العرب الأسبوعي: العرب يدفعون ثمن انبهارهم بالثروة النفطية

2008-10-30 :: العرب الأسبوعي

ترجمة :

حسن المصدق - العرب الأسبوعي

 

* كيف تنظر إلى العلاقات الدولية في ظل التجاذبات الدولية الحالية بين هيمنة الولايات المتحدة ومحاولة العديد من الدول إعادة المنتظم الدولي إلى حظيرة عالم متعدد القطبية؟ وإلى أين يتجه النظام الدولي في نظرك؟ ومن ثم ما هي القيم التي ستسود في بداية الألفية الثالثة؟
* بعكس الاعتقاد الذي ساد غداة انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة لم يخلف زوال نظام القطبية الثنائية نظاما أحادي القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة، ولكن وضعا مضطربا ومشوشا، سعت واشنطن إلى استغلاله لفرض إرادتها كقوة عظمى وحيدة، والدفع في اتجاه نظام دولي أحادي القطبي يدور من حولها. وفي سبيل ذلك بدأت سلسلة الحروب التوسعية في العراق وفي أفغانستان، وعززت تحالفها مع إسرائيل، وأطلقت يدها في الشرق الأوسط أيضا باعتبارها أحد أدوات سيطرتها الإقليمية. وكان الهدف من هذه الحروب قطع الطريق بالفعل على انبثاق عالم متعدد الأقطاب خلفا لنظام القطبية الثنائية. لكن الولايات المتحدة لم تنجح في تحقيق أهدافها، وبدل بناء نظامها الامبرطوري الذي لم يكف المحللون السياسيون والجيوسياسيون عن التذكير به، نشرت الفوضى في كل المناطق التي حاولت السيطرة عليها كرافعة لاستراتيجيتها العالمية، وحولت منظمة صغيرة لا وزن ولا قيمة استراتيجية لها، القاعدة، إلى قطب ثان يقف أمام العالم الصناعي بأكمله ويستدعي إعلان حرب دولية، هي الحرب ضد الإرهاب.
في الواقع أثبتت التجربة الامريكية نفسها أنه لا توجد قوة اليوم قادرة على فرض نظام على العالم والتحكم به لوحدها، ولا توجيهه حسب أهدافها. وأن العالم الذي نعيش فيه متعدد الأقطاب فعليا، إذا نظرنا إليه من حيث الديناميكيات العميقة ومستويات القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية. لكنها تعدديه لا تزال تفتقر إلى الاعتراف والتكريس السياسي والقانوني. أكثر ما يمكن أن تطمح إليه الولايات المتحدة اليوم هو أن تكون الأولى بين أسياد، لا السيد المطلق الوحيد. ولن ينتظم مسار العالم ونظامه قبل أن تستبطن واشنطن هذه القاعدة وتقبل بأن يكون التعاون والتفاهم والمفاوضات الجماعية هي قاعدة العمل لبناء سياسة دولية تفتقر إليها اليوم الإنسانية جمعاء.
ولا يمكن قيام مثل هذه السياسة من دون تطوير القانون الدولي وجعله حقيقة واقعة لا شعارا تختفي وراءه المطامع الخاصة للدول الكبرى. والذي يمنع من نشوء هذا النظام الدولي القائم بالفعل على القانون ليس الولايات المتحدة وحدها وإنما تردد الدول الصناعية جميعا، خوفا من أن تكون الأغلبية للدول النامية والفقيرة في أي مجلس تشاوري أو برلمان دولي.
لا يعني هذا أن الولايات المتحدة ليست دولة مؤثرة وليست قادرة على شن حروب وفرض مواقف وضمان مصالح ليس بإمكان أي دولة أخرى مجاراتها فيها. فهي القوة العظمى الاولى حتى امد منظور، وللقوة مكافأتها الطبيعية. لكن هذه القوة لن تسمح لها بفرض إرادتها على العالم وقيادته من غير موافقته. وتكفي مقاومة الدول الكبرى الاخرى السلبية لتحرم واشنطن من إمكانية تحقيق حلمها بقيادة المجموعة الدولية حسب مصالحها واجندتها القومية.
ستستمر الفوضى التي نعرفها ما لم تنجح الدول الكبرى والصغرى مجتمعة في التوصل إلى إعادة بناء العلاقات الدولية على أسس قانونية جدية. بمعنى إما أن يولد نظام عالمي جديد يستلهم قيم الشراكة الدولية التي يحتاج إليها العالم لمواجهة المشاكل والتحديات العالمية المشتركة والمترابطة، أو نسير في اتجاه نشر أكبر للفوضى وهدر فرص إقامة سلام عالمي قائم على قيم التضامن بين الشعوب من أجل السلام والإزدهار والتنمية الإنسانية.

 

* تحاول العولمة الجارية توحيد العالم ببأس شديد، بحيث تعميم النزعة الاستهلاكية وفتح الأسواق على أشده. هل تعتبر ردود الأفعال المتمثلة في النزعات القومية والدينية احتجاجا على توحيد الأنماط ببأس شديد، أم أن الإنسانية في بداية الألفية الثالثة ما زالت مرشحة لأن تعيش كثيرا من الأزمات؟
* العولمة التي شهدنا نموذجا عنها في العقود الماضية ليست هي السبب في خلق الأزمة أو الازمات التي تشهدها المجتمعات والعلاقات الدولية ولكنها ساهمت وتساهم في تفاقمها وتفجيرها. والسبب في ذلك أن العولمة مرتبطة بطفرة تقنية استفادت منها بالدرجة الأولى القوى التي كانت تملك ناصيتها وتحتضنها. فقد مكنتها من تطوير قدرتها الاستراتيجية والاقتصادية والثقافية والتقنية على الانتشار والتوسع والتمدد خارج حدودها واقتصاداتها ومحيطها الثقافي، لتدخل في عمق المجتمعات الأخرى وتحكمها من الداخل وتسلب إرادتها. وبوضعها نتائج هذه الطفرة في خدمة سياساتها الاقتصادية أو العسكرية سيطرت الدول الصناعية الكبرى على القرار العالمي جميعا، حتى صارت مجموعة الثمانية الكبار هيئة أركان دولية حقيقية لتسيير العالم وتوجيهه.
لكن الأمر ليس مؤامرة حبكتها هذه الدول في سبيل تفكيك الدول الأخرى والسطو على مواردها الاستراتيجية أو الاقتصادية. إنه النتيجة الطبيعية لتبدل علاقات القوة وتغير شكل السيطرة الدولية. فأمام ما تخلقه العولمة من تفاعلات وتشابكات بين المصائر العالمية فقدت الكثير من العقائديات الكلاسيكية المجمعة صدقيتها بسبب ضعف نجاعتها وعدم مسايرتها لشروط الحياة الجديدة، ومنها العقائديات القومية والاشتراكية التي تبنت نظرية التنمية الوطنية والمتحورة حول الذات، بل والعقائدية الديمقراطية ذاتها التي أصبحت تبدو أكثر فأكثر في تناقض مع الحتميات التي تفرضها على الشعوب والمجتمعات قوانين العولمة الاقتصادية.
هنا يكمن التفسير الصحيح لتفكك الجماعات الوطنية أو شبه الوطنية التي انتشرت على الخريطة العالمية بعد حروب التحرير الوطنية عشية الحرب العالمية الثانية. فبقدر ما أخفقت هذه القوميات في خلق الفضاءات القادرة على احتضان الطفرة التقنية الجديدة واستيعابها والاستفادة منها، حكمت على نفسها بالتراجع والموت أمام صعود التشكيلات القارية الكبرى والتكتلات الإقليمية التي أتاحتها وشجعت عليها تقنيات العولمة نفسها. من هنا لم تكن نتائج الثورة التقنية التي قامت عليها العولمة واحدة ومتساوية بالنسبة لجميع البلدان والمجتمعات. فالخاسر الاول منها هي الشعوب التي بقيت تعيش في حدودها القومية او الوطنية الضيقة ولم تعرف كيف توسع أفق عملها وتطور استراتيجيات من مستوى العالمية، وفي مقدم هذه البلدان الأقطار العربية والأفريقية. بالمقابل استطاعت الصين والهند والعديد من التكتلات الآسيوية واللاتينية الأخرى أن تستثمر العولمة لصالحها وتستخدمها لتحقيق نقلة نوعية من اقتصاد الدولة البيرقراطي الجامد نحو اقتصاد السوق العالمية. ومنتجاتها تغزو اليوم بفضل العولمة العالم بأكمله. وبالطبع يدفع العرب ثمن انبهارهم بالثروة النفطية وتمسكهم بحدود قطرية تحولت مع الزمن إلى سجون للشعوب بالمعنى الحرفي والمجازي معا، بدل التجمع لخوض غمار ثورة تقنية وصناعية كان من المفروض أن تضعهم ككتلة بشرية تعد أكثر من ثلاث مئة مليون ساكن، في صف الدول أو الاتحادات الكبرى وتحولهم إلى طرف في الحياة والسياسة الدولية، إلى جانب الكتل الأوروبية والأمريكية والهندية والصينية واللاتينية.

 

* كيف للعالم العالم العربي أن يحمي ثقافته من خطر الذوبان في ثقافة العولمة؟ بمعنى أي مستقبل ينتظر الثقافة العربية في تداعيات أنقاض فشل المشاريع القومية وبرامج الحركات الإسلامية السياسية؟ هل ثمة بديل وسط بين ضرورات العولمة وبين خصوصية المجتمعات العربية؟ أم أنك مع الذين يدافعون عن ضرورة تمثل قيم العولمة من فردية ومنافسة وانفتاح؟
* لم أعتقد لحظة في أن هناك تناقضا بين الحفاظ على الهوية وتمثل واستيعاب التجديدات الحضارية والقيم المرتبطة بها، العلمية منها والتقنية والإدارية والسياسية والاقتصادية. فليست الهوية مستودعا للقيم الثابتة، او كما أقول عادة ليست ماهية لا تتغير ولا تتحول، ولكنها إرادة استقلالية وقوة ذاتية. وليس لنا كذات جماعية حظ في الاحتفاظ باستقلاليتنا وشعورنا بتميزنا وعنايتنا بثقافتنا وارتباطنا بتاريخنا سوى بتمثل القيم الحضارية الإنسانية التي تمكننا وحدها من أن نكون ذاتا فاعلة في التاريخ وطرفا في تقرير المصائر العالمية. ومن دون ذلك سنسقط أكثر فأكثر في أزمة هوية ونتنازع في ما بيننا على اقتسام تراثنا الثقافي وتشييئه، وتتفتت صورتنا الذاتية. وخير مثال على ذلك تركيا التي لم تكن أكثر قومية ولا أقرب إلى تراثها الديني وتمسكا به مما هي عليه اليوم بعد أن حققت جزءا من ثورتها الصناعية، وأصبحت شريكا حقيقيا للكتلة الاوروبية، حتى لو انها لم تدخل بعد كعضو في الاتحاد الأوروبي. واصرارها على الدخول فيه يعكس ثقتها بنفسها لا ضعفا في هويتها ولا هربا منها. بالعكس أوربة هي الخائفة من إدخالها إلى دائرتها الثقافية.

 

* ما رأيك في الربط الحاصل في خطاب الحركات الإسلامية والقومية بين العولمة والأمركة، إلى أي حد صحيح هذا الربط؟ وهل يمكن أن نرفض العولمة بسهولة؟
* يأتي الريط من واقع أن الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب وزنها الاستثنائي في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك في الصناعة الثقافية، بل خاصة في هذه الصناعة الحساسة، وتفوقها التكنولوجي وريادتها في ثورة المعلومات، هي الاكثر تحكما في آليات العولمة وسيطرة عليها. وهي تستخدمها بالتاكيد لخدمة مصالحها القومية وتوسيع دائرة نفوذها وتعزيز دورها ومواقعها الاستراتيجية. من لا يرى هذا لا يرى حقيقة ما يجري في عالمنا.
بيد أن تاكيد ذلك لا يعني أن العولمة ثمرة إرادة أمريكية في السيطرة على العالم. إنها ثمرة طفرة تقنية تستغلها الولايات المتحدة بسبب ما تتمتع به من قوى وموارد وإمكانيات استثنائية لتفرض إرادتها. لكن ديناميكيات العولمة تتجاوزها هي نفسها، وتهدد مع الزمن بقلب المعادلة تماما ضدها. وأكبر مثال على ذلك الصعود المضطرد للقوى الآسيوية الصينية والهندية على أرضية العولمة نفسها. وليس الحل في رفض العولمة أو إدانتها أو الهرب منها، لأنه لا حل بالهرب من واقع قائم، وإنما بتغيير هذا الواقع، والعمل مع القوى المتضررة من العولمة الليبرالية، أي الأمريكية، فهي أمريكية لأن أمريكا مركز السوق الليبرالية، في سبيل ضبط حركتها وإخضاعها لقيم ومباديء تحفظ استقرار المجتمعات وتضامنها وتماسكها بدل أن تقود إلى تفتتها وتفريغها من الروابط التضامنية.
وإذا كان هذا التحليل صحيحا، فقسم كبير من المسؤولية يقع على الدولة الصغرى، وفي مقدمها الدول العربية التي كانت ضحية العولمة الرئيسية، في عدم القيام بالتحويلات والمبادرات اللازمة لتجنب الانجراف في طوفان العولمة وتأمين الشروط التي تمكن من السباحة فيها ومواجهة التحديات التي تنجم عنها. فهل تبنت الحكومات العربية سياسات وبنت استراتيجيات إقليمية ضرورية لتجنب هذا الانجراف، أم استمرت تعيش كما لو لم تكن هناك مخاطر ولا ضرورات لتغيير السياسات والخيارات التقليدية، الإقليمية والوطنية؟ باختصار أصبحت العولمة قدرا لأننا لم نسع إلى فهم آلياتها ولا اتخذنا الإجراءات الكفيلة بتعزيز مواقعنا أمام العواصف التي تهب منها. العولمة لا ترفض ولا تدان ولكن تواجه بسياسات واستراتيجيات تثقيل ذاتية، وتجميع للقوى والموارد العربية والإقليمية، لا بإطلاق الحروب والنزاعات وتغذية الأحقاد الدينية والقومية والطائفية والعشائرية. يقع القسم الأكبر من المسؤولية على نخبنا الحاكمة والتي لا تكاد تهتم بمصير شعوبها ومجتمعاتها ولا تفكر إلا بخدمة مصالحها الخاصة، كما يقع أيضا على المثقفين والناشطين الذين ألهتهم المماحكات والنزاعات الشخصية والبحث عن البهارج والانتصارات الكاذبة عن أخذ الأمور بجدية والعمل على بناء وعي نقدي وموضوعي بموضوعات التحول الدولية الخطيرة التي برزت في العقود الماضية، وفي مقدمها العولمة عند الرأي العام.

 

* الطفرة التكنومعلوماتية تلقي بظلالها على العالم، ما هو السبيل لكي يتدارك العالم العربي في نظرك تخلفه والعثرات التي رافقت تحديث البلدان العربية؟ هل ما زالت ثمة حاجة إلى تنمية مستقلة في ظل عالم أصبح مرتبطا أقصاه بأدناه؟ أم أن التنمية في الحقيقة اليوم تنطلق من مزيد ارتباط الوطني بالعالمي والبحث عن الهامش من الحركة في هذا الارتباط، بحيث لا مجال لتنمية مستقلة.
*أصبجت التنمية بالتاكيد قضية عالمية، من جهة لأن الترابط بين أجزاء العالم على المستوى الاقتصادي (الرساميل، التمويل، الاستثمارات، التقنيات، الخبرات، الأسواق إلخ) لم يعد من الممكن تجاوزه أو التغاضي عنه، ومن جهة ثانية لأن أي بلد لا يستطيع اليوم أن ينعزل بنفسه ويقيم اقتصاده على أسس وقوانين خاصة به، أو مغايرة لتلك السائدة في عالم اقتصاد السوق الموحد أو شبه الموحد. لكن هذا لا يعني أن صيغة هذه السوق مثالية أو أنها ليست قابلة للنقاش والتعديل من قبل الدول والمجتمعات. كما لا يعني أنه لم تعد هناك حاجة إلى سياسة مركزية وطنية، وأنه يكفي فتح البلدان والأسواق بتطبيق السياسات ا لليبرالية، كما هو سائد في بلداننا، حتى تتحقق التنمية. بل إن العكس هو الصحيح. لم تكن الحاجة إلى تفاهم بين الدول الصغيرة والكبيرة لضبط مسار العولمة الليبرالية، ولا لبلورة سياسة وطنية ذكية ونبيهة ومخلصة لمصالح الكتلة الوطنية الواسعة، كما هي عليه اليوم. ذلك أن غياب التفاهم الدولي الذي يستدعي مفاوضات جدية وعادلة لا يمكن إلا أن يقود إلى تفاقم التناقضات والتشوهات التي تفرزها العولمة المنفلتة من عقالها، تماما كما أن غياب الإدارة والقيادة النبيهة والنشيطة ذات الرؤية الوطنية داخل كل دولة يهدد بأن يجعل من الاقتصاد المحلي مزرعة لرجال المال والأعمال وشبكات المافية الدولية. وهذا ما نشهده بالفعل في منطقتنا ومناطق أخرى متخلفة مثلنا في العالم. وشرط وجود هذه القيادة والسياسة الوطنية المرتبطة بها تعزيز مشاركة الشعوب في الحياة العامة وتنمية وعيها الجمعي وحسها بالمسؤولية وإشراكها في عمليات اتخاذ القرارت على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية. نعم هناك مكان إذن للسياسة الوطنية التنموية وللخطط الرؤيوية حتى لو لم تكن هناك تنمية متمحورة حول الذات ومسورة بالحدود الوطنية. هذا يعني أنه كما أن من الممكن أن تقوم التنمية على خيارات وطنية، أي تلحظ مصالح السكان وكتلتهم الرئيسية، يمكن أن تقوم على خيارات تبدو عشوائية لكنها لا تخدم في الواقع سوى أصحاب المصالح الكبرى المرتبطين هم أنفسهم بالشركات العالمية والمنخرطين في الاقتصاد الدولي.

 

* هل سيستطيع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي فرض الليبرالية في النهاية، ومن ثم يمكن قراءة تداعيات مراحل التقويم الهيكلي على الرغم مما ما رافقها من انتقادات حادة، أنها أثبتت هذا الخيار على اقتصاديات دول الجنوب والشرق، ما انتهى بها إلى السعي إلى مطابقة سياساتها الاقتصادية مع معايير اقتصاد السوق ولو بالإكراه والضغوط، بخاصة أن خلق الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا (Nepad) سنة 2001 مثلا، انتهى إلى تبني "توافق واشنطن" ( مجمل سياسات الإصلاح الليبرالي المفروضة من طرف صندوق النقد الولي والبنك العالمي)؟

* لم يعد صندون النقد الدولي هو الذي يفرض السياسات الليبرالية على الدول. أصبحت هذه الدول نفسها هي التي تهرع للأسف إلى تطبيق وصفات هذا الصندوق، والمزاودة في تقديم التنازلات السياسية والقانونية، لتضمن اجتذاب رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية، حتى لا تبقى خارج الدائرة الاقتصادية العالمية، وتؤمن فرص العمل اللازمة لشبابها الباطل عن العمل. إذن لم يعد تبني اقتصاد السوق موضوع جدال واخذ ورد كما كان عليه الحال في الحقبة السابقة التي سيطرت عليها نظريات التنمية الاشتراكية والمستقلة. ما أصبح موضوع جدال هو أمرين. الأول: أي اقتصاد سوق على المستوى القطري ينبغي تطبيقه، وما هي الإجراءات وشبكات الحماية الاجتماعية وآليات توزيع الدخل وضبط التفاوت بين فئات الدخل المختلفة. والثاني ما هي السياسات التي تضبط اقتصاد السوق العالمية وتحدد آليات عملها لتضمن فرصا فعلية للتنمية في البلدان الفقيرة، وتجنب العولمة من أن تكون آلة جبارة لتركيز الثروة بين يدي دول محدودة تسيطر على الانتاج والتجارة الدولية، على المستوى العالمي، وتجميع الثروة، داخل هذه الدول القليلة نفسها، بين يدي نسبة محدود وصغيرة من السكان، وترك جماعات كبيرة على قارعة الطريق أو في المعازل والضواحي البعيدة والمهمشة. السؤال يتعلق في الحالتين إذن بالبعد الاجتماعي للسياسات الاقتصادية القائمة على السوق. وهذا ما يميز السياسات الليبرالية المحافظة عن السياسات الاشتراكية الديمقراطية التي تتقاسم السيطرة الايديولوجية اليوم في العالم. فالأولى تعتبر التحرير الاقتصادي من دون شروط كفيلا بحل التناقضات الاجتماعية والسياسية التي يخلقها تراكم رأس المال، ولا حاجة إلى تدخل سياسي كبير من قبل الدولة لتعديل المسارات القائمة وتشذيبها وضبطها، والثانية تدعو بالعكس إلى ربط اقتصاد السوق بسياسات اجتماعية تعزز تضامن المجتمع وتضمن قدرا كبيرا من العدالة والمساواة واحترام الحياة والكرامة الإنسانية، ولا تعتبر أن معايير الربحية والمردودية الاقتصادية كافية لإقامة مجتمع إنساني متكافل، حتى لو نجحت في إقامة اقتصاد نشيط وديناميكي. وهذا أيضا مشكوك فيه.

 

* ما مدى صحة شعار " حوار الحضارات" الذي رفع كبديل ل"صدام الحضارات" في بداية الألفية الثالثة؟ أم أن الشعار الأول والشعار الثاني مجرد شعار أيديولوجي تم تسويقهما على إثر أحداث 11 سبتمبر؟

* في مواجهة رياح الحرب التي هبت من الأطلسي باسم الصراع بين الحضارات، وعلى ضوء تبدل موازين القوى الدولية بعد انهيار الكتلة السوفييتية وتبخر حركات التحرر الوطنية، أطلق بعضنا في العالم الاسلامي فكرة حوار الحضارات، من جهة كرد على حرب الحضارات، ومن جهة ثانية كوسيلة لتأكيد وجودنا على المستوى الثقافي والدفاع عن هويتنا كما اعتقد الكثيرون، في وجه السيطرة المتنامية للثقافة الغربية. وليس من قبيل الصدفة أن الغرب تلقف بسرعة هذا الشعار ورحب به، بعد أن رفض منذ عقود ولا يزال يرفض أي مشروع لحوار دولي ولمفاوضات شاملة تشارك فيها جميع التكتلات والجماعات السياسية وتطرح مشاكل العالم الحديث للبحث. ففي تصويره العالم على أساس وجود حضارات مكتفية بنفسها ومنغلقة على ذاتها، تخضع لها الشعوب المختلفة، يوحي هذا الشعار بغياب المسؤوليات الدولية عما يحدث للشعوب وتفسير ما يعيشه معظمها من حالات مأساوية، مع تزايد الفقر والبؤس والتهميش والتسلط والديكتاتورية وتفكك الدول والجماعات، اعتمادا على منظومة قيمها وتراثها واعتقاداتها الدينية. فهو يحمل مسؤولية نشوء هذه الأوضاع وأسباب تطورها إلى الخصوصيات الحضارية، ويتجاهل دور السياسات الدولية الواعية والمختارة، في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية معا، وما قادت إليه من إدماج العالم في حركة واحدة، وما نجم عنها من توزيع غير عادل للموارد المادية والمعنوية معا. 
وبهذا المعنى أعتقد أن التنازل الذي يمثله حوار الحضارات هو جائزة الترضية المسمومة التي قدمتها لنا الدول الصناعية الكبرى التي تسيطر على شؤون العالم، تعويضا عن التدمير المستمر الذي تحدثه سياساتها في ثقافاتنا ومجتمعاتنا نفسها.
ومع ذلك ليس لنا مهرب الآن من خوض هذا الحوار، على أمل تطويره وتحويله إلى مفاوضات سياسية متعددة الأطراف حول المصائر العالمية. فإذا لم نفعل ذلك، أو أخفقنا فيه، وقبلنا الدخول في لعبة المباراة بين الحضارات والثقافات وقيمها الدينية والتراثية، سنلعب لعبة الدول الصناعية التي تريد استخدام حوار الثقافات والحضارات للتغطية على مسؤولياتها الدولية، مقابل إرضاء المسلمين والجماعات الثقافية الضعيفة الأخرى ببعض التنازلات المعنوية في ميدان الاعتراف الشكلي بقيمة الحضارات والثقافات غير الأوربية وحقها في التعبير عن نفسها، أو في تطبيق قيمها داخل مجالها الخاص. وفي هذه الحالة لن تكون نتائج حوار الحضارات هذا أفضل من تلك التي نتجت عن الدعوة التي انتشرت في الستينات من القرن العشرين لاحترام الاختلاف الثقافي، وكان هدفها الاعتراف الشكلي بالهوية الثقافية الخاصة بكل شعب بديلا عن مناقشة جدية لبرنامج إصلاح النظام الدولي على الصعيد الاقتصادي والإعلامي والعسكري معا.

 

* التحولات الدولية في بداية الألفية الثالثة، انعكست تشرذما وتفاقما للأزمة في العالم العربي. ذلك أن مشروع الشرق الأوسط الكبير حمل معه تفتيت الحد الأدنى من السياسات العربية الذي كان قائما ولو اسميا، لكن الجديد في الشرق الأوسط ظهور المحور السوري الإيراني. بوصفك مطلعا على ما يجري في دمشق، هل ترى ثمة مصداقية في خروج قادة دمشق عن الخط العربي في مواجهة الأطماع الإيرانية في العراق ودول الخليج العربي؟ وكيف تنظر إلى حالة العزلة التي تعيشها سوريا حاليا بعد أن اصبحت في واجهة الأحداث بمناسبة أو بدون مناسبة، وبالتالي ما هو السبيل للخروج من عنق الزجاجة الحالي؟ وهل تراهن على عودة دمشق إلى الصف العربي؟
* العالم العربي مفتت قبل مشروع الشرق الاوسط الكبير. وتفتته هو النيتجة الطبيعية لإخفاق نظامه الجماعي، أعني جامعة الدول العربية، وهي المقصودة بالنظام العربي، في تحقيق المهام التي أقيمت من أجلها، أو التي اعتقدنا أنها أقيمت من اجلها، سواء أكان ذلك تأمين الأمن للدول العربية، أو الوقوف في وجه التوسعية الاسرائيلية وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة، أو خلق شروط التنمية الاجتماعية والانسانية في المنطقة العربية. في جميع هذه المجالات فشل النظام العربي ولم يعد له صدقية في نظر أصحابه، من المسؤولين والرأي العام معا، وفقد بالتالي مبرر وجوده. ما هو قائم منذ الحرب العراقية الأولى هو واجهة شكلية لجامعة عربية لا وزن لها ولا دور.
وهذا ما يفسر سعي الأطراف العربية المختلفة إلى إعادة إدراج نفسها في منظومات خارجية بصورة مباشرة وعلنية، كما فعلت دول الخليج التي وقعت جميعا على اتفاقيات استراتيجية، وأعادت فتح القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، أو المغرب العربي الذي اتجه نحو أوروبة والولايات المتحدة الأمريكية والحلف الأطلسي، أو سورية التي احتمت بالجمهورية الإسلامية الايرانية.
بالتأكيد لم يخدم إعلان التحالف الاستراتيجي هذا سورية. فقد وضعها في معسكر واحد مع ايران الاسلامية التي تثير سياستها تحت قيادة أحمدي نجاد حفيظة الكتلة الغربية، وأقلق كثيرا بلدان الخليج وباقي الدول العربية التي تشعر بأن أحد أقطاب منظومتها قد انتقل إلى الصف المقابل، بدل أن يكون ظهيرا لها في مواجهة ما تعتقد أنه سياسات ايران ومطامحها القومية الهيمنية. لكن هذا التحالف وإن عزل سورية إلا أنه أمن دعما كبيرا للنظام من الناحية الاستراتيجية والسياسية والمالية. ومن دونه ربما لم يكن بإمكان النظام الاستمرار في مواجهة الضغوط والتهديدات الأمريكية والاوروبية.
ليس المطلوب من النظام السوري في نظري فك تحالفه مع ايران بالضرورة، ولكن استخدام علاقاته بها، كما كان يفعل النظام في عهد الرئيس السابق، لصالح الأهداف العربية. لكن هذا يقتضي مسبقا التفاهم حول هذه الأهداف مع الدول العربية، وقبل ذلك وضع مصالح النظام في الدرجة الثانية بعد المصالح الوطنية السورية. وهذا ليس بالأمر السهل ولا الممكن ربما اليوم.

 

* كيف تنظر إلى مستقبل العراق؟ ما هو المطلوب عربيا في إنقاذه من خطر التمزيق العرقي والانقسام الطائفي؟
* في إطار الصراعات الدامية التي تعرفها المنطقة المشرقية ليس من السهل لمن يسقط أن يستطيع الوقوف على قدميه من جديد. وقد سقط العراق بسبب تفكك لحمتة الوطنية بعد عقود طويلة من الطغيان الفردي والحكم العشائري الشمولي الذي لم يترك متنفسا لحياة سياسية ولا لقانون ولا لكرامة إنسانية. لم يفعل الأمريكيون في سعيهم لإلحاق العراق بممتلكاتهم الامبرطورية، بوصفه من البلاد التي تملك أكبر احتياطيات للنفط في العالم، سوى استثمار هذا الهشيم الانساني الذي خلفه الطغيان وإعادة تثميره في بناء دولة ضعيفة متقاسمة بين الطوائف والعشائر البدوية، لا يستقيم نظامها ولا يستقر من دون وساطة الدولة الأمريكية ووصايتها المباشرة والدائمة. وبالرغم من الإخفاق المدوي لمشروع احتلال العراق، والخسائر الكبيرة التي تكبدتها الولايات المتحدة فيه، لا يزال هدف واشنطن قائما لم يتغير، أعني وضع اليد على العراق وعدم التراجع عنه مهما كان الثمن، وفي سبيل ذلك الاستمرار بالتلاعب بمكوناته الطائفية والعشائرية وإثارة النزاعات في ما بينها إذا لزم الأمر. ولا أعتقد أن العرب يمكن أن يلعبوا دورا في انقاذ العراق. فمن جهة هم أنفسهم لم يعودوا يشكلون لاعبا إقليميا يحسب له حساب، قادرا على المبادرة والتأثير، كما أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تقبل بالتخلي عن العراق أو تقاسم النفوذ فيه مع العرب، حتى لو كانوا من خيرة حلفائها. يمكن لواشنطن أن تستخدمهم كأدوات لكن لا كشركاء كاملين أو جزئيين. على العراقيين أن يراهنوا على انفسهم ويتجاوزوا خلافاتهم ويكتشفوا الطريق المسدود للمنافسات الطائفية والمنازعات العشائرية. وإذا لم يصحوا هم أنفسهم ويستيقظوا سيكون طريق الخلاص طويلا جدا.

 

* ما هي الخيارات البديلة أمام العرب في لعبة شد الحبل التي تجري في العراق لبنان وفلسطين بين أمريكا وإيران بسبب الملف النووي والموقف من إسرائيل وسياسة أمريكا في الشرق الأوسط؟
* ليس لهم خيارات كما ذكرت. فأنظمتهم نفسها بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة ومباركتها للبقاء والاستمرار، وليس لأي منها أجندة إقليمية. وحتى في قضية مركزية وتاريخية مثل قضية فلسطين، لم يعد للعرب حضور تقريبا، وبات على الشعب الفلسطيني أن يواجه وحيدا عتاة الحرب الإسرائيلية.

 

* هل ترى فيما تقوم به إيران من تدخل سافر في الشرق الأوسط، سيعمي الدول العربية من رؤية حجم المآسي التي أحدثها الاحتلال الأمريكي في العراق؟ أم أن الأخطبوط الإيراني يوازي في درجته قذاعة التدخل الأمريكي؟ وبالتالي ليس من خيار أمام العرب غير رفضهما معا. وهل ثمة خيار أصلا في لعبة هذه المعادلة الصعبة؟
* على العرب، أعني الحكومات العربية، إذا لم تشأ أن تخسر جميع رهاناتها في المنطقة لصالح ايران والولايات المتحدة اللتين تتقاسمان عمليا النفوذ اليوم وتفرضنا أجندتهما عليها وتحولانها إلى ساحة لحرب باردة وربما ساخنة جديدة، أن يفتحوا مفاوضات شاملة وجدية مع جميع الأطراف، ويسعوا إلى التوصل إلى اتفاقات حول المسائل العالقة والمتنازع عليها، الامنية والسياسية وغيرها. وليس لهم مخرج آخر غير ذلك. لكن حتى ينجحوا في فتح هذه المفاوضات ينبغي أن يحظوا بالصدقية، ولا يمكن لهم تحقيق ذلك من دون النجاح مسبقا في التفاهم في ما بينهم وتأكيد وحدة صفهم واستقلالهم تجاه الكتل والأقطاب الخارجية والأجنبية، الايرانية والأمريكية معا. وهذا يتطلب قيادات أخرى أكثر تحسسا للمصالح الوطنية لشعوبها من البحث عن تأمين المغانم ومراكمة المنافع لهم ولأبناء أسرهم وأحفادهم وأزلامهم وأنصارهم. لا يدفع كل هذا إلى التفاؤل كما ترى.

 

* كما هو معروف، الحرب هي أفضل تعبير عن مأزق السياسة، أو لنستعير عبارة البارون كلاوزفيتش، هي “مواصلة السياسة بطرق أخرى”… فبرأيك، من المسؤول عن المأزق السياسي الذي يعاني منه لبنان سواء قبل الحرب الإسرائيلية أو بعدها؟
* لم يكن من السهل على لبنان الذي يقع بين سورية وإسرائيل المسلحتين حتى العظم، واللتين تعيشان حالة حرب دائمة، أن يجنب نفسه التحول إلى مسرح لحرب بالوكالة او حرب ثانوية توفر على البلدين الحرب الشاملة وتسمح لهما بالاستمرار في الضغوط المتبادلة في الوقت نفسه. وتاريخ لبنان منذ الثمانينات تاريخ سعي الطرفين القويين على السيطرة عليه لتأمين مواقع استراتيجية ضد الطرف الآخر. فالصراع على لبنان هو جزء من الحرب الإقليمية الرئيسية التي تفجرت منذ أكثر من نصف قرن حول فلسطين ومن ورائها على السيطرة الاستراتيجية على المشرق العربي، والتي لم تحسم بعد ولم تنته.
لكن ليس هناك شك أيضا في أن نوعية النخبة اللبنانية الحاكمة والسائدة، ونظامه القائم على التوزيع الطائفي للحصص والمناصب ومواقع النفوذ، قد أضعف الدولة اللبنانية ومنع من بناء وطنية قوية قادرة على ضمان وحدة الشعب والدفاع عن استقلال البلاد . وكما انجرف طرف منها نحو الدولة الاسرائيلية لتحسين موقفه تجاه الطرف الآخر في الحرب الأهلية، التحق آخرون بالدولة السورية وراهنوا على دعمها كي يمنعوا لبنان من التحول إلى منطقة نفوذ إسرائلية. ولا يزال هذا الوضع قائما بطريقة أخرى اليوم. فانسحاب السوريين من لبنان خلف خوفا عند جزء من الرأي العام من أن يتحول لبنان إلى محمية أمريكية، بينما يدفع الدعم الذي تقدمه سورية لحزب الله إلى تنمية مشاعر الخوف لدى فئة أخرى من الرأي العام الذي يخشى عودة الوصاية السورية بصورة غير مباشرة. والواقع أن تحول لبنان إلى مسرح صراع بين سورية وإسرائيل واليوم بين المحور السوري الايراني والمحور الأمريكي الاسرائيلي لا يمكن فصله عن تفكك الوطنية اللبنانية وانقسام اللبنانيين ونخبتهم نفسها. لكن في المحصلة، كما أن أزمة لبنان جزء من أزمة المنطقة، ليس لمشكلة لبنان حل خارج عن حل مشاكل المنطقة وبعيدا عنه. لن يمكن تأمين لبنان من دون معالجة الملفات الرئيسية، الفلسطينية والسورية والايرانية.

 

* أود أن أسألك عن علاقة هذا كله بالقضية الفلسطينية، باعتبار أن الحركة القومية العربية والحركات الإسلامية ركزت منذ الانطلاق على محورية هذه القضية واعتبرj القضية الفلسطينية قضية وطنية. هل ترى أن فشل القومية العربية والحركات الإسلامية كان له تأثير سلبي على حل القضية الفلسطينية؟ وبعبارة أخرى، هل انعدام الحل الى حد الآن هو أيضا نتيجة لفشل العمل القومي العربي والإسلامي معا؟
*دعني أقول إن أصل المشكلة كلها هي القضية الاسرائيلية وجذورها القائمة في المسألة اليهودية أكثر منه في القضية الفلسطينية. القسم الأكبر من الحروب والأزمات وانفجار العنف المأساوي في الشرق الأوسط هو النتيجة المباشرة أو غير المباشرة لحل المسألة اليهودية بالطريقة الهمجية التي حلت بها، أي على حساب شعب كامل ومقابل تشريده من أراضيه وتحويله إلى لاجئنين، وإنكار حق هؤلاء في العودة إلى أراضيهم، والسعي بجميع الوسائل إلى محو قضيتهم من السجلات الدولية، وإذا أمكن تغييبهم كليا وإنكار وجودهم كشعب وكقضية وكحالة إنسانية. كل ما حصل بعد ذلك وفي سبيل ذلك صدر عن إرادة فرض دولة يهودية بالقوة، وجعلها دولة صافية قدر المستطاع والسعي إلى تأمينها بالوسائل العسكرية. من هنا بدأت الحروب وسباق التسلح وصعود الشعبوية العربية، القومية أولا ثم الإسلامية، والنزاعات بين القيادات العربية على الزعامة الإقليمية العربية، والديكتاتوريات العسكرية، وسيطرة الأجهزة الأمنية، والنزاعات العربية العربية، والمزاودات في إظهار الوطنية، والكذب على الرأي العام وخداعه، ولاحقا الدمار السياسي والأخلاقي الذي عرفته المجتمعات العربية، بشكل خاص المشرقية. أما القومية العربية فلم تكن جزءا من الحل ولكن جزءا من المشكلة، وما كان بإمكانها أن تنجح، وتحل المسألة الاسرائيلية، أي تفرض على إسرائيل احترام حقوق الشعب الفلسطيني. أولا لأنها بقيت حركة شعبوية كما ذكرت، أي قائمة على الحماس والتعبئة العاطفية أكثر من قيامها على مشروع بناء وطنية منظمة قادرة على اتباع سياسة منهجية في التنمية الاقتصادية والتقنية، وثانيا لأن إسرائيل لم تكن مقتصرة على الخريطة الفلسطينية ولكنها كانت تشكل رأس جسر لعالم يمتد من المتوسط إلى الأطلسي يعتقد أن إنقاذ اليهود والدفاع عنهم في دولتهم الجديدة أمانة في عنقه وعنق الإنسانية.

 

* من بين الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية، هناك الحل السعودي الذي يتميز بكثير من الواقعية السياسية. كيف تفسر الشعور السياسي بالمرارة والغضب من عدم التفات الولايات المتحدة الأمريكية إلى مخطط السلام أو مقترح الحل العربي. ما هو تحليلك للموقف؟
* تقصد المبادرة السعودية التي تحولت إلى مبادرة عربية. المشكلة ليست ولم تكن في أي وقت في الطرف العربي. فلم يتردد العرب في الحديث عن خيار السلام وتاكيد الاستعداد للقبول بتنازلات واهمها الاعتراف بإسرائيل نفسها التي قامت على أرض فلسطين التاريخية. وللملكية السعودية مبادرة سابقة في المعنى نفسه تبناها العرب أيضا في مؤتمر فاس عام 1988. المشكلة كانت ولاتزال في الطرف الاسرائيلي الذي أقام دولته على أرض فلسطين وفرضها بالقوة من طرف واحد، ولا يزال يريد فرض الوقائع على الأرض بالقوة العسكرية والاستيطان الزاحف. وواشنطن لن تضغط على إسرائيل ولا تشعر أن من مصلحتها مساعدة الدول العربية أو تخفيف الضغط الاسرائيلي وغير الاسرائيلي عنها. فبتشديد هذا الضغط وحده تستطيع أن تحكمها وتفرض الوصاية العملية عليها.

 

* هل يتحمل الفرقاء الفلسطينيون وزر هذا الإهمال، نظرا لما لم بهم من تناحر. أم أنك ترى في الدور الإيراني مزايدة سياسية، تعمق من الاختلافات العربية؟
* طهران تريد بالتأكيد في مواجهتها مع واشنطن لامتلاك التقنية النووية وتأمين نفوذها القومي الإقليمي أن تكون لها أدوات عمل ونفوذ قوي عند القوى العربية، خاصة الفلسطينية واللبنانية والسورية. فبذلك تتمكن من الضغط على واشنطن لإجبارها على احترام طموحاتها القومية. لكن المسؤولية الرئيسية عما يحصل في فلسطين تقع على العرب أنفسهم، فلسطينيين وغير فلسطينيين، فتحاويين وإسلاميين.

 

* انتهت مفاهيم القومية العربية أو لنقل شعاراتها الأيديولوجية إلى فشل ذريع، هل ما زلت تؤمن بأن العرب يشكلون أمة واحدة؟ وإذا كان الجواب نعم كما دافعت عنه في كتابك ( المحنة العربية: الدولة ضد الأمة)، ما هو الطريق إلى بناء تكتل عربي جديد، وما هي الأسس الجديدة التي ستقوم عليها الوحدة.، إن رغبنا عدم السقوط من جديد في جب الدعاوي الوحدوية التي قامت على أسس بعينها دون أخرى. وكان من نتائجها كوارث كبرى كالتي حبل بها النظام البعثي في العراق؟
* لم أقل في كتاب المحنة العربية أن العرب بشكلون أمة واحدة ولكن قلت إن طرح المسألة نفسه لم يعد له معنى، فسواء كانوا أمة واحدة أم لم لا لن يغير هذا من الأمر المطروح عليهم شيئا، وهو ضرورة بناء كتلة اقتصادية وإذا أمكن سياسية وعسكرية قادره على تأمين شروط التنمية والازدهار والأمن للشعوب القاطنة في المنطقة، كما هو حاصل في جميع مناطق العالم الأخرى من تكتلات تجمع بين شعوب لا تتحدث لغة واحدة ولا تنتمي لأرومة واحدة، لا ثقافية ولا لغوية ولا دينية. أنا أعتقد بالعكس أن وحدة الثقافة والدين واللغة قد لعبت دورا سلبيا ودفعت إلى الهرب من مسألة التكتل الإقليمي سواء لأنها كانت سببا في احتدام التنافس على الزعامة بين القادة والتيارات السياسية العربية، أو لأنها شكلت مصدر خوف كبير لدى الدول الكبرى الغربية من تشكل قوة سياسية كبرى على حدودها الجنوبية تمثل تهديدا لأمنها وامن اسرائيل، ودفعتها إلى الوقوف بشدة في وجهها وإظهار العداء السافر لها. الأمة لا تنبع من وجود هوية ثقافية واحدة، إنها مسألة سياسية. وقد تتحول القومية الثقافية إلى أمة سياسية وقد لا تتحول. هذه مسألة تاريخية والعرب لم ينجحوا في ذلك وهذا هو أحد معاني إخفاق الحركة القومية العربية. ولا يستدعي قيام تكتل إقليمي اليوم وجود حتى هوية ثقافية ولكن التفاهم على مباديء مشتركة تعزز فرص التنمية الإنسانية للشعوب المنخرطة فيه. والتكتل في النهاية هو ثمرة مجموعة من الاتفاقات القانونية التي تسهل انتقال البشر والخبرات والرساميل والاستثمارات، على الطريقة الاوروبية، لا أكثر ولا أقل. ما يمنع من تحقيق ذلك هو غياب الإرادة السياسية عند النخب الحاكمة العربية، الناجم هو نفسه عن سيطرة مفهوم أبوي للسلطة يجعل من الدولة ومواردها ملكية شبه خاصة لأصحاب الأمر والقرار فيها. وأي دخول في مفاوضات جدية للتكتيل او حتى التنسيق يفضح هذه الحقيقة، ويبدو وكأنه القبول بالتفاوض على مكانة النخب وموقعها في الدولة والمجتمع، ويستدعي التنازل عن إدعاء الملكية الشخصية الكاملة والأبدية لها على الدولة ومواردها.

 

* ربما كنت الوحيد من علماء الاجتماع العرب الحداثيين الذين ما يزالون يؤمنون بإمكانية أن يلعب الدين قوة محرك أساسية في تحديث العالم العربي، بينما جل الأطروحات الاجتماعية الأخرى عند القوميين والليبراليين ترى في هيمنة الدين على مجالات الحياة الأخرى عامل تأخر وانتكاسة وعاما تقليد ومحافظة؟ كيف تشرح للقارئ العربي هذه الأطروحة وبماذا ترد على خصومك الفكريين في هذا الإطار؟
* من الصعب القول أن الدين عامل تحديث، وأقصى ما يمكن أن نقوله هو أن وجوده لا يتعارض بالضرورة مع التحديث ولا يفسر غيابه. والأمر يتعلق في النهاية بفهم الدين وبنوعية الفكرة السائدة عنه لدى المجتمعات والرأي العام. فهذا هو الأهم. وهذا ما أتحدث عنه عادة. في هذا الإطار يمكن القول إن الدين لعب دورا كبيرا في الحفاظ على هوية الشعوب المستعمرة ومدها بالقوة المعنوية والنفسية التي مكنتها من انتزاع الاستقلال الذي هو شرط للحداثة وطريق لها. وكان مذهب الاصلاح الديني الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر في حجر الاسلام العربي دافعا كبيرا لإزالة الخوف من الحداثة العلمية والفكرية والتقنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية معا، وتشجيع الجمهور على الانخراط في الحضارة العصرية من دون خوف على فقدان هويته أو المساس بعقائده الدينية. ومن هذا الاصلاح وعلى يديه تربت أجيال النهضة الدستورية التي عرفتها البلاد العربية أو أكثرها في حقبة ما بين الحربين، وكان العديد من زعماء حركاتها من أصول أزهرية. وتستطيع الحركات الاسلامية المعاصرة أن تلعب دورا ايجابيا لصالح تحديث العالم العربي بالعمق لو تبنت، على طريقة إسلام حزب العدالة التركي، مذهب الديمقراطية ونشرته بين الأوساط الشعبية. وهذا النوع من الدين هو الذي يساهم اليوم في تعزيز الوطنية التركية ويضمن استمرار النظام الديمقراطي بعد أن تفككت القوى التقليدية التي كانت حاملة لهما من قبل.
لكن كما أشير دائما في كتاباتي عن الموضوع، لا يوجد الدين أبدا من دون تأويلات دينية. والذي يهم في النهاية هو هذه التأويلات. فإذا كانت عقلانية وإنسانية وديمقراطية، يلعب الدين دورا ايجابيا في تدعيم مسيرة التحول الاجتماعي والسياسي في المجتمعات الاسلامية، والعكس صحيح أيضا. فإذا كانت التأويلات سلبية معبرة عن الانغلاق والتقوقع والعزلة والعداء للخارج ولكل ما هو اجنبي لأنه أجنبي، بصرف النظر عن فائدته ومضمونه العقلي، كان تأثيرها بالضرورة تأثيرا سلبيا ومؤذيا للجماعة الوطنية وللأفراد المشتغلين بها في الوقت نفسه. إذن لا يمكن الحديث عن الدين بشكل عام ولكن عن الأفكار الانسانية أو الايديولوجيات السائدة، بصرف النظر عما إذا كان حاملوها يسندونها إلى عقائدهم الدينية أم لا

 

* اختلفت مع المفكر الاقتصادي سمير أمين ( ماركسي) ومحمد سليم العوا (إسلامي) في تشخيص طبيعة الأزمة التي يعيشها العالم العربي. فالأول يرى بأن أزمة العالم العربي أزمة اقتصادية وبالتالي أزمة رأسمالية، بينما الثاني يقرن أسبابها بأزمة أخلاقية دينية. في حين يرى المفكر محمد عابد الجابري بأنها ثقافية. هل أسباب الأزمة في العالم العربي متشابهة بين أقطاره، ومن ثم أنت ترى بأن أسباب الأزمة تكمن في أزمة حداثة مزيفة. سؤالي هل يمكن أن نقترب من رؤية موحدة للأزمة  دون السقوط في فخ تغليب عامل دون آخر؟ وهل من سبيل لتجاوز وضعية الأزمة الحالية؟
* كما تقول بالضبط، اختلافي مع التحليلات التي ذكرت ينبع من اعتمادها عاملا واحدا وتجاهل العوامل الأخرى المسببة للأزمة. في المقابل أنا أعتقد أن سبب الأزمة هو مأزق الحداثة وتوقف عملية التحديث العميقة التي حلمنا بها وعملنا من أجلها واستمثرنا فيها من جهدنا ومواردنا. وعملية التحديث تعني في الوقت نفسه اقتصادا رأسماليا متطورا، وثقافة عقلانية وعلمية، وسياسة قومية، ودولة ديمقراطية. وما حصل لنا هو أننا انقطعنا كليا عن ماضينا، وتغيرت خلال أكثر من قرن ونصف مشاعرنا وقيمنا وتطلعاتنا واهتماماتنا، ولم يعد يحركنا حلم آخر سوى التحول إلى بلدان صناعية والسيطرة على موارد المعرفة العلمية والتقنية وبناء الدولة القومية الديمقراطية. وفتحنا أعيننا فجأة فوجدنا أنفسنا معلقين في الفراغ، لا دولة ولا أمة ولا صناعة ولا زراعة ولا ديمقراطية ولا ثقافة وإنما نظما ونخبا فاسدة وهزائم وطنية متواصلة ونزاعات إتنية وطائفية نامية ومعارف بالية وبائدة. أصابنا الدوار وشعرنا بأننا خدعنا وأن الحداثة نفسها لم تكن سوى خدعة كبرى. وهرع كل منا إلى البحث عما يملأ عليه الفراغ الروحي والنفسي والفكري والاجتماعي والمادي معا. فاكتشف بعضنا الدين أو أعاد اكتشافه كمصدر لقيم ومباديء وأفكار توجه الممارسة وتضمن الاتساق مع الذات، أي تأكيد ما يشبه الهوية. واكتشف بعضنا الآخر العلمانية باعتبارها عقيدة الحداثة وجوهرها. وأنقسمت مجتمعاتنا وتنازعت على تحديد الهوية ورسم التوجهات القيمية والأخلاقية والسياسية المستقبلية. وسبب وصول حداثتنا إلى المازق أو الطريق المسدود هو كما ذكرت طبيعتها الرثة (وليس المزيفة). والرثاثة تعني حداثة لا روح فيها ولا قانون ولا نظام. فهي حداثة مسخ عدوها الأول الانسان. وليس من الممكن لحداثة ضد الانسان أن تنمو وتصبح حداثة الانسان أو تبني إنسانا جديدا. لذلك كان مأزق الحداثة يعني أزمة شاملة في الاقتصاد والسياسة والدولة والثقافة والعقل والضمير معا.
وليس هناك سبيل للخروج من الأزمة إلا بمراجعة نظرتنا للحداثة وإعادة بنائها على أسس إنسانية، أي تضع تحرير الإنسان وانعتاقه في مركز اهتمامها وتجعل منه غايتها، وهو ما يتطلب إلغاء الوصايات المتعددة المفروضة عليه، وتحريره من الارتهانات الدينية والاجتماعية والسياسية والفكرية التي تعطل عقله وضميره وتحرمه من تنمية طاقاته بل وتحسس إنسانيته.

 

* انتقدت بحدة العلمانية في العالم العربي، واعتبرتها مشجبا للنخب الحاكمة في بعض الدول العربية لتبرير عقيدة الدولة السياسية ولوي عنق الحركات الإسلامية. لكن بالمقابل ترى أن الدين يمكن أن يكون عاملا تغيير في المجتمعات العربية، بينما الحقيقة أن الدين انكفأ عن أن يكون عامل تغيير وتحويل في المجتمعات العربية منذ أن سدت أبواب الاجتهاد في الفقه الإسلامي، هل لك أن تشرح لنا هذه الفرضية وما هو السبيل للخروف من شر الدولة الدينية وشر الدولة العلمانية؟
* ما انتقدته في الواقع هو العلمانية العربية بوصفها نسخة مشوهة وموتورة للعلمانية كما عبرت عن نفسها في العقود القليلة الماضية في سياق الفترة الاستبدادية التي شهدتها مجتمعاتنا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما لا ينطبق على الفترة الليبرالية السابقة. فهنا أيضا ليس المهم النظرية الأصلية ولكن ما يفهمه الناس أو هذا الفريق وذاك منها في مكان معين وفترة معينة. وفي الحقبة التي انتقدتها تحولت العلمانية على لسان بعض الثوريين المتأثرين بأطروحات الماركسية المعادية للدين إلى ذريعة لتبرير الديكتاتورية والتغطية على الانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان، الواقعة بشكل خاص على ناشطي الحركات الاسلامية، وتمرير العنف الممارس ضدهم من دون أزمة ضمير. وبدت العلمانية أو الاحتفاظ بما تبقى منها كما لو كان التعويض الوحيد عن إخفاق مشروع الحداثة وغياب الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. واستخدمتها بعض النخب الحاكمة التي لا تتورع عن التمسح بالدين كمبرر للحفاظ على النظم الاستبدادية في مواجهة ما أصبحت تشير إليه كظلامية دينية ورديكالية إسلامية.
ليس لهذا الموقف الذي صغته من هذه الطبعة المزورة من العلمانية أي علاقة بالموقف الفكري والسياسي من الحركات الاسلامية نفسها. فهو لا يزيدها شرعية ولا ينقص من وزنها. إنه بالأساس موقف من الديمقراطية والحرية، أي من العلمانية الصحيحة أيضا. أما موقفي من الحركات الدينية وايديولوجيتها فقد بينته في فصل طويل في كتابي نقد السياسة: الدولة والدين، وعنوانه نقد الدولة الدينية. وقد اعتبرت في كتاباتي العديدة أن الحركات الاسلامية هي حركات احتجاج تجمع بين مطالب وتطلعات مختلفة وتعيش تناقضات عميقة واختلاطات وتشوشات لا تحصى أكثر منها حركات دينية. وقلت إن القضاء على هذه العقيدة المشوشة والمازومة التي تشكل جزءا من الأزمة التاريخية الشاملة للحداثة وتعبيرا عنها، يقتضي القضاء على أسباب الاحتجاج الاجتماعي الذي يقف وراءها ويجمع أطرافها، لا بالعنف والاعتقال والكبت. وفي السياق نفسه دعوت الاسلاميين المتنورين إلى تجديد أفكارهم وإبداع ديمقراطية إسلامية على طريقة الديمقراطية المسيحية. وقلت في هذه الحالة ستكون الحركة الاسلامية المتصالحة مع الديمقراطية، على منوال حزب العدالة التركي، دعامة كبرى للديمقراطية العربية. ولا ازال أعتقد ذلك إلى اليوم. لكن هذا الموقف يهدف إلى الضغط على الحركات الاسلامية ولا يعني المراهنة عليها، ولا توفير أطروحاتها من النقد العقلاني والسياسي، كما فعلت وأفعل. وليس هناك حل للنزاع الذي يمزق الرأي العام العربي والاسلامي إلا بتجاوز مفهوم الدولة العقائدية، سواء كانت العقيدة المفروضة عليها دينية المرجع أو غير دينية، أو كما يقول العلمانيون عقلانية وعلمية. المطلوب دولة حيادية لا تخلط بين أمور السياسة وأمور الاعتقاد، وتهتم بالأولى وتترك الاخرى لأصحاب الاختصاص وجمهور المؤمنين من كل التيارات والمذاهب والاعتقادات. وهذا هو في نظري المضمون الأصلي للعلمانية قبل أن يحرف أو يتطابق مع السياسات المعادية للدين او للسلطة الدينية التي نشأت في فترة الصراع ضد البابوية الكاتوليكية وإزاء تمسكها بالسلطة السيادية ودفاعها عن النظم القهرية.

 

* بعض الأنظمة يسيطر عليها الخوف من رفع وتيرة الإصلاحات والتغيير، حيث غالبا ما تثير هاجس الخوف من الإسلاميين، فالاصلاحات التي يدعو اليها الديمقراطيون العرب، تثير لدى البعض هاجس الخوف من الاسلاميين وتكرار الصدام كما وقع في تجربة الجزائر وما صاحبها من عنف وحرب أهلية . وبالتالي يبقى حجة المحافظة على الوضع كما هو عملة الحكام الرائجة. لذلك هل تفضل طريق الإصلاح بالتدريج كما وقع ويقع في المغرب والسعودية والكويت....
* ليس هناك خطة نموذجية أو قياسية للتغيير صالحة لكل زمان ومكان. ولا يحصل التغيير بإرادة الأفراد أو المفكرين وبإشارة منهم. يتوقف الأمر على الظروف الخاصة بكل مجتمع وتمركز القوى، وموازين القوة، وموقع البلد في الجيوسياسة الدولية، وتمفصل العوامل الداخلية والخارجية، وأخيرا على طبيعة القوى الديمقراطية ووزنها. أنا بالتأكيد لا أدعو إلى ثورة شعبية لتغيير الأوضاع، لكن عدم دعوتي لا تعني أنه لن تحصل مثل هذه الثورات هنا وهناك بسبب انسداد أفق الإصلاح والتغيير السلمي. الأفضلية ينبغي أن تعطى للإصلاح أو التغيير السلمي مادام ذلك ممكنا. لكن إذا فشل التغيير عن طريق الإصلاح والحلول السلمية، أو كان أقل بكثير من التوقعات الشعبية، يصبح الانفجار هو الاحتمال الأقرب. من دون أن يعني ذلك أيضا أن نتيجة هذا الانفجار ستكون مضمونة أو أنه سيقود إلى التغيير المنشود. ربما قاد الانفجار إلى الفوضى الشاملة. ولذلك أنا أدعو إلى أن تتحمل النخب العربية الرسمية والأهلية مسؤولياتها ولا تترك بلادها في مهب ريح الانفجارات المدمرة. ويعني ذلك بالنسبة للنخب الأهلية العمل على بلورة مشروع للتغيير ينقذ المجتمعات من مخاطر التمزق والتشتت والفوضى عندما يأتي الانفجار الكبير، وهو على الأغلب آت بسبب فشل النخب الحاكمة أو عجزها عن التفكير بأي مشروع إصلاح جدي وناجع. فلا يعني الاصلاح بالنسبة لها إلا خداع الشعوب لكسب الوقت لا حل المشكلات القائمة بالفعل بوسائل تدريجية وسلمية.

 

* ما السبيل للرد على دعاوي الطائفية والمذهبية في العالم العربي، بحيث كنا نظن أن خطر التقسيم والحروب الأهلية ولّى زمنه في العالم العربي. هل ترى أن مشكلة الأقليات اللغوية والدينية والعرقية يهدد فعلا العالم العربي بعد أن انبرت العديد من مراكز المحافظين الجدد في أمريكا ربط تسويق حقوق الأقليات بإعادة رسم خريطة العالم العربي في الشرق الأوسط. هذا يحدث اليوم بعد أن تبنى الكونغرس الأمريكي مشروع تقسيم العراق رسميا؟ ما هو السبيل لتحصين دول العالم العربي ووقايته من خطر التفتيت إلى كانتونات والبلقنة؟
* الطائفية ليست عاهة وراثية ولا أبدية في المجتمعات الشرقية. إنها ثمرة أوضاع سياسية واجتماعية تدفع الأفراد إلى تثمير انتماءاتهم وولاءاتهم ما قبل الوطنية، واستخدامها لتحقيق منافع أو تأمين مواقع لا يمكنه تحقيقها وتأمينها من دونها، أي على أساس القانون. وربما كان السبب في ذلك هو غياب القانون أو خرقه وتفريغه من الصدقية. وربما كان انهيار الاجماع الوطني وتفتته. وفي هذه الحالة يكون الانتماء الطائفي الملجأ الأسهل لتأمين الحد الأدنى من التكافل والتضامن والتماهي الذي لا يمكن لفرد أن يعيش من دونه. تنشأ الطائفية وتزدهر في ظل الاستبداد وتتغذى منه. فهي سياسة باطنية مضادة هدفها إحباط احتكار السياسة من قبل مجموعة معينة وغياب المساواة والتضامن بين أبناء الجماعة الوطنية. الحل يكمن في تطبيق قانون المساواة والعدالة وتنمية ثقافة مدنية تقطع مع التجهيل السياسي وانعدام الشفافية التي تنشرها السلطة الاستبدادية.

 

* بمقدار ما تكيل انتقادات حادة وشديدة للنخبة العربية ودولتها الشمولية، إن لم تعتبرها فاقدة لأية رسالة، لا قومية ولا قطرية ولا حتى دينية، بقدر ما تدافع كثيرا عن خط طريق الإصلاح الداخلي والمحافظة على هذه الدولة الوطنية وضرورة بلورة إجماع وطني توافقي حولها. لاسيما دعوتك إلى المصالحة بين الأنظمة العربية وقوى المجتمع المدني من معارضة وأحزاب، لا غالب ولا مغلوب. أليس ثمة مفارقة في هذه الرؤية، بينما يطالب الآخرون تشكيل جبهة إسلامية وقومية على أنقاض هذه الدولة المفلسة والاستبدادية؟
* لدي انطباع بأن التقدم السريع للنقاش النظري على الساحة الفكرية العربية يترك الكثير من المفاهيم والأفكار غامضة أو مشوشة لدى القاريء. ينطبق هذا على مسألة الدين بعلاقته بالسياسة والدولة والمجتمع، وبالدولة والوطنية والأمة معا. هكذا مثلا فهم نقدي للحداثة العربية على أنه نقد للحداثة بينما كان نقدا لنموذج رث لها قتل فكرتها في مجتمعاتنا. وهذا النقد هو في نظري شرط استعادة الفكرة على أسس جديدة ومجددة. وبالمثل إن إدانة أساليب القهر ضد الناشطين الإسلاميين لم يكن دفاعا عن الحركة الإسلامية وإنما عن مباديء الديمقراطية. ولذلك لا يمنعني هذا الدفاع عن الحرية لجميع أصحاب ا لرأي مهما كانت مشاربهم من توجيه الانتقادات لهم، على مستوى النظرية والممارسة معا. وكنت دائما أقول إن ما يسمى بالمد الاسلامي هو انعكاس للأزمة لا حل لها. وبالمثل لقد انتقدت الدولة الوطنية التي نشأت في العالم العربي لأنها أخذت من الدولة شكلها التقني والمادي وتركت رسالتها الرئيسية، التي هي تجسيد إرادة أمة ومساعدتها على تكوين إجماعاتها وتنظيم عملية تقرير الأفراد المواطنين مصيرهم بحرية. الدولة التي لا تضمن حرية، ولا تتبع قاعدة قانونية، وتحل التمييز الطائفي أو العقائدي أو العشائري أو الزبائني بدل المساواة،، وتخلق الإمعية والطاعة العمياء بدل المواطنية، ولا تنتج إلا التفاوت الصارخ بين الطبقات والفئات الاجتماعية ليست في نظري دولة وطنية حتى لو أطلقت على نفسها هذا الإسم. كما انها ليست دولة سلطانية تقليدية. هي اليوم أشبه بعصابة مافوية تستخدم فيها مجموعة من المنحرفين أجهزة الدولة الحديثة القوية لإخضاع شعب وتسخيره لخدمة أهدافها ومصالحها. لكن نقد هذه الدولة لا يمكن أن يحصل في الفراغ. إنه يستند على مفهوم الدولة الوطنية نفسه، أي دولة الأمة التي تكرس سيادة الشعب وحرياته وتكوين سلطته الديمقراطية والقانونية. هكذا لا مهرب لنا من نقد الدولة "الوطنية" التي لدينا لأنه لا بديل لنا عن الدولة، أي لإنقاذ فكرة الدولة ومفهومها بوصفها الإطار القانوني والسياسي لتنظيم إرادة جماعية، وطنية.
لا يمنع هذا النقد النظري، الضروري لوعي الحاضر السياسي للعرب، من السعي ما أمكن إلى تشجيع الأطراف المختلفة على تغيير سلوكهم السياسي على مستوى الممارسة السياسية. وقد دعوت بالفعل في بداية ما سمي بربيع دمشق إلى المصالحة بين النظم والمعارضة، أي مصالحة النظم المتمردة على الدولة وعلى المجتمع مع مفهوم الدولة ومقتضيات استمرارها. من دون أوهام.، لكن مع الاعتقاد بأنه ليس لنا طريق آخر لتوعية الرأي العام سوى وضع كل طرف وتصرفاته أمام مسؤلياته وإظهار حقيقة نواياه. وهذا من عمل السياسة وتكتيكاتها. فالهدف منه كشف تقصير النظم وتخليها عن مهامها لا إقرار إمكانية التغيير عن طريق إقناعها. في النهاية من يقرر كما قلت أسلوب التغيير هي الأنظمة نفسها، فإما أنها قادرة على الإصلاح أو أن الثورة قادمة. وفي عملنا النظري والسياسي لا نهدف إلى شيء سوى إلى تزويد القوى الدافعة إلى التغيير، بالطرق السلمية أو بالثورة، إلى تمثل قيم ومفاهيم الحداثة السياسية وأدواتها، حتى لا يأتي الانفجار فورة تدميرية لا أمل منها ولا قدرة لها على إحداث أي تغيير. فمن خلال وضع النظم أمام مسؤوليتها نعلم القادمين الجدد والطامحين لاستلام المناصب العمومية مسؤوليات الحكم الذي يطمحون إلى ممارسته في المستقبل والواجبات والالتزامات المفروضة على من يتصدى لتسيير الدول وقيادة الشعوب.

 

* من اللافت في نظرك أن نرى في كتاباتك المبكرة ( نظام الطائفية: من الدولة إلى القبيلة) تنبيهات هامة حول مشكلة الأقليات والتنبيه إلى خطر الطائفية والتجييش الطائفي، هل ترجع أسباب التصادم العرقي والثقافي واللغوي والمذهبي في العالم العربي إلى أسباب مرتبطة بطبيعة تكوين الدولة العربية الحديثة ( العامل السياسي) أو إلى عوامل أخرى. ثم كيف يمكن أن نختلف في العالم العربي حول مفاهيم دينية ومجتمعية وثقافية من دون أن يقود ذلك إلى نزاعات وحروب طائفية؟
* التكوين الطائفي هو المعطى الطبيعي في جميع التشكيلات الاجتماعية القرسطوية. فالدولة السلطانية أو الإمبرطورية تعمل كالخيمة التي تضم تحت رايتها شعوبا وقبائل وطوائف وجماعات تعمل كل منها بقانونها وتهتم بشؤونها وتدافع عن مصالح خاصة بها، سواء أكانت مصالح مهنية أو عصبوية. وبقدر ما تنشأ دولة حديثة تقدم للأفراد فرصا أكبر لتأمين مصالحهم وتحقيق ترقيهم الاجتماعي وتأكيد شخصيتهم وضمان مشاركتهم في تقرير مصيرهم، تحولهم من أتباع وموالين ومحاسيب لزعماء الطوائف والعشائر والمحليات التقليدية إلى مواطنين يقدمون انتماءهم إلى الدولة والقانون الذي يجسدها على انتمائهم إلى القبيلة او العشيرة أو الطائفة. هذا يعني أنه بقدر ما تبرز الدولة تذوب القبيلة والعشيرة. وبالعكس بقدر ما تذوب الدولة وتتلاشى كإطار لبناء العام الذي يتجاوز الطوائف والعصبيات، أي المواطنية والمصلحة العامة والحريات والحقوق العامة المتساوية أيضا، تبرز العصبيات الطائفية والإتنية والقبلية. هذا قانون عام تخضع له الدول الصناعية الكبرى نفسها. فحيث نجحت الدول في استيعاب المهاجرين وإدراجهم في دائرة السياسة والاقتصاد والثقافة الوطنية، وطبقت عليهم قانون العدالة والمساواة والحرية العمومي، تحول هؤلاء إلى مواطنين نشطين ومندمجين في مجتمعاتهم، ولم يخلقوا أي مشكلة. وبالمقابل حيث عجزت الدولة عن استيعابهم في نسيجها الوطني وتمثلهم في قانون المساواة والعدالة والحرية الذي يمثل الدولة الوطنية، تحولوا بسرعة إلى طائفة خاصة ونمت لديهم مشاعر انتماء جزئي خاص ولغة خاصة وولاءات بعيدة عن الدولة واحيانا معادية لها. والسؤال الأكبر الذي ينبغي أن نطرحه هل لا تزال هناك شروط مناسبة لبناء وطنية ودولة وطنية؟ هنا تبدو لي المشكلة اعمق وربما تفسر جزئيا تفكك الدولة الوطنية وصعود العصبيات التي دونها.
من هنا قلت ليس وجود الاختلاف في الثقافة والدين والوضع الاجتماعي هو الذي يبعث على نمو الطائفية أو الولاءات الجزئية. فمن الممكن أن يتجلى عبر التنافس والصراع على احتلال مناصب القيادة والمسؤولية. إن الذي يحول الاختلاف العقيدي أو الثقافي إلى خلاف مبدئي ومصدر نزاعات قبلية خاصة، هو غياب القانون العمومي الذي يساوي بين الأفراد ويتعامل معهم من وراء انتماءاتهم الخاصة ولا يميز في ما بينهم. باختصار إذا كان التمييز السائد من النمط الاجتماعي والمهني اتخذ الصراع في المجتمع شكل الصراع الطبقي والمهني. وبالعكس إذا كان التمييز وما يعنيه من توزيع الثروة المادية والمعنوية قائم على أساس طائفي أو قبلي كان الرد نمو الصراعات الطائفية والطبقية. الأمر بهذه البساطة. لذلك المسؤول الحقيقي عن انتشار الطائفية والقبلية في مجتمعاتنا هو إخفاق النخب في بناء دول وطنية حقيقية، وتعني الوطنية في لغتي المواطنية لا تأكيد النزعة القومية.

 

* هل بات خطر الطائفية على دول المشرق العربي قائما في ظل إذكاء النعرات وشحذها من قبل قوى خارجية؟ ونذكر أن تنبؤاتك في كتابك من " الدولة إلى القبيلة" اقتربت من أن تكون حقيقة في ظل ما يجري في العراق من تقسيم؟ مما يطرح على المحك السؤال التالي: هل التصدعات التي تصيب الدولة القومية في العالم العربي يجعل الدولة الوطنية في خبر كان، لأنها أصلا كانت قائمة ضد حقوق الأقليات الثقافية والمذهبية واللغوية...؟
* الأمور أكثر تعقيدا او بالأحرى تركيبا من ذلك. إذ ماذا يبقى لو زالت الدولة وتلاشت سوى الفوضى العارمة والاقتتال المعمم؟ الشعوب أذكى من ذلك. إنها تفضل التمسك بوهم دولة وطنية على أن تعترف بموتها. وهذا ما يمكن أن نسميه قانون العطالة في الحياة الاجتماعية. طالما ليس هناك بديل نحتفظ بما هو قائم ونركن إليه. وما يحصل عندئذ هو ما نشهده في بلداننا اليوم، أي تحول الدولة شيئا فشيئا إلى دولة عصبة، مملوكة من قبل نخبة أو طائفة أو عشيرة أو حتى عائلة. ومن الممكن لهذه الدولة العصبة او الطائفة أو العشيرة أن تستمر طويلا طالما لم ينجح المجتمع في إنتاج إجماع على شكل الدولة وأهدافها، وطالما لم تتدخل عوامل خارجية قوية لإزاحتها من الوجود كما حصل في العراق. وفي هذه الحالة سيظهر الفراغ الحقيقي الذي تعاني منه الجماعة الوطنية واتساع دائرة الولاءات الجزئية وبالتالي العجز عن إعادة بناء الدولة الوطنية. لذلك لا نستطيع ان نهرب من مهمة بناء الإجماع "الوطني" أو بين المواطنين، مهما حاولنا الاعتماد على القوى الأجنبية. من دون ذلك لا أمل في الخروج من الدولة العصبة ولا تغيير أحوالنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبناء الإجماع هو مسألة نظرية وعملية معا، تعنى بتوصل المثقفين أو أغلبيتهم إلى رؤية موحدة أو منهج موحد في النظر، وبتفاعل المثقفين حاملي هذا المنهج مع الرأي العام ونيلهم ثقته التي تشكل شرط نجاح التأثر والتاثير بينهما. وهذا نفسه يتوقف على نوعية المثقفين ونوعية خطاباتهم ومعارفهم التي يتداولونها.

 

* كان دفاعك على الحركات الإسلامية وحقها في العمل السياسي معتبرا إياها حركات سياسية طبيعية في المشهد العربي ملفتا للنظر في وقت كان سيف القمع مسلطا عليها، لكنك اليوم عدت لتنتقدها بكثير من الشدة والحدة. كيف يمكن أن نقرأ النقد؟ هل فشلت هذه الحركات في نظرك في أن تلعب دور البديل المنشود، أم نقرأ وراء ذلك بأن ثمة انحراف وقع في الدور المطلوب تاريخيا إنجازه من هذه الحركات في المرحلة الحالية؟
*ففي الثمانينات، عندما طرحت مسألة الحركات الاسلامية كان هناك تياران في وسط النخبة المثقفة. الأول ينادي باستئصالها ولا يتردد في إضفاء الشرعية على السياسات القمعية وعلى الديكتاتورية القائمة لمواجهتها. والثاني وهو تيار الأقلية الذي عبرت عنه في كتاباتي يقول بأن الحركة الاسلامية هي تعبير عن أزمة المجتمعات العربية السياسية والثقافية، وأن مواجهتها الصحيحة تتم عن طريق إصلاح السياسة والدولة وإطلاق حرية الفكر وتوسيع دائرة المشاركة في السلطة، لا بتوسيع دائرة استخدام القوة والعنف ضد المعارضين والمحتجين ولا بتقليص دائرة المشاركة في السلطة وتدعيم الأنظمة السلطوية الأبوية.
وما حصل هو أن التيار الذي انتصر داخل ا لسلطة والنخبة المثقفة هو تيار التصفية والاستئصال. وحصل ما حصل في العقود الثلاثة الماضية من العنف والعنف المضاد الذي راح ضحيته مئات ألوف البشر الأبرياء. وكانت نتائج هذه السياسة القصيرة النظر واللاإنسانية واللاسياسية كارثية بكل معنى الكلمة. فقد أدت، كما نرى بوضوح اليوم إلى تعزيز الديكتاتورية في البلاد العربية وإضعاف الضغط الواقع عليها، وانتشار العنف في جميع هذه البلاد وامتداده إلى خارجها أيضا، مما دفع الدول الكبرى إلى تبني شعار الحرب العالمية ضد الإرهاب الذي يشكل العالم العربي ساحتها الرئيسية، وقضى على بذور الحركة الديمقراطية التي بدأت بالانتعاش والظهور عبر احتجاجات النقابات والأحزاب السياسية وانتفاضات الخبز في الثمانينات من القرن الماضي. وإذا كانت سياسة القمع والعنف قد حرمت الإسلاميين بالفعل من الوصول إلى السلطة في معظم البلاد العربية إلا أنها قضت على أي تداول ممكن للسلطة أيضا وثبتت النخب القائمة في الحكم وعززت ميولها الاستبدادية وفسادها الشامل. وفي الوقت نفسه لم تمنع الجمهور الواسع من التحول إلى الإسلام واستبطانه كقاعدة لحياته اليومية. وهو ما زاد الأزمة تفاقما أيضا بقدر ما أغلق آفاق التغيير الديمقراطي.
لم يكن هناك أي سبب يدفع إلى المراهنة على الحركات الإسلامية مع الأساليب التي اتبعتها منذ البداية والشعارات التي رفعتها. لكن ليس لهذا أي علاقة بالدفاع عن حق هذه الحركات، مثلها مثل أي حركات سياسية، في أن تعامل بأسلوب غير القهر والإضطهاد والمعاملة الامنية. فقد كنت أعتقد ولا أزال أننا إذا قبلنا بمثل هذا الأسلوب القمعي في معاملة الاسلاميين المختلفين عنا في الايديولوجية قوضنا الأساس الأخلاقي لمطالبتنا نحن أنفسنا بالحرية، ومهدنا الطريق كي يكون القمع أسلوبا مشروعا في حل الخلافات السياسية والفكرية. وهل من المبالغة القول أن هذا ما حصل لنا في العقود الثلاثة الماضية. الذين برروا قمع الاسلاميين أسسوا لمبدأ القمع كأساس لأي سلطة سياسية عربية. وهذا مصدر مأساة حياتنا العامة اليوم. الخلافات والنزاعات السياسية ينبغي أن تواجه بالسياسة والفكر معا.
لم أغير من قناعتي بأن سياسة الإستئصال والتصفية القمعية كانت خاطئة وأنها أدت إلى نتائج خطيرة ومناقضة لمصالح المجتمعات العربية، من أي منظور نظرنا إليها، وفي مقدمها من منظور العلمانية التي اختبأ وراءها أنصار القمع في تلك الحقبة. هذه السياسة كانت خاطئة ولا تزال. وليس هناك حل للمشكلة الدينية السياسية من دون إصلاح الدولة والسياسة العربية، اليوم كما في البارحة. وثمن رفض هذا الاصلاح هو فساد الدولة وخراب العمران معا. إن إدانة أساليب القهر ضد أي فئة أو تيار فكري، إسلامي أو غير إسلامي، ورفض ايقاع العقوبة بهم من خارج القانون، أو باستخدام القوانين الاستثنائية، ليس دفاعا عن أفكار أحد ولا تبنيا لها، وإنما يدخل في باب الدفاع عن الديمقراطية والالتزام بالحد الأدنى من الأخلاق السياسية. وعلى الذين فعلوا العكس أن يعتذروا للشعب والرأي العام عن دعمهم للديكتاتورية وقبولهم العمل في استراتيجيتها وتمديد أجلها.
لكن في الوقت نفسه، ولهذا السبب بالذات، لا أقبل أن أطبق على المعارضين، والإسلاميين منهم، مباديء مختلفة عن ذلك، ولا أن أغض النظر عنهم عندما يهددون الحريات العامة أو ينزعون إلى حرمان الآخرين، سواء من خلال اتهامهم في وطنيتهم ودينهم، أو من خلال التشهير بهم، أو الحض على إخراسهم. وهذا ما فعلته عندما أدنت التحالف الموضوعي بين الطغيان الفكري الذي يسعى بعض الاسلاميين إلى فرضه على الرأي العام، من خلال الحط من قدر خصومهم والتشهير بهم كعلمانيين أو مارقين أو تابعين، والطغيان السياسي الذي يتمثل في سيطرة فريق على الدولة واحتكارها لتمرير سياسات لا تخدم إلا مصالح الفئة الحاكمة وزبائنها. نقدي النظري للطرح الاسلامي الفكري والسياسي لم يتغير، فهو في نظري طرح شعبوي يعيد إنتاج الأزمة ولا يحلها، وما كان يمكن المراهنة عليه ولم أراهن عليه، ولو أنني طالبت بترشيده، كواجب وطني. لكن موقفي السياسي لم يتغير ولا يمكن أن يتغير . فلا زلت اعتقد أنه ليس هناك حلول قمعية للمسألة الاسلامية ولا لأي مسألة أخرى سياسية. لكن تعرض الاسلاميين للقمع والظلم من قبل النظم الحاكمة لا يبرر لهم أو لبعضهم ايقاع الاضطهاد الفكري والديني على الآخرين والتشهير بعقائدهم أو ولائهم ولا احتكار الحديث في الاسلام أو حرمان الآخرين منه. كنت ولا أزال أعتبر أن المعركة الرئيسية التي ينبغي خوضها اليوم في مجتمعاتنا، والتي تتفرع عنها جميع المعارك الأخرى، هي معركة الحرية، حرية الإنسان فردا وجماعة. وهذا يعني بالنسبة لي الالتزام بالوقوف ضد كل انواع القهر والقمع والانفراد بالرأي وتقييد حرية التعبير، من أي طرف جاء، حتى من طرف الحركات الديمقراطية التي أنتمي إليها. لا توجد هنا في نظري مراعاة ولا تسويات ولا حلول وسطية.

 

* ما المشكل حاليا مع الحركات الإسلامية، ألم تصبح جزءا من الأزمة العربية عوضا أن تكون جزءا من حلها؟
* نعم على شرط أن نتجنب التعميم. ففي الفراغ السياسي والايديولوجي الذي تعيشه المجتمعات بسبب ضعف المشاربع المطروحة للمستقبل، وربما غياب شروط إنضاج أي مشروع ديمقراطي يمتلك الحد الأدنى من صدقية التطبيق أو التحقيق، سيبقى التراث الاسلامي، الديني والتاريخي، هو المرجعية الرئيسية للأفراد في ميدان التوجه داخل المجتمع والعالم، أي ميدان الأخلاق والسياسة معا. وفي هذه الظروف ينبغي الرهان على تشجيع التيارات الاصلاحية وشبه الديمقراطية داخل الحركات الاسلامية ودفعها إلى تمييز نفسها وتعميق توجهاتها الاصلاحية والمدنية، لا دفعها إلى الالتحاق بالتيارات المتطرفة.
وهذا يعني أن علينا عندما نتحدث عن الحركات الاسلامية أن نميز داخلها بين عنصريها الرئيسيين. العنصر الأول الذي يمثل روح الاحتجاج والرفض والمقاومة لنظم القهر الروحي والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهو عنصر ايجابي وإنساني يفسر أكثر من أي شيء آخر نشوء المد الديني، أي التفسير الرديكالي للاسلام. والعنصر الثاني الذي يجسد الأزمة العميقة للفكر العربي المعاصر والذي يتجلى في تلبيس الاحتجاج والنقمة على الأوضاع ثياب التراث الديني، وبالتالي العودة إلى استخدام نماذج نظرية وتاريخية قديمة لا علاقة لها بواقع العصر، وواقع المجتمعات العربية اليوم، كمرشد للعمل ومحدد للوسائل والغايات العمومية. وهذا هو الذي يضع الحركة الاحتجاجية في طريق مسدود ويحرمها من فرص النجاح والتغلب. الحركات الاسلامية أو المد الديني السياسي هو بشكل عام تعبير عن الأزمة، لكن لا ينجم عن هذا ضرورة إدانة الفكر الاسلامي المعاصر ككل والحكم عليه بانعدام القدرة على التحول والتطور. فنحن نأمل أن يتمكن جزء كبير من جمهور الاسلاميين في المستقبل، وبشكل خاص نتيجة الاخفاقات والمحن التي مرت بها وستمر بها الحركات الاسلامية التي تملك القوة وتفتقر للاتساق في مشروعها السياسي، أن يكتشفوا بأنفسهم التناقضات العميقة التي تكبل حركتهم وتمنع مشروعهم التغييري من النجاح، أعني ربط التغيير نفسه وسائلا وأهدافا وغايات، بنماذج اجتماعية تنتمي إلى عصر غير عصرنا. كل ما نستطيع أن نستلهم من هذه النماذج هو قيم العدالة والإنصاف والأخوة والكرامة الشخصية. وليس من الضروري أن تتجسد القيم نفسها، قيم العدالة والانصاف والأخوة والكرامة في النماذج القديمة ذاتها، بل إن تقمصها مثل هذه النماذج يفرغها من مضمونها اليوم. وحتى ننجح في ذلك لا ينبغي أن نلقي الوليد مع ماء الولادة، أي أن نضحي بعنصر الاحتجاج الشرعي والمشروع بسبب تجلياتها اللامتسقة، وإنما علينا بالعكس أن نفصل هذا على هذا الاحتجاج ونستوعبه ونعيد تأطيره واستقطابه في الأطر النظرية والعملية الحديثة المتساوقة مع العصر. علينا أن نسعى ما أمكن إلى تفهم موقف الناس ومرافقتهم في كفاحهم من أجل الحرية ومساعدتهم على الكشف عن الطرق الناجعة والفعالة للوصول إليها. فأعضاء الحركات الإسلامية وجمهورها الواسع، لم يأتوا من السماء ولكنهم جزءا من مجتمعنا، هم أبناؤنا وبناتنا. وعلينا يتوقف واجب تنويرهم والأخذ بيدهم للخروج من النفق الفكري والايديولوجي الذي أدخلوا أو أدخلوا أنفسهم فيه.
- في الواقع تجرنا هذه الأسئلة لزاما أن نرى بأن جل الشعارات السياسية المطروحة في العالم العربي على خط نقيض، حيث لا سبيل للمصالحة بينها، بخاصة بين شعار الحركات الإسلامية:" الإسلام دين ودنيا>> أو شعار الحركات القومية " لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة>>، ناهيك عن خطاب الأنظمة الشمولية العربية ذات الطبيعة الاستبدادية. مما يؤكد بأن الخطاب السياسي المعاصر يدور في حلقة مفرغة تشي بأن أغلب الخطابات السياسية في العالم العربي متصادمة وإقصائية بطبيعتها. مما يجعل إمكانية الإصلاح منعدمة وبالتالي نصيب العنف والعنف المضاد بين هؤلاء الفاعلين مرتفعا.

 

* ما السبيل للخروج من هذه الدوامة؟
* هذا طرح سليم للمشكلة، يفسر العنف والعنف المضاد الذين تعيشهما مجتمعاتنا، العنف المادي والعنف المعنوي معا، بما في ذلك العلاقات المتوترة جدا بين الأفراد، بين الفئات وبين أعضاء النخبة الاجتماعية أيضا. لكنه يتجاهل عنصرا واحدا هو الخطاب الديمقراطي الذي يطمح إلى أن يخلق أرضية مشتركة تجتمع عليها جميع الأطراف، من دون أن تضطر، حتى تحقق تفاهمها، إلى التخلي عن أفكارها أو التنازل عن قيمها. فالديمقراطية لا تعني الايمان بعقيدة وإنما الاعتراف بحق كل فرد في التفكير الحر والاعتقاد بالفكرة التي يريد، على شرط أن يحترم قاعدة خضوع الأقلية للأغلبية على مستوى ممارسة السلطة وقيادة الدولة، وبالتالي قانون الديمقراطية. وهذا لا ينطبق على مستوى المجتمع الذي تضمن الديمقراطية فيه المساواة الكاملة بين الأفراد، بصرف النظر عن كونهم منتمين للأغلبية الحاكمة أو للأقلية المحكومة، في حقهم في التعبير عن أفكارهم والدعوة لها بهدف تحويل أنفسهم إلى أغلبية. ولا يستمر العنف يسم العلاقات في مجتمعاتنا بين الفئات والجماعات والأفراد إلا بسبب ضيق القاعدة الاجتماعية للفكرة الديمقراطية اليوم. ولن يمكن تجاوز علاقات العنف إلا عندما يصبح الولاء لمبدأ الديمقراطية بما تعنيه من خضوع لحكم القانون وقبول بقاعدة خضوع الأقلية للأغلبية في قيادة الدولة، واسع الانتشار. وعندما يقتنع القسم الأكبر من النخب الاجتماعية المتنازعة بأن القبول بهذا المبدأ هو الطريق الوحيد لضمان احتفاظ كل طرف بحقه في امتلاك رؤية وموقف وايديولوجية خاصة به، بقدر ما هو طريق ضمان احتفاظ الطرف الآخر بالحق ذاته. وأنه طالما لا يزال كل طرف يعتقد أنه بسيطرته الأحادية على الدولة، أي على مركز السلطة، يستطيع أن يضمن مصالحه ورؤيته الخاصة ويغلبها على الرؤى والمواقف والمصالح الأخرى، أي طالما ان كل طرف يعتقد أن بإمكانه أن يحقق مصالحه الخاصة من دون النظر إلى مصالح الآخرين وضدها، فليس هناك أي أمل لا بالتقدم نحو قبول التعددية ولا تأسيس حياة سياسية وفكرية سليمة، ولا بالتالي بناء أسس ديمقراطية عربية مستقرة.
فلا يكفي لتحقيق الحياة السياسية الديمقراطية المستقرة أن يسعى كل طرف إلى الدفاع عن مصالحه الخاصة. ينبغي عليه أيضا أن يضع في اعتباره مصالح الآخرين، أي أن يدرك أن المجتمع يتكون من جماعات مصالح متعددة، ولا يمكن أن يحصل السلام والأمن والاستقرار إلا إذا قبل كل طرف فيه باحترام مصالح الطرف الآخر الحيوية. وهذا هو منطق الحق واساس فكرة دولة القانون: ضمان حقوقي مرتبط باعترافي بحقوق الآخرين وقبولي بالمشاركة في ضمانها أيضا. من دون ذلك ليس هناك مجتمع ولا قانون ولا بالتالي حياة سياسية ولا حريات ولا ابداعات ولكن حرب شاملة ومستمرة.

 

* هل ثمة بديل عن ثنائية الصراع بين الإسلاميين والأنظمة العربية التي قادت المواطنين العرب إما إلى تحمل قمع لا حدود له من قبل الأنظمة، ومن ناحية أخرى الى تحمل قمع فكري وديني من قبل سلطة أخلاقية تقول عن نفسها أنها تتكلم باسم الدين، وتبقى بالتالي مرفوضة من الغرب والدول الصناعية، ما يعرض المواطن ودوله إلى حالة من الضغط الشديد؟
* لن يكون هناك مخرج من هذا الصراع إلا بتطوير مفهوم جديد للسياسة وللدولة معا مرتبط بمفاهيم سيادة الشعب وإقرار الحريات الأساسية وتكريس دولة القانون وتأكيد شرعية الاختلاف الفكري والسياسي والديني وحتمية القبول بالتعددية، وفي ما وراء ذلك التسليم بمبدأ التداول السلمي للسلطة والتنافس العام على احتلال مناصب المسؤولية، بما يعنيه من الاعتراف بالمساواة بين المواطنين وبقاعدة تكافؤ الفرص فيما بينهم. من دون ذلك ستظل الديكتاتورية تستدعي الديكاتورية والأحادية والتعصب والانغلاق والأنانية والدفاع عن الرؤية والمصالح الشخصية. والطريق إلى التغيير يمر حتما بتكوين الرأي العام وتربيته وتزويده بالأدوات النظرية والسياسية التي تساعده على الدخول في حلبة الشأن العام وتحمل المسؤولية العمومية وفي مقدمها استبطان مفهوم الحق والقانون والمصلحة أو المنفعة العمومية. وهذا عمل المثقفين والناشطين السياسيين والمدنيين بالدرجة الأولى. ما هو مطلوب لا يقل في نظري عن إعادة بناء الثقافة السياسية لشعوبنا في سياق صعب تسود فيه نظم القمع والتضييق على الحريات والتلاعب بعواطف الناس ومشاعرهم الوطنية وتفاقم النزاعات الدولية في المنطقة العربية.

 

* كيف السبيل للخروج من ردود الأفعال العربية والإسلامية التي اعتبرت مجمل الخطاب الغربي في أعقاب هجوم 11 ايلول، هجوما على الإسلام والحضارة الإسلامية، هل من الممكن أن ننظر إلى أنفسنا بنظرة نقدية دون أن يعني ذلك السقوط في جلد الذات على غرار ما فعل الكثيرون؟
* أنت على حق تماما. رفض العرب الاعتراف بالمسؤولية أو بقسط منها قد أظهرهم في نظر الرأي العام الدولي كما لو كانوا شعوبا قاصرة، غير قادرة على تحمل المسؤولية، وميالة إلى رمي المسؤولية على الآخرين. هذا ما سعيت إلى معالجته في كتابي : العرب وعالم ما بعد 11 سبتمبر. الاعتراف بالمسؤولية ضرورة للعمل على رفع الأسباب التي أدت إلى الكارثة، وهو لا يعني جلد الذات وإنما هو دليل على النضج والقدرة على المشاركة في المسؤولية على صعيد المنظومة الدولية. وهو وحده الذي يسمح لنا بأن نطالب الآخرين بتحمل قسطهم من المسؤولية أيضا. وينبغي أن نعترف أن نخبنا ورأينا العام يفتقرون للنضج حقيقة في كل ما يتعلق بالمسؤوليات العمومية، داخل الدول العربية نفسها وعلى صعيد العلاقات الدولية. وهذه أيضا ثمرة لضعف ثقافتنا السياسية الحديثة وربما ثقافتنا عموما، بما في ذلك وسائل التربية الفردية.

 

* أين تكمن في نظرك أزمة الفكر العربي المعاصر؟ وما السبيل للخروج من أزمة الثنائيات التي أطبقت عليه: الأصالة/ المعاصرة، العلم/ الدين، الإسلام/ الحداثة، الديموقراطية/ الاستبداد... هذا في الوقت الذي ألغى الفكر الغربي المعاصر نظرته لهذه الثنائيات ورفض تناولها من منظور أحادي البعد: ابيض أو اسود، إن لم يكن قد أعاد النظر فيها من منطلقات تركيبية وشمولية؟
* كان همي بالفعل منذ نشر بيان من أجل الديمقراطية إخراج الفكر العربي من هذه الثنائيات. وقد اعتقدت أن مصدر هذه الثنائيات هو سيطرة المشاريع الايديولوجية الكبرى، أي سعي المفكرين إلى إنتاج ايديولوجية توفق مثلا بين الاسلام والقومية والاشتراكية أو الرأسمالية، مع الاعتقاد بأن تحقيق مثل هذه التوليفة الايديولوجية سيزيل الاختلاف في الرأي وبالتالي سيقضي على أسباب النزاع والصراع والاقتتال.
وبالمقابل حاولت أن أبين منذ كتاب اغتيال العقل أنه ليس لهذا العمل الايديولوجي قيمة أبدا، وأنه يؤسس للشمولية الفكرية والسياسية معا. وان الأسلوب الوحيد للاحتفاظ بوحدة النظام وأطرافه المختلفة هو الاعتراف بشرعية الاختلاف وتاكيده وتعميقه أيضا بحيث يستطيع كل طرف أن يذهب إلى أقصى ما تقوده إليه مقدماتها النظرية، وفي الوقت نفسه إقرار قاعدة خضوع الأقلية النسبية للأغلبية، أعني قاعدة الديمقراطية التي لا تلغي أن تتحول الأقلية إلى أغلبية أيضا. فالديمقراطية وليس التوليفة الايديولوجية هي الحل. وكل توليفة ايديولوجية تقوم على بناء تصور عقائدي شمولي يحاول أن يستوعب الآخرين في أطره النظرية ويفرض عليهم العمل من داخل رؤيته أو منظومته الفكرية والعقائدية. فالخروج من منهج التوليف إلى منهج التأليف الديمقراطي الذي يعترف بالتعددية وأصالتها ويتجاوزها بإقرار سلطة الأغلبية هو الطريق للخروج من الصراع على امتلاك الحقيقة والاعتراف بنسبيتها وتعددها أيضا. ولن ندرك عندئذ تعدد أشكال المعرفة ومستوياتها فحسب، وتعدد المنظورات الايديولوجية، لكن سنكتشف التعددية داخل المفاهيم التي نعتقد أنها واحدة وموحدة، أي نكتشف أن الحداثة حداثات والدين تأويلات متعددة وأديان، والسياسة سياسات والقومية نظريات متعددة أيضا. باختصار اكتشاف الديمقراطية كمنهج توحيد هو وحده الذي يوفر علينا التوليفات الايديولوجية الشاملة التي طبعت فكرنا في النصف الثاني من القرن العشرين وجعلتنا نتنازع بين فكر شمولي تحديثي وفكر شمولي تراثي، أي بين أصاليين وحداثيين. فالديمقراطية هي التي تجمع العناصر المشتتة والمتغايرة، ليس بالتوليف الايدلويوجي في ما بينها، وإنما بوضع قاعدة للسيطرة تضمن للجميع الاحتفاظ بتميزهم والاندراج في كل واحد في الوقت نفسه. هذه هي الوحدة التي ينبغي أن نسميها عضوية بعكس الوحدة الميكانيكية التي تمثلها التوليفات الايديولوجية أو بناء الايديولوجيات الشمولية التقدمة أو الاسلاموية. الثنائية هي ثمرة سيطرة التصورات الايديولوجية تماما كما أن كسر الايديولوجيات الشمولية هو المدخل لمعرفة التمايزات والاختلافات والتباينات داخل الحداثة والتراث والمعرفة عموما.

 

* ترفض في مشروعك الإصلاحي النزعات السلفية والنزعات التقدمية القائمة في العالم العربي على نحو سيان، فأنت تصف الأولى بأصولية مفقرة والثانية بتحديثية مدمرة. كيف تنظر إلى مستقبل الفكر العربي المعاصر؟ وهل قدر العالم العربي " اغتيال العقل" سواء عن طريق العقل الحداثي أو التراث الأصولي؟
* أرفضهما لأن كلاهما ينبثقان من فكر لا نقدي ومفتقر للنقدية. كلاهما يشكلان طلاقا مع الواقع التاريخي الحي وفرضا لنماذج لا تاريخية على التجربة الحية للمجتمعات. ومستقبل الفكر العربي مرتبط في نظري بتطور الروح النقدية في الثقافة العربية، وأعني بالروح النقدية عدم التسليم ببداهة المفاهيم والأفكار، وبالمقابل ميل الفكر إلى أن يفحص باستمرار الأسس التي يقوم عليها ويتأكد من تماسكها واتساقها النظري والتاريخي. الفكر النقدي هو الفكر الذي يدرك طبيعة الأسس التي يقوم عليها والمسبقات التي يصدر عنها وحدود المعرفة الموضوعية التي يعتمد عليها. وأعتقد أن هذا هو الذي يفسر النجاح الذي لقيه كتاب اغتيال العقل الذي طبع عشرات الطبعات.

 

* في النهاية، لقد اختلط الأمر على الكثيرين منذ أن قمت بنقد حاد للفكر القومي ودعاته التقليديين في كتاب " النظام الطائفي"، حتى حسبك البعض قريبا من الإسلاميين. لكنك عدت إلى تبني نقد عنيف للإسلاميين في كتاب "العرب وتحولات العالم". أين يمكن تصنيفك اليوم؟
* حصل هذا الانطباع بالفعل لأنني اعتمادا على التحليل الذي سقته سابقا، وهو أن أصل الأزمة التي تعيشها المجتمعات العربية هو وصول مشروع الحداثة العربية إلى طريق مسدود، وأن الخروج من هذه الأزمة يقتضي نقد هذه الحداثة وإعادة تقويم مفهومها حتى يمكن إعادة إطلاق مسارها من جديد بشكل أكثر قوة وديناميكية، أعطيت الأولوية في عملي النظري النقدي لنقد تراث الحداثة العربي، وفي مقدمه الفكر الإصلاحي والفكر القومي، على نقد الفكرة الدينية. وتنسجم هذه المقاربة مع الطرح الذي تبنيته والذي يقول إن انتشار المد الإسلامي المتطرف ليس هو نفسه إلا ثمرة أزمة الحداثة هذه وعرض من أعراضها. وأن أي جواب عليه لن يكون منتجا وناجعا ما لم تحل أمور مشروع الحداثة ذاتها. لذلك قلت إن نقد العقل سابق اليوم، بعكس ما حصل في القرن التاسع عشر على يد المصلحين الإسلاميين والعقلانيين العرب، سابق على نقد النقل. وأن نقد النقل قد حصل في جزء كبير منه، بل إن ما حصل منه يبدو متقدما كثيرا على ما يأخذ به الرأي العام الإسلامي ويرنو إليه.
في سياق نقد الحداثة العربية التي أطلقت عليها اسم الحداثة الرثة جاء إذن نقد الفكر القومي السائد، وكذلك نقد السياسة العربية نفسها، باعتبارها سياسة نخبوية حاملة لجذور التراجع والانحسار امام التيارات الدينية. كما جاء نقد الخطاب التقدمي، بوصفه خطاب سلطة، (موضوع اطروحة الدكتوراه عام 1982) الذي ظهر في كتابي اغتيال العقل. لكن لم يكن هذا النقد إلا مرحلة أولى تهديمية على طريق إعادة بناء مفهوم الحداثة كما أفهمها، بما فيه فكرة الوطنية والديمقراطية والقيم الإنسانية. فلم يكن منطلقه الدعوة إلى التخلي عن القيم التقدمية الإنسانية، وإنما بالعكس تحرير الممارسة التاريخية القائمة باسم حداثة رثة لا قيمة لها من تناقضاتها الذاتية، وإعادة بنائها من الناحية النظرية والاستراتيجية، بما يمكنها من أن تتغلب على العوائق والعقبات والوصول إلى الغايات المنشودة. وهذا يستدعي معرفة أفضل بالواقع الحي، وتجاوز سطحية المقاربات وتبسيطية النمذجات القائمة. باختصار، لم يأت هذا النقد المتعدد الجوانب، الثقافي والسياسي والاجتماعي والقومي، من أفق رفض الحداثة ذاتها، وإنما في سبيل إنقاذ قيمها الأصلية والأصيلة. وهذا ما كان يستدعي في نظري التخلي عن منهج سحب النماذج القديمة البالية على الواقع العربي أو النظر إليه من خلال ترسيمات نظرية جاهزة وتجريدية، والعودة بالمقابل إلى تحليل صيرورة هذا الواقع مباشرة، وفهم أواليات تحولاته الداخلية.
ولم تكن هذه المراجعة النظرية نفسها التي بدأتها منذ "بيان من أجل الديمقراطية عام 1977" إلا امتدادا للحركة النقدية التي برزت في ذلك الوقت، لدى الياس مرقص وياسين الحافظ بشكل خاص، لتؤكد على أصالة التجارب التاريخية، ولتبرز خطأ التعلق بنماذج مثالية مجردة مستقاة من تجارب أجنبية، وما يمكن ان ينجم عن ذلك من اختلاق إشكاليات ليست مطروحة بعد في الواقع. وهذا ما سمي في ذلك الوقت بأقلمة الأفكار الماركسية والعلمانية والحديثة عموما، حتى لا تبقى أجنبية خارجية وكي ما يمكن توطينها في تربة الواقع العربي وتأهيلها للرد على حاجات تغييره وتطويره وحل مشاكل تحوله القومي والاجتماعي والسياسي الحديث معا.
إلا أن موقفي من الحداثة والمسائل المرتبطة بها لم يتجمد عند مرحلة النقد، وهي مرحلة ضرورية قبل أي بناء. ففي مرحلة ثانية حاولت، وعلى ضوء التحولات الجارية في الواقع، وصعود الحركات الاسلامية، وتجدد المناظرة الكونية حول العلمانية نفسها، إعادة بناء المفهوم وتقديم نظرة ايجابية، وليست فقط نقدية في مسألة الحداثة ومتعلقاتها. وفي هذا السياق كان لا بد من العودة إلى الخطاب الإسلامي الذي يقترح مخرجا للأزمة وللحداثة مناقضا تماما للمخرج الإنساني الذي اقترحه، القائم على نسبية المعرفة وديمقراطية السياسة وحرية الإنسان. وعلى طريق إعادة بناء مفهوم الحداثة الإنسانية، كان من الضروري المرور بنقد برنامج الحركات الاسلامية. وهو ما قمت به في كتاب: العرب وتحولات العالم، الذي تشير إليه. لكن هذا النقد بدأ قبل ذلك بكثير في كتاب: نقد السياسة: الدولة والدين الذي نشر في الثمانينات، حيث قارنت بين معطيات الثورة الدينية والثورة السياسية، وكذلك في كتاب: النظام السياسي في الاسلام، الذي فندت فيه أطروحات الدولة الاسلامية وفكرة تطبيق الشريعة ومفهوم الحاكمية الإلهية. وبينت أن الدولة لا دين لها، لأن وظيفتها دنيوية تعنى برعاية مصالح الناس على الأرض وتنميتها، بصرف النظر عن عقائدهم وثقافاتهم وأديانهم ودرجة ايمانهم أو عدم ايمانهم. أما الهداية ونشر الوعي والتربية الأخلاقية فهي من مهام الأديان والمصلحين والمثقفين والجمعيات والمؤسسات الأهلية. ويمكن قول الشيء نفسه عن كتاب: الاختيار الديمقراطي في سورية، حيث حاولت أن أجتهد فيه على إعادة بناء بعض مفاهيم السياسة الجارية، مثل الديمقراطية والاشتراكية واليسار كما تطرح في سياق العصر الجديد والألفية الثالثة.
أطلقت على منهجي الدراسي اسم مذهب النقد الاجتماعي. لكن إذا كان علي أن أصنف نفسي فأنا من الإنسانيين الذي يعتقدون أن الارتقاء بشروط حياة الإنسان وثقافته وفكره وشعوره الأخلاقي هو القضية الرئيسية التي تستحق الجهد، في ما وراء الانتماءات القومية والاعتقادات المذهبية والولاءات الجماعية. والمدخل الرئيسي لتجديد الفلسفة الإنسانية، هو باب الحرية.