الشرق الأوسط: تكبدت إيران الكثير وهي تعرف جيدا استحالة كسبها الحرب

2014-06-22 :: الشرق الأوسط

ترجمة :

- للشرق الأوسط

 

* هل ترى ملامح إنهاك إيراني يفضي إلى تسهيلها تسوية سياسية في سوريا؟

* تكبدت إيران الكثير حتى الآن.. وهي تعرف جيدا استحالة كسبها الحرب إذا فشلت المساعي الكثيرة الراهنة في جر إيران إلى مفاوضات جدية حول سوريا، وأصرت طهران على عروضها المذلة للعرب والسوريين، ستتجه الأمور - على الأغلب - نحو «حرب استنزاف» طويلة... يراهن فيها الغربيون والعرب على الوقت لتقويض أسس الجمهورية الخمينية وزعزعة أركانها. وهذه المساعي لا تحتاج من أجل ذلك سوى إلى تقديم الدعم العسكري للمعارضة للحفاظ على توازن للقوى يمنع أيا من الطرفين من تحقيق نصر حاسم على الطرف الآخر، وتلقي على عاتق السوريين والميليشيات التابعة لإيران حمل العبء الأكبر من الحرب.

ويكفي هنا أن نشير إلى التكاليف العالية لسياسة إيران الخارجية. لقد أنفقت إيران على امتلاك القنبلة النووية، منذ بداية حكمها «الجمهوري»، أكثر من مائة مليار دولار أميركي. وإذا ما أضفنا ما أنفقته إيران على الحرب العراقية، والحروب الكثيرة التي خاضتها في لبنان وعلى حدود إسرائيل، إلى ما تنفقه للحفاظ على نظام الأسد التابع لها في سوريا، ثم إلى مصاريف الحرب الدائرة ضد ثورة السوريين منذ ثلاث سنوات، وهي في مستوى عشرات المليارات من الدولارات بالتأكيد، بالإضافة إلى تكلفة تشكيل الميليشيات اللبنانية والعراقية وتسليحها، وشراء السلاح للنظام وتمويل الاقتصاد السوري المتهاوي بسبب ظروف الحرب، ودفع مرتبات موظفي حكومة الأسد خلال أكثر من سنتين... إذ ذاك ندرك حجم الخسائر التي تتكبدها إيران لتأكيد هيمنتها الإقليمية، وما يمكن أن يكون لسياسة «حرب الاستنزاف» من عواقب وخيمة على الأوضاع الاجتماعية للشعب الإيراني، الذي شهد تراجعا مطردا في مستوى معيشة غالبيته الساحقة خلال العقود الماضية.

لهذه الأسباب ستتردد طهران كثيرا - على الأغلب - قبل أن ترمي بنفسها في فخ «حرب استنزاف» غير مضمونة النتائج، ولا تستطيع الانسحاب منها من دون خسائر معنوية كبيرة، ولا تستطيع الاستمرار فيها من دون تضحيات... ستصبح أكثر فأكثر صعبة الاحتمال، خاصة أن ربح الحرب سيكون مستحيلا ولن يكون له معنى عندما تتحول البلاد برمتها إلى خرائب محزنة ويتهجر معظم شعبها ويقضي في القتال خيرة أبنائها وشبابها.

ثم إن طهران لا يمكن أن تستمر على خط تحدي الغرب وتهديد مصالحه ومصالح حلفائه في الوقت الذي تتفاوض معه وتبحث عن التقرب منه بأي ثمن. وأخيرا، وهذا هو الأهم، لن تستطيع طهران مهما فعلت، أن تتجاهل ما يمكن أن يؤدي إليه إصرارها على كسر إرادة السوريين لفرض اختيارها عليهم، من أزمة خطيرة في العلاقات السنية - الشيعية... لن تكون في صالحها، بل ستزيد من تدهور صورة الإسلام والمسلمين في العالم أجمع.

إيران بلد قوي ومهم في منطقة الشرق الأوسط، ولقد أظهرت نخبته الدينية الحاكمة قدرة لا يستهان بها على المناورة إقليميا ودوليا، وبرهن شعبها على قدرة على الصبر لا تجارى. لكن كل هذا لا يكفي لتغيير مجرى التاريخ وقهر إرادة شعب آخر قرر التحرر والانعتاق. يكفي أن نذكر القادة الإيرانيين، في هذا المجال، بمثال الولايات المتحدة الأميركية، وهي الدولة الأعظم عسكريا واقتصاديا ونفوذا سياسيا، وما تعرضت له من كوارث في فيتنام، بصرف النظر عن قدراتها العسكرية والتقنية، واستخدامها أكثر الأسلحة تطورا في مواجهة شعب لا يملك إلا قدميه ويديه وبعض الأسلحة الخفيفة. وهناك أيضا مثال روسيا التي فقدت في حرب أفغانستان إمبراطوريتها مجسدة بانهيار الاتحاد السوفياتي، واضطرارها – وهي ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم – إلى الانسحاب المذل لصالح جماعات المجاهدين وميليشيات محدودة التدريب والتسليح من طلبة العلوم الدينية.

نعم، إيران مُنهَكة، ومن مصلحتها العمل على إيجاد حلول سياسية لا تقتصر فائدتها على ضمان مصالح نظام طهران وحده، وإنما تلحظ أيضا مصالح الإيرانيين والعراقيين والسوريين واللبنانيين وشعوب المنطقة المهددة كلها... وإلا فإن الجنون سيكون «سيد الموقف» وستكون عواقبه الأوخم على من مشعل الحرائق أولا!