النص الأصلي للمقابلة مع “اليوم” حول فرص الحل السياسي في سورية

2018-02-18 :: اليوم السعودية

ترجمة :

سبع سنوات تفصل بين انطلاق المظاهرات التي طالبت بإسقاط نظام الأسد وبين مؤتمر سوتشي، كيف تقيم هذه التحولات التي جرت على الساحة السورية؟

تحولات كارثية بالتأكيد. لكن لا اعتقد انه كان لدى السوريين طريقة اخرى للخلاص من الأسد ونظامه الاجرامي. فهو الذي دفعهم إلى الثورة والقبول بأقسى التضحيات للخلاص من نظام امتهن المجازر والقمع وإذلال الشعب وكل فرد، ومن أجل استعادة حريتهم وكرامتهم المهدورة منذ نصف قرن. لكن تضحيات السوريين لن تذهب سدى. ولن يستتب الحال إلا بزوال النظام وقيام حكم يحترم حقوق السوريين ويعمل على خدمتهم لا على استعبادهم. وفي النهاية لايصح إلا الصحيح والحق أقوى.

  • كثيرة الأسباب التي افشلت الثورة السورية وتحولها إلى حرب مسلحة يقودها أشخاص ينتمون إلى تيارات إسلامية متشددة، لماذا جرى ذلك في سوريا، ومن المسؤول، وما حجم المسؤولية الأمريكية؟

من المبكر ان نقول إن الثورة السورية فشلت. لا تزال مقاومة الشعب السوري قوية وباسلة ضد من يريد تقويض جهوده لإقامة حكم ديمقراطي يلبي تطلعاته. ولن يتوقف الصراع قبل أن يحقق السوريون مطالبهم. أما عن الكارثة التي حلت بسورية والسوريين، أعني سياسات الابادة الجماعية وحرق الأرض تحت أقدام المدنيين لاجبارهم على الخضوع لنظام الجريمة المنظمة أو الهجرة، وتشتيت المجتمع وكسر إرادته، وتدمير مدنه وقراه، وإطلاق المنظمات الارهابية لخلط الأوراق وتبرير الحرب الهمجية التي شنت عليه، فهي مسؤولية النظام وحلفائه بالدرجة الأولى، وخيانة المجتمع الدولي لتعهداته ومواثيقه الانسانية والسياسية التي قامت عليها منظمة الأمم المتحدة. وبالدرجة الثالثة ضعف بنية المعارضة الناجم هو نفسه عن تحطيم المجتمع المدني السوري خلال نصف قرن من أحكام الطواريء والاغتيال السياسي لشعب كامل واستباحة منظمات المجتمع وتحويل الدولة إلى أداة لصناعة العبودية وتركيع الشعب عوض ان تكون الضامنة لحرياته وحقوقه وحكم القانون. هذا ما يحصل عندما تنقلب الدولة، التي تتخلص وظيفتها بحماية المجتمع والحفاظ على القانون ومصالح الناس وأداة إنجازه ومراكمة مكتسباته الحضارية والمدنية، على المجتمع وتتحول إلى كلب حراسة للقلة الحاكمة الفاسدة والمفترسة .

  • كيف تقيم الدور التركي في الأحداث السورية. ولماذا غاب العرب عن دور فاعل. وما رأيك بهيئات المعارضة السورية الحالية، (الائتلاف ، وهيئة التفاوض)

حاولت تركيا في مراحل الأزمة الاولى أن تلعب دور الوسيط ثم راهنت على ضغوط الدول الغربية والأمم المتحدة لثني النظام عن سياسته الدموية، واعتقدت كغيرها ممن اطلقوا على انفسهم اسم أصدقاء سورية أن النظام لن يستطيع أن يقاوم طويلا ثورة شعبية عميقة الجذور وعنيدة، لا ماديا ولا سياسيا. لكن ستكتشف كغيرها من الدول أن نظام الأسد لم يكن سوى قمة جبل الجليد، وأن قوته تكمن في حجم المصالح الاقليمية والدولية التي يخدمها، وفي مقدمها مصالح الحفاظ على أمن إسرائيل واستقرارها، ووضع نفسه في خدمة المشاريع التوسعية الايرانية وإيصال طهران إلى شواطيء المتوسط، وتامين المصالح الاستراتيجية الغربية من خلال المثابرة على شق الصف العربي وتقويض أي سياسة عربية مشتركة.

وفي النهاية ستضطر تركيا إلى أن تعترف بفشل سياستها الأولى وتجد نفسها مضطرة للتورط في تدخل عسكري كانت ترفضه باستمرار، بهدف القضاء على ما تعتبره خطر قيام كيان كردي في شمال سورية يسيطر عليه حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره منظمة ارهابية تعمل على أراضيها لتقسيم تركيا. أما العرب فقد غاب معظمهم عن المشهد، باستثناء أكثر دول الخليج التي حاولت أن تواجه في سورية تمدد ايران. لكنها واجهت مع التدخل الروسي العسكري صعوبات كثيرة، وتقلص دورها بعد هذا التدخل المباشر عام 2015.

بالنسبة لهيئات المعارضة، سواء كان المجلس الوطني الذي غاب أو الائتلاف فقد كانت ضعيفة الاداء بشكل ملفت، وهي أكبر برهان على حالة الإدقاع بل العدم السياسي التي سودها النظام في المجتمع، وقضائه التام على المجتمع السياسي والمجتمع المدني واحتوائهما معا من قبل أجهزة الامن والضبط والعقاب التي حلت محل الدولة أو تماهت معها، وصارت الحزب الحاكم الوحيد في البلاد.

  • لماذا برأيك هذا التواطؤ الدولي مع نظام دمر بلدا بأكمله وهجر أكثر من نصف سكانه، أين مصلحة الأوروبيين وأمريكا وروسيا من تدمير سوريا وتهجير شعبها؟

ليس الأوروبيون هم الذين حالوا دون ايجاد حل سريع للمحنة السورية وإنما الدول التي كانت لها مصلحة مباشرة واستراتيجية في تدمير سورية ودفعها نحو الفوضى للتخلص منها أو لاختراقها ومد نفوذها إليها بشكل أكبر. وأهم هذه الدول اسرائيل التي لم تكن تحلم بحرب تقضي فيها على خصم محتمل في المنطقة، وتربح حربا استراتيجية ضد بلد عدو، من دون أن تفقد جنديا واحدا. وهذا الاعتبار ذاته هو الذي أملى على واشنطن موقفها المتحفظ ثم المتجاهل كليا للمأساة السورية قبل أن يتخلى عن السوريين في صفقة الملف النووي مع طهران. والدولة الثالثة ايران التي وقفت وراء النظام وحثته على التماسك في وجه الثورة الشعبية وقدمت له كل ما يحتاجه من مال وسلاح ورجال كي يستمر في الحرب حتى الانتصار. أما الدولة الرابعة فهي روسيا التي وجدت في الأزمة السورية فرصتها التي لا تفوت من أجل الانتقام لنفسها من غدر الغربيين بها في العراق وليبيا وإخراجها من البلدين الذين كانا قريبين منها، والحصول على منصة تستعيد من خلالها مكانتها الدولية التي فقدتها مع انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

5 روسيا دخلت سوريا وقلبت موازين القوى لمصلحة النظام وإيران، برأيك أين الدور الإسرائيلي في التدخل الروسي والوجود الإيراني وماذا يخطط لمستقبل سوريا؟

الدور الاسرائيلي هو الأبرز في توجيه الأحداث السورية بالرغم من أنه الأقل ظهورا. فهي التي تركت ايران وميليشاتها تتدخل من دون أدنى رد فعل، وشجعتها وحزب الله على التدخل لتمديد اجل الحرب. وهي تقف من دون شك وراء تشجيع واشنطن على عدم التدخل أو السعي لوضع حد للحرب الايرانية ، وروسيا لا تقوم بأي خطوة في سورية من دون التنسيق مع الحكومة الاسرائيلية. وعلى جميع الاحوال لم تخف اسرائيل في أي وقت سرورها بما يحصل في سورية. ولا يغير من ذلك أنها تستغل الأزمة السورية للقضاء على الاسلحة الاستراتيجية في سورية وعلى مواقع استراتيجية للميليشيات الايرانية.

  • إسرائيل تريد حزاما شيعيا إيرانيا على حدودها الشمالية من خلال وجود الميليشيات والتغيير الديموغرافي هل تعي المعارضة وقادتها ذلك.

لا، اسرائيل لم تعمل على انشاء حزام شيعي ايراني حولها، ولكنها استخدمت الأطماع الايرانية في السيطرة على سورية وتشكيل امبرطورية الهلال الشيعي كما سمته، من أجل تسعير الحرب بين العرب والايرانيين وضربهم ببعضهم وإطالة أمد الحرب وبالتالي القتل والدمار والقطيعة والعداء المتبادل داخل صفوف ما تسميه اعدائها. والآن، بعد أن خرجت سورية من المعركة لعقدين على الأقل، تعمل بالتنسيق مع واشنطن من أجل تعبئة العرب في حرب مستمرة مع ايران لاحتواء نفوذها وإخراج ميليشياتها من سورية والعراق. فبعد ان حققت اهدافها الأولى بترك طهران تتقدم في سورية، تسعى اليوم إلى تحقيق أهداف إضافية، في مقدمها تقويض ايران الخامنئية ذاتها، في حرب احتواء ايران وأخراجها من المناطق التي احتلتها.

  • هل سيقبل السوريون (قيادة المعارضة الحالية السياسية والعسكرية)، حلاً سياسيا مع وجود الأسد وميليشيات إيران، وهل يمكن ان نشهد سوريا جديدة كما العراق تدار من طهران؟

هذا من المستحيلات. وعلى العموم ليس في الأفق بوادر تسوية في سورية. ما تحاوله روسيا ليس تسوية ولكن فرض الأمر الواقع بالقوة والقصف الأعمى، ولكنها لن تنجح. أما واشنطن وبالتالي اسرائيل، فليسا في وارد الاسراع في البحث عن تسوية. الوضع الراهن الذي يقع بين الحرب والتهدئة أو يجمع بينهما هو الحل المثالي لمصالحهما الاستراتيجية. لن تكون سورية مثل العراق لكن أحدا لا يعرف بعد كيف ستكون. هناك شعب لن يتوقف عن المقاومة والكفاح من أجل تحقيق اهدافه، وهو يتعلم كل يوم ويكتسب الخبرة السياسية والعسكرية والاعلامية التي كان يفتقدها جميعا، ومجموعة من الذئاب التي تنهش بجسده وتسعى إلى تقاسم المصالح على حسابه. والمعركة لا تزال طويلة قبل أن تظهر النتيجة.

  • هل تعتقد أن الصراع في سوريا أو على سوريا سيستمر طويلاً، حتى لو استطاعت موسكو فرض حل سياسي.

لن تستطيع موسكو فرض الحل السياسي الذي تطمح إليه، ولن تنجح في جر الأمم المتحدة والدول الغربية والمعارضة إلى مؤتمر سوتشي لتفرض الحل الذي يناسبها، وسوف ترضخ لحقيقة أنها لن تستطيع أن تخرج من خطر السقوط في مستنقع وورطة كبيرة في سورية من دون أن تعيد النظر في رؤيتها للوضع، وخفض سقف توقعاتها وتوقعات حلفائها. روسيا ليست القوة التي تستطيع ان تفرض حلها في سورية على الشعب السوري ولا على الدول الغربية.

  • كيف إعادة إيران إلى داخل حدودها وهي التي تنفذ الفوضى عبر ميليشياتها.

ايران تعود إلى حدودها إذا عاد العرب إلى رشدهم ووحدوا جهودهم وعالمهم، أو إذا قررت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ذلك بالتأكيد. لكن واشنطن ليست مستعجلة لإخراجها من مناطق نفوذها. بالعكس يمكن ان تستخدم قضية العمل على ابعادها من أجل أن تدفع الدول العربية النفطية إلى الالتصاق بشكل أكبر فيها وتسليم امرها وبالتالي مواردها لها. لايران وأطماعها التوسعية دور مهم ايضا في الاستراتيجية الأمريكية لتمديد سيطرتها ونفوذها في الشرق الاوسط.

  • برأيك هل من الممكن ان يعود الاستقرار إلى المنطقة، ولماذا اريد لها ذلك،

 

لا الأزمة السورية ولا الربيع العربي هو السبب في تقويض الاستقرار في المنطقة. بالعكس أزمة المنطقة العميقة على كل الاصعدة، الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية هي التي أطلقت الثورات واشعلتها. وهذه الأزمة الاقليمية المديدة هي ثمرة الفشل الكبير في توصل بلدانها إلى اي تفاهمات اقليمية، وأولها البلدان العربية التابعة لجامعة عربية واحدة، وفشل الاقلاع الاقتصادي نتيجة فساد الانظمة وبؤس طبقاتها الحاكمة وانعدام حس المسؤولية عندهم، وهو كذلك ثمرة فشل الأنظمة الاستبدادية في التغير والاصلاح والانفتاح على الطبقات الوسطى النامية والصاعدة. ولم يرد لها، أقصد الدول العربية، أحد ذلك، لكنها ارادته لنفسها، أما الدول الكبرى فقد استغلت هذا البؤس العربي وبنت عليه وعززته لتحقيق اهدافها. الأصل هو هشاشة دولنا ومؤسساتنا وأوضاعنا السياسية وتفكيرنا.

اسئلة أسامة المصري

http://www.alyaum.com/article/4229371