلك النوع من الأنظمة السياسية الذي تبنته قوميات أخرى مثل القومية الفييتنامية، أو الكورية،أو الصينية، أو الروسية، أو غيرها. وعندما تكون الظاهرة كونية ، فلا يمكن أن نفسرها بعناصر اقليمية أو محلية، وانما ينبغي أن يكون التفسير بنفس الشمولية. ويمكنك أن تلاحظ في هذا السياق أن انهيار أنظمة الدولة المتسلطة أتى في وقت واحد تقريبا. فما أن انهار جدار برلين والاتحاد السوفياتي حتى تحررت أنظمة أوروبا الشرقية وانخرطت في مجال اللبررة والدمقرطة، وكذلك هو حال روسيا، وجزء هام من افريقيا وامريكا الجنوبية, والآن هناك ضغط متزايد على الصين وبلدان أخرى، من الداخل والخارج. فلم يعد بالامكان أن نقبل اليوم هذا النوع من الأنظمة الذي فقد كل مصداقية. على أن السؤال المطروح بالنسبة للعالم العربي هو لماذا لم يحدث منذ حوالي عقد أو عقدين من الزمن ما حدث في أوروبا الشرقية أو خارجها من دمقرطة؟ وهنا نجد في الحقيقة الشروط الخاصة بهذه المنطقة بنفس القدر الذي نجد به شروطا خاصة بمنطقة جنوب شرقي آسيا مثلا، حيث الأنظمة السلطوية لا تزال موجودة, أو كوبا حيث نرى نفس الظاهرة. وما أراه هو أن كافة الأنظمة التي كانت مرتبطة بالاتحاد السوفياتي انهارت، من جراء الكارثة الخاصة التي حلت به. بيد أن توازنات القوة الجيوسياسية وشبكات المصالح الداخلية والخارجية التي كانت وراء قيام الأنظمة السلطوية في البلدان العربية، لم يمسها التغيير قبل أن تتعرض الولايات المتحدة لأحداث 11 ايلول وتقرر أن دعم النظم التسلطية في الشرق الاوسط أو غض النظر عنها كما قال جورج بوش لم يعد أمرا مفيدا ولكنه أصبح يشكل تهديدا خطيرا للأمن الأمريكي والأوروبي والدولي بسبب ما ينجم عن سياساتها من احباطات وتوترات تقود إلى توسع دائرة الارهاب العالمي.


* أأنت لا تؤمن اذا بما يسميه جورج قرم وغيره من الكتاب " مؤامرة اوروبية – أمريكية" أو " غربية" ضد العرب ؟
* كلا، لا أعتقد أن هناك مؤامرة. ولكن بالمقابل، فإن استمرار التسلط في العالم العربي هو نتيجة لالتقاء المصالح بين النخب الحاكمة التي تريد إدامة سيطرتها على موارد هذه البلدان من دون مراقبة ولا محاسبة من ناحية، وبين القوى الغربية التي تريد أن تحافظ في الشرق الأدنى على نفوذ قوي، دفاعا عن مصالحها في ضمان أمن واستقرار اسرائيل، وتأمين التدفق الطبيعي وبالشروط المناسبة للنفط، ولقطع الطريق على عودة أي حركة شعبية جماهيرية عربية على الطريقة الناصرية يمكن أن تهدد عن طريق تغيير الوقائع الجيوسياسية أو اتخاذ مواقف معادية للغرب مصالح الدول الأطلسية. وهو ما ينطبق اليوم على الحركات الاسلامية أيضا. فالغربيون لم يخفوا يوما اعتقادهم أن حركة القومية العربية الشعبية كانت تهددهم وأنهم يريدون التخلص منها وقطع الطريق على أي حركة مشابهة تنحو نحو تغيير الوقائع الجيوسياسية الاستعمارية. وأعتقد أن الموقف الغربي الداعم للأنظمة السلطوية – والذي لا يزال مستمرا – متأت من أنهم يريدون الابقاء على نظام نيوكولونيالي (: استعماري جديد)، يضمن أمن اسرائيل، ووصول النفط بشكل جيد الى المستهلكين، وكذلك تجنب كل ما من شأنه احداث تعبئة للجماهير العربية كما كان الأمر في عهد جمال عبد الناصر، أو ما من شأنه السير بالعرب نحو التجمع والوحدة. ومن أجل الحفاظ على ما يسميه الغربيون مصالحهم الحيوية، دعموا أنظمة مستبدة جعلوها أداة لممارسة دور الشرطي المكلف بمراقبة شعوب اعتبروها مصدرا للأخطار، ورأوها مناهضة للغرب، أو متعصبة. هذا هو أصل الداء، وليس الثقافة أو أي مؤامرة مفترضة. أنه الصراع بين استراتيجيات متعارضة تلك التي كانت تعبر عنها ولا تزال الحركة الوطنية العربية النازعة إلى تجاوز وتغيير وقائع الجيوسياسة الاستعمارية لتكوين قوة مستقلة عربية جنوب المتوسط وتلك التي تقودها الدول الصناعية الغربية التي تريد الابقاء على نفوذها الواسع في المنطقة وتعتبر أن ذلك يفترض احترام هذه الجيوسياسة الموروثة من عهد الاستعمار. وحين أقول هناك التقاء مصالح بين النخب المحلية والدول الصناعية، فأنا أعني أن هناك سياسة لا مؤامرة. فللحفاظ على المصالح في الشرق الاوسط ينبغي أن يكون هناك حلفاء موثوقون لديهم وسائل السيطرة على السكان، لا سيما حين يبدو هؤلاء الاخيرين مناهضين للسياسات الغربية في فلسطين والخليج ومسائل السيادة والوحدة العربية، أي اعطاء النخب الحاكمة التغطية السياسية و الوسائل الأمنية والعسكرية التي تمكنهم من الهيمنة التامة على مجتمعاتهم.


* أنت تنفي أن يكون للاستبداد علاقة بالثقافة أو بمؤامرة، ولكنك في بعض نصوصك تقدم نقدا للقومية العربية...
* نعم، لم أخف يوما انتقادي لهذه القومية التي بدت لي شعبوية ( أي ديماغوجية) أكثر منها تفكيرا قوميا صحيحا. وبأية حال، ودون أن أكون بالضرورة قوميا – فأنا أعتبر نفسي عقلانيا - ، أرى أن النقد الذي وجه للفكر القومي عامة انطلق من مواقع غير صحيحة. لقد توجه نحو الغايات، وكانت غايات ايجابية تدفع بالمجتمعات العربية نحو المزيد من التعاون والاندماج والتحرر من السيطرة الخارجية وبناء قطب مستقل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الذاتية. وهي من الغايات التي لا تزال صحيحة ومشروعة وضرورية حتى اليوم لتأمين الحد الأدني من الاستقرار والتمو وامتصاص البطالة ومحاربة الفقر في هذه البلدان. والحال أن النقد العقلاني لهذه الحركة الوطنية كان ينبغي أن يوجه إلى الوسائل وأساليب العمل التي اتسمت بالتعبئة الحماسية والعاطفية وغياب الحسابات الواقعية والعقلانية لا إلى الأهداف والغايات السياسية الصحيحة.


* تماما، بودي مع ذلك أن نبين بعض الالتباسات. فعندما نقرأ مثلا كتاب أوليفييه كاريه عن "القومية العربية"، نلاحظ أنه يحاول أن يلبس المفكرين القوميين مثل الارسوزي، بيطار، عفلق، الحصري، وغيرهم "قميص" الفاشية أو النازية قسرا. فهو يرى أنهم استوحوا بعض أفكارهم من تلك النظريات. فما رأيك في ما يقوله؟
* لا يمكن أن يكون هذا الأمر صحيحا. انه يجافي الحقيقة. أعتقد أنه ارتكب خطأ تحليليا جسيما. أرى أن المحللين الذين تبنوا هذه الأطروحات كانوا تحت التأثير المباشر لاستراتيجيات دولهم، وهم في الواقع ساهموا بذلك في تبرير التسلط والديكتاتورية في العالم العربي واضفاء الشرعية على الأنظمة التي تمارسهما. فهم سودوا صفحة الحركة القومية العربية الشعبية وانتقدوا لتبرير استراتيجيات الهيمنة الأجنبية وإضفاء الشرعية على سلوكهم أو سياساتهم المشينة القائمة على دعم النخب الاستبدادية. ولكن لنتساءل : ماهي القومية العربية في الواقع؟ أنا لي تجربة حية مع هذه الحركة لأنني كنت أعيش في العالم العربي عندما كانت في أوجها. الحقيقة أنها تعني الايمان بوحدة العالم العربي، الايمان بأن العرب ينتمون جميعا الى امة واحدة، الى ثقافة واحدة، وهذا ما يجسده شعور التضامن بين شعوبها، وهي تعني كذلك الأمل بإمكانية ردم هوة التخلف وتطوير البلاد العربية من خلال ثورات زراعية وصناعية وغير ذلك مما وقع انجازه في مصر وسوريا والعراق والجزائر وسواها في الفترة بين الستينات والسبعينات من القرن الماضي. أين هي الفاشية هنا؟ لم يكن هناك حتى خطاب هوية, فالمسألة لم تكن متمحورة حول تأكيد الهوية العربية أو الاسلامية ، أو حول الماضي ، أو حول رفض العالم الخارجي. بل على العكس من ذلك تماما، كانت القضية متمحورة حول استيعاب عناصر التقدم في كل المجالات ، السياسي منها والاقتصادي والتقني . وبهذا المعنى، فالقومية العربية كانت ايديولوجية تحديث وأداة تحديث بالدرجة الأولى، من حيث أنها أوحت لسكان العالم العربي فكرة الطموح الى نفس المستقبل الذي يطمح اليه العالم الغربي والبلدان المتقدمة. فلا أحد برر يوما الدعوة للوحدة العربية بذريعة العودة الى الخلافة مثلا أو السيطرة على الآخرين والتوسع على حسابهم. بل لقد قيل دائما انها الوسيلة لإنشاء سوق كبرى، و خلق ظروف أكثر ملاءمة لزيادة الاستثمارات والتنمية الاقتصادية وتحقيق الاستقلال والتحرر من التبعية والسيطرة الأجنبية, وكل ذلك يعكس أهدافا مناقضة تماما لأهداف الحركة القومية الفاشية. وكل هذه المعطيات عقلانية تماما، وليس فيها ما يشير الى فكر أسطوري ولا عدواني. ونحن اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى الى تجمع من هذا النوع وانفتاح في المنطقة العربية, ولا يقول الامريكيون ولا الاوروبيون الذين يطرحون اليوم مشاريع السوق الشرق أوسطية أو الشرق الأوسط الكبير والصغير خلاف ذلك. وفي النهاية، أعتقد أن الأفكار القومية العربية لم تكن تحمل أي بذرة للرجعية أو العنف. والآن نتساءل لماذا كتب البعض – ومن بينهم أوليفييه كاريه – عن القومية العربية فوسموها بالفاشية؟ برأيي أن ذلك تم نتيجة لوقوع التباس في الأذهان: فالبعض خلطوا بين المرحلة الاولى من القومية ، والتي كانت قومية تحررية لا استعمارية ولا أمبريالية بعكس القومية الفاشية - كما كان الحال في كل مكان من العالم الثالث غداة الاستقلال، حيث كانت هناك رغبة شديدة في التطور بسرعة وردم الهوة الفاصلة مع العالم المتقدم - وبين المرحلة الثانية عندما فشلت الحركة وانحسرت، عندما واجهت مقاومة تتجاوز بكثير ما كان بإمكانها أن تحتوي، وعلى الخصوص مقاومة جميع القوى الرجعية داخل البلدان العربية, اضافة الى القوى الغربية التي رأت في المشروع الوحدوي بما تضمنه من مطالب تتعلق بالاستقلال والسيادة والسيطرة على البترول والموارد الأخرى ، فضلا عن رفضه اسرائيل، مصدرا لأخطار محدقة بالمصالح الغربية، ومناهضة للغربيين. وهكذا، ترى أنهم قرنوا المرحلة الأولى بمرحلة التقهقر والتدهور، عندما حاولت النخب – خاصة البعثيون – إضفاء شرعية على افتكاك السلطة بالقوة - أي بواسطة انقلاب – من خلال خطاب استمر في التأكيد على القومية والوحدة ، في حين أنه لم يتحقق منهما شيء. فهم لم يستطيعوا تحقيق الوحدة، ولا المساواة، ولا العدالة، ولا الاعتراف بحقوق الضعفاء, ولم يستطيعوا في النهاية حتى أن يكونوا شعبيين...هذا في حين أن المرحلة الأولى شهدت مثلا الاصلاح الزراعي وتحسن أحوال الفلاحين، وبناء الهياكل الادارية الحديثة، وتقريبا تصفية الاقطاع والطبقات الاقطاعية القديمة. كانت تلك فعلا خطوة هامة الى الأمام على طريق تقدم المجتمعات العربية. ليس هنا مجال توجيه النقد إلى ما اعتور هذه الانجازات من قصور هنا وهناك، ولكن ما ينبغي توجيه النقد اليه هو ما لم يقع انجازه على الصعيد القومي، وهو أيضا تلك الفوضى الفكرية والسياسية التي وسمتها والتي أدت في النهاية الى فشل الحركة القومية العربية في إنجاز أهدافها الأكثر أولوية واستراتيجية، أي تجميع العالم العربي وبناء حركة للمجتمعات منظمة على أساس الديمقراطية، بمعنى إقامة نظام ديمقراطي ذي مصداقية، يضمن تعاونا مثمرا وفعالا بين البلدان العربية، واقتصادا مزدهرا وديناميكيا. هذا هو الأساس الذي ينبغي الانطلاق منه لتوجيه النقد، بدل اتهام القوميين بأنهم فاشيون أو رجعيون أو غير ذلك من الألقاب. فالحقيقة أن القومية العربية كانت تحظى بشعبية عظيمة. وقد يكون حزب البعث قدم صورة مختلفة فيما بعد، اذ أنه بعد اخفاق الحركة القومية الشعبية، لجأت معظم الأنظمة و النخب التي تفتقر الى الشرعية والتي قدمت الى السلطة عن طريق القوة والانقلاب، إلى أن تغطي هيمنتها القاسية وعنفها، بإلصاق نفسها بالوطنية والقومية العربية والاستمرار في التغرغر بهما. وبرأيي أنه ينبغي التمييز بين حزب البعث حتى الستينات من القرن الماضي و"النيو بعث " – أو البعث الجديد – الذي هو حزب شبه فاشي جديد بقاعدة اجتماعية مختلفة، وكذلك بأشكال تنظيمية تصطبغ بالكثير من سمات النظم الشمولية.


* أود أن أسألك عن علاقة هذا كله بالقضية الفلسطينية، باعتبار أن الحركة القومية العربية ركزت منذ الانطلاق على محورية هذه القضية. هل ترى أن فشل القومية العربية كان له تأثير سلبي على حل القضية الفلسطينية؟ وبعبارة أخرى, هل انعدام الحل الى حد الآن هو أيضا نتيجة لفشل العمل القومي العربي؟
* نعم، فشل القومية العربية يمكن ملاحظته بالنسبة لثلاثة عناصر. أولا، الفشل في الوصول الى حل للقضية الفلسطينية، سواء أكان ذلك بالطرق السياسية والدبلوماسية أو بالطرق العسكرية. ثانيا، الفشل في تغيير العلاقات مع السلطة ونقلها من حالة التمركز الدولوي والشعبوية الى حالة المأسسة الديمقراطية, أي الانتقال من حركة شعبوية (تدغدغ عواطف الجماهير) الى مجتمع منظم ومؤسساتي (سواء على صعيد الدولة أو المجتمع المدني). وثالثا,- وأعتقد أن هذا العنصر لعب دورا في انحلال النخب فيما بعد- الفشل في توحيد العالم العربي بما أن هذا كان هو الأساس في قيام الحركة. فعوض أن تتقدم نحو مزيد من التنسيق والتجانس والدمج، تعددت النزاعات وتنوعت داخل – وبين - الاحزاب والمنظمات التي تبنت الفكر القومي. وهذه الاخفاقات الثلاثة كما أتصور كانت وراء انحسار التيار القومي العربي، ولهاثه، وتآكل مصداقيته، حيث تخلى عنه المناضلون والمتعاطفون لينضم عدد منهم فيما بعد الى صفوف الاسلاميين أو الى كل تلك الحركات الاحتجاجية التي راحت تعارض حتى الأنظمة التي ولدت من صلب الفكر القومي المتدهور. وباعتبار أن القومية العربية لم تنجز أهدافها الاستراتيجية ، فقد فقدت مصداقيتها، وأصبحت تائهة.


* هل تعتقد أنه لا يزال بالامكان أن نتحدث عن المسألة الفلسطينية بصفتها جوهر القضية العربية، وباعتبارها تمثل القومية العربية؟ بعبارة أخرى، هل ترى أنه لا يزال يحق للعرب أن يتدخلوا من أجل تقديم تسوية – بطريقة أو بأخرى – للمسألة الفلسطينية؟
* نعم، هم يتدخلون اليوم. ولكن القومية العربية غدت حركة أقلية. لم تعد تحظى بما كانت عليه في الستينات والسبعينات من القوة والزخم. فأنا لا أرى أن القومية العربية هي اليوم ايديولوجية الأنظمة القائمة ، لا في مصر، ولا في سوريا، ولا في أي مكان آخر. فالدول العربية تفكر بما يخدم المصالح الآنية للنخب التي تسيطر على السلطة، ودون أي رجوع الى أي ايديولوجية، سواء أكانت عربية او غير عربية، قومية أو غير قومية، اشتراكية أو غير اشتراكية. لم يعد هناك ايديولوجيا، وإنما ادارة يومية للأزمات ذات الأبعاد والوجوه المتنوعة. وفي غياب حركة كتلك، فإن المسألة الفلسطينية تعاش من قبل الناس على مستوى حساسية وتعاطف كل شخص وعقائده وأفكاره وتوجهاته وميوله. هناك من الجمهور العربي من لا يزال يحمل المسألة الفلسطينية في قلبه بصفتها جوهر القضايا العربية كما قلنا، وهناك أيضا قطاعات متزايدة من الناس – ورأيي أنها الأغلبية – تولي اهتمامها بالخصوص الى ظروف الحياة المادية اليومية – التي تزداد صعوبة بما فيها السياسة والاقتصاد والثقافة –. ومن الصحيح أنه يمكن القول اليوم أن القضية الفلسطينية لم تعد تتصدر مشاكل العالم العربي كما كان الأمر في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. بيد أن النزاع الاسرائيلي- العربي لا يزال في الحقيقة يسمم الحياة السياسية للمنطقة، من حيث أنه لا يزال مصدرا للقلق والتوتر والجمود.


* من خلال المتابعة اليومية، يمكنك أن تلاحظ ظاهرتين هذه الأيام. فمن ناحية، يشعر الفلسطينيون بعزلة متزايدة، وبأن العرب تخلوا عنهم وتركوهم يواجهون بمفردهم مدافع شارون. ومن ناحية أخرى، وكأن هذه الظاهرة تلازم الأولى ولكن كوجه آخر لنفس العملة، نقرأ مزيدا من الكتابات بأقلام مثقفين ورجال سياسة عراقيين يطالبون العرب فيها بترك العراق وشأنه، وعدم التدخل في شؤونه. ومنهم من طالب الجامعة العربية بأن تصمت، اذا كانت بتدخلاتها ستصب الزيت على النار. فما رأيك؟
* هذا ما سميته "بنهاية القومية العربية"، وأعني بذلك أن النخب السياسية في البلدان العربية لم تعد تتبنى نفس الايديولوجية، وانما ينصب اهتمام كل منها على المشاكل الخاصة بكل بلد على حدة، وليس ذلك بالضرورة لوجود اعتقاد بأن مشاكل البلد الآخر غير مهمة، وإنما لوجود أولويات داخلية تفرضها الضرورة على نخبة كل بلد، باعتبار أن أغلبية هذه البلدان تشهد أيضا أزمات هيكلية عميقة. ومن الصحيح كذلك أنه منذ غياب فكر قومي يوحد هذه النخب لم يعد ثمة عمل جماعي منظم للتضامن مع الفلسطينيين على صعيد الحكومات. بيد أن هذا لا يعني طبعا أنه على مستوى الشعوب العربية لا يوجد اندفاع تضامني عاطفي وسياسي وأحيانا أيضا مالي نشيط جدا لدعم الفلسطينيين. أعتقد أن جميع العرب يعيشون اليوم بعمق المأساة الفلسطينية، ولكن بما أن النخب لم تعد منظمة على أساس تضامن جماعي، فقد غابت التدخلات ذات الاهمية الملحوظة على هذا المستوى. فهناك إذا نقص كبير في هذا المجال، مما يدل على أن العالم العربي فقد البوصلة تماما. الناس لم تنس فلسطين، ولكن لم يعد بمقدورهم أن يتجاوزوا مشاكلهم الخاصة والتي تصل أحيانا حدود المأساة أيضا. فالوضع في العراق لا يقل مأسوية، والناس يحاولون هناك اعادة بناء دولتهم التي وقع فسخها تقريبا، وادارة الازمة الداخلية الضخمة، في ظروف الاحتلال، وأخطار الحرب الأهلية المحدقة، واحتمالات الانشقاق الاثني والطائفي, وغير ذلك. ومن كل هذا تفهم لماذا لم يعد الفلسطينيون يحظون اليوم بنفس الدعم الذي كانوا يتلقونه منذ ثلاثة أو أربعة عقود. ومع ذلك، أعتقد أن الجميع واعون بمدى تأثير النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي والاسرائيلي – العربي على كل بلد عربي خاصة في الشرق الأدنى.


* كيف ترى الدعوات التي برزت في السنوات الأخيرة الى عقد لقاءات بين الاسلاميين والقوميين العرب؟ وقد انعقدت فعلا بعض الاجتماعات في بيروت ... فهل تعتقد أن هذا لهذا التمشي معنى؟
* برأيي أن التقارب في وقت ما بين التيارين الاسلامي والقومي كان ضروريا لمواجهة الديكتاتورية، إذ أن هذه الاخيرة بدت الخطر والمشكل رقم واحد في المجتمعات العربية, وذلك منذ حوالي عشرين سنة. فالتقارب لم يحدث مؤخرا وحسب، وانما تعود محاولاته الى عقدين من الزمن. ولكن ما لم يكن ايجابيا في هذا التقارب، هو أنه لا الاسلاميون ولا القوميون استطاعوا أن يتقدموا فيما يخص مسألة الديمقراطية, فهم لم يوفقوا الى مشروع أو رؤية مشتركة للتغييرات التي ينبغي احداثها في تلك المنطقة. وفي النهاية، فهم لم ينجحوا في اعادة تعبئة الجماهير، وفي اعادة تكوين قوة سياسية اقليمية ذات ثقل وتأثير على الأحداث، بحيث بقيت الأنظمة ونخب السلطة هي اللاعب الوحيد الذي يكتسح بحجمه الميدان. ومن ثم، فقد ضعف اللقاء وتراجع كثيرا بل ربما فقد الكثير من معناه ومضمونه بسبب أنه لم يعط نتائج تذكر. أما اذا كنت تسألني عما لو كان ضروريا السعي نحو التقارب، فجوابي هو نعم، في وقت ما، كانت هناك حاجة اليه. إذ أنه كان من الضروري العمل على تجاوز نزاعات الماضي وجروحه بين القوى السياسية العربية في أي مسعى لتحسين شروط التوجه نحو الديمقراطية، كما كانت هناك حاجة للتخفيف من غلواء الاسلاميين الذين بالغوا في مرحلة ما بقدرتهم على انتزاع السلطة ودفعهم نحو التفكير على أسس عقلانية واقعية وليس انطلاقا من اندفاعات عاطفية أو حماس ديني. وبنفس القدر كان القوميون أنفسهم يحتاجون الى الخروج من خندق العزلة الذي ركنوا اليه منذ انحسار حركتهم، والتحالف مع قوى أخرى صاعدة – ومن بينها الاسلاميون – لتجاوز منطقهم الواحدي التقليدي واستعادة روح الحوار مع خصومهم ومنافسيهم وبدء التفكير العملي بأجندة الفعل السياسي والتأثير على الأحداث. ولكن النقاش لم يكن عميقا برأيي، ولم ينتج عنه شيء. لكن لا يزال بإمكان الاسلاميين والقوميين لعب دور هام حتى اليوم إذا أمكن للحركة الديمقراطية الناشئة أن تبلور برنامجا عمليا ورؤية واضحة للتغييرات الديمقراطية التي يتوجب ادخالها على المجتمعات العربية.


* إنها مسألة دقيقة، ذلك أن مثل هذا التجمع قد يثير الكثير من الحساسيات، وبالخصوص الريبة ليس من طرف الأنظمة وحسب، وإنما كذلك من طرف الغربيين. فالأمريكيون على سبيل المثال يعتقدون أن الذين يكافحونهم في العراق ويحاولون عرقلتهم هم تحديدا القوميون العرب والاسلاميون...
* هذا صحيح إذ عندما شرع القوميون العرب والاسلاميون في النقاش فيما بينهم كانوا يقفون معا في صفوف المعارضة. وما جمعهم هو الظروف المتشابهة، وكونهم خارج السلطة. ومن الطبيعي أن يثير هذا حفيظة الأنظمة العربية ويزعج الغربيين الذين لا يولون أي ثقة للتيارين. فهم لم يثقوا يوما بالقوميين العرب واعتبروهم دائما حركة مناهضة للغرب، واليوم كذلك لا يثقون بالحركات الاسلامية ويعتبرونها مسؤولة عن التطرف والارهاب. ومن جهتها، فإن التنظيمات الاسلامية المعتدلة التي تتعاون اليوم مع القوميين العرب تضع على رأس جدول أعمالها مسألة مكافحة النفوذ الغربي والاجنبي في المنطقة, وهذا ليس من شأنه أن يمهد الارضية للتفاهم بينهم وبين الغربيين. والواقع أن هذه التنظيمات تحاول أن تضفي الشرعية على وجودها وعلى نضالها من خلال استماتتها في توكيد ارادة واستقلال وسيادة البلدان العربية في مواجهة التأثيرات الأجنبية. لكن مع مرور الوقت تبين للجميع أن المعارضة القومية والاسلامية أصبحت ضعيفة اليوم ولا تمثل خطرا حقيقيا على النظم القائمة. إن الخطر سيأتي من طرف الجمهور الواسع الصامت الذي لا يزال يراكم ويخزن منذ عقود أشكالا متنوعة ومتعددة من الاحباط والاحتقان والغضب واليأس.


* أحد اليابانيين الذين عاشوا طويلا في البلاد العربية، نشر مؤخرا كتابا من تأليفه، أعتقد أنه باكورة الانتاج الفكري الياباني في هذا المجال، حيث قدم تحليله الخاص للمجتمع العربي. وقد تناولت بعض الصحف العربية مراجعة الكتاب والتعليق عليه. ويبدو أن مما أخذه هذا الياباني على العرب أنهم مناهضون للولايات المتحدة الأمريكية، وهو يرى في هذا ما يعرقل التطور العربي. فهو يقول انه بالرغم من أن أمريكا قصفت اليابان بقنبلتين ذريتين وقتلت ملايين البشر، فإنه لا يوجد في اليابان نفس الشعور المعادي للامريكان الذي نجده عند العرب. بل إن اليابانيين اعترفوا بأخطائهم وقدموا نقدهم الذاتي. فهم كانوا أمة تسعى للسيطرة والتوسع العسكري. ولم يكن هذا هو النهج الصحيح للتطور, فالحفاظ على الذات الثقافية مع تحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بطريقة حديثة وديمقراطية لا يقتضي أي عداء للغرب أو للولايات المتحدة . وأود أن أسألك الآن عن رأيك في الشعور المعادي لأمريكا عند العرب.
* لا أعتقد ان العرب معادون للولايات المتحدة, بل على العكس هناك انبهار عربي بأمريكا. ولكن في نفس الوقت، فإن ما لا يفهمه العرب هو سبب هذا الدعم غير المشروط لاسرائيل. الحقيقة أنه لو لم تكن هذه المسألة قائمة... لو لم تهمل الحكومات الامريكية المتعاقبة الفلسطينيين الى الحد الذي زاد في حلكة الوضع وجعله يبلغ أوج المأساة, مع ما نشأ عن ذلك من توالد المشاكل الفرعية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وتفاقمها في الدول العربية، لما وجد الامريكيون لدى العرب سوى مشاعر الصداقة الخالصة. تذكر أنه في بداية القرن العشرين عندما أرسلت عصبة الأمم بعثة الى سوريا للاستفسار عن أي دولة يرضاها السوريون كطرف انتداب ، عادت تلك البعثة وقد ترسخت لديها فكرة أن السوريين في معظمهم يميلون الى الولايات المتحدة وليس الى فرنسا كدولة انتداب. وأنا مقتنع بأنه لا توجد مشاعر معادية للأمريكيين في العالم العربي ، وإنما هناك نقد مرير, لاذع يوجهه العرب, للسياسة الأمريكية في الشرق الأدنى، خاصة ما يتعلق مباشرة بالمسألة الفلسطينية ويضاف إليها اليوم مسألة احتلال العراق. فلو نجح الأمريكيون غدا في ايجاد حل وسط سلمي يخرج المنطقة من هذا النزاع مع اسرائيل الذي يبدو بلا نهاية، فإنهم لن يجدوا بعد ذلك أية مشاكل حقيقية تعترض طريقهم.


* قرأت مؤخرا نص مشروع ثالث – ينضاف الى المشروعين الامريكي والفرنسي/الالماني – حول الاصلاحات المطلوبة في العالم العربي, وأعني المشروع البريطاني. وهذا الأخير يريد أن يكون حلقة وصل أو جسرا أو حلا وسطا بين الامريكيين من ناحية والاوروبيين من ناحية أخرى. ويعتقد البريطانيون أنه ينبغي قبل كل شيء الانطلاق من ايجاد تسوية للقضية الفلسطينية، لكي يمكن بعد ذلك الحديث عن دمقرطة المجتمعات العربية بطريقة معقولة ودون اثارة أحد. ولكن ليست هذه هي النقطة الأهم برأيي، وانما هي ما يقترحه البريطانيون من اجراء حوار مباشر مع الدول العربية المعنية. فهل تعتقد أنه بالامكان أن تقع الدمقرطة من خلال التفاوض بين الدول؟
*  بنظري أنه لو قام الاوروبيون والامريكيون بجهود حقيقية من أجل حل مشرف للقضية الفلسطينية، ولو وصلنا فعلا الى تسوية، لسارت المنطقة بشكل طبيعي نحو الديمقراطية، لا سيما وأنها كما أرى مهيأة تماما لهذا التطور. هذا ما تثبته آخر عمليات سبر للآراء في المنطقة العربية قامت بها احدى المؤسسات الامريكية المختصة، وانتهت الى نتيجة تقول ان المطالب الشعبية بالتطوير الديمقراطي في العالم العربي هي أكثر من أي مكان آخر من العالم. وهذا ما يفسر بطول أمد القمع المسلط على الشعوب العربية وقسوته، منذ حوالي أربعة عقود من الزمن. ان المنطقة ليست بحاجة إلى أن يقع ادخالها في الديمقراطية من قبل أطراف خارجية, وإنما هي بحاجة الى تخفيف الضغوط المسلطة عليها، والتي أكثرها خارجي، مما ساهم في دعم الأنظمة السلطوية وبقائها الى حد الآن. والواقع أنه لو كان الأمر متعلقا بسلطوية هذه الأنظمة وحسب، لما ثارت كل هذه المشاكل، وإنما المسألة أكثر تعقيدا. فهي أنظمة فاسدة، عاجزة، غير كفوءة و غير مسؤولة، وتلك هي المأساة. وهي لم تستطع أن تحتفظ بالسلطة الى حد اليوم إلا بفضل الدعم الاوروبي والامريكي، الذي توفر لعدة أسباب , منها: أولا لأن الحرب الباردة فرضت على كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة أن يوظف كل منهما من يخدم سياسته ومعسكره من بين حلفائهما العرب . وثانيا لمواجهة صعود حركة القومية العربية التي بدت في مرحلتها الأولى مهددة بشكل كبير للمصالح والنفوذ الغربيين. وثالثا، بسبب بروز ما يسمى ب"الخطر الاسلامي". وبالتالي، فإن عرقلة الديمقراطية ليس مصدرها الأساسي المجتمعات العربية، كما يعتقد البعض, وإنما الالتقاء الموضوعي وأحيانا الموضوعي والذاتي معا بين مصالح نخب السلطة في العالم العربي وبين المصالح الاستراتيجية الحيوية في الغرب. ولذلك كان كافيا أن يقول الامريكيون نريد الدمقرطة حتى ينهار كل شيء. انهم لم يفعلوا شيئا بعد، بل اكتفوا بالقول انهم لا يريدون بعد الآن أن يقدموا غطاء للأنظمة العربية السائدة, حتى يجيء الرد، وفي المقام الأول من المملكة العربية السعودية ، حيث أصدر ولي العهد الامير عبد الله مبادرته للاصلاح التي تهم العالم العربي بأسره وليست خاصة بالمملكة وحدها. وستشهد المملكة قريبا انتخابات بلدية لأول مرة في تاريخها, وقد نشر وزير الخارجية الامير سعود الفيصل مقالة يقول فيها ان سبب الداء الذي ينخر المجتمعات العربية هو غياب مشاركة الفئات الشعبية في القرارات التي تهمها. وهذا أمر غير مسبوق، فالسعوديون يبدون اليوم أكثر تقدما بالنسبة لهذا الموضوع المتعلق بالاصلاح الديمقراطي من البلدان العربية الاخرى. ونرى في هذا كله الى أي حد تمارس القرارات الامريكية والغربية تأثيرا في تشكيل سياسة النخب العربية الموجودة في السلطة، وفي هذا أيضا ما يشير الى أن مصدر هذه التغييرات خارجي وليس نابعا من الداخل. ومن ثم أقول انه يكفي أن يقع تخفيف الضغط على المواطنين العرب، وسحب الغطاء السياسي عن ممارساتهم القمعية والتعسفية الخطيرة والتخلي عن فكرة أن المنطقة العربية ذات خصوصية تجعلها غير ملزمة باحترام المعايير الدولية في مجال الحقوق والقانون حتى يتقدم سياق الدمقرطة وتتحلحل الامور شيئا ما. فالمجتمعات مستعدة لهذا التطور، والايديولوجية الغالبة اليوم ليست هي القومية ولا حتى الاسلاموية – عكسا لما يتصوره البعض – وانما هي الايديولوجية الديمقراطية ( حتى داخل الحساسية الاسلامية). ان هذا التطلع نحو الاصلاح هو الذي سيكون له السبق والغلبة في العالم العربي كله، ما أن يشرع الغربيون حقيقة في التخلي عن المراهنة للحفاظ على نفوذهم ومصالحهم على الأنظمة القمعية والديكتاتورية كما حصل خلال نصف القرن الماضي.


* أود أن أعود أولا الى مسألة الضغط التي أثرتها، فأسألك هل تعتقد أن هذا الضغط من قبل الامريكيين يمارس على المواطنين العرب أم على دولهم؟ وأما النقطة الثانية، فتتعلق بالسعوديين. أرى أنهم يشعرون بشيء من المرارة والغضب، بسبب الاهمال الذي لقيه مخطط السلام الذي اقترحوه. فما هو تحليلك لهذا الموقف؟
* انني أعتقد أن الدول الغربية كانت تعرف تماما ما تفعل بمساندتها ودعمها أنظمة سلطوية ، وهذا ما اعترف به الرئيس بوش بنفسه في خطاب له، حيث قال " لقد تغاضينا لمدة ستين سنة عن أنظمة ديكتاتورية، والآن نريد تغيير سياستنا". وهذا التصريح دليل كاف على أنهم عندما تغاضوا عما تفعله الأنظمة المتسلطة كانوا في نفس الوقت يمارسون بذلك ضغوطا كبرى على المجتمعات والشعوب العربية التي كانوا يعتبرونها دائما غير راشدة أو غير ناضجة بمشاعرها المعادية للغرب. أما اليوم، فيمارسون ضغوطا على الانظمة والنخب الموجودة في السلطة, والحقيقة أنهم يريدون اعادة بناء نفس الأنظمة، ولكن على قواعد أكثر مرونة بحيث تستطيع أن تستوعب وتحتوي التوترات والتناقضات المتفجرة التي نتجت عن مرحلة القهر الطويل السابقة وتخفف بالتالي حسب اعتقاد الغربيين من الرغبة في الانتقام التي تحرك بعض ناشطي العالم العربي تجاه الدول الغربية عن طريق الارهاب. أي أن الدوافع الأمنية هي التي تقودهم الى إثارة مسألة الدمقراطية. لكن مهما كان الأمر أنا لا أعتقد أن ما يريده الغربيون في العالم العربي هو ديمقراطية فعلية، وإنما ادخال شيء من الليبرالية على الأنظمة، أي انفتاحها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية، مع مزيد من التعددية و حرية التعبير، لتخفيف الضغط على سكان المنطقة الذين بلغوا حافة الانفجار. وحين أقول انهم لا يبحثون عن اقامة ديمقراطية حقيقية، فأنا أعني بعبارة أخرى أنهم ليسوا ساعين الى إعادة السلطة للشعب. فهم مازالوا بعيدين عن الاعتراف بالسيادة لهذه الشعوب واحترامها، لاعتقادهم أن هذا الاعتراف الذي يستدعي القبول باقامة أنظمة ديمقراطية حقيقية وتمثيلية في العالم العربي، يسير في اتجاه معاكس تماما لمصالحهم في المنطقة. أما بالنسبة لسؤالك المتعلق بخطة السلام السعودية، فأرى أنها كانت تحتوي أفكارا بناءة تماما وذات مصداقية، وأنها تمثل حلا وسطا معقولا لتسوية النزاع العربي – الاسرائيلي . وهنا اعتقد أن العرب على حق – وحين أقول العرب فأنا أعني من ضمنهم أيضا الأنظمة التي أوجه اليها النقد – حين يقولون إنه من أجل توفير ظروف أفضل لبرامج الاصلاحات الديمقراطية ينبغي أولا فض النزاع مع اسرائيل. هذه مسألة أساسية، وقد اعترف بها كذلك الاوروبيون. وبالتالي، فلا يمكن معالجة الملفات الاخرى في أزمة الشرق الاوسط دون ايجاد حل للمسألة التي تسمم الحياة السياسية والاجتماعية في المنطقة. بيد ان الامريكيين على صواب أيضا عندما يقولون ان سياسات القمع – التي كانوا هم أنفسهم يساندونها طيلة عقود – أصبحت نتائجها سلبية تماما وغير محتملة، ومن ثم ينبغي تغييرها. والمشكلة التي تواجه التغيير والاصلاح هي غياب التفاهم بين الأنظمة العربية وبين الولايات المتحدة حول خطة هذا الاصلاح وسعي كل طرف ( أي الانظمة العربية من ناحية والولايات المتحدة من ناحية أخرى) إلى أن يدفع الطرف الآخر ثمن التغيير. فالامريكيون يريدون أن يجعلوا الانظمة العربية تدفع ثمن أخطائهم الخاصة، ولكي لا يقوموا بالضغط على اسرائيل فهم يطالبون بالاسراع في ادخال اصلاحات ليبرالية لارضاء المجتمعات , ومن ناحيتها تريد الانظمة العربية أن يدفع الامريكيون ثمن أخطائها وسياساتها العقيمة بالمطالبة بالاسراع بحل للنزاع مع اسرائيل. ومن المحتمل أن يؤدي هذا النزاع إلى تهديد فرص الاصلاح نفسها. والواقع أن المسؤولية في ايصال الأوضاع العربية إلى الحالة المأساوية الراهنة تقع بالتساوي على الطرفين. فالانظمة العربية مسؤولة بسياساتها القمعية عن التعفن الذي آلت اليه الامور بنفس القدر الذي يتحمل فيه الامريكيون المسؤولية لممارستهم تجاه المنطقة كلها سياسة عدوانية، استعمارية، لا علاقة لها بقيم العصر الحديث، والتي لا يمكن قبولها بأي حال. فقد زعزعوا استقرار منطقة هي أصلا هشة الاستقرار. وهذه المسؤولية المشتركة تقتضي من الطرفين أن يبادرا الى ادخال تغييرات عميقة وراديكالية على السياسات التي مارساها الى حد الآن.


* كان السيد بوش أول رئيس أمريكي يتحدث في خطاب خاص عن رؤيته لدولة فلسطينية تعيش جنبا الى جنب مع اسرائيل. وهذا ما اعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، حيث أن اتفاق أوسلو، الذي تم توقيعه في عهد كلينتون، لم يعترف فيه أحد بعد بدولة فلسطينية، وانما كان اتفاقا بين دولة اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي تكفلت بإنشاء سلطة الحكم الذاتي. وقد اعتقدنا في وقت ما أن السيد بوش سيفعل شيئا لتثبيت رؤيته التي تحدث عنها. ثم جاء في أعقاب ذلك اعلان مخطط السلام للامير عبد الله. و لم يلبث الموقف أن عاد الى جموده، في حين بدا أن أرييل شارون يتمتع بحرية تامة في ضرب الفلسطينيين كما يحلو له. فلماذا ساء الوضع أكثر عوض أن يتحسن؟
* أعتقد أن اللوبي الصهيوني لا يزال قويا جدا في واشنطن، وأن له اليد الطولى، فهو بلا شك يمارس تأثيرا غير منقطع على الساسة وصناع القرار. ويبدو أن شارون نجح في كبح اندفاع الرئيس بوش نحو التسوية، وأن هذا الأخير لم يستطع الافلات من دائرة مستشارين نصحوه بالتريث, فإذا به يتخلى عن أقواله السالفة ويترك لشارون حرية التحرك. ومذاك لم تصدر عن الادارة الامريكية أية بادرة لرد فعل حقيقي على السياسة الاستعمارية العدوانية التي تمارسها اسرائيل. فهو بالنتيجة عبر عن موافقته على قيام دولة فلسطينية، ولكنه عمليا لم يفعل شيئا من أجل اعطاء أقواله مضمونا فعليا. وهذا ما يظهره رئيسا واقعا تحت تأثير الدائرة الخاصة التي يسيطر عليها اللوبي الصهيوني.


* هل ترى أنهم مصيبون عندما يقولون لياسر عرفات: تنح عن مركزك،واترك المكان لغيرك؟
* أبدا. ليس من حقهم التدخل بهذه الطريقة. انهم من ناحية يعلنون أنهم يريدون قيام دولة فلسطينية، ومن ناحية أخرى – على الصعيد العملي – نراهم يتبنون بالكامل جميع أطروحات ومواقف الحكومة اليمينية الاستعمارية المتطرفة التي يقودها شارون، بما في ذلك موقفها من ياسر عرفات ، الذي هو – بالرغم من كل مساوئه الحقيقية والوهمية – لا يزال الممثل الشرعي المنتخب من طرف الشعب الفلسطيني. هذا كذلك ما يبرز الادارة الامريكية في موقف من لا يحافظ على التزاماته. ولعل ذلك يدفعنا أكثر إلى التشكيك في دعوتهم الديمقراطية التي سيستخدمونها من الآن فصاعدا كسيف مسلط على الانظمة العربية لتوجيهها بطريقة خفية وتليينها حتى تخضع للاستراتيجية الامريكية وحتى تكون طيعة أكثر، وملبية أكثر لما يريدونه منها في كل ما يعتبرونه مصالحهم الحيوية في المنطقة. ولا يبدو لي أن الشعوب العربية تثق كثيرا بالوعود الامريكية الخاصة بالاصلاح والديمقراطية .


* حسنا! ولكن من ناحية أخرى، هل ياسر عرفات على صواب عندما يتشبث بالسلطة، مهما كانت التكاليف؟ ان بعض الانباء تتحدث مثلا عن خروج مزيد من المناضلين من "فتح" ، وانضمامهم أكثر فأكثر الى "حماس". هناك انتقادات متزايدة لسلطة عرفات وطرقه. فماذا لو قام بحركة تلقائيا ؟ ماذا لو تنازل؟
* نعم. أوافقك، ولكني لا أعتقد بأنه يجوز للاسرائيليين أو الامريكيين أن يقولوا للفلسطينيين من هو الزعيم الذي يختارونه ويرضونه. فهذا ما قد يعتبر أيضا مهينا بشكل خاص. وأيا كان الأمر، فجميعنا يعلم أن هناك حركات معارضة لياسر عرفات وأسلوبه الأوتوقراطي في العمل حتى داخل تنظيمه "فتح"، وكذلك نعلم أن ادارته تتسم بشيء كثير من الفوضى وعدم الشفافية. ولكن ينبغي ان نؤكد مع ذلك أنه ليس من حق أحد غير الفلسطينيين أن يتدخل في هذه المسائل، وأنه لا يعقل إطلاقا أن تفرض عليهم "الحلول" التي تلائم بشكل خاص مصالح الامريكيين والاسرائيليين، أو حتى العرب. يعني أن على الجميع أن يعترف للشعب الفلسطيني بحقه في تقرير مصيره وتسوية مشاكله ونزاعاته الداخلية بالطريقة الديمقراطية.


* لنتحدث قليلا عن تفاعلات الملف العراقي، ولنبدأ بسوريا. هذا الذي حدث في القامشلي – وقد سمعت مؤخرا أيضا أن بعض الاكراد أطلقوا النار على رجال شرطة - ، هل تراه على صلة مباشرة بما يقع في العراق؟
* بلا شك . الوضع العراقي الجديد له انعكاسات مباشرة وسريعة على سوريا، لا سيما من خلال المسألة الكردية التي يشترك فيها البلدان، وإن لم يكن ذلك بنفس الشكل. أعتقد أن الأكراد في سوريا لم يكونوا ليتصرفوا بتلك الطريقة لو لم يشعروا- وهم على حق- بتبدل موازين القوة الإقليمية وتراجع مواقع الدول العربية التي يعيشون فيها، وربما أيضا لو لم يثقوا عن حق أو عن خطأ بإمكانية الحصول على المساندة الامريكية، أو على الأقل على دعم الاكراد العراقيين الذين يتوفر لهم ذلك السند. ولكن هذا لا يكفي حتى نفهم ما يحدث في هذه المنطقة. إن تفسير ما حدث يستدعي أن نأخذ بعين الاعتبار عنصرين مختلفين. الاول ، أن الاكراد يشعرون الآن بأنهم أقوى بفضل الوجود الامريكي في العراق, وهم في حالة غليان قوموي بلغت درجة متقدمة . والعنصر الثاني هو شعور النظام السوري بأنه أصبح الآن في وضع دفاعي والخوف من أن تغمره موجة الاحتجاجات ذات الطبيعة الاثنية أو السياسية التي قد تعصف بالبلاد. ومن ثم فقد كان رد فعل النظام على محاولة كردية لجس نبضه مفرطا في العنف اعتقادا منه أنه بهذه الطريقة يستطيع أن يردع المعارضين ويقطع الطريق على هذا النمط من الاحتجاجات الأقوامية التي تهدد استقراره. بيد أن القضية لا يمكن أن تحسم بهذه الطريقة، ولذلك فقد وضع النظام نفسه في ورطة وضاعف من احتمال استفحال التهديدات والأخطار .


* وماذا عن الوجود السوري في لبنان؟
* أعتقد أن السوريين أخطأوا حين لم يبادروا الى التفاوض حول مسألة تنظيم انسحابهم من لبنان مباشرة بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد. أنا كنت أحد أوائل الداعين الى هذا الانسحاب ، وقد قلت وكتبت أنه حان الوقت لكي يقلص السوريون من وجودهم الكثيف في لبنان أو ينسحبوا قبل أن يفرض عليهم الانسحاب. وأن على سورية أن تعيد حساباتها الإقليمية على أكثر من جبهة حتى تعزز دفاعاتها في وجه المخاطر القادمة والناجمة عن الضعف الذي اعترى النظام. وأرى أن التشبث بمواقع عسكرية في لبنان سيسبب لسوريا مزيدا من الضغوط ، وأنه كان من الخطأ تماما ألا يتوقعوا ذلك أو يحسبوا له ألف حسابا. لكنهم بنفس القدر, لم يتوقعوا الاضطرابات الكردية أيضا، كما لم يهتموا كثيرا بتخفيف الضغوط على المواطنين ، وفتح المجال لمزيد من الحوار والنقاش بين كل الاطراف السياسية. وهذا ما قد يؤدي الى الوقوع في الفخ الذي نصبه لهم الامريكيون ، أي اشعال بؤرة نزاع شمالي سوريا، تدفع بالنظام الى تعبئة جهوده لمقاومتها، مما يشل قواه، ويظهره ضعيفا خائرا في مواجهة القانون الامريكي الخاص ب"معاقبة سوريا".


* ولكن ألا تشعر أن السيد بشار الأسد لم يف بوعوده فيما يخص التطوير والاصلاح الداخلي في سوريا؟
* أظن أن خطأه هو أنه وعد – دون أن يتكلم صراحة ولكن عن طريق اشارات معينة – أنه سيغير الأمور، وأنه سيكون رئيسا أكثر قربا من الشعب وأكثر احساسا به و انصاتا اليه. لقد جعل الشعب السوري يحلم بعهد جديد مختلف بعد أربعة عقود من الحكم التسلطي. ولكن لاسباب مختلفة،- منها ربما ثقل الاجهزة وعدم تجاوبها - لم يستطع أن يتقدم على هذه الطريق لانجاز وعوده, مما خلق لدى السوريين شعورا بحرمان واحباط كبيرين. وبطريقة ما هناك أيضا إحساس بالخديعة. وهذا برأيي وضع مشحون بالاخطار بالنسبة للنظام. وبشكل أعمق، أعتقد أن النظام الذي وقع تأسيسه في الستينات والسبعينات على مفهوم القوة لا يزال يعيش ويتصرف ك "انقلاب دائم"، يعني أنه لم ينجح في بناء وضع مستقر وطبيعي يخلصه من حالة الانقلاب. انه لا يزال نظاما قائما على استخدام القوة – بمعناها الفيزيائي والسياسي - والاكراه، بشكل غير مضبوط ويستهتر بكل القواعد المؤسسية والقانونية التي لا تقوم الدول من دون احترامها. ومن الصعب برأيي أن يستطيع نظام كهذا أن ينفتح حتى جزئيا وبشكل تدريجي، اذ أنه سيظل لديه شعور قائم أبدا بأن كل تنازل يمكن أن يترجم على أنه ضعف. وهو لا يريد إعطاء الانطباع للشعب وللحركات الاحتجاجية بأنه وقع اضعافه، مما قد يثير المزيد من الاحتجاجات أو ربما يفتح الباب أمام تكوين تيار من المعارضة القوية والمهيكلة. هذا ما يفسر لماذا لم تجد الارادة الطيبة التي أبداها بشار الأسد صدى ، بل قد تكون اعترضتها أجهزة الأمن التي سيطرت على السلطة بطريقة غير معلنة, والتي هي التي تقرر الآن سياسة البلاد. لا أرى أملا في حدوث تغيير قريبا، فالبيروقراطية العسكرية والمدنية التي تعودت على الهيمنة الشمولية سوف تدافع دائما عن امتيازاتها وعن مراكزها ، غير عابئة بالاخطار أو التبعات المترتبة على مثل هذه السياسة. وأخشى ما أخشاه هو أن يتطور الوضع في هذه البلاد الى أن يبلغ درجة انفجارية , لا في الشمال وحسب, وانما في كل مكان. هناك العديد ممن يتصفون بالذكاء من بين الذين يمسكون بمقاليد السلطة, والذين بإمكانهم بالتالي أن يستمروا في المناورة سواء ضد الشعب السوري أو ضد القوى الخارجية. ولكن في النهاية، فإن النظام الذي يعتمد المراوغة ويرفض التغيير والتعديل يغدو أكثر فأكثر غباء, من حيث عجزه عن التصرف بمرونة واحتواء التوترات التي ساهم هو نفسه في انشائها. وبشكل تدريجي، سوف يجد الناس أنفسهم أسرى لنظام لا يطاق ولا يوثق به. وأرى أن سوريا دخلت طريقا لا تؤدي. ليس ثمة اصلاح آت قريبا.
وما أقوله عن سوريا قد ينطبق أيضا على سائر البلدان العربية. اننا لسنا بحاجة فعلا الى اصلاح الأنظمة الحالية. فهي أنظمة غير قابلة للاصلاح. ما نحتاجه هو التغيير الراديكالي، بمعنى تغيير قواعد اللعبة السياسية. ما ينبغي المطالبة به هو انتخابات حرة لحكومات تمثيلية بدلا من الحكومات الحالية التي انبثقت إما عن الانقلابات وإما عن طرق ملتوية للسيطرة على الدولة. فإذا لم نعد الى طريق الاستشارة الشعبية التي هي قاعدة كل الانظمة الشرعية اليوم في العالم، لن نخرج من الأزمة في منطقتنا العربية.


* الواقع أنني أجدك اصلاحيا ليبراليا أيضا، باعتبار أنك تدعو الى انتخابات حرة وحكومات ممثلة. ولكن يبدو لي وكأن هذه الاصلاحية الليبرالية نفسها أصبحت اليوم تعتبر "ثورية" في بعض أجزاء البلاد العربية، لشدة الركود المسيطر...
* بالتأكيد. ولذلك عندما أقول ان هذه الانظمة غير قابلة للاصلاح، فإنني أعني طبعا أنني أقف الى جانب الاصلاحات وأطالب بها. فالمجتمعات العربية تحتاجها أشد الحاجة على المستويات الاقتصادية, والسياسية, والادارية, والثقافية,والتربوية, وغيرها.ولكن يبدو لي أنه لا يمكننا الاعتماد على هذه الأنظمة للقيام بالاصلاحات , لأن الذي يفترض أن يقوم بالاصلاح هو الحكومات التمثيلية, التي تتمتع بدعم والتفاف شعبي, ودون ذلك لا يمكن تحقيق أي اصلاح ولا انشاء ادارة جديدة, واقتصاد جديد, ووفاق اجتماعي جديد, وهكذا تستمر الأزمة.
العرب: بعض الأنظمة يسيطر عليها الخوف من التغيير, فالاصلاحات التي يدعو اليها الديمقراطيون العرب وسواهم، تثير لدى البعض هاجس الخوف من الاسلاميين وتكرر السيناريو الجزائري في بداية التسعينات, ويساهم هذا الخوف نفسه في تجميد الوضع. فحتى اذا كان لدى البعض حسن نية أو ميل الى الاصلاح, فإن مجرد التفكير في أن الشارع قد يأتي بالاسلاميين الى السلطة, يجعلهم يتراجعون ويجمدون الوضع...


*أعطنا مثالا عن ذلك.
* في المغرب الاقصى وقعت انتخابات اعترف العديد من الملاحظين أنها حرة نسبيا, أو أنه على الاقل لم يقع تزييف نتائجها, وبرز الاسلاميون كقوة في البرلمان – وهم بأية حال كذلك في كل البلدان العربية - , إلا انهم لم يحصلوا على الأغلبية. كذلك يمكن أن نذكر الانتخابات في الأردن التي لم تأت بأغلبية اسلامية الى السلطة...
س: ثمة بلدان عربية حدثت فيها "انقلابات" على الحلفاء الاسلاميين... يعني أن السلطة تستعين بهم, ثم تتخلى عنهم... السودان مثلا.
ب. غليون: أنت تتحدث عن سلطة لم تأت عن طريق الانتخابات وإنما عن طريق الانقلاب, وليس في هذا أي دليل على أن الاسلاموية ستكون حتمية أو بمثابة "قضاء وقدر" لا مهرب منه , في سياق ديمقراطية حقيقية في المجتمعات العربية. على العكس من ذلك, أنا أرى أن الاسلاميين أصبحوا قوة معتبرة لأن الميدان السياسي وقع اغلاقه, بحيث غاب نقاش الافكار, ولأن الأنظمة السلطوية منعت الطبقة الوسطى من تنظيم نفسها داخل هياكل المجتمع المدني أو على المستوى السياسي , ولأن هذه الأنظمة المتسلطة اجتثت كل شكل من أشكال التنظيم العقلاني داخل المجتمعات العربية , بحيث وجد الاسلاميون آنذاك المجال مفتوحا لجلب الناس الذين يفتقرون الى أفكار سياسية واضحة والذين تتلخص الثقافة لديهم في الدين . وبالتالي، يكفي أن يحدث الانفتاح وتسمح الأنظمة للناس بالنشاط السياسي الحر وبالنقاش العلني حتى تبرز قوى جديدة ديمقراطية وتنمو وتتطور. اليوم, تشير استطلاعات الرأي الى أن الأغلبية في العالم العربي تريد أنظمة ديمقراطية . هذه حقيقة أساسية ولا مهرب منها. صحيح أن الناس في العالم العربي ربما يكونون أكثر تدينا من أمكنة أخرى – فللدين عند العرب اليوم وزن أكبر مما هو موجود مثلا في البلدان الغربية او سواها – ولكن هذا لا يؤدي بالضرورة الى دعم تلقائي وآلي للأحزاب أو للسلطة أو للدولة الاسلامية على حساب دولة الحق والقانون والمساواة والعدالة الاجتماعية. بل على العكس, ففي بعض البلدان, يثير الاسلاميون الخوف لدى الناس, اذ أنهم قد يستثيرون الضغوط الخارجية مما قد يمنع الاستقرار وتنشيط التنمية والاستثمارات , وهي أولوية في تلك البلدان باعتبار نسب البطالة العالية والفقر الذي يمس حوالي 30 بالمائة من سكان العالم العربي. فالناس اذا أكثر فأكثر حاجة الى تحسين مستويات معيشتهم, وهم بالتالي سينضمون الى الاحزاب السياسية التي تبدو لهم قادرة أكثر من غيرها على كسب معركة التنمية الاقتصادية والتحديث وتطوير الادارة واحترام حقوق الانسان والقوانين. والحقيقة أن الاسلاميين لم يلمعوا بشكل بارز في هذا المجال.


* برأيك اذا أنه ليس من الضروري أن يتلخص خيار العرب في أحد أمرين: إما الاحتفاظ بالحكومات الفاسدة وإما ايصال الاسلاميين الى السلطة؟
*  تماما. لا أرى أن الاسلاموية قضاء لا مفر منه, بل أعتقد أن الناس يبحثون عن مخرج بديل عن هذه الثنائية الصراعية التي قادتهم من ناحية الى تحمل قمع لا حدود له من قبل الأنظمة , ومن ناحية أخرى الى تحمل قمع فكري وديني من قبل سلطة إسلامية أو تقول عن نفسها أنها كذلك وتبقى مرفوضة من الغرب والدول الصناعية.


* فهل تعتقد أنه في اطار الأنظمة الاجتماعية-السياسية الحالية يمكن الوصول – اذا توفرت النية والارادة – الى تنظيم انتخابات حرة ؟
* كلا. لا أظن أن الأنظمة الحالية قادرة على الذهاب الى حد قبول انتخابات حرة. بل ينبغي احداث قطيعة معها , بمعنى التوقف عن التفكير بأنه لا يزال بالامكان بناء أي شيء انطلاقا مما هو قائم داخلها. لذلك، ينبغي على الطبقة الوسطى , بما تحويه من مثقفين و سياسيين ديمقراطيين , أن تنظم نفسها لايجاد بديل ديمقراطي عن الوضع الحالي, وللمطالبة – فهذه معركة سياسية – بانتخابات حرة. وينبغي اذا تعبئة الشارع والرأي العام من اجل انهاء الوضع السائد القائم على أساس القوة والإكراه والعنف, وتدشين عهد جديد قوامه التمثيل الديمقراطي المدعوم من قبل قوى اجتماعية منظمة. وهذا ما يترتب على القوى الديمقراطية ان تبادر اليه, فتوسع القاعدة الاجتماعية لتحالفاتها من أجل خلق الديناميكية الضرورية لتغيير الأوضاع ... ولا أقول لقلب السلطة ، وإنما لقلب علاقات القوة التي تمكن هذه الأنظمة من إعادة إنتاج نفسها والتوالد بشكل لا نهائي.


* يخيل لي أنك تسلك نفس الطريق الذي اختارته تلك النخبة من المثقفين السعوديين الذين أصدروا بيانا يطالب بإدخال اصلاحات كبرى على مجتمعهم, والذين ظفروا في النهاية بأذن الأمير عبد الله، ولي العهد, الذي استقبلهم وفتح معهم حوارا...
* في المملكة العربية السعودية كما في غيرها من البلاد العربية, ليس هناك حل آخر أو وسيلة سوى تجميع القوى والتعبئة السياسية من أجل الخلاص من النظام السلطوي القائم على القوة والهيمنة والذي هو أشبه ما يكون بعصابات المافيا وميليشياتها. ليس هناك طريق أخرى غير تنظيم الطبقة الوسطى بالعمل السياسي لقلب علاقات القوة داخل المجتمعات العربية وفرض الانتخابات الحرة على الانظمة الحالية, مما يعني القطيعة مع الماضي. وهذا بصرف النظر عن مناورات السلطة القائمة وأساليب تحايلها أو محاولاتها الطبيعية أو المتوقعة لاحتواء المعارضة أو حركات الاحتجاج عندما يمكنها ذلك,


* إن هذه القوى الاجتماعية التي تتحدث عنها موجودة في كل مكان من العالم العربي، ولكن هل تعني ضرورة الحركة والعمل السياسي على صعيد محلي أم على صعيد قومي يشرك كافة القوى العربية المعنية؟
* أرى أنه ينبغي العمل على الصعيدين في آن معا، أي في كل بلد على حدة, وفي كل البلدان في نفس الوقت. ينبغي أن يكون هناك مزيد من التعاون بين هذه الحركات . وأعتقد أن هناك العديد من التيارات والقوى الديمقراطية في العالم العربي , إلا ان عملها لا يزال غير منظم . ففي البلدان التي نجد فيها درجة أعلى من التنظيم على هذا المستوى , كما في المغرب الأقصى مثلا, أمكن لتلك القوى كسب المعركة, حيث وصلت الى السلطة حكومة التناوب الديمقراطي, التي استطاعت أن تحقق خطوات ايجابية في مجال التعددية واحترام حقوق الانسان في هذا البلد. وبالتالي, فهناك حاجة الى تنظيم أفضل , من أجل عمل أكثر نجاعة ,وانجاز مشروع ديمقراطي جاد ومقنع. وهو ما لايزال غائبا في معظم البلدان العربية, حيث الحركات الديمقراطية لا تزال حركات أقلية , ضعيفة, تنقصها الجرأة. ولعل هذا عائد الى ما تعانيه من قمع داخلي, وعدم اهتمام خارجي. فالغرب لم يكن يؤمن أبدا بإمكانية دمقرطة هذه المجتمعات , ولهذا فقد تخلى مبكرا عن القوى الديمقراطية العربية. ان الديمقراطية العربية يتيمة. فهي تتعثر بين الأنظمة التي ولدت من الانقلابات، وبين الدول الغربية التي لا يمكن التقدم دون مساعدتها, ذلك ان الديمقراطية اليوم هي نظام شامل معولم, بحيث لا يمكن أن نتصور اقامة نظام ديمقراطي في بلد مقطوع عن بقية العالم. وإذا أمكن لاسبانيا واليونان وبلدان اوروبا الشرقية أن تنخرط في السياق الديمقراطي , فذلك لأنها قبلت وأدمجت في النظام الديمقراطي الغربي, ولأن الأنظمة الغربية قدمت عونا كبيرا لتلك الشعوب وساعدتها على التخلص من الديكتاتورية. وليست هذه هي الحال في العالم العربي.


* ألا توجد نواة ديمقراطية في العالم العربي يمكن الانضمام اليها؟
* هناك العديد من الحركات والمنظمات والاحزاب الديمقراطية داخل المجتمع المدني, ولكن الغرب أهملها ولم يولها أي اهتمام، معتبرا أن "الشرق" – أي العرب – لا يمكن أن يعرف الديمقراطية. فقد صنفت المجتمعات العربية نهائيا بوصفها تنتمي الى مفهوم "الاستبداد الشرقي", وساد هذا التصور الى حد أنه لم يعد بالامكان أن يفكر أحد بإمكانية ظهور حركات ديمقراطية هناك. وهذا ما يفسر ندرة الدعم الذي لقيته هذه الحركات في الغرب, بالرغم من كل ما قاسته من قمع على أيدي الأنظمة الاستبدادية الفاسدة. ينبغي التذكير أنه في بعض البلدان سقط مئات وآلاف القتلى خلال مظاهرات قمعت بشدة , ولم تهتم الدول الغربية حتى بنشر بيان واحد لادانة ذلك الجبروت الظالم. هذا فقط لنقول الى أي حد تخلت الديمقراطيات الغربية عن القيم التي تتبناها عندما يتعلق الامر بمنطقتنا.

* موقف مزدوج: فمن ناحية، نقول ان الغرب تخلى عن واجبه فيما يخص تشجيع الديمقراطية في العالم العربي. ومن ناحية أخرى، نقول ليس من حق الغرب التدخل من أجل الديمقراطية، عندما يحاول فعلا أن يشجعها!
* لا, أنت تتحدث عن الأنظمة. فهي التي ارتبكت واضطربت وهلعت ما أن شرع الامريكيون يدعون للديمقراطية في العالم العربي. ان هذا الخوف لا يهم الشعوب. فهذه الأخيرة تنتظر لترى ماذا سيتنج عن هذه الضغوط والمشادات بين الحكومات والغرب. ولكن من الصحيح كذلك أن الناس لم يمنحوا بعد ثقتهم للغرب. فطالما لم يطرح الامريكيون القضايا في ترابطها وشموليتها ( يعني الديمقراطية في صلتها مع النزاع العربي – الاسرائيلي واحتلال العراق...)، فإن الصورة الرائجة عنهم هي تلك التي تمثلهم متلاعبين ومناورين, يستخدمون خطاب الديمقراطية للتعتيم على تدخلاتهم التي لها أهداف مختلفة تماما عما يزعمون, أي: وضع يدهم على الاحتياطات النفطية في الخليج , وتقديم مزيد من الدعم لاسرائيل ومشاريعها على حساب العرب.


* عندما نقرأ ما يكتبه مثقف أمريكي لامع كفريد زكريا مثلا, في "نيوزويك", يكاد المرء لا يشك لحظة واحدة في أن الرجل صادق تماما في ما يقول. فهو يدافع عن الديمقراطية في العالم العربي، بنفس الحماس الذي أبداه في دفاعه عن وجهة النظر الامريكية في "تحرير" العراق. والحقيقة انه يمثل اتجاها في الرأي الامريكي، يعتبر أن ما تفعله ادارة بوش في العراق جيد وايجابي، وأن هذا البلد يمكن أن يكون "يابان " او "المانيا" العالم العربي, ومن ثم , فهم لا يفهمون أبدا لماذا يرفض العرب هذه المنطلقات التي قد تفتح لهم آفاقا جديدة. ولا شك أن بعض المثقفين العراقيين يشاركون الامريكيين هذه الافكار, وذلك واضح من خلال مساهماتهم في النقاش الجاري. فما رأيك؟
* أعتقد أن المجتمعات العربية لا يمكنها أن تقوم بالتنمية والتطوير المطلوبين في نفس الوقت الذي تقف فيه مناهضة للغرب. هذا أمر واضح. فالتطور لن يقع الا مع الغرب، وليس ضده. ولكن يتعين على الغرب أيضا أن يبني جسور الثقة مع العرب, ويبرهن على أنه جاد فعلا ويريد التعاون بروح ايجابية. والى حد الآن , لم يعط الغربيون أدلة على أنهم يسيرون هذا المسار, بل ما وقع هو عكس ذلك. فدعمهم غير المشروط للعدوان الاسرائيلي يبرز أنهم غير مهتمين حقيقة لا بالديمقراطية ولا بالتنمية في العالم العربي, وفي العراق نراهم يرفضون الانسحاب السريع, وطوال ستين سنة تغاضوا عن كل السلبيات في الانظمة العربية ، كما اعترف بذلك الرئيس بوش بنفسه. وبالتالي, فكل الأدلة التي حصلت الى حد اليوم تذهب في الاتجاه المعاكس. والى ان يأتي ما يخالف ذلك اذا فإن المجتمعات العربية على صواب حين ترتاب في نوايا الغربيين. ليبرهنوا لنا فعلا على أنهم تغيروا اليوم وانهم يريدون تشجيع بناء الديمقراطية ودفع العرب الى الوحدة والتنمية المشتركة.


* هل المثقف العربي المقيم في الغرب أكثر حرية, ومن ثم أكثر موضوعية ووعيا من زميله الذي يعيش في البلاد العربية، أم أنه على العكس من ذلك رهينة رؤية جزئية ومتمحورة حول الذات ؟
* حتما لا. داخل العالم العربي مثقفون لا يحصون من أصحاب الرأي الحر والنظر الموضوعي. وليس التبصر رهنا بالإقامة بمنطقة معينة. بالتأكيد العيش في الخارج في فترة الاجتياح شبه الفاشي للعديد من البلاد العربية يقدم للمثقفين فرصا أفضل للتعبير عن رأيهم، لكنه لا يزودهم لوحده بالروح الموضوعية ولا النقدية. وربما كانت هذه القدرة على التعبير الحر هي السبب في شهرة العديد من هؤلاء. لكن ما كان لهم أن يعبروا ويشتهروا لو لم تسكنهم هم أنفسهم كأشخاص، وبصرف النظر عن موقع إقامتهم، روح الحرية والنقد قبل مجيئهم إلى الغرب. وربما كان هذا هو السبب الرئيسي في رحيلهم. وهذا يعني أنهم لم يكتسبوا هذه الروح في المنفى ولكن المنفى سمح لهم بإغنائها والتعبير الأصفى عنها. بالمقابل إلى جانب هؤلاء هناك كثير من المثقفين العرب يقيمون في الغرب ولا يتمتعون مع ذلك بأي نظرة موضوعية أو علمية.


* ما رأيك بدراسة مقارنة بين المثقفين العرب المقيمين في بلادهم وبين المقيمين منهم في الغرب, لتقييم مدى أهمية ما يقدمه كل منهم؟ انت بلا شك تذكر مثلي مدرسة أدب المهجر وأسماء مثل جبران وميخائيل نعيمة وايليا ابو ماضي. وهناك رأي شائع بأن هذه المدرسة تتميز كثيرا عن مثيلتها في العالم العربي، بطابعها الرومنطيقي الخاص. فهل تعتقد أنه بالامكان أن نصل الى نتائج مفيدة لو قارنا مثلا بين من يكتبون في العلوم الاجتماعية من عرب المهجر – مثلك أنت وادوارد سعيد وهشام شرابي وابراهيم أبو لغد وجورج قرم...- وبين زملائهم المقيمين في البلاد العربية ، كعبد الله العروي, وهشام جعيط, والجابري, ونصار, وحسن حنفي, وغيرهم؟
* في نظري لا يمكن تصنيف المثقفين العرب اليوم انطلاقا من موقع إقامتهم في الخارج أو الداخل. وأقول موقع إقامتهم لأن الحدود الجغرافية قد فقدت الكثير من أهميتها مع تطور منظومة الاتصال والتواصل عبر الحدود. ومن الممكن أن يكون مثقفو الداخل الذين ذكرتهم أكثر متابعة لما ينشر في الغرب اليوم من المقيمين فيه. وبالمثل يمكن أن يكون مثقف الخارج على اطلاع على ما يجري في العالم العربي أكثر ممن يقيم في الداخل. ولم يكن الامر كذلك في بداية القرن العشرين حيث كانت الهجرة تفيد المنفى الحقيقي والانقطاع عن العالم الأصلي كما كان يعني البقاء في الداخل الانقطاع عما يحصل في الغرب وما ينشر ويتطور فيه. ولهذا لم يعد من المكن اليوم وجود أدب مهجر ولا علم اجتماعي مهجري في مقابل العلم الاجتماعي أو الأدب المحلي. بل إنه لم يعد من الممكن تصور العلم حسب الانتماء القومي أو الجغرافي. فالدراسات التي يقوم بها باحثون غير عرب تفوق اليوم بما لايقاس ما يقوم به باحثون من أصل عربي أينما كان مقر إقامتهم. ولا يمكن لهؤلاء أن ينجحوا في تطوير مشاركتهم العلمية المتعلقة بشؤون مجتمعاتهم من دون التواصل مع بقية الباحثين المتواجدين في كل أنحاء العالم. بمعنى آخر أصبح العلم أكثر فأكثر علما واحدا أو كما نميل اليوم إلى القول علما عولميا. هذا لا يمنع بالتأكيد أن تختلف المقاربات العلمية لأن العلوم الاجتماعية ليست علوما بحتة أو طبيعية، وهي تفترض سواء أقر الباحث بذلك أم لا اختيارات أخلاقية أو معيارية مسبقة. مما يعني أن أغلبية الباحثين العرب تنطلق من أجندة أو من جدول أعمال مجتمعي يختلف كثيرا عن جدول الأعمال الذي تنطلق منه أو الذي يتحكم بعمل الباحثين الغربيين. لكن ليس هناك ما يمنع باحثا غربيا أن يعمل بوعي أو من دون وعي انطلاقا من جدول الاعمال العربي أو باحثا عربيا انطلاقا من جدول الأعمال الغربي.


* في النهاية, أنت تقيم في فرنسا منذ 1970... فماالذي استفدته من هذه الاقامة؟
* الاقامة في فرنسا منحتني شعورا لا يقارن بالحرية. فأنا أفكر بحرية، وأعمل بحرية. والمهم هنا هو هذه المسافة التي يأخذها المرء باتجاه المجتمع الذي أتى منه, في نفس الوقت الذي يشعر فيه بصلة لم تنقطع معه. وأقول لك ان فرنسا ليست بالنسبة لي أرض المنفى ، وانما فقط المكان البعيد الذي أحتاجه لأشعر أنني حر.