لا لبـنـنـة للـحــراك الـشـعـبـي

2012-11-14 :: السفير

ترجمة :

 محمد بلوط


كل شيء قابل للنقاش مع رئيس المجلس الوطني السوري برهان غليون. محاولة منع وفد من «هيئة التنسيق» من دخول مقر الجامعة العربية في القاهرة، ورشقهم بالبيض من أنصار المجلس الوطني لم تفعل سوى الكشف عن خلافات معروفة بينهم وبين معارضة «هيئة التنسيق» في الداخل «وفيها مناضلون تاريخيون أمضوا سنوات طويلة في السجون، وتعرضوا لإساءة غير مقبولة» كما يقول غليون.
ويبين حادث الجامعة العربية أن من رشقوا أعضاء «التنسيق» بالبيض لا يزالون يشتبهون في ممالأة بعض أعضائها للنظام. الشبهة لا تقوم فقط على رفض شخصيات الهيئة الانضمام إلى المجلس الوطني، وكان غليون نفسه قد جاء منها إلى المجلس، ولكنه الالتباس الذي أثاره نص مؤتمرها في «حلبون» عن عزمها إسقاط النظام الأمني الاستبدادي، من دون تسمية الرئيس بشار الأسد بالاسم.
ومن الواضح أن مرارة تسود أنصار المجلس، لأن الجامعة العربية لا تأخذ بتمثيلية حصرية «المجلس الوطني» للحراك الشعبي في سوريا، وهو هدف لم يتحقق، إذ لا تزال الجامعة العربية تضع «هيئة التنسيق» و«المجلس» على قدم المساواة، رغم ما يقوله رضوان زيادة، ممثل المجلس في واشنطن، من أن المجلس «هو الممثل الشرعي والوحيد والحقيقي للشعب السوري»، وهو ما يكشف الصعوبات التي تواجه المعارضة السورية في تنظيم خلافاتها، رغم أنها لا تزال في مرحلة الرشق بالبيض، وقبل أن تصل مرحلة تولي مسؤوليات شرعية وتمثيلية حقيقية.

غليون اعتبر ذلك «رأياً شخصياً لرضوان زيادة وليس موقفاً للمجلس من هيئة التنسيق». أما بصدد الاعتداء فقال «إن المجلس الذي لا يحترم حق الاختلاف والحرية لا يمثلني».
في معارضته يتمسك برهان غليون، بسلمية الحراك الشعبي، ويرفض فرضية انزلاقه نحو عسكرة تنزع عنه درع السلمية. لا «لبننة» للحراك الشعبي، وظاهرة التصفيات الطائفية، والخطف على الهوية خطر ينبغي مواجهته بأي ثمن، وشعارنا الطائفية خيانة وطنية، وقد «بادرت الاستخبارات والشبيحة إليها لإغراق الحراك في معركة لا علاقة لها بها». أما المبادرة العربية، فقد استغلها النظام لخوض معركة ضد بابا عمرو في حمص وكسب الوقت، وتكثيف حملات الاعتقال.

ويتوقع غليون، في مقابلة مع «السفير»، أن تذهب الجامعة العربية نحو إشراك الأمم المتحدة في مبادرة عربية ـ دولية، تتجاوز عقبة الفيتو الروسي في مجلس الأمن الدولي نحو استصدار قرار بحماية المدنيين السوريين من القتل اليومي.


 غليون يقترح على الجامعة العربية مخرجاً لإخفاقها في سوريا. عليها أن تقوم بتعزيز مبادرتها بالدعم الدولي بعد انقضاء مهلة تنفيذها من دون أن يقوم النظام السوري بتلبية شروطها. ما المستقبل؟
{ «على الجامعة العربية أن تبدأ فوراً بالتشاور مع الأمم المتحدة لاتخاذ إجراءات مشتركة. عليها أن تقوم بتحويلها إلى مبادرة عربية دولية. ينبغي عليها أن توسعها نحو المجموعة الدولية مع المطالبة باستقالة بشار الأسد لكي تفتح إمكانية مفاوضات جدية. نحن لا نريد الانتقال من الحل العربي إلى الحل الدولي، نريد حلاً عربياً دولياً، وشراكة عربية دولية لوقف القتل. وتجميد عضوية سوريا في الجامعة يجب أن يكون البداية. الجامعة تتلقى تقاريرنا عن انتهاكات النظام ونرى أنه من مسؤوليتها أن تعلن أن النظام استغل وقت المبادرة، ليرتكب جرائمه الموصوفة في بابا عمرو، وإبعاد الأنظار عن عملية تصعيد استثنائية في حمص».
ورغم الأصوات المتصاعدة من أعضاء في المجلس في واشنطن وغيرها، يجزم غليون أن حديث المنتمين للمجلس عن التدخل العسكري يعد رأياً شخصياً وليس موقفاً من المجلس، «فالتدخل الخارجي ليس خياراً مطروحاً لا علينا ولا على المجموعة الدولية. الخيار الوحيد المطروح، هو حماية المدنيين. ليس مشروعنا أن تأتي دول أجنبية لتقرر مستقبل الشعب السوري. ما نريده هو أن تتوقف آلة القمع التي تحول دون الشعب السوري وحقه في تقرير مصيره بحرية، لذلك نتمسك بفكرة الحماية المدنية». وبخلاف القرار الدولي الصادر عن مجلس الأمن حول ليبيا، الذي سمح بتفسير فضفاض للتدخل العسكري الغربي فيها، ينحو غليون نحو ترسيم القرار الذي يريد استصداره ووقف مفاعيله عند الحماية لا أكثر، ويضع له حدوداً وعلامات فارقة. ويشرح آلية اتخاذه بأنه «لا قيمة لأي قرار لا يقوم على ميثاق الأمم المتحدة، وإملائه على الدولة السورية واجب حماية مواطنيها. وهو يمنع المساس بسيادة الدول إلا في حالة ارتكابها جرائم ضد الإنسانية». وتقوم لجان دولية وأممية، ومنظمات غير حكومية بجمع الأدلة والوثائق التي تمهد الطريق نحو «اعتراف مجلس الأمن بارتكاب النظام السوري مثل هذه الجرائم. نحن نريد أن يتخذ هذا القرار من دون أن ينقض مبدأ سيادة الدول».

أليس ذلك فاتحة لتدخل عسكري، وكيف يمكن فرض حماية المدنيين من دون قوة عسكرية رادعة؟

يردّ غليون «هناك بالتأكيد خطر الاضطرار إلى استخدام القوة، ولكن ليس كتدخل عسكري ولكن كإجراء متفق عليه بين جميع الأطراف المعارضة والأطراف الدولية، وحسب المصالح الوطنية السورية بهدف تطبيق قرار حماية المدنيين. إن النظام هو الذي يقرر في الحقيقة التدخل العسكري أم لا، من خلال وقف القتل المدان من قبل المجموعة الدولية أو الاستمرار فيه، رغم التهديد باستخدام القوة، ومن المحتمل أن يوقف النظام القمع والقتل ويفاوض على آلية لتنفيذ القرار إذا شعر بوجود تهديد له، وإذا لم يوقف، فمن المؤكد بأننا سنذهب نحو شكل من أشكال استخدام القوة ضد النظام، ليس لها علاقة بمفهوم التدخل العسكري الكلاسيكي».

ويعتقد غليون أن الإجماع على المطالبة بحماية المدنيين قائم في صفوف المعارضة بجميع أطيافها، من المجلس الوطني إلى هيئة التنسيق، فتيار الدولة. ويقول «إن جزءاً كبيراً من الرأي العام السوري لم يعد يعترض على وجود حماية دولية، وإن تطلّب ذلك فرضها بالقوة، شرط ألا تخرج عن سيطرة المعارضة، وألا يجري التلاعب بها». ويضيف «اعتقد أن جزءاً كبيراً، ليس فقط من السوريين، وإنما من العرب أيضاً، يتمنى الخلاص بسرعة من العنف اللاعقلاني، الذي قد يستمر أشهراً. وهناك أكثرية لم تعد تطيق انفلات القتل اليومي من كل عقال».

أي معارضة ستقبل بمحاورة النظام في ظل استمرار القتل؟» السؤال لغليون. أي طرف يفاوض النظام سوف يخسر مصداقيته في ظل ارتفاع حصيلة القتل اليومي؟
{ «نعم بالتأكيد إذا ذهبت إلى أي طاولة حوار في جو كهذا، حيث يستشرس النظام، ويقتل من دون حساب، وقد نفذ تحت مظلة المبادرة حرباً ضد بابا عمرو في حمص. أي معارضة ستقبل بالحوار؟ في مثل هذه الظروف لن يذهب احد أصلاً إلى أي حوار مع النظام، أو تفاوض مع نظام كنظام الأسد. لا حوار مع النظام لأنك عندما تقول حواراً، فيعني ذلك التسوية. ولا توجد معارضة، لا داخل المجلس الوطني أو خارجه، ستقبل بذلك. أو المساومة على مبادئ وأهداف الثورة. المعارضة مستعدة فقط للتفاوض على مرحلة انتقالية، لنقل السلطة إلى نظام ديموقراطي وغير ذلك فلا. وإذا ما ظن النظام أن الهدف من التفاوض هو تجديد شرعيته، فهو يحلم، ويعيش في عالم آخر».

 ألا تحلم أنت أيضاً. هل تعتقد أنه من المعقول أن يفاوضكم النظام على تسليم السلطة ويمشي؟
{ «نحن لا نريد أن نتسلم السلطة، نحن نريد أن تسلم السلطة إلى الشعب، وإلا فلماذا الثورة؟ الهدف منها تسليم السلطة إلى الشعب، واستعادة ما اغتصب منه منذ أربعة عقود. الناس تموت من أجل ذلك، وليس لأنها جائعة، أو من أجل لقمة الخبز. الناس جائعون أكثر من الماضي، لكنهم يموتون لأنهم لا يريدون أن يستبدّ بهم أحد بعد اليوم».

ولكن السلطات السورية تقول لمن يدعوها إلى تطبيق المبادرة العربية، وبدء الحوار مع المعارضة أن عنف المسلحين ضد الجيش لم يتوقف، وقد يتضاعف إذا ما عاد الجيش إلى ثكناته، ولن تستطيع سحبه في ظل استمرار هجماتهم ضده؟
هذه حجة لا تقنع غليون «لأن السلطات ترددها منذ 8 أشهر، ومن غير المعقول أن نقبل بحجج رفضتها الجامعة العربية، ولو كانت الجامعة قبلت بحجج النظام عن العصابات المسلحة، ما كان لها أن تقدم مبادرتها، بل كان حرياً بها أن تساعد النظام بقوات عربية تقضي على تلك العصابات الإرهابية والمؤامرة الخارجية».
وأضاف «النظام هو من خلق ظاهرة الجيش الحر عندما زج الجيش في مهمة قمع الشعب بدل حمايته، ومثل هذه المشكلة لا تحل بقتل الجنود المنشقين الذين رفضوا قتل مواطنيهم وإنما تحلّ بالتفاوض. إن من أهم نقاط التفاوض هي قضية الجيش الحر، والمنشقون عن الجيش السوري. إن انشقاقهم لا يمنح النظام المتسلط الحق بقتلهم».

 هل هناك علاقة عضوية أو تنظيمية مع «الجيش الحر» الذي يقدر غليون عديده ما بين 10 إلى 13 ألف جندي، وتوقع أن يتسع ويكبر في الأيام المقبلة؟
«لا أحد في المعارضة، لا في المجلس الوطني أو غيره، يرغب بامتلاك ذراع مسلحة. لا أحد يستطيع الإدعاء بالسيطرة على الأحداث أو قيادة هذه العناصر، وهذا ليس مشروعنا. لا ننوي إنشاء أي ذراع مسلحة، نريد فقط إقناع (قائد الجيش الحر) رياض الأسعد والجيش الحر المنتشر في المدن، الاكتفاء بحماية التظاهرات السلمية».

 ولكن هل تتحدثون إليهم؟
 «نحن نقول لهم انتبهوا، نحن لا نريد الحرب الأهلية، ولا نريد جيشاً سورياً في مواجهة جيش سوري آخر».

 هل يعني ذلك أن روابط تجمعكم بهم عندما تقولون إنكم لا تسيطرون عليهم، لكنكم مع ذلك تطلبون منهم حراسة التظاهرات؟
 «هم جزء من شعبنا، واليوم من المعارضة، ولن نتخلى عنهم، وسنسعى إلى حمايتهم، لكننا لا نريد أن ننزلق نحو حرب سورية ـ سورية لاعتقادنا أيضا بان إخوتهم في الجيش لن يخذلوهم أو يخذلوا الشعب. لكننا نسعى إلى أن نقنعهم بضرورة الالتزام بالاستراتيجية العامة للثورة والمعارضة والتنسيق معهما، وما نطلبه منهم الآن هو التقيد بمهمة حماية التظاهرات».

ألا يحمل ذلك الجيش نذائر انزلاق الحراك الشعبي نحو المزيد من العسكرة؟
 «بالعكس. لا نستطيع أن نترك الجيش الحر من دون تأطير سياسي، ولا أن نتركهم من دون عون ونعرضهم لتلاعب القوى الدولية والإقليمية. ويخشى عليهم إذا تركوا وحدهم من دون معونة وقيادة سياسية أن يتورطوا ويورطوا البلاد في نزاعات جانبية نحن بأشد الغنى عنها. لا أعتقد أن هناك خطراً على الانتفاضة. واحتمال عسكرتها يعود لحماقة السلطة واستراتيجيتها التي دفعت الجيش نحو الانشقاق، والناس نحو التسلح».

 هل تقوم قطر أو دول أخرى بتسليح هذه العناصر؟
من يتحدث عن التسليح؟».

 قامت قطر بإرسال قوات خاصة إلى ليبيا، وهي تتدخل إلى جانب ائتلافات وتحالفات تنشأ حول الربيع العربي؟
 «بالنسبة لي من المحرم أن نضع أطراف الجيش السوري وجهاً لوجه، لأننا نرفض الحرب الأهلية رفضاً مطلقاً».

لا يتخوف غليون من أي «لبننة» للحراك الشعبي. ويقول «لا صراع طائفياً يذر بقرنه في بعض التصفيات المذهبية، أو استهداف أحياء ذات أكثرية من لون واحد. ولا خلافات علوية سنية، والخطف القليل الذي وقع سببته الاستخبارات».

 هل يثق برهان غليون بالأميركيين والفرنسيين والذين يعلنون تأييدهم للمجلس الوطني والمعارضة السورية؟
 «أنا لا أثق بأحد. أنا لا أثق إلا بالشعب السوري وحده. الشعب يريد التحرر من النظامِ، وقد كلّف المعارضة السياسية أن تعبئ الجهود الدولية لتحقيق هذا الهدف. ونحن نتصل بالعرب، والأميركيين والآسيويين والروس، ولا نضع كل رهاننا في سلة واحدة، وإذا كان الإيرانيون يودون المساعدة في تحرير سوريا فلا مانع من لقائهم. لا قرار لدينا أن نأخذ سوريا نحو هذا الحلف أو ذاك. قرارنا هو جمع كل الجهود لتحرير شعبنا من الطغمة القاتلة».

 ألا تثير شكــوك لديكم وجود قــطر في كل المسارات المتعلــقة بالقضية السورية، من اجتماعات الدوحة فرئاسة اللجنة العربية الوزارية، إلى الدور الإعلامي لقناة «الجزيرة». هل أنتم مجلس وطني آخر تحت الوصاية القطرية بعد المجلس الليبي؟
 «لا إطلاقاً، ولا وصاية قطرية أبداً. الأمر واضح، للقطريين دبلوماسية نشطة لا تتوقف علينا، وإنما تشمل مناطق تشهد أزمات عربية وإقليمية، في ليبيا والسودان وفي لبنان، في ماض قريب».