المعارضة السورية لم تصنع الثورة وفشلت في قيادتها

2016-10-09 :: الشرق

ترجمة :

في ندوة "الشرق"

أدار الندوة ـ جابر الحرمي .. أعدها للنشر- طه حسين وأحمد البيومي 

 

 حذر الدكتور برهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري السابق، أستاذ علم الاجتماع، من توسع النفوذ الايراني في المنطقة، الذي قد يوصلها الى مشارف المتوسط في ظل التفكك العربي وتخلي العرب عن مشروعهم!! ووجه غليون في ندوة "الشرق" انتقادات للمعارضة السورية، مؤكدا أنها فقدت استقلاليتها وأصبحت واجهة للتحالفات، وليس لديها القدرة على تنظيم نفسها، وفشلت في قيادة الثورة حتى الآن.. مضيفاً: إن قادة الكتائب المقاتلة في الداخل ليس لديهم رؤية وطنية، ولا ثقافة سياسية، مشددا على أن هيكلة الفصائل المقاتلة تحت قيادة واحدة، ضرورة لمواجهة قوات النظام. وأكد غليون أن العرب اليوم يحيون خارج التاريخ، ومشغولون بالتقاتل البيني، بينما تتقاسم المنطقة ثلاث دول هي تركيا وإسرائيل وايران التي قال: إنها الخصم الحقيقي للعرب، وتخوض هجوما استراتيجيا واسعا على كل المشرق العربي، في ظل ضعف الجامعة العربية، وانشغال العرب بأنفسهم، لتجد الخليج نفسه في مواجهة منفردة مع المشروع الايراني، وعلى جبهات متعدة في سوريا واليمن والعراق.

وانتقد غليون تفرد الشيخ معاذ الخطيب بلقاء ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي، مؤكدا أنه كان الأجدر بالخطيب اشتراط لقاء شامل مع الهيئة العليا للمفاوضات (إلا إذا كان الشيخ لا يعترف بالهيئة). وقال: إن من يظن أن روسيا ستصبح حليفة للمعارضة في تنفيذ برنامجها الوطني، فهو واهم، وإن موسكو تستخدم سوريا كورقة ضغط على اوروبا، التي قال: إنهم يتجنبون الدخول لمعركة تجرهم لمواجهة مع الصين، مشيرا الى أن النظام يستمد قوته من تحالف آسيوي ناشئ؛ يضم: روسيا والصين وايران.

وفيما يلي نص اللقاء..

 

* اسمح لنا في البداية سعادةَ الدكتور أن نرحب بك في صحيفتكم "الشرق".. ونحن نتحدث عن الملف السوري المتشابك: إلى أين تتجه الأزمة السورية في ظل التصعيد اللامعقول، واستخدام كافة الأسلحة المحرمة؟

* في الحقيقة أشكر لكم استضافتي في صحيفة "الشرق"، وإن شاء الله تكون بداية لتعاون أكبر. وبالنسبة للوضع في سوريا، فمن الواضح أننا انتقلنا من صراع سياسي من أجل تغيير نظام الحكم، كما حدث في تونس ومصر، إلى صراع إقليمي حقيقي. فإيران رأيت أنها فرصة للتوسع في المنطقة، وتحقيق حلمها بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، وأن تصبح قطبا رئيسيا في المنطقة. وهذا مشروع كبير وقديم بالنسبة للإيرانيين لكي يفرضوا أنفسهم كقوة إقليمية ذات بعد عالمي، تتفاوض باسم الإقليم. وأعتقد أنهم فشلوا في تحقيق ذلك. وهو ما دفعهم للطلب من الروس أن يتدخلوا!! وروسيا هي الأخرى وجدت هذا الملف بمثابة الفرصة الأهم، لإعادة وضع أنفسهم من جديد في إطار النظام العالمي. خاصة وأنهم في صراع حقيقي مع الغربيين في جوانب كثيرة؛ ومنها قصة أوكرانيا والقرم، والدرع الصاروخي، والعقوبات المفروضة عليهم من قبل العديد من العواصم الغربية. وعلى هذا الأساس وجد الروس أن التحالف مع الأسد وإيران فيه فرصة للضغط على الغرب، ليفرضوا عليه تنازلات رئيسية.

 

محور الصراع

* معنى هذا.. هل يمكن القول بأن الملف السوري الآن أصبح ورقة مساومات إقليمية ودولية؟

* أرى أن محور الصراع الآن أصبح روسياً غربياً، فسوريا هي ورقة ضغط بالنسبة للروس. وموطئ إحراج للحكومات الغربية أمام الرأي العام. الغرب في بداية الأزمة كان صارماً للغاية مع الروس، والموقف كان ثابتاً بأن موسكو لن تحصل على شيء، من وراء وقوفها مع الأسد. ولكن الوضع الآن غير ذلك، فالأمريكيون والأوروبيون على استعداد الآن لعمل تسوية حول الأسد مع روسيا. والغرب حالياً أصبح مرنا بصورة كبيرة، والعواصم الغربية لا يهمها كثيراً مصير سوريا، ولكن النقطة الأهم لهم ألا تحصل روسيا على تنازل في أوروبا. فمثلا، نجد أن الروس والأمريكان توصلوا مؤخراً إلى هدنة في حلب، كنوع من التوافق بينهما، ولكن نظام الأسد وإيران، لا يريان ذلك في مصلحتهم، فبشار يريد الاستمرار في الحرب، وإيران تريد فوضى من أجل إحداث تغيير ديمغرافي وسكاني ومذهبي، والحصول على مواقع استراتيجية في المنطقة. ولو استمرت الحرب أكثر فإنهم سوف يسيطرون على مناطق أكثر داخل سوريا. وبالتالي فهم يضغطون على الروس في ألا يكون هناك تسويات، أو توافقات، أو هدنة. والإيرانيون إلى جانب الأسد يسعون دائما إلى تقويض أي اتفاق للهدنة. وهناك تصعيد سوف يمتد خلال الأشهر المقبلة، حتى تأتي إدارة أمريكية جديدة تتفاوض على الملف السوري، ويكون هناك تنازلات تستطيع روسيا الحصول عليها.

 

فقدت استقلاليتها

* ولكن دكتور.. أين موقع المعارضة السورية وسط كل هذه الأحداث؟

* للأسف المعارضة السورية فقدت منذ زمن طويل استقلاليتها، فلم يعد هناك معارضة سورية لديها أجندة وطنية واضحة. بل صارت معارضة ضعيفة ومعزولة عن القوات المقاتلة على الأرض. وهذه القوات هي الأخرى مرتبطة بالدول الممولة لها بالمال والسلاح. وهنا نستطيع القول: إن المعارضة أصبحت واجهة للتحالفات ليس أكثر. وفي نفس الوقت، تمكن الروس من خلق معارضة أخرى، وتنوعت الجهات المعارضة، فنجد منصة موسكو، ومنصة القاهرة، وغيرها من المنصات، وهذا أضعف دور المعارضة. وكان لابد من الجمع بين القيادة السياسية والعسكرية، وأن تكون قيادة تعبر عن الجميع. ولكن المعارضة فشلت في ذلك خلال السنوات الماضية. وربما ذلك يرجع إلى أن المعارضة بنيت بشكل مناطقي من ناحية، وتمويل متعدد من بعض الدول في المنطقة من جهة أخرى. وكل تلك العوامل أضعفت المعارضة. ووصل الأمر إلى أن أصبح الحال، كما نراه وهو دول أخرى تتفاوض، بدلاً من الشعب السوري نفسه.

 

عوامل موضوعية

* عندما نلتقي مع أي معارض سوري، فإنه يتحدث بنفس اللهجة.. والسؤال المهم هو: أين القيادات السورية التي أنت واحد منها؟ لماذا تتركون هذه الحال تستمر؟

* أنا تحدثت عن العوامل الموضوعية التي منعت وجود معارضة منظمة وقوية. وأضيف: إن هناك عوامل ذاتية أيضا. فسوريا خلال الخمسين سنة الماضية، تمنع بها الأحزاب والجمعيات والمحاضرات وممارسة السياسة والعمل المدني. ولم يتمكن أحد من المفكرين والمثقفين من نشر مقالة في أي جريدة داخل سوريا. لدرجة أن السلطات كانت تمنع تجمع 5 أفراد معاً بحسب قانون الطوارئ (الأحكام العرفية). وهذا هو وضع السوريين خلال تلك السنوات الطويلة، فكيف يمكن أن نبني معارضة منظمة وقوية. المعارضة كانت مدفونة تحت الأرض في السجون.

 

افتقاد الخبرة

* ولكن أنتم تتحملون المسؤولية بعد خروج الملايين من الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد، ومع ذلك لم تنجح المعارضة في استقطاب هؤلاء الملايين ضمن إطار سياسي واحد.. والسؤال الآن لماذا فشلتم في ذلك؟

* هذا صحيح، وأسباب ذلك متعددة، فهؤلاء الذين شرعوا في تنظيم صفوف المعارضة، لم يكن لديهم القدر الكافي من الخبرة السياسية والتنظيمية. وخرجت التنظيمات متشعبة ومتعددة في كل مجموعة. وهو ما أضعف التواصل مع الجماهير. والحقيقة فإن المعارضة السورية لم تكن موجودة في الأساس، وهي لم تصنع الثورة أصلاً. الثورة صارت لأن الشعب نزل إلى الشوارع بالملايين، دون وجود أحزاب أو كيانات تنظيمية معارضة. وكان الشعب أوعى من المعارضة. وخطاب الشباب الثوري النقي، كان أذكى وأصح من الرموز، وقيادات المعارضة التي تشكلت لاحقاً. ومن جانب آخر، دبت الخلافات والنزاعات الشخصية في صفوف المعارضة، واستمرت حتى الآن. فمثلاً حتى الآن لم نتوصل لحل مشكلة حسن عبد العظيم، ورياض الترك. وأتصور أن المعارضة أصبحت متحجرة، وليس لديها القدرة على التواصل مع الشعب، وليس لديها القدرة على تنظيم نفسها.

 

داخل وخارج

* وسط هذا الظلام.. كيف يمكن إعادة ضبط العلاقة بين المعارضة في الداخل والخارج، خاصة أن البعض يهتم المعارضة في الخارج، بأنها معارضة متعددة الولاءات، وبأنها تتخذ من الفنادق الخمس نجوم نشاطاً لها، وليس لهم علاقة بأرض الواقع؟

* أود أن أؤكد أن تقسيم المعارضة إلى داخل وخارج، هو في الحقيقة اختراع نظام الأسد، لكن هذا لا ينفي الخلاف بين هيئة التنسيق في الداخل والمعارضة في الخارج التي كانت متمثلة في المجلس الوطني في بداية الثورة. وأعتقد أن الخلاف بين الجبهتين يمكن تفسيره إلى عدم وجود الخبرة كما قلنا. وغياب التفاهم المسبق بين أقطاب المعارضة. ولم تستطع أن ترتقي على مستوى اللحظة التاريخية التي فجرتها الثورة السورية. وفشلت المعارضة في قيادة الثورة، بل على العكس الثورة هي التي تقود المعارضة. فالثورة تتجسد في التنسيقيات الثورية التي خلقها الشباب في كل مكان من الأرض السورية. وأقول إن المعارضة السياسية في الخارج فقط معارضة إعلامية. بينما المعارضة الداخلية الحاملة للسلاح والمقاومة هي المعارضة الحقيقية. ولكن الأزمة في الداخل أنهم لم يتوصلوا إلى عمل جماعي واتحاد يشمل الجميع. فقادة الكتائب قادمون من الثقافة التي خلفتها أنظمة الأسد، فلا يوجد رؤية للقضية الوطنية، وليس لديهم ثقافة سياسية وطنية توجه عملهم. ونجد أن المقاومة صارت أنواعا وأشكالا مختلفة فهناك المقاومة المعتدلة والسلفية الجهادية، والجيش الحر وكل تلك الفصائل مرتبطة بأجندات إقليمية ودولية. يضاف إلى ذلك طول فترة الصراع، وتدخل الأيادي من الخارج. وقد تشكلت قوة مضادة من جيش الأسد والمليشيات العراقية، وحزب الله، وإيران ثم روسيا مؤخرا بما تملكه من ترسانة جبارة.

 

الضباط المنشقون

* لكن كان هناك منشقون من الجيش السوري.. لماذا لم تستفد الثورة من هؤلاء في عمليات القتال؟

* وقت ان كنت بالمجلس الوطني حاولت أن أجذب هؤلاء الضباط المنشقين إلى صفوف الثورة، وكان هناك جزء كبير من المقاتلين يرفضونهم لأنهم كانوا يشكون بهم ويعتقدون بانهم مندسون من قبل مخابرات الأسد. وحاولنا حل تلك الإشكالية واقترحنا أن يكون هؤلاء الضباط مجرد مستشارين. ولكن في النهاية لم تنجح هذه المسألة، لأن هؤلاء الضباط أيضا ليست لديهم روح المبادرة. ولم يقبلوا إلا أن يكونوا قادة، وقلنا لهم نحن في ثورة ولسنا داخل جيش. أضف إلى ذلك أن المشقين في نهاية المطاف من صفوف جيش الأسد التي تعود على غياب الرؤية والتفكير وروح المبادرة.

 

ضغوط إقليمية

* هذا الوضع الذي تشخصه يستدعي مؤتمرا عاما لكافة تلك الفصائل المعارضة للوصول إلى رؤية وبرنامج الحد الأدنى للتعاون والتعامل مع طبيعة المرحلة.. هل تتفق مع ذلك؟

* في الحقيقة بدأنا ذلك في السابق، وانطلقنا من القاهرة في أواخر عام 2012. لكن الضغوط الإقليمية والدولية على المعارضة فتت تلك الجهود. واليوم إذا رتبنا لمؤتمر جماعي بدون رؤية واضحة للخروج من الأزمة، فلن نصل إلى اتفاق. وأستطيع القول إن مؤتمر الرياض الذي نتج عنه هيئة المفاوضات العليا، وخرج منه وثيقة مهمة وجيدة. وكان التمثيل شاملا لأغلب الفصائل المعارضة. والواقع يقول إنه من المهم البحث عن وسائل تنسيق أفضل بين الفصائل المقاومة. وأن يصبح هناك قيادة عسكرية واحدة لكافة تلك الفصائل. وهذه القيادة الجديدة لها إستراتيجية ورؤية عسكرية ووطنية. وأن يكون هناك ارتباط بين ما هو سياسي، وما هو عسكري. وأتصور أن هذه بداية من الممكن أن تكون جيدة وعملية في مستقبل الملف السوري.

 

اهانة للعرب

* هل هذا الواقع يدفعكم للقبول بحكومة انتقالية يكون لبشار الأسد دور فيها؟

* الشعب السوري والمعارضة لن يقبلوا بهذا الأمر مطلقا. لأنه فيه إهانة للعرب والعالم والأمم المتحدة والعدل والحق في فرض بقاء بشار الأسد. فالأسد قتل أكثر من نصف مليون سوري. فكيف يمكن قبوله. والحديث عن تلك الأطروحات يعني قبولنا بمنطق البلطجة والبقاء للأقوى. الروس اسياد الأسد هم أساتذة البلطجة في العالم. الإمبراطورية الروسية القديمة قامت على البلطجة. وأعتقد أن المعركة أكبر من السوريين، فمعركة سوريا تبنى النظام العالمي من جديد. وأظن أننا مقبلون على عصر جديد نشهد فيه أفول نجم الهيمنة الغربية وصعود نجم الصين وروسيا. وسوريا اليوم هي محور الانتقال إلى نظام عالمي جديد، والسوريون مساكين وضعفاء وسط هذا الزخم العالمي.

 

* برأيك ما الذي يترتب على ذلك الوضع؟

* يترتب على ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية لن يكون لها الكلمة الأولى في العالم. فلعقود طويلة اعتبرت واشنطن نفسها مسئولة عن ترتيب الأوضاع في كل مكان من العالم. واليوم نشهد خروج أمريكا من هذا الدور، فعلى ما يبدو الولايات المتحدة ستكتفي بكونها قوة كبيرة عالميا، ولكن لن تنغمس في مشاكل تخص الآخرين. وقد عبر عن ذلك الموقف الرئيس أوباما حينما قال إن على الحلفاء أن يدافعوا عن أنفسهم. وأعتقد أن الصين تنتظر دورها في قيادة العالم، لكنها تستخدم روسيا للوصول إلى هذا الهدف حاليا.

 

الاتجاه للشرق

* هل ترى ان المعارضة بحاجة الى ان تتجه للشرق طالما ان امريكا لم يعد لها الكلمة؟

* موسكو لا تحرص على المعارضة فماذا يفيد طلب التحالف مع شخص يريد ان ينفذ فيك حكم الاعدام؟ لا اقول بعدم التفاوض معهم، لابد من التفاوض معهم لأنهم قوة استعمارية محتلة لسوريا لكن ان تطمح الى ان تكون روسيا حليفة للمعارضة السورية وبرنامجها وللتحول الديمقراطي داخل سوريا فهذا ما لم يحدث. هم حريصون على تثبيت الاسد وتشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها المعتدلون من المعارضة لأن كل المقاتلين ارهابيون بنظرهم وتصورهم الا يحكم السنة وأن يتم ابعاد التيارات الاسلامية فمن المستحيل التفاهم معهم. ولنأخذ نموذج الخليج كم من قائد زار موسكو، من ملوك ورؤساء وامراء وتلقوا وعودا من الروس بتعديل موقفهم والقبول برحيل الاسد فماذا كانت النتيجة؟ لقد شاركنا في جنيف والنظام رافض اي مفاوضات سواء جنيف 1 او جنيف 2 ويتهم الجميع بالعمالة والصهيونية وووو..فلا يمكن ان تخلق من العدو صديقا. وكان الرهان على حمل روسيا على تغيير وجهة نظرها لكن لم يحدث ولم يستطع حلفاء الشعب السوري تقديم شيء يحقق التوازن العسكري، فحلفاء النظام وضعوا المليارات وايران وضعت 100 مليار دولار دعما للنظام بخلاف الميليشيات الطائفية التي تقاتل الى جواره، لكن كل الدعم العربي والاجنبي للمقاتلين لا يساوي 10 % مما وضعه الايرانيون بخلاف السلاح.

 

* ما الحل من وجهة نظرك؟

* هناك شعب لا يزال يقاتل ومقاومة يجب ان تستمر والصمود اليوم كلمة جوهرية مع عدم الاستسلام للعنف الروسي ويجب اعادة هيكلة الفصائل المقاتلة وتكون لها قيادة واحدة ووفق نظام استراتيجي واحد وتتصيد النظام وقواته وتقطع الطرق على قواه مثلما كان يحدث في الماضي.

 

الخصم الحقيقي

* لكن أين الرد الاستراتيجي الذي يواجه استراتيجية النظام الذي يعمل على ربط ساحات النزاع كجبهة متصلة؟

* اليوم ايران الخصم الحقيقي للعرب تخوض هجوما استراتيجيا واسعا على كل المشرق العربي ولا توجد اي مواجهة عربية، فالجامعة العربية ميتة والدول الوحيدة التي تحاول تنظيم دفاعاتها هي دول الخليج وهي لا تستطيع مواجهة هذه التحديات وان تصد بين اليمن والبحرين وسوريا والعراق، فالمشكلة في تنظيم العالم العربي المفكك والمعارضة السورية غير قادرة على الرد على الهجوم الاستراتيجي لدولة مثل ايران مزودة بعقيدة واسلحة وصناعة ودعم روسي ودعم صيني، حيث ارسلت الصين اول حاملة طائرات للبحر المتوسط ويزعمون ارسال 10 الاف جندي صيني ولا يمكن ان يربح السوريون حربا ضد الاسد وضد ايران وضد روسيا وضد الصين.

 

* في هذه الحالة كمفكر وسياسي هل ترى ان المنطقة بصدد خريطة جديدة تضمن تجزئة دولها بما فيها سوريا؟

* هناك امكانية للمقاومة اذا اعدنا هيكلة المقاتلين وغيرنا استراتيجيتنا ووحدنا العالم العربي، وباعتقادي اننا بصدد حرب طويلة المدى ومتعددة الاشكال وهناك تقسيم فعلي قد لا يتبعه تقسيم قانوني ولكن نحن بصدد منطقة اضطرابات وقلاقل وفوضى عشرات السنين اذا لم يستعد العرب المبادرة وينظموا دفاعاتهم ضد الهجوم وضد السيطرة الاقليمية لايران، صحيح المعارضة قصقصت جناحاتهم في سوريا لكن لاتزال لديهم موارد وامكانيات وخلفهم تحالف آسيوي جديد ينشأ هو تحالف روسيا والصين والعالم العربي سيتعرض لضربات موجعة وهزائم حتى يكتشف ان المعركة ليست لنصرة الشعب السوري ولكن المعركة وان اخذت لسوريا فهي على المشرق العربي والخليج بشكل خاص وليست قضية سوريا، فالسوريون يحاربون عن العرب كلهم اليوم وليس عن سوريا واوروبا ادركت ان الحرب اكبر منها وان كانوا مهددين بنتائج الحرب من اللاجئين وغيرهم. فاذا دخلت روسيا والصين سيتم سحق اي قوات غربية تواجههم ولذلك فالغرب يتجنب الدخول فى معركة تجره لمواجهة مع الصين ولذلك تخلى عن الشعب السوري.

 

الخطيب — بوغدانوف

* في ظل هذا التعاظم للمد الروسي حدثت مقاربات من الشيخ معاذ الخطيب وجرى لقاء له مع بوغدانوف هنا في اغسطس الماضي وتتبنى (حركة سوريا الام) فكرة التفاوض مع الروس كيف تقرأ مانتج عن اللقاء؟

* السؤال هو هل رفضت المعارضة ممثلة في هيئة المفاوضات العليا بما لها من شرعية دولية وقوة سياسية هل رفضت ان تفاوض الروس؟ لو كنت مبتدئا سياسيا لفهمت ان الروس يسعون للالتفاف على المعارضة وموقفها الصلب هم يلعبون على تقسيم المعارضة لتهميش الهيئة ولو كنت محل الشيخ معاذ الخطيب لقلت لهم اني على استعداد لمقابلتكم ولكن بوجود رئيس الهيئة العليا للمفاوضات المكلف من كل المعارضة ان يناقش الموضوع ولكن اذا كل معارض فاوض بنفسه فهذا هو الفشل، وكان يفترض بالشيخ الخطيب ان يوجهه للقاء الهيئة العليا للمفاوضات الا اذا كان لا يعترف بها ويعتبرها فاشلة واعتبر نفسه ممثلا عن الشعب السوري فهذا موقف خاطئ وكان يجب اظهار تماسك المعارضة امام الموقف الروسي.

 

* لكن الشيخ معاذ يرى ان الحل كله في جعبة الروس والهيئة ترى التفاوض مع الروس بمنطق مختلف هل الخلاف على اسلوب التفاوض؟

* حتى المعارضة لا يمكن ان تفاوض وحدها فهناك شركاء عرب اقليميون واوروبيون فالمفاوضات شاملة ولا يمكن ان يعتمد احدنا على رصيده الشعبي للقيام بالتفاوض فلن يؤدي ذلك لشيء ولا بد من قواعد للمفاوضات وليس استجداء الروس لأن ذلك ليس نظرة سياسية سليمة.

 

* تركيا ادارت ملف التعاون مع الروس كيف تنظر للتجربة التركية؟

* لا يمكن المقارنة فتركيا وروسيا بينهما مصالح هائلة وتركيا اهم دولة لروسيا في المرحلة الحالية خصوصا بعد ان ساءت العلاقة مع الغرب بعد الانقلاب الفاشل، والاتراك لم يستجدوا لكنهم فاوضوا جديا مع الروس بمنطق المصالح فلم يقدموا تنازلات خطيرة وان قيل انهم قبلوا بنظام يبقى الاسد فيه كمرحلة انتقالية.

 

* لكن ألا يشكل الدخول التركي داعما للمعارضة والثورة السورية؟

* هذا جزء من الرد وإعادة ترتيب الأوراق وأن تكون هناك منطقة آمنة تعيد المعارضة فيها تنظيم صفوفها وتطبق النموذج الذي تتحدث عنه بموافقة الأمريكان والأوروبيين.

 

* لكن ألا يعد ذلك بداية للتقسيم الفعلي لسوريا؟

* لا أتصور ذلك، فالمعارضة موجودة في كل المناطق والنظام السوري محكم ولا يمكن أن يعيد بناء الدولة والمنطقة الآمنة تهدف لمنع تقسيم سوريا وعدم توفير موطئ قدم لحزب العمال الكردستاني.

 

مستقبل داعش

* ما مستقبل داعش والجماعات المتطرفة؟

* جزء من إعادة بناء الإستراتيجية تعزيز التحالف مع الغرب وهمه الرئيسي القضاء على التطرف فالمعارضة يجب أن تعيد المفاوضات مع حلفائها لتكون جزءا أساسيا من التحالف ضد الإرهاب. ولا يوجد خلاف على داعش وضرورة القضاء عليها والصراع هو إقناع جماعات من النصرة ليغيروا برنامجهم ويلتحقوا بمنظمات جهادية مقاتلة ضد النظام وفك الارتباط مع القاعدة كان خطوة أولى يجب أن تتبعها خطوات، وكان يجب إصدار بيان يؤكد أنهم جاءوا لنصرة الشعب السوري ليقرر مصيره ولا نقرر عنه مصيره ولا خياره وليست إقامة دولة أو إمارة إسلامية إذا أرادوا لعب سياسة ولا بد أن يغيروا أيدلوجيتهم القاعدية التي لا تزال قائمة والثورة قائمة ليس من أجل كل من يعن له إقامة إمارة يقيمها. ولكن يجب على الجميع مساعدة الشعب السوري ليقرر مصيره في انتخابات حرة نزيهة تحت رقابة دولية وكل من يرفض ذلك أو يعين نفسه وصيا على الشعب السوري فهو على خطأ وخارج مشروع الثوار.

 

* في ظل هذا التفكك هل يمكن أن نشهد انتهاء شيء اسمه ثورة سورية؟

المعركة أكبر من الثورة السورية المستمرة وسط حروب متوازية والمطلب السوري المتمثل في إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية لم ينته.

 

* لماذا تم إنهاء المجلس الوطني وتشكيل هيئة الائتلاف ثم لماذا أهمل وتم تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات؟

* المسؤول المعارضة والدول الداعمة وأعتقد أن المجلس الوطني بتكوينه كان إطارا مهما وشرعيا ولديه دعم سوري كبير ومشكلته فيما وضعته الأحزاب من لغم قبلته على مضض وهو تغيير الرئيس كل 3 شهور فهذا خلق معارك انتخابية كل 3 شهور فلم يعد الناس يتفرغون لمواجهة النظام وإنما للمعارك الانتخابية.

 

* ولماذا تم إهمال الائتلاف السوري حتى وصل إلى هذه المرحلة؟

* لم يكن إهمالا، ولكن المجلس الوطني هو تجربة مختلفة لأنه كان سوريا خالصا. أما الائتلاف فقد تكون عبر اتفاق دولي. وكان الجميع متوافقا على تشكيل هذا الإطار. ورأيي أن الائتلاف حمل أخطاء المجلس الوطني. علاوة على بعض الأخطاء في تحديد الرئيس ومدة توليه وسلطاته.

 

التنسيق مهم

* وما هو تعليقك على بعض الاتهامات التي تطال جزءا من المعارضة بأنها تعمل لصالح النظام؟

* المسؤول الآن هي هيئة المفاوضات العليا، وبالتأكيد لا أتصور أنها تعمل لصالح النظام.

 

* وبرأيك إذا ما هي أفضل طريقة لتشكيل قيادة وطنية معارضة تنقذ هذا الوضع المتردي؟

* لا توجد طريقة ما، وإنما كلما حسنا وضع المعارضة يكون الوضع أفضل. والتنسيق مهم وضروري بين كافة الأطراف والمؤسسات. ولا يصح أن ينفرد أحد بخطوات معينة. وأنا أميل إلى وجود اجتماع بين هيئة المفاوضات، والائتلاف برغم ضعفه ومشاكله، وبين شخصيات ورموز وطنية من سوريا في الداخل والخارج عندها مصداقية. وأن يصير هناك مشاورات شهرية حول الأوضاع الداخلية والخارجية، والخيارات المطروحة أمام المعارضة.

 

* حقيقة وضع المعارضة هذا مخيف ولو أجريت انتخابات حرة فإن إمكانية فوز النظام واردة في ظل هذا المشهد.. ما هو تعليقك؟

* أعترف أن المعارضة ضعيفة. ولكن لديها حد أدنى من الأخلاق. بينما النظام عصابة حقيقية. والطبقة السياسية الضعيفة أفضل من عصابات المافيا. وأظن أن سوريا تولد من جديد في ظل انتخابات حرة ونزيهة. وما نخسره الآن يرجع لعدم الخبرة والتجربة.

 

خارج التاريخ

* كمفكر وعالم اجتماع سياسي في أي حقبة يحيا العرب اليوم؟

* نحن كنا العرب لنا الكلمة الأولى واليوم نحن خارج اللعبة، فالصراع اليوم بين ثلاث دول، بشكل رئيسي تركيا وإيران وإسرائيل الأقوى من الاثنين وتكسب نفوذا والعرب خارج اللعبة على الصراع الإقليمي. ونحن العرب فشلنا في آن نستثمر نصف القرن الذي تلا الاستقلال لنبني دولا حقيقية وأمضيناها بالتسلط والتقاتل العربي البيني والنزاعات والآن ندفع الثمن فنحن نعيش في القرن الحادي والعشرين على هامش التاريخ فلم نحسن بناء مجتمعاتنا على الأسس التي تعيش عليها المجتمعات الأخرى فاليوم لا يوجد شعب يقوم دون دولة يسودها حكم القانون والمواطنة والمساواة وخلق فرص العمل للشباب والتعليم والتطور التكنولوجي والذي لا يملك هذه الأدوات ساقط من التاريخ فنحن أضعنا أموالنا واستثماراتنا وأوقاتنا وإمكاناتنا ووقع في ذلك كل الأمة العربية ونخبها الحاكمة فنحن ضحايا القرن الحادي والعشرين ونعيش على هامشه.