الهوية بناء مستمر يُعاد النظر فيه بشكل دائم

2017-12-21 :: سوريون

ترجمة :

   د. إيما قاسمي \ سورريون

 

الدكتور برهان غليون أحد المفكرين السياسيين السوريين البارزين، ورئيس المجلس الوطني السوري الأسبق، له الكثير من الكتب أهمها اغتيال العقل، في حواره مع “سوريون” يقدم لنا الدكتور غليون رؤيته حول مفهوم الهوية عمومًا وارتباطها بالثقافة، وحول الهوية السورية خصوصًا ماضيًا وحاضرًا، وكيف حاولت الثورة السورية بثّ الثقة في الهوية السياسية المستقبلية في حين حاول النظام بمحاربته لها تقديم هويات بدائية للمجتمع السوري عبر هوية طائفية كريهة.
ويؤكد الدكتور غليون أن هذه فترة أزمة عميقة لا يقاس عليها، وأن الانتماء للهوية الدينية أو الإثنية دفاعي أو هجومي، و ليس سمة أساسية للهوية الوطنية.
وقدم الدكتور غليون رؤيته لملامح الهوية السورية مستقبلًا حيث لفت إلى أن الهوية ليست ناجزة، إنما هي بناء مستمر يعاد النظر فيه بشكل دائم.

 

- كل الشعوب لها مرجع في شخصية تاريخية حملت مقومات الهوية.. فما المرجعية التاريخية الهُوياتية للسوريين؟ 
- ليس صحيحًا وجود شخصية مرجعية تمثل خصائص هوية كل شعب، والفكرة التي تعتبر أن الشعوب تنحدر من جد واحد هي فكرة بدائية، في الماضي العتيق كان يمكن لمثل هذه الأسطورة أن تعني شيئًا، كما كان يعني الكثير للعرب نسبتهم جميعا إلى اسماعيل مثلًا، لكن اليوم هؤلاء العرب أنفسهم يشكلون شعوبًا وقبائل وطبقات ودول وتحالفات ومحاور، يحاول كل رئيس تضعه الأقدار على رأس دولتهم، تنصيب نفسه ملكًا إلهًا وسيدًا مطلقاً، ولا ينظر إلى العرب الذين يحكمهم على أنهم من أحفاده وإنما عبيده، والسوريون لا يختلفون عن ذلك، ليس لهم جد مشترك يمثل هويتهم، ولا عدة جدود، وهم متنوعون، ككل الشعوب، في الإثنية والدين حتى لو سيطرت العروبية على أغلبيتهم الساحقة.

 

- من بين الشعارات التي هتفت بها الثورة السورية عام 2011، شعاران يلخصان أحلام السوريون من خلال هذه الثورة: الأول هو: “واحد، واحد، واحد.. الشعب السوري واحد، والثاني: “سوريا تطالب بالحرية”. هل الشعور بفقدان مقومات الوحدة حتّم على الشعب محاولة استيعاب المفهوم الأصلي لمعنى الهُوية من أجل استعادة الوحدة المفقودة وهويته الممزقة؟
- لم يكن فقدان الشعور بالوحدة عند السوريين هو الذي دعاهم للهتاف بشعار: “واحد واحد الشعب السوري واحد”، وإنما كان هذا الشعار ردًا على عمليات تقسيمهم السافرة والعلنية من طرف النظام على أسس الطائفية والإثنية والقبلية.. كانوا يرددون ذلك أولًا ضد استراتيجية النظام التقسيمية والتمزيقية الرامية إلى استخدام فئة ضد أخرى وأقليات ضد أكثرية والعكس، وثانيًا تجاه جمهور الثورة لتعزيز دفاعاته ضد الاستراتيجيات التقسيمية.
لم يكن لهذا الشعار أي علاقة بالهوية أو باستعادة الهوية، عندما كان السوريون يرددونه لم يكن لديهم أي شعور بفقدان الهوية أو ضعفها، ولكن بالعكس كان لديهم شعور من الثقة الكاملة بهويتهم السياسية، كشعب في مواجهة طاغية، وثورة حرية مقابل نظام عبودية يقف ضد الشعب بأكمله.

 

- الشعارات تنبع من هُوية حامليها، ومثلما يحمل المطالب بالحرية ما يعتقده مناسبًا لثورته، يحمل الشعار المضاد، نفس محددات الهُوية.. فهل يمكن أن تعرّف لنا الهوية السورية؟ وهل السوري فعلًا يحمل مثل بقية الشعوب هوية معينة؟
- الهوية ليست إرثًا بيولوجيًا محددًا يحمله الأفراد بالتساوي فتصبح لهم هوية واحدة، الهوية مرتبطة بالثقافة التي يتلقاها الأفراد، ويدرجون عليها ويستبطنونها في الوعي واللاوعي معًا.. إذا تثقفوا على أنهم سوريون تجمع بينهم قيم الانتماء إلى شعب واحد، والخضوع لقانون واحد، والسعي لمصالح مشتركة، وأن سورية وطنهم بالتساوي، ولا بديل لأحد منهم غيره، وأن تقدمه وازدهاره هو غاية الجميع، والتعاون من أجل ترقيته والارتقاء بشروط حياة السوريين جميعًا هو وسيلتهم للتقدم والاندراج في حضارة عصرهم ومساواة الشعوب الأخرى في المدنية، إذا حصل كلّ ذلك ستتكون لديهم هوية سورية مرتبطة بالمكان والتاريخ والثقافة.
وإن لم يحصل ذلك وحصل العكس، أي عملت النخب الحاكمة والمثقفة على تعزيز الشعور لدى كلّ فرد بانتمائه المذهبي والطائفي والقبلي والمناطقي أو الجهوي، وغذّت الحزازات والنزاعات الطائفية والجهوية والقبلية، وجعلت من الانتماء إلى سورية عقوبة جماعية وإدانة بالعبودية حتى الموت، وطابقت بين الوطنية واحتكار السلطة من طرف طغمة ثابتة، واختصرت العضوية فيها إلى طاعة الحاكم وتأليه الرئيس، أقول: إذا فعلت ذلك وجعلت منه ثقافة الناس الرئيسة، ستنحلّ الهوية الوطنية، وتتكون في الفراغ الذي تتركه أو تستعاد هويات بدائية متنازعة ومتصارعة لا علاقة لها بالوطنيّ، وبالعصر، وبالدولة الحديثة.
باختصار هناك هويات ثقافية موروثة دينية وطائفية لا علاقة لها بالدولة والمواطنة، وهي موجودة قبلها، ومن دونها، وستوجد بعدها، وهناك هوية سياسية تنشأ بموازاة تكوين الأمة وتأسيس علاقة الفرد بالدولة وبقية الأفراد، وترتبط بمجموعة من القيم الأساسية التي لا تقوم أمة ووطنية من دونها، من أهمها الحرية الشخصية، وحكم القانون، والعدالة، والمساواة والتعاون والتضامن بين الجميع، بصرف النظر عن الاختلافات النابعة من الهويات الأهلية.
الثورة فجرت روح التواصل والتفاهم والتعاون بين السوريين، لمواجهة استراتيجيات التقسيم وتقديم الهوية الوطنية على الهوية الأهلية المذهبية والقبلية، وكان ذلك من أجل توحيد الشعب ضد الطاغية، الذي ضرب هذه الوحدة بكل الوسائل، بما فيها الإبادة الجماعية، والقصف الأعمى، والانتقام من السكان المدنيين، كان هذا هو هدف الحرب التي شنها النظام على السوريين المتحدين في إطار هوية سياسية جديدة وشعب حر.

 

- إذا كان كذلك.. ألا ترى ملامح انهيار أو غياب للهوية السورية، من خلال لهاث السوري اليوم وراء التجنس بجنسيات تركية وغربية وغيرها ؟ 
- لا علاقة لهذا بتجنس العشرات، ولم يكن التجنس مطلب السوريين اللاجئين، بالعكس هو محاولة من طرف الدول التي استقبلتهم لدمجهم، والاستفادة منهم ومن خدماتهم، كعناصر مثرية للنسيج الوطني.
وهذه الدول من تركيا إلى ألمانيا هي التي قامت بالمبادرة للتجنيس، وهي التي تختار من تجنّسهم منهم، الهوية السورية السياسية حطّمها النظام خلال خسمين عامًا مضت، لكن الهوية الثقافية السورية؛ أي ما يجمع السوريين من قيم ومشاعر وتصورات مستبطنة في اللاشعور والتاريخ لا يمكن محوها، هي أقوى اليوم وسوف تزداد قوة، فالحروب الأهلية لا تعكس غياب الهوية، وإنما الصراع على إعادة تأسيسها.

 

- في منتصف أربعينيات القرن بعد الاستقلال، كانت الهوية الوطنية موازية لبناء الدولة الوطنية ومؤسساتها والمجتمع الديمقراطي التعددي.. لماذا لم تنشطر سورية في ذلك الوقت عن مسار الدولة الوطنية والمجتمع الديمقراطي، على الرغم من تعدد الأقليات والطوائف والإثنيات والديانات؟
- هذا هو الجواب عن أسئلتك الأولى، وهو يتفق تمامًا مع ماذكرته لك في الأجوبة السابقة، المسألة اصطدام استرتيجيات سياسية في وضع متأزم، وثورة تحوّلت أو حوّلها النظام وحلفاؤه إلى حرب أهلية؛ لمنع الشعب من استعادة حقوقه في السيادة والمشاركة في تقرير مصيره.

 

-نجح السوريون بعد نكبة 1948، وتداعيات الانقلابات العسكرية التي شهدتها سورية، في استعادة الدولة الوطنية الحديثة الموحدة بعد القضاء على نظام أديب    الشيشكلي عام 1954.. لماذا فشل السوريون اليوم في إطلاق مسيرتهم الوطنية والديمقراطية وبناء دولة وطنية حديثة؟
- لم يفشل السوريون بالعكس.. لم يحصل أن قاتل شعب خلال سبع سنوات، وقدم هذا العدد الكبير من الضحايا للحصول على حريته في مواجهة نظام داخلي، هو في الحقيقة استعمار محلي، كما حصل مع الشعب السوري.
ولو لم يكن هناك شعب قويّ، ومعتز بهويته وثقافته، ومؤمن بحقوقه، كالشعب السوري لما استطاع الاستمرار في المواجهة ضد تحالف شيطاني، ضمّ إلى جانب نظام الأسد العنصري إيران وحرسها الثوري وحزب الله وروسيا.
الذي فشل في بناء دولة وطنية حديثة ليس الشعب السوري، ولكن الطغم الفاشية التي انتزعت السلطة بالانقلاب العسكري منه، وسعت تحت إشراف الغرب وإسرائيل، إلى تركيعه وتحييد قواه وإضعافه وتقسيمه حتى لا يشكل قوة تهديد لأحد، بعد فترة عاصفة في خمسينيات القرن الماضي لعب فيها هذا الشعب دورًا رائدًا في حركة التحرر العربية من الاستعمار، ما حصل فيما بعد هو عملية انتقام منظم منه، اتخذ شكل تمكين لنظام عدواني وعدائي، بعثي ثم أسدي، ودعمه من الخارج بكل الوسائل لكي يشنّ حربًا طويلة عليه استمرت خمسين عامًا، بقيادة طغم غريبة عنه ارتبطت بالمصالح الأجنبية وبفكرة الاستفراد بالسلطة، ولم يكن يهمها لا مصلحة الشعب، ولا مصير سورية، وكان من الطبيعي أن لاتنتهي هذه الحرب الطويلة على الشعب السوري، لإخراجه من الحسابات الإقليمية إلا بتدمير سورية بأكملها كما هو واضح اليوم، وتشريد الشعب بعد عقود من التنكيل والقتل داخل المعتقلات والسجون وتحييده بالديكتاتورية الفاشية خلال خمسة عقود.

 

- لماذا أصبحت الهوية السورية اليوم تُحدد وفق معايير الانتماء الديني والعرقي ؟ 
- هذه فترة أزمة عميقة لا يقاس عليها، الانتماء إلى الهوية الدينية، أو بالأحرى المذهبية والإثنية هو عنصر في استراتيجية دفاعية أو هجومية، أي جزء من عُدّة الحرب، لا سمة أساسية للهوية الوطنية، بل هي تعبير عن أزمة هذه الوطنية.
لكن أزمة الوطنية هي حالة لا بد أن تنجلي بعد أن تُعالج أسبابها، والناس عاشوا عشرات القرون في كل بقاع العالم مختلفين دينيًا وأثنيًا، ومع ذلك بنوا دولًا وإمبرطوريات قوية وثابتة، وآخرها مثلًا الإمبرطورية العثمانية  التي ضمّت مئات الجماعات المتباينة في العقائد والأصول، ولم يحُلْ دون ذلك تعدد الأديان والطوائف والأعراق والقوميات، السياسة شيء، والثقافة والدين شيء مختلف.

 

- ما هي رؤيتك لملامح الهوية السورية ماضيًا ومستقبلًا؟ 
- ما حاولت أن أركز عليه هو أن الهوية ليست خصائص ثابتة وجاهزة وناجزة، هي بناء مستمر  يعاد النظر فيه في كل لحظة، لم تكن الفرنسية ولا الألمانية ولا الإيطالية هوية قبل أن تتكون الدول التي تمثلها، ولم يمنع وجود التعدد المذهبي والديني والقومي هذه الدول من التكون، حتى داخل الهوية الدينية نفسها لا يوجد جمود وماهية ثابتة لا تتغير.
الهوية السياسية كالهوية الدينية عنصر في عملية، وجزء من استراتيجيات وديناميات تكوين الجماعات، وتغيرها وتبدل هوياتها أيضًا.. ليس هناك شعوب تفتقر إلى الهوية وأخرى تملكها، ولكنْ هناك شعوب أنجزت مسيرتها السياسية، واستكملتها في حقبة معينة بعد أن حلّت نزاعاتها الأساسية واستقرت، أو أسست لاستقرار مرحلي، وشعوب لا تزال في حالة صراع، لأسباب داخلية أو خارجية، على مسائل أساسية  ومنها مسائل وجودية، وبالضرورة حول الهوية السياسية، كما هو الحال في سورية والمنطقة المشرقية.