النهار: المعارضة السورية ما زالت تعيش عقلية “الغيتو” لغم السياسة السورية في لبنان هو”القوة”

2001-08-11 :: النهار

ترجمة :

شعبان عبود - النهار 

 عودة المنتديات السورية من جديد وبعد ستة اشهر من التوقيف، تدلل على عودة جريئة للمثقفين السوريين الى الواجهة، ولكنها في الوقت نفسه عودة تدفع لطرح الاسئلة الجدية عن حقيقة قوى المعارضة في سوريا وكنهها، هل هي قوة منظمة منسجمة ومتسقة وتعرف ما تريد، وتالياً عملت على الافادة من تجربة "الربيع الاول"؟ أم هي مجرد قوى مبعثرة جوهرها بضع اصوات فردية لمثقفين متناثرين بين الداخل والخارج تحاول ان تدلي برأيها في الشأن الداخلي بعد اعوام طويلة من الابعاد والصمت؟
حقيقة المعارضة السورية اضافة الى مواضيع اخرى كلها تتعلق بما يجري في سوريا اليوم وما يخص العلاقة السورية - اللبنانية وموقف المثقفين السوريين منها... كلها مواضيع سيتحدث عنها المفكر السوري المقيم في باريس برهان غليون الذي قدم الى دمشق في زيارة قصيرة منذ أيام قليلة... والتقته "قضايا النهار".

 

في البداية لا بد من الاشارة الى انه ومن الصعوبة بمكان القول ان هناك معارضة سورية منظمة خارج سوريا، ففي سوريا على الاقل هناك احزاب معروفة، يوجد "تجمع وطني ديموقراطي"، يوجد بعض الاحزاب خارج التجمع تدعي او على الاقل تريد ان تكون في المعارضة، في الخارج هناك قليل من المثقفين، بعض من الشباب، هناك طلبة أيضاً، وكلهم عندهم ميول اصلاحية ولديهم رغبة في لعب دور في التغيير لكن ليست هناك أطر تجمع أولئك، أقصد أطراً حزبية أو سياسية أو حتى ثقافية، بل يوجد مساع لأن يصبح هناك لقاءات وتجمعات وعمل يدعم حركة الاصلاح في الداخل، وقد ثبت في الآونة الاخيرة ومن خلال البيانات التي صدرت من بعض العواصم الاوروبية، ان حركة المعارضة في الخارج ما هي إلا ردود أفعال لما يحصل في الداخل واستمرار له.
من الصعب اجراء مقارنة بين حجم المثقفين وقدراتهم وتماسكهم داخل سوريا وبين من هم في لندن او باريس او أي مكان آخر، هذا عدا عن صعوبة المراهنة في الاصل على حركة معارضة تبدأ من الخارج. الحركة من الخارج هي دائماً انعكاس واستمرار لما يجري في الداخل والحركة الثقافية التي حصلت في سوريا رفعت الشعور بالمسؤولية عند السوريين جميعاً سواء كانوا في الداخل او الخارج.
اما فيما يتعلق بموقف النظام السوري منها، فلا اعتقد انه يخاف هذه المعارضة او عنده شعور فيما لو انه فتح الابواب لها، انها ستلعب دوراً مهدداً لاستقراره، ارى ان هناك تياراً داخل النظام يرفض ان يعطي إشارة للمجتمع وللمعارضة على حد سواء بأنه قد حصل انفتاح، الاشارة هذه حسب اعقتاد هذا التيار ربما تشجع انخراط فئات اجتماعية عديدة في العمل السياسي والحقيقة ان النظام استخدم جميع الوسائل خلال العقود الاربعة الماضية لردع الناس عن العمل السياسي والاهتمام بالشأن العام، فأي اشارة يقوم بها النظام، حسب اعتقاده، في اتجاه الانفتاح تعني بالنسبة له انه صار ممكنا للجمهور وللرأي العام الاهتمام بالشأن العام وتالياً تكون كل سياسة الردع التي استخدمت لارهاب الناس قد انفرطت.

المشكلة هنا، هل يقبل النظام ان العمل السياسي هو حق مشاع للمواطنين، ام ان السياسة هي احتكار للحزب الحاكم ولمن هم في السلطة؟
الخلاف الرئيسي اليوم في سوريا ونقاط الصراع الاساسية التي خلقت المعارضة تتلخص في هذه القضية، هل السياسة حق مشاع ومشترك لجميع المواطنين ام هي حكر على فئة من السكان منتمين الى حزب ما والى مواقع سياسية محددة؟
في سوريا اليوم لا يوجد شيء اسمه سياسة، اقصد السياسة حينما تعني المشاركة من جانب جميع المواطنين في تقرير مصير البلاد واتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون البلاد العامة، لكن في الوضع الراهن هناك فئة محدودة لا يعرفها الشعب (مسؤول حزبي، ضابط أمن... لا أحد يعلم) هي من يتخذ القرار، هكذا يعتقد غالبية السوريين.
اما عن خارطة القوى المعارضة ومدى انسجامها اضافة الى دورها السلبي في انكفاء "مشروع" الاصلاح واحتوائه من جانب ما يسمى "الحرس القديم" حينما رفعت عالياً سقف مطالبها كما يشاع، فلا بد من القول ان المعارضة في سوريا ليست جسماً متسقاً ومنسجماً، فهناك جزء منها قريب من النظام ويطالب بالمشاركة أكثر من مطالبته بتغيير قواعد العمل السياسي المتبعة في النظام، وهناك معارضة معتدلة تتحدث عن تعديل وسائل النظام وتغييرها دون استفزازه من خلال اقناع النظام والحوار معه، وهناك تيار ثالث أكثر جذرية يعتقد انه لا يمكن تغيير الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في سوريا إلا من خلال احداث تحول جذري في أسلوب عمل النظام.
هذا في شكل عام، لكن فيما لو اردنا الدخول اكثر في طبيعة المعارضة والمثقفين سنجد ان هناك تمايزات وخلافات وصراعات على السلطة والوجاهة، لكن هذا شيء انساني طبيعي وليس خطأ المعارضة، وفي جميع الاحوال لا يمكن الحديث عن المعارضة كما لو انها قطب متبلور من حيث التنظيم والرؤية للمستقبل، المعارضة تطالب بالتغيير، لكنها لم تستطع ان تبلور نموذج المجتمع الذي تريده ولا تملك برنامجاً واضحاً للتحول وهي ما زالت في البداية، وفوق ذلك هي ثمرة اربعة عقود من الحجر على التفكير الحر والحجر على العمل السياسي، انها باختصار معارضة "غيتوات" ودائماً هناك عقلية معينة للغيتو.
المعارضة السورية ارتكبت اخطاء لأنها فاقدة للتجربة السياسية وعاشت مهمشة ومروعة ومرعوبة خلال اكثر من ثلاثين عاماً، لذلك من الطبيعي ان نجدها غير متقنة قواعد اللعب مع النظام، فقسم كبير منها فقد الثقافة السياسية المطلوبة للحوار والمناورة والتكتيك وهناك قسم كبير منها محبط يريد ان يبرز في أسرع وقت ممكن، وهذا في رأيي ما جعلها تبدو غير متسقة ولا تتمتع بالمرونة والنضوج.
المعارضة لم تخطأ فيما تعلق بالتراجع عن الاصلاح عندما وجد الجهاز البيروقراطي المهيمن فرصة لاحتواء مشروع الاصلاح، ان الذي اقفل الاوضاع ليس اخطاء المعارضة، فلو كان هناك اخطاء كان على النظام ان يتشجع ويسمح لها بمزيد من الحركة حتى تبدو غير منسجمة ولا تعرف ما تريد، الذي حصل هو ان خطاب القسم للرئيس الجديد فهم منه أو أريد ان يفهم منه ان هناك اشارات حقيقية للانفتاح وان هناك عهداً جديداً مختلفاً عن الماضي وقد ساهمت الصحف الرسمية كما يذكر الجميع في ذلك، وفيما بعد اتخذ الرئيس قرارات واجراءات عدة اراد منها ان يفهم الرأي العام انه دخل معه في عصر جديد، هذا بالضبط ما شجع المثقفين على اخذ المبادرة معتقدين انهم يسيرون في خط بشار الاسد، وقد كان قسم كبير منهم يعتقد انه مغطى من العهد الجديد، لكن الذي ثبت ان من بدأ المبادرة قد فتح بابا اطول من قامته، بابا وثغرة في مجتمع مغلق منذ اربعين عاماً، وعليه كان طبيعياً ان تتكاثر وتنتشر المنتديات مثل كرة الثلج، مثلما هي الافكار التي بدأت تنتشر وتؤمن ان عهداً جديداً ورياحاً من الحرية بدأت تهب على البلاد.
في هذا السياق أتت الطبقة السياسية البيروقراطية المستفيدة من النظام وأغلقت الحال الجديدة، وهذا طبيعي فهي لطالما كانت مستفيدة من الاوضاع السابقة.
إذاً ليست هي اخطاء المعارضة وانما رغبة الطبقة البيروقراطية المستفيدة في أن تمنع حركة تطور المجتمع والرأي العام وتبقيه يعيش في الخوف والتهميش وخارج السياسة.
وقد عكست الكلمات المتتالية والاحاديث الصحفية التي أجراها رئيس الجمهورية منذ خطاب القسم وما تلاه ما حصل في سوريا وما أتخذ من مواقف بحق المثقفين، حتى تبين ان خطاب القسم لم يكن سوى وعود للجمهور من اجل حصد مزيد من الشعبية، وحتى يكون هناك مبرر لوجوده واستلام الحكم.
لكن لا بد من تسجيل ملاحظتين، إما ان الناس أساءت فهم الوعود واعطتها اكثر مما تحتمل، او انه لم يكن هناك خطأ في الفهم وأن الرئيس بالفعل هو صاحب نيات اصلاحية عميقة وعندما شعر بأن النيات الاصلاحية تصطدم بمصالح كبيرة جداً، اضطر ان يقلص هذه الطموحات الاصلاحية، هذا الشعور بأن النيات الاصلاحية ربما تساعد في تشكيل ردود أفعال تهدد النظام، ربما هو من دفع الى التراجع.
لقد برهن ما حصل ان هناك مشكلة في علاقة السلطة بالمثقفين في سوريا وهذا بدوره بحاجة الى نقاش معمق، فالمثقفون كانوا جزءاً اساسياً من كل التطورات السياسية التي حصلت في سوريا حتى استلام "حزب البعث" للسلطة، لقد كان المثقفون قبل ذلك ومنذ الاحتلال العثماني وعصر النهضة، رأس الرمح في كل الحركات السياسية وكانوا أيضاً المحرك الاساسي في المجتمع حيث لطالما افتقدت سوريا طبقات بورجوازية حقيقية، ففي سوريا وبخلاف بقية الدول العربية، لعب المثقفون دوراً اساسياً في تكوين كل الاحزاب السياسية التي نعرفها، لكن الذي حصل منذ استلام "حزب البعث" للسلطة انه عمل على استبعاد منهجي للمثقفين واجرى عملية تكسير لهم.
ومثلما كان لـ"البعث" خطة منهجية لاعادة ترتيب الطبقات واعطاء لكل دوره، خلق طبقة بيروقراطية لم تكن موجودة في السابق، وفيما بعد صار يكرس وحدة هذه البيروقراطية ويمثلها على مستوى اتخاذ القرار السياسي، وهذا الشيء ما كان له ان يتم لولا القيام بخلخلة التوازن الطبقي الذي كان موجوداً في السابق والذي كان عماده الطبقة الوسطى.
لكن الذي حصل وبعد اربعين عاماً من الابعاد، يأتي المثقفون ويصدرون بعض البيانات "مانيفستو" التي ارادوا من خلالها التعبير عن حاجتهم للحرية والتعددية، ولم يقولوا اننا نريد هذه الحرية والتعددية غداً في الصباح، ولم يعتدوا على الحكم ولم يعتدوا على الطبقة البيروقراطية، كذلك هم لم يهددوا احداً، لقد بدأ بعض من المثقفين الافراد باصدار هذه البيانات بدون ادنى تنظيم.
ما الذي تبين بعد ذلك، لقد ثبت ان مؤسسات قائمة في الدولة منذ ثلاثين عاماً تخاف من مجرد بيان، هذا بدوره اظهر كم هي هشة وضعيفة هذه المؤسسات التي تملك كل مواقع القرار وتسيطر عليها.

إن السلطة تخاف من تكوّن رأي عام، وهنا السؤال، هل تستمر في اقصاء هذا الرأي العام ام تعمل من اجل مشاركته في الحياة السياسية حسب مطالب المثقفين؟.
السلطة اتهمت المثقفين بالوقوع في الاخطاء، ونحن نقول فليتحمل المثقفون نتائج اخطائهم التي أتوا بها عبر "بياناتهم السيئة" امام الرأي العام.

لكن ألا يقود كل ما قلناه الى عدم المراهنة على دور ما للمعارضة "غير المنظمة والمنسجمة والضعيفة" في احداث التغيير المطلوب.
أليس من الافضل المراهنة على مشروع التحديث والتطوير الذي تدعيه السلطة؟
صحيح ان المعارضة السورية غير متبلورة، لكن هل نستورد معارضة من الآخر، كل شعب يعيش من خلال القوى التي يخلقها ويساهم في ايجادها، فاذا كانت اليوم المعارضة السورية ممزقة وضعيفة فالسبب هو النظام السياسي الذي منع الرأي العام من الحوار الضروري لبلورة الآراء وتثقيف الجمهور، والديموقراطية في العمق هي مدرسة لتعليم الجمهور المشاركة في الحكم. الديموقراطية ليست وسيلة لتكوين سلطة أغلبية تحكم بصورة شرعية، انما هي مدرسة لتكوين القادة وتكوين ثقافة وطنية من خلال الحوار والنقاش للوصول الى تسويات.
والذي حصل في سوريا انه تم وخلال اربعين عاماً، حرمان المجتمع من الديموقراطية فماذا كانت النتائج، ناس في السجون، افراد هاربون، ومثقفون يعيشون على المناورات اليومية ولا يفقهون اي شيء عن المعارضة، فتراهم يوماً تحت الارض ويوماً آخر فوقها، خائفون من القمع ومن الامن ومن التعذيب.
والآن وعند البحث عن الاطر التي توفر لهذا الشعب ان يتبلور ويشكل قياداته الوطنية، هل نلجأ الى الطرق والاساليب السابقة نفسها التي اتبعها النظام...؟ بكل تأكيد لا. فهذه السلطة ورغم كل الموارد التي بين ايديها وكل المواقع التي تهيمن عليها، لا تتمتع بالسلطة الوطنية القوية، على العكس تماماً تكفي نظرة عابرة لما وصلت اليه احوال البلد بعد اربعين عاماً من الاداء الخاطئ.
ورغم ان المعارضة ضعيفة وهذا صحيح تماماً، فان السلطة والطبقة البيروقراطية المهيمنة اضعف بكثير، وهي أقل شعوراً بالمسؤولية واقل كفاءة وأقل موهبة ورؤية للمستقبل وليس لها اي برنامج واضح للخروج من الازمة السياسية والاقتصادية التي تعيشها سوريا. كل الخطاب الرسمي اليوم يدور حول اخطاء الماضي وكيفية مواجهتها اضافة الى ترميم البنيان الرسمي الحكومي المتآكل والمتعفن، وتكفي الاخبار اليومية المتعلقة بالسرقات، والتعديات على الاموال العامة التي تطالعنا بها الصحف الرسمية، إذا كيف اعطي ثقتي لهؤلاء الذين قادوا البلاد نحو الخراب واسحبها من المعارضة التي قاومت الاغراءات ولم تفسد.
أثر الخارج على المسألة الديموقراطية، البورجوازية البيروقراطية السورية وشكل النظام السياسي في سورية في المستقبل، المثقفون والموقف من العلاقة السورية اللبنانية.
فيما يتعلق بأثر الخارج على الداخل في تسريع الاستحقاق الديموقراطي، لا بد من القول ان هذه المسألة متعلقة بالداخل والداخل فقط، اقصد اذا قررنا نحن في سوريا ان نكون بعيدين عن مفاهيم الحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة والعولمة، فلا احد سيمنعنا من خياراتنا هذه، هنا لا يوجد تأثير للخارج، وقد رأينا نتائج قرارنا هذا خلال الثلاثين عاما المنصرمة، حينما اصبحت سوريا بلدا يأكل نفسه وعاشت في غيتو.
هناك شعور عند بعض السوريين ان الخارج ربما يدفعنا الى التغيير، اريد القول انه لا يوجد بلد في الخارج لا عربي ولا دولي مهتم في تحقيق الديموقراطية في سوريا، على العكس من كل التصورات، فالذين يراهنون على ان الديموقراطية ستأتي بضغوط من الخارج لا بد من تذكيرهم بأن الخارج غير مكترث بهذه المسألة لأن الديموقراطية بكل بساطة هي مكسب تصل اليه الشعوب نتيجة السعي اليه ولا توجد دولة او شعب آخر على استعداد لتقديم هذا المكسب الى شعب آخر، على العكس الدول الاوروبية ربما تكون خطراً على الدول الضعيفة مثل سوريا، وهنا لا اقصد المقولات السابقة التي تتحدث عن السيطرة الامبريالية، اقصد ان الخطر يكمن في سعي النظام العالمي الجديد لالحاق الاقتصاديات الهشة في فلك اقتصادياته وقد رأينا ما حصل ويحصل في بلدان اوروبا الشرقية، صحيح ان للمسألة جذوراً تتعلق بالحرب الباردة، لكن يجب معرفة الحقيقة التي تقول ان المسألة الديموقراطية في دول العالم الثالث ليست هاجساً اوروبياً.
إن شكل النظام السياسي في سوريا في المستقبل القريب مرتبط بالطبقة البورجوازية البيروقراطية، فهذه الطبقة هي الاضخم والاكبر وهي التي تمثل اليوم المسؤولين في المؤسسات العامة والادارة والجيش واجهزة الامن وهؤلاء اليوم يمسكون الحكم ويقبضون على السلطة ويسيطرون على البلاد، صحيح ان هناك اجنحة وفئات صغيرة من البورجوازية القديمة على حواف هذه الطبقة، لكنها هي من يمثل الجسم الاكبر والمسيطر.
بناء على هذا الواقع واذا ما اردنا الوقوف عند آفاق النظام السياسي في سوريا والخروج من الازمة فهناك احتمالان:
الأول يتم بشكل تدريجي وبطرق سلمية وبالحوار وبالمفاوضات وتنمية المعارضة والمضي في اطار اعادة التوازن الاجتماعي، بالمعنى السياسي، خلق قوى اخرى الى جانب البورجوازية البيروقراطية وخصوصاً طبقة وسطى تكون قادرة على النشاط والحركة والفعل ومستقلة نسبياً عن الطبقة البيروقراطية وغير خاضعة لها، اذا استطعنا ان نخلق هذا الشيء، نمضي تدريجاً نحو النظام التعددي، صحيح ان الهيمنة ستبقى لفترة طويلة للطبقة البيروقراطية السائدة، لكن يبقى هذا الاحتمال هو الاحتمال الاصلاحي الذي يجب السعي باتجاهه. اما الاحتمال الثاني فهو ان تبقى السطة محتكرة ويبقى الفساد عاما، مما يعني عدم القدرة على الاصلاح والتطوير وتالياً توقع امكانية الانفجار.
المسألة الاخرى التي يجب الوقوف عندها لما لها من علاقة بما يحصل على المستويين الداخلي والاقليمي وما أشيع في شأنها من مواقف سلبية من جانب المثقفين السوريين، هي العلاقة السورية - اللبنانية:
أعتقد ان ما حصل مع لبنان مشكلة كبيرة بالاصل ما كان يجب ان توجد، ما هي هذه المشكلة، بالتأكيد ليست في من يسيطر على الآخر، هذه علاقات سياسية تزول بسرعة ويمكن ايجاد حلول لها، لكن الذي حصل ان نزعة معادية لسوريا خلقت في لبنان، وهناك بعض الأوساط اصبحت عنصرية، حتى أصبحت كلمة "سوري" بحد ذاتها لها معان سلبية.
السبب ليس دخول الجيش السوري الى لبنان. في ذلك الوقت لم يكن اللبنانيون يكرهون السوريين، على العكس فقسم كبير من المسيحيين والمسلمين استقبل الجيش السوري، انما الذي أثار المسألة والذي أساء للعلاقة السورية - اللبنانية هو ان السلوك نفسه الذي اتبعته الطبقة الحاكمة في سوريا اتبعته في لبنان، بمعنى "السلبطة" والتسلط واحتقار حريات الناس وكراماتهم والتعامل مع الناس كما لو أنهم قطيع مباح للمسؤولين لهم ان يفعلوا فيه ما يشاؤون، فالبيروقراطية الحاكمة في سلوكها مع المواطن اللبناني نسيت مفهوم القانون ونسيت مفهوم الحرية ونسيت مفهوم الكرامة الانسانية اعتبرت ان كل شيء يمشي بالسوط والكرباج والقوة... إن اللغم الحقيقي لسياستنا السورية هي "القوة" بمعنى اننا باستخدام القوة نفعل ما نريد، في الداخل وفي لبنان.
إن العلاقة بين المجتمعات لا تبنى على مفهوم القوة وإلا رجعنا الى شريعة الغاب، المجتمعات تبنى على مفهوم الحق والقانون، ولا تنشأ دولة إلا دولة القانون وتستقر وتقبل من جانب الافراد وكل المسؤولين.
هذا الشيء لم يتم احترامه، وأنا اقول أن سلوك "السلبطة" للعديد من الافراد الذين لم يكن لديهم شعور بالمسؤولية تجاه بلدهم ولا تجاه مجتمعهم ولا تجاه العلاقة السورية - اللبنانية هو ما خرب العلاقة.
مسؤولية السوريين أنهم كانوا اصحاب جزء كبير من السلطة في لبنان وكانت تدار السياسات بشكل سيء للغاية، لأن المستفيد منها الرؤوس الكبرى وكانت الضحايا دائماً من المواطنين، بالتأكيد هذا لا يبرر العنصرية اللبنانية ولا يجعلنا نتقبلها، وانما يجعلنا نسعى لفتح حوار على مستوى شعبي بين اللبنانيين والسوريين ليس على المستوى الرسمي بين الرؤساء والبرلمانات" حتى بين البرلمانات لا يوجد حوار" نفتح حواراً بين اوساط المثقفين وبين الصحافيين والاكاديميين... بين سوريا ولبنان يجب ان تخلق علاقات مختلفة كلياً عن العلاقات السائدة... علاقات مساواة وتعاون، ان العلاقة الحالية ليست علاقة سياسية بل هي علاقة امنية ويجب اعادة النظر بها، ان الاعتماد الرئيسي لتطوير صيغة العلاقة بين مجتمعين هي علاقات تعاون وتواصل واقتصاد وتفاعل ثقافي وعلمي.
مجمل الامور في الاعوام الاخيرة دفعت اللبنانيين لأن يكونوا معترضين على النظام السوري، وذلك لشعورهم ان هذا النظام لم يعد يخدم مصالحهم.
أنا يهمني كسوري ان يكون لبنان وسوريا متفاهمين ومتحدين لأنهما بالفعل امتداد لبعضهما، لكن هذا لا يعني الاعتداء على استقلال لبنان، إنما بمعنى اننا منطقة اقتصادية وثقافية واجتماعية واحدة.
في الفترة الاخيرة طرح موضوع حوار بين المثقفين السوريين واللبنانيين لكن هذا للأسف لم يحصل، أنا مع حصول حوار وتواصل بين اوساط اجتماعية مختلفة سورية ولبنانية حتى نستطيع سحب فتيل العنصرية السيئة للشعبين.
في اعتقادي ان غالبية المثقفين السوريين يعترفون باستقلال لبنان وسيادته، فنحن لسنا من يمجد النفوذ في البلدان العربية الاخرى ويمجد الاستعمار والتسلط، ولا يوجد سبب يسمح للمثقفين السوريين بأن يترددوا بالاعتراف بسيادة لبنان واستقلاله وسيادته.