حل الأزمة السورية مرتبط برحيل «الأسد» أو ثورة في إيران

2016-05-01 :: المصري اليوم

ترجمة :

  رضا غُنيم  

احترقت مدينة حلب السورية، منذ أيام، والحرق لايزال مستمراً مع تجدد الغارات الجوية لنظام بشار الأسد وحليفه الروسي والفصائل المسلحة. مشاهد مأساوية تناقلتها الفضائيات العربية والعالمية لسكان المدينة السورية وهم تحت الأنقاض، أطفال لم يتعدٍ عمرهم 3 سنوات صاروا جثثاً متفحمة، أحدهم كرر قبل استشهاده ما قاله طفل آخر منذ عام ونصف: «سأخبر الله بكل شيء». قصف وحشي بين الجانبين يشبّه كثيراً الغزو المغولي للمدينة قبل نحو 750 عاماً.

 

«المصري اليوم» حاورت برهان غليون ، رئيس المجلس الوطني السوري السابق، لتحليل ما حدث في حلب، قبل أيام من احتمالية استئناف «مفاوضات جنيف». تكمن أهمية الرجل كونه مفكراً قبل أن يكون سياسياً، تناول المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات وأزمة الديمقراطية في العالم العربي في كتاباته. انحاز لوطنه الذي تركه قبل 43 عاماَ، في وقت كان يمكنه ترك كل شيء، ويبقى داخل أروقة جامعة «السوربون» مهتماً بالفكر أكثر من انشغاله بالسياسة. تحدثنا عن سوريا ، والعقبات التي تقف أمام حل الأزمة هناك، وتطرقنا أيضاً إلى «الربيع العربي» ومستقبل المجتمعات العربية.

وإلى نص الحوار:

 

* كيف تفسّر ما يحدث في مدينة حلب؟

* تحاول إيران وروسيا الداعمتان لبشار الأسد الضغط على المعارضة لإجبارها على تقديم تنازلات رفضت تقديمها في جنيف، أي القبول بحكومة وحدة وطنية مع «بشار» بدلاً من الانتقال السياسي إلى نظام ديمقراطي جديد.

 

* انهارت مفاوضات «جنيف 3» مؤخرًا قبل الحديث عن إمكانية استئنافها 10 مايو الجاري.. لماذا فشلت كل المفاوضات السياسية؟

* العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى حل سياسي للحرب السورية بشار الأسد، النظام وحلفاؤه يُصرون على أن يكون «بشار» جزءًا من الحل، وهذا غير مقبول لدى المعارضة، ولا يمكن أن يكون شريكاً في أي حل، لأنه انتزع الحكم بانقلابٍ على الشرعية، وثبت أركان حكمه بسلسلة من الجرائم ضد الإنسانية، ولا يزال السبب الرئيس في استمرار القتال والحرب.، ومحاولة فرضه شريكاً في أي حل تعني أن السورييين الذين فقدوا أبنائهم لن يخرجوا من الحداد أبدا، إشراكه في الحل أيضاً معنا أن تشرعن استخدام السلاح الكيماوي وأسلحة الدمار الشامل، والحصار والتجويع والقتل بالبراميل المتفجرة. هذا غير مقبول. لن تُحسم الأزمة إلا بالمفاوضات السياسية، لكن ليس قبل أن ينتهي «الأسد» أو تندلع ثورة في إيران.

 

* ما هي رؤيتكم لآليات الانتقال الديمقراطي في سوريا؟

* تطبيق قرارات مجلس الأمن وآخرها ٢٢٥٤ الذي ينص على تشكيل هيئة حكم انتقالية مشتركة من النظام والمعارضة تعد الدستور الجديد، وتحضر البلاد للانتخابات التشريعية والرئاسية العادية، أي تسلم البلاد للشعب من خلال انتخابات حرة ونزيهة وعامة تحت إشراف دولي.

 

* نعود للوراء.. المثقفون السوريون المعارضون للنظام مدركون أن «بشار» أنشأ مملكة الخوف، وأن الثورة ضده ستكون ضريبتها باهظة.. هل كان الإصلاح أفضل من الثورة؟

* أين رأيت نظاماً ديكتاتورياً يخضع للضغوط السلمية ويجري عملية إصلاح؟، الديكتاتورية لا تصلح ولا تصحح أخطاءها، لأنها لو فعلت لم تعد ديكتاتورية، فهي ليست كذلك إلا لأنها تريد أن تفرض رأيها ومصالحها بالقوة، وهي بحاجة لتحقيق ذلك إلى أن تشلّ إرادة المجتمع وتقهره. كان لدى النظام السوري 40 عاما كي يجري عملية إصلاح، ولم يفعل، ثم كيف يؤخذ على المتظاهرين رفعهم شعار إسقاط النظام، وهو مجرد شعار، ويحاسبون عليه، ولا يحاسب النظام الذي أسقط الشعب كله بالعنف خلال نصف قرن وهو يسقط أبناءه بالرصاص الحي بالمئات الآن كل يوم؟، وكيف يتهم المحتجون بالانحراف لاستخدامهم ما وقع بين أيديهم من سلاح للدفاع عن أنفسهم ورد العنف عنهم، ولا يتهم قادة النظام بالانحراف عندما يوجهون القوات المسلحة لقتل مواطنيهم الذين من المفروض أن تشكل حمايتهم وضمان حقوقهم وحياتهم وظيفتهم وواجبهم ومبرر وجودهم في قيادة الدولة والمجتمع؟، كيف تصبح الثورة مؤامرة كونية على النظام، ويتحول تحالف النظام مع القوى الأجنبية الإيرانية والطائفية واللبنانية والروسية وغيرها ضد الشعب الأعزل سياسة وطنية؟.

 

* يرفض بعض المثقفين تسمية ما حدث في سوريا بـ«الثورة»، ويقولون إنها مجرد احتجاجات لمئات الأشخاص بسبب سياسات اقتصادية خاطئة استغلتها قوى إقليمية.. ما تعليقك؟

* من يعترف بأن هناك سياسات اقتصادية خاطئة ولا يرى في المحتجين عليها سوى مئات قليلة ليس مثقفاً، ولا باحثاً وإنما «شاهد زور». إذا كانت السياسات الاقتصادية خاطئة فتأثيرها سيطال طبقات كاملة وشعوبا وليس مئات. الاقتصاد ليس مسألة بسيطة إنه يتعلق بحياة البشر، لكن الكذب والخداع يكمن في كلمة خاطئة، من دون تبيان مدى الخطأ وأثره على حياة الناس، عندما تتسبب السياسة الاقتصادية بتدمير حياة ملايين الناس وخنقهم، تكون نتيجة الخطأ كارثية. تسيير الاقتصاد السوري لصالح «مافيا صغيرة» تمثلها مجموعة من الأسر التي تحولت إلى إمبرطوريات مالية وفي مقدمها عائلتي «الأسد ومخلوف» ليست سياسة اقتصادية خاطئة، وإنما مصادرة لموارد الشعب والمجتمع لصالح فئة صغيرة، وحرمان المجتمع من حقه في الحياة الكريمة، وتعميم الفساد وحمايته بفرض حكم الديكتاتورية.

 

* أصبحت سوريا ملاذاً للمتطرفين من كل أنحاء العالم.. دعني أسالك: هل كان المجتمع جاهزًا لاحتضان الجماعات الإرهابية؟

* ليس المجتمع السوري هو الذي احتضن أو كان يحتضن الجماعات المتطرفة، وإنما نظام الأسد وحليفه الإيراني عمل عليها ورعاها خلال عقود طويلة ماضية، وكانت سلاحه الأمضى لترتيب علاقات النظام الداخلية والإقليمية، وهو تحالف مع معظمها في لبنان، والعراق، والأردن، وضد منظمة التحرير الوطنية الفلسطينية، وتاجر بما يعرفه من معلومات وثيقة عنها مع المخابرات الدولية، واستثمرها لتحقيق مزايا ومكاسب ورشوات سياسية لا تقارن. بعد أسبوعين من انطلاق ثورة الكرامة والحرية السورية أطلق النظام سراح مئات المتطرفين المنتمين لتنظيم القاعدة الذين كان قد استخدمهم في العراق، ثم وضعهم في السجن في انتظار الفرصة المناسبة لاستخدامهم، كما حدث مع «فتح الإسلام» في لبنان والمخيمات الفلسطينية، وهو الذي ساهم في توسيع دائرة نفوذهم وانتشارهم بسياساته الدموية التي دفعت إلى عسكرة الثورة وتفجير النزاع الداخلي، وإضعاف الدولة ودفاعاتها، وفتح المجال أمام جميع المتطرفين في العالم للمجيء إلى سوريا، والحلم بتكوين قواعد ثابتة لها، بل الإعلان عن دول كما فعل تنظيم داعش.

 

* هل افتقدت الثورة السورية للقيادة؟.. بصيغة أخرى: هل يوجد تنظيم مُستعد لقيادة الدولة السورية عقب الإطاحة بالأسد؟

* لو كان النظام القائم يسمح بتكوين تنظيم مستعد لقيادة الدولة السورية عقب الإطاحة به، لم يكن نظاماً فاشياً، ولا كان هناك أصلاً سبب للثورة والتمرد عليه. تعني الديكتاتورية والفاشية منع المجتمع من تشكيل قوى منظمة، والقضاء على أي تنظيم قبل أن يُولد، وتصفية العناصر المعارضة أو دفنها حية في السجون والمعتقلات واغتيال شخصياتها الملهمة أو الرئيسية، وهذا يفسر أن الثورة قامت من وراء ظهر المعارضة أو ما يبدو وكأنه شكل ضعيف من أشكالها، وأن الثورة أخرجت «المعارضة الكسيحة» من الموت السريري، وليست المعارضة هي التي دفعت للثورة، وبالتالي ليست هي القادرة على التحكم بها ولا قيادتها. كل ثورة هي بالضرورة شعبية، وبالضرورة أيضاً عفوية وتعددية ومفتقرة للتنظيم والقيادة الموحدة. لو لم تكن كذلك لأصبحت انقلاباً وليس ثورة.

 

*كيف يقف برهان غليون «العلماني» إلى جانب ثورة كانت المساجد نقطة انطلاقها، ومرجح أن يسيطر الإسلاميون على الحكم حال نجاحها؟

* كيف يمكن أن تقوم علمانية أو إسلام مسالم ومتسامح عندما يكون العنف والقهر والإذلال هو أسلوب الحكم القائم، أي طريقة حكم الطغمة الصغيرة للأغلبية الشعبية ووسيلة تهميشها وإخراجها الأبدي من دائرة الاعتراف والسلطة والقرار والحياة العادية والإنسانية؟، كيف تريدها أن تعترف بك وأنت تنكر وجودها ولا تعترف حتى بأبسط حقوقها؟. الإسلاموية والتطرف الإسلامي ليس سمة ولا هوى ولا ماهية ثابتة عند شعب، وإنما عقيدة قتال، سبب وجودها وتوسع انتشارها تنامي روح الاحتجاج والحرب والمقاومة عند فئات متزايدة من الشعب بسبب التهميش والتحييد واللافاعلية وفقدان معنى الوجود، لدولة المجتمع الراقي ولهذا المجتمع ذاته الذي يتسبب رقيه وسياساته بحرمان الشعب وموته. في المقابل يتخذ المجتمع الراقي، أي الذي نجح في الخروج من العدم والهامشية وموت المعنى، من العلمانية عقيدة حرب مفتوحة ضد شعب كامل لتبرير تهميشه وتحييده وقهره. تصبح العلمانية عقيدة قتال موازية لفئة من المجتمع، تماما كما يجيز الإسلام والدين ليصبح عقيدة قتال خاصة بقطاعات شعبية مفقرة ومعدمة.

 

* لماذا يعارض المنحازون للثورة التدخل الروسي ويتجاهلون دعم المعارضة بالسلاح من قبل السعودية التي لها مصلحة مباشرة في سقوط النظام حسبما يقول مراقبون؟

* ببساطة، لأن التدخل الروسي أتي من أجل دعم نظام القتل بالجملة، ودعم بشار الأسد، وتغيير موازين القوى لصالحه، وقصف المعارضة وتشتيتها وإضعافها، وزير الخارجية الروسي لم يكن يؤمن بوجود معارضة وتحدث عن الجيش الحر المزعوم، روسيا لا تختلف في نظرتها لما يجري في سوريا عن النظام. موسكو تشكل الحرب السورية فرصتها الرئيسية للانتقام من الغرب في منطقة كانت خلال عقود طويلة منطقة نفوذ أمريكية وغربية، وتسعى إلى انتزاع الهيمنة عليها بديلا للغرب انطلاقا من انتزاع الانتداب غير الرسمي على سوريا. في المقابل السعودية لم تكن ضد «بشار»، لا هي ولا قطر ولا تركيا، البلدان الثلاثة كانوا أقرب حلفائه وأصدقائه، وأول بيان للملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز يطلب فيه من «بشار» القيام بإصلاحات لتجنب النزاع جاء بعد 6 أشهر من الثورة، وبعد تقديم قرض بحوالي 200 مليون دولار لتشجيع النظام على الإصلاح. في فترة متأخرة، بدأت السعودية تمول بعض فئات المعارضة، في مواجهة التدخل الإيراني، وزاد دعمها بعد تورط «حزب الله» اللبناني، وتزايد عدد الميليشيات الطائفية العراقية والأفغانية والباكستانية وغيرها. ينبغي عكس المسألة والسؤال: لماذا يقف بعض العرب مع إيران أو يؤيدون مشروعها في احتلال سوريا واستخدامها من أجل تطويق العالم العربي بهلال تسميه هي نفسها شيعي ولا تخفي نواياها الطائفية؟، هل هو جهل بالمخططات الإيرانية أم رغبة الانتقام من السياسة السعودية أو انعدام روح المسؤولية الوطنية والعربية؟. أما إيران هي صاحبة الحرب الرئيسية والمشعلة لها والفاعلة فيها منذ السنة الأولى للثورة، حرب سوريا هي منذ أربع سنوات حرب طهران للسيطرة عليها، ومن خلالها فرض وصايتها على المشرق العربي، وهي لم تخف ذلك أبدا.

 

* وماذا عن الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا؟

* الولايات المتحدة بعكس روسيا، ليس لديها حوافز للاستثمار في الحرب السورية، تناور كي تبرر النأي بنفسها عن الانخراط فيها والتخلي عن التزاماتها الدولية، أما تركيا فهي كالسعودية في موقف الدفاع عن أمنها القومي ومصالحها، حيث تشكل سوريا المعبر الرئيسي لتجارتها مع العالم العربي كله ومع الخليج بشكل خاص، وتقدم الدعم اللوجستي للمعارضة انطلاقا من دفاعها عن هذه المصالح، وهي كالسعودية لا ترسل جيوشا ولا تقصف مدنا ولا تدمر البنية التحتية للبلاد ولا تعمل على تغيير البنية الديمغرافية وتوسيع دائرة الاستيطان الإيراني في المراكز والمدن الاستراتيجية السورية.

 

* بعيداً عن موقفها في سوريا.. إيران صديق أم عدو العرب؟ وهل تجنيبها من المجتمع العربي وراء مساندتها لبشار باعتباره الحليف الأخير لها في المنطقة؟

* إيران ليست عدوًا للعرب، لكن تطلعات حكمها الديني تدفعها إلى تبرير التوسع والعدوان على العرب وتعظيم دورها الإقليمي والدولي على حسابهم، وهي لا تتورع من أجل ذلك عن زعزعة استقرار هذه الدول وتقويض تماسكها المذهبي والديني بتغذية الاختلافات المذهبية واستخدام سلاح الطائفية. معركة سوريا لا تعني سوريا فحسب، وإنما حسم الصراع على الهيمنة في المشرق العربي، وبالتالي في الإقليم كله، وحسمه لصالح طهران يعني حرمان العرب في المستقبل من أي أمل في السيادة والاستقلال والتنمية المستقلة وتجيير المنطقة لصالح إيران في الحسابات الدولية.

 

*حزب الله يبرر وقوفه جانب «بشار» بأنه ضمانة للمقاومة.. ما تعليقك؟

* كيف يمكن ضمان المقاومة بتدمير أهم دولة عربية في مواجهة إسرائيل، وتشريد نصف سكانها وتحطيم جيشها وتحويله إلى حرس للقصر الجمهوري، وتسليم البلاد إلى ميليشيات طائفية وتقسيم أراضيها لقواعد عسكرية للدول الحليفة وغير الحليفة. الحرب في سوريا أنهت حزب الله كحزب مقاومة ضد إسرائيل، وحولته إلى ذراع لإيران لزعزعة استقرار البلدان العربية، وقيادة الحرب الطائفية، وحولت إيران إلى أكبر خصم للعرب بعد أن اعتقد العرب أن ثورتها الإسلامية قربتها منهم في مواجهة إسرائيل، وكما هو واضح اليوم بفضل سياسة طهران وحزب الله ورفض التنازل للشعب السوري عن أبسط حقوقه، لم تكن إسرائيل أكثر أمانا وارتياحا وسعادة في كل تاريخها مما هي عليه اليوم. ما الذي كان يكلف حزب الله وطهران لو نصحا «الأسد» للقيام ببعض الإصلاحات السياسية لامتصاص حركة الاحتجاج الشعبية بدل دفعه ودعمه بكل الوسائل والإمكانيات وتشجيعه على سحق الثورة سوى المصالح الخاصة القومية الإيرانية؟، أي مصلحة لمقاومة إسرائيل في مثل هذه السياسة التي جرت الدمار لأكبر دولة عربية في المواجهة؟.

 

* ماذا عن دور مصر؟

* لا مصلحة لنظام عبدالفتاح السيسي في دعم الثورة السورية التي يرفضها أساسا، ومن غير المعقول أن يغامر بإغضاب المملكة العربية السعودية التي تدعمه، لكن قبل هذا وذاك، مشاكله الداخلية تغنيه عن التفكير في ما وراء حدود مصر وجوارها. جهود النظام منصبة بأكملها اليوم على المحافظة على الأمن والاستقرار، وهذه هي المهمة التي تقرب بين النظام القائم والنظام السوري، ليس حبا به، وإنما تضامنا بين أنظمة تواجه تحديات متشابهة وتتغذى من مخاوف متماثلة وتواجه كوابيس واحدة.

 

* كيف تقيم مواقف الدول الأوروبية تجاه اللاجئين؟

* مع كل مساوئها لكنها أفضل من مواقف العديد من البلاد العربية للأسف!.

 

* دعني أنتقل بك إلى قضية أخرى.. هل العرب خارج التاريخ الآن مقارنة بالعالم الغربي كما يقول بعض العلمانيين؟

* سؤال يعكس العنصرية المتنامية تجاه الذات ولا ينبغي أن يطرح أبداً. العرب ليسوا خارج التاريخ وإنما هم ضحاياه بسبب خيانة النخب الحاكمة والسائدة العربية وخوفها من نتائج تحرر شعوبها على مصالحها الخاصة والضيقة وغالبا اللاشرعية.

 

*- قيل إن المجتمعات العربية غير مؤهلة للديمقراطية.. هل ترى أن الثورات العربية قضت على هذه الفكرة؟

* من يقول ذلك هم أنفسهم الذين ينكرون حقوقها ويرفضون تأهيلها ويخوضون الحروب الأهلية ويتعاملون مع الدول الأجنبية لحرمانها من هذا التأهيل، وقطع الطريق عليها لممارسة حقوقها الطبيعية.

 

* لماذا فشلت الثورات العربية في تحقيق أهدافها؟

* لأنها واجهت تحالفا قويا وواسعا بين النخب المحلية ونظام الهيمنة الدولية، ليس لديها الوسائل النظرية والمادية لمواجهته، ولكنها ليست النهاية، وإنما بداية المعركة الطويلة التي ستنهي نظم العبودية في العالم العربي كما أنهتها في بقية بلاد العالم. طالما بقي هناك الجوع والفقر والمرض والقهر والذل ستبقى نار الثورة مشتعلة تحت الرماد، وفي اعتقادي لم يحسم أحد أي شيء.

 

* لماذا فشل العرب (كل الدول تقريباً) في التحوّل إلى العلمانية؟

* لأن العلمانية استخدمت وتستخدم ذريعة لتهميش الشعوب العربية وحرمانها من حقوقها الطبيعية، أي لأنها تحولت إلى سلاح تستخدمه نخبة مارقة لتبرير احتكارها للسلطة والثروة والجاه بالتواطؤ مع فقهاء السلطان الملتحقين بها. أكثر الدول العربية كانت علمانية وديمقراطية وتعددية عندما نشأت بعد الاستقلال، لكن بمقدار ما قضمت حقوق الأفراد والجماعات وتغولت السلطة على الشعب وقوضت أسس الحياة السياسية السليمة والطبيعية، أنعشت التطرف وغذت روح العداء للسلطة ثم للدولة.

 

*- كيف تقرأ مستقبل العرب؟

* أزمة طويلة وحروب طاحنة وانقلابات واضطرابات مستمرة حتى الوصول إلى حالة صحية يشعر الجميع فيها أنهم في وطن واحد، وطنهم، لديهم نفس الحقوق والواجبات، وأمامهم الفرص ذاتها وإمكانيات الارتقاء بشروط معيشتهم ذاتها، مع جهد مماثل أو متقارب. بمعنى آخر حتى تحقق الثورة أهدافها ويتمتع كل فرد على الأقل بنفس القدر من الاحترام والاعتراف والحقوق، بصرف النظر عن ظروف معيشته المادية ومستوى تعليمه وحسبه ونسبه، وهذه هي الأهداف الحقيقية للثورة المستمرة.