الرهان دائما على الشعب

2018-11-05 :: الترا صوت

ترجمة :

قد يثار سؤال، لماذا برهان غليون؟ يقدم، المفكر وعالم الاجتماع والمناضل السياسي، عبر هذه المقابلة تبريرًا للإصرار على إشغال وقته بها. وقت غليون العامر بالعمل النقدي والإنتاج الفكري العلمي المحايث لواقع المجتمعات العربية وحقائق احتياجاتها ووقائع مواجهتها مع ظروف عيشها، ماديًا وسياسيًا.

تتنوع تجارب غليون في شجاعة خوض غمار الشأن العام ومغامرات الخوض في القضايا الجمعية بين الممارسة المباشرة والتشخيص والتحليل الفكري المتأني والهادف. كما يشكل المفكر السوري والمناضل العربي برهان غليون حالة من الاستمرارية النضالية يجدر الانتباه لتفاصيل كثيرة تشغلها، بذات القدر الذي يمكن فيه الاستفادة منها. 

  • بعد ما يزيد عن 7 سنواتٍ كانت حصيلتها تجارب مختلفة اختبرها المجتمع السوريّ، هل يرى برهان غليون الآن ثقافة سورية جديدة تكوّنت خلال هذه السنوات؟ كيف تشكّلت، وكيف تقرأ مستقبلها أيضًا؟ وما الجديد الذي طرأ على المجتمع السوريّ ثقافيًا ومعرفيًا؟ ما الثابت والمتحوّل في هذا المجتمع؟

أرى ثقافة قديمة تحطّمت، ثقافة الإذعان والخوف والمسكنة وعبادة القوّة التي نشرها وعمل عليها نصف قرن من حكم غاشم بالمعنى الحرفي للكلمة. تعسّفي ودموي معًا، ومن التهديد الدائم للفرد في حياته وسلامته الجسدية والعقلية، وسياسة الابتزاز بكل شيء ولأي سبب، حتى تحوّل الفرد إلى قزم رخيص في عين نفسه وعين أترابه. إنسان سوريّ جديد في طريقه إلى أن يولد ويترعرع ويخرج من أنقاض المدن والأرياف المدمّرة، وفي مواكبته ملامح ثقافة جديدة متحرِّرة من القيود والاختناقات والأشباح الداخلية التي تسكنها. لكنّ الطريق لا يزال طويلًا كي تصبح هذه البراعم الفتية لثقافة الحرية ثقافة عامة وسائدة.

  • أحدثت ثورات الربيع العربيّ زلزالًا غيّر ونسف الكثير من المفاهيم والأفكار والمعتقدات في المجتمعات العربية. وفي ضوء هذا كلّه، هل لا يزال الرهان قائمًا على الثقافة والمثقف في إحداث التغيير وصناعة والمستقبل؟ وبماذا يرتبط مفهوم الثقافة عند المواطن العربيّ اليوم؟

الرهان لم يكن في أي وقت على المثقّف. كان الرهان دائمًا على الشعب، على العموم. لكن المثقّف لم يكن غائبًا عن الرهان. النخبة الاجتماعية السياسية والثقافية والاقتصادية الحرّة كانت ضعيفة إن لم نقل معدومة الوجود. ولم تستطيع المعارضة ولا التجمعات الثقافية ولا المدارس الفكرية أن تغيّر شيًئا في نظام الطغيان السياسي والديني والاقتصادي والاجتماعي. لم تظهر أي حركة ثقافية منظّمة وفاعلة في المجتمع وإن ظهرت أفكار وشخصيات ولمعات فكرية هنا وهناك. ما كسر جمود الوضع هو الشعب "الأمّي" و"الجاهل". ينبغي أن نعترف أننا، نحن المثقّفين والنخب الاجتماعية عمومًا، خسرنا معركتنا ضدّ الطغيان خلال العقود الطويلة الماضية. وهذا ما حثّ الجمهور على أن يتحرّك ويرمي بنفسه قاتلًا أو مقتولًا في نار الثورة والاحتجاج.

ابن الشعب العادي هو الذي شقّ طريق الحرية، وعلى المثقّف يقع الآن العبء الأكبر والمسؤولية في تعبيد هذا الطريق وإنارته بأفكاره ودفعه نحو المستقبل ببصيرته. لكنني أرى أنّ المثقّفين مازالوا ضائعين أكثر بكثير من أبناء الشعب العاديين، كما ضيعوا في السنوات الثمانية الماضية فرصة أن يكونوا على مستوى كفاح الشعب وعونًا له.

  • في الحديث عن مسألة الديمقراطية، دعنا نبدأ من السؤال عن اللحظة المفصلية أو الموقف الذي شعرت فيه بضرورة اتِّخاذ موقف صريح وجاد حيال غياب الديمقراطية في المجتمعات العربية؟ ولربّما هو الموقف الذي مهّد لولادة "بيان من أجل الديمقراطية" أيضًا. لنتحدّث قليلًا عن هذا الأمر.

أصل كتاب "بيان من اجل الديمقراطية" دراسة طُلبت مني حول مأزق الحركة القومية. وكانت هذه هي الإشكالية الفكرية السياسية التي يتمحور من حولها النقاش في الستينات. ومن التأمّل في فشل هذه الحركة والمصير المؤسي للأمّة العربية أدركت أصل المشكلة أو ما اعتبرتهُ كذلك، وهو انفصام النخبة الاجتماعية والسياسية والثقافية عن الشعب أو الجمهور العام. اكتشفت أنّ هناك عالمين وأمّتين وتاريخين لا يسيران معًا بانسجام وإنّما كلّ واحد منهما يتّجه في عكس اتّجاه الآخر. وقدرت أنّه ما لم ينصب اهتمام النخبة الاجتماعية وتفكيرها على أحوال الشعب، بالمعنى البسيط للكلمة، أي الجمهور الشعبي الواسع الفقير ماديًا وثقافيًا معًا، وعلى الاستثمار فيه، والعمل على تحريره من مخانقه ومثبطاته وعقده والتضحية في تربيته وتثقيفه، لن تشهد المجتمعات العربية غير الإخفاق بعد الإخفاق، ولن يكون هناك أمّة ولا شعب بالمعنى السياسي ولكن حرب أهلية كامنة ودائمة.

فلا تولد أمّة ولا يحصل تقدّم ولا تتطور حضارة وتزدهر مدنية من دون شعب، مثقّف ومهذّب ومتعلّم ومربّى ومنظّم وفخور بذاته، واثق من نفسه ومؤمن بقدراته. والحال أنّ كلّ ما نفذته النخب من سياسات، منذ الاستقلال، جاء عكس ذلك. لقد كان لصالح تطوّر نخبة وتحضرها واحتكارها العلم والمال والجاه، وتقهقر شعب وفقدانه الثقافة والعلم والثقة والأمل والرجاء.

ما حصل كان تدمير أمّة لا بناء دولة-أمّة كما كان يحلم المثقّفون. هذا هو موضوع "كتاب بيان من أجل الديمقراطية" والكتاب الثاني الذي أُلحق به "مجتمع النخبة"، الذي هو في الواقع مكمّل له. ومن التدمير النفسي والفكري والسياسي انتقلنا في حقبتنا الراهنة نحو التدمير الجسدي والمادي، القتل بالجملة، والانتشاء بالانتصار، ليس على الفقر والجهل والمرض، وإنما على الشعب والتعبير عن السعادة بنزوح الملايين عن أرض وطنهم، وتحويل الأوطان، او البلدان المفترض انها كذلك إلى مزارع عبودية خصوصية وخاصة بمن يملك القوة والدعم الأجنبي المسلح.

  • "بيان من أجل الديمقراطية" هو مُنجزك الأوّل الذي تناول قضية الديمقراطية بصورة واسعة. وما يسهل ملاحظتهُ أنّ ما تلاهُ من منجزاتٍ، تناولت جميعها المسائل التي تُعيق تحقيق الديمقراطية، كالطائفية ومسألة الأقليات وغياب الدولة الوطنية وغيرها. هل حدث ذلك من باب الصدفة، أم من اقتناعك المُسبق باستحالة تحقيق الديمقراطية عربيًا دون معالجة هذه القضايا وبلورتها بصورة بعيدة عن الأيديولوجيا؟

ليس صدفةً ولا بتخطيط مُسبق. كلّ فكر ينطلق من مقدّمات ويتطوّر من خلال إشكاليات نظرية يعمل عليها ويدور فيها ويحاول بكلّ مساهمة أن يُضيف إليها كي يجعلها أكثر وضوحًا واكتمالًا وشفافية للجمهور القاري. كتاب من أجل الديمقراطية لم يرسم خط تفكيري العام ولكنه عكس مركز اهتمامي، أي مسالة تحرر المجتمع والمجتمعات العربية عمومًا، في إطار الإشكالية التي شغلت في الستينات عندما بدأت أكتب، الجيل الذي سبقني قليلًا وجيلي، وكانت تتركّز، كما ذكرت من قبل، على مشكلة تشكّل الأمّة وفي الوقت نفسه فشل الحركات القومية التي كانت تعتبر العربة التي تحملنا إليها، وفي موازاتها الهزائم الوطنية الكبرى التي شهدتها هذه المسيرة القومية، وفي مقدمها هزيمة فلسطين 1948 وانتصار الصهيونية، ثم فشل الوحدة العربية ممثلة بالوحدة المصرية السورية وقيام الجمهورية العربية المتحدة في عام 1958، وبعدها في هزيمة حزيران 1967، وفيما بعد الفشل الذريع في الرد على الهزيمة في 1973، ثم سلسلة النكسات الداخلية والخارجية في لبنان وفلسطين وغيرهما، وتفجّر النزاعات الأهلية التي أعقبت الهزائم القومية أو الوطنية.

وهي النكسات الداخلية والخارجية التي سوف تنتهي بانقلاب الدولة، التي راهنت عليها الشعوب لإحداث التقدّم واللحاق بالعصر، على المجتمعات ذاتها، بعد أن تمّ اختطافها من قبل نُخب مارقة ومفترسة، وتحويل تنظيم الحرب السرية والمعلنة ضد الجمهور الشعبي من أجل حرمانه من إمكانية الاحتجاج وخنق روح التحرر عنده في المهد، إلى الأجندة السياسية الوحيدة للطغم الحاكمة في معظم البلاد العربية. مما مهّد لولادة دولة المخابرات وحوّل هذه المؤسسة التي كان دورها تحقيق الأمن الداخلي والخارجي، وحماية حقوق المواطن وأولها حقّه في الحياة، إلى أداة الإرهاب والترويع والتشبيح والاغتيال المنظم للحقوق والحريات والألفة والتضامن، وفي النهاية إلى إلغاء الشعب واستبداله بجماعات من الموالين والمصفقين ولاعقي أحذية رجال السلطة والأمن والمال.

ومن هذا التحوّل الخطير في مهام الدولة، التي أصبحت لا وطنية، ووضعت في خدمة مجموعات اغتصبت السيادة وقررت أن تحلّ محل الشعب وتستملك حقوقه وتحتل أرضه وروحه، ولد كتاب "المحنة العربية: الدولة ضد الامة".

  • الطائفية والانقسامات المذهبية والإرهاب والتشدد وغيرها من الأزمات التي نمرُّ بها الآن. هل ترى في تحقيق الديمقراطية أمرًا كافيًا للخروج منها؟ وبعد ما رأيناهُ من تكتّلات ونزوح نحو الطائفة والتخلّي عن الهوية الوطنية، هل لا يزال بالمقدور اقناع الشعوب العربية بضرورة حدوث التحوّل الديمقراطيّ وبالديمقراطية نفسها أيضًا؟ لا سيما أن التكتّل والالتفاف حول المذهب رسّخ عند شرائح كبيرة من المجتمع فكرة أنّ الديمقراطية التي تقول بحكم الشعب لنفسه بنفسه، تُعادي أو تقف ضدّ فكرة حكم الله، أي الشريعة الإسلامية. وكيف من الممكن إعادة بناء الوعيّ الوطنيّ والديمقراطي عند هذه الشرائح؟

الديمقراطية ليست حلًا لأي مشكلة من المشاكل التي تواجه المجتمعات ولكّنها الإطار التنظيمي الذي يتيح أكثر من غيره التوصل إلى حلول، أوّلًا لأنّه يقوم على التشاور والحوار وتبادل الرأي بين الأفراد، حاكمين ومحكومين فيما بينهم وحاكمين فيما بينهم، أي لأنّه يحكم العقل بدل القوة في مقاربة المشاكل التي تواجه المجتمعات، وثانيًا لأنّه يسمح بالمساءلة والمحاسبة لكلّ صاحب مسؤولية، لأنّ الحاكمين والمحكومين ينظرون إلى بعضهم البعض كأنداد أحرار لا كأسياد من جهة وعبيد من جهةٍ ثانية. وثالثًا لأنّه في الديمقراطية لا أحد فوق أحد، ولا أحد خاضع لأحد أو في ذمّته، وإنّما الجميع متساوون أمام القانون. الخضوع كلّه للقانون، أي للحق، لا للشخص. الرئيس رئيس بالوظيفة وفي المهنة ولكنّه مواطن مثله مثل غيره أمام القانون، والوظيفة التي يقوم بها ليست تاجّا أو دليل تشريف وتكريم وتقديس، وإنّما هي مسؤولية محددة والتزام تجاه المجموع.

الديمقراطية لا تقتصر على الحريات ولا تتطابق معها، الحريات الفردية هي شرط لوجود مواطنة متساوية. من دون الحرية لا سيادة لفرد ولا مساواة. لكن الأهم في الديمقراطية هي سيادة الفرد على نفسه التي لا توجد من دون الحرية. وهذه السيادة لا تعني تحوّل الفرد إلى مواطن مساوٍ في الموقع والمكانة لأي فرد آخر، وإنّما أكثر من ذلك موطن ضمير ومعرفة بالحق والواجب.

الديمقراطية ليست عقيدة ولا فكرة ولا قيمة كالحرية أو السيادة الشخصية، ولكنّها نظام أي نمط تنظيم للمجتمعات وقواعد لبناء علاقات متكافئة ومنتجة ومثرية بين الأفراد، قائمة على المساواة والتفاهم والتعاون والتضامن. وكلّها قيم ضرورية للتقدّم في حل المشكلات التي تواجه المجتمعات: التنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي من دونها لا تعيش جماعة ولا يستمر الانسجام والتضامن لدى أي شعب، وبناء دولة قانونية تضمن العدالة والأمن والاستقرار والمساواة بين الناس، وتعزيز الهوية الوطنية في مواجهة الهويات الجزئية، وتنمية الثقافة وتطوير البحث والتقنية والعلوم.

الديمقراطية لا تحل، بمجرد وجودها، هذه المشكلات ولكنّها تخلق البيئة الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تساعد أكثر على حلها، لأنّها تقوم على تواصل النخب الحاكمة والمسؤولة مع الشعب، وهذا أهم عنصر فيها. وعلى حكم القانون والمؤسسات، حيث تسود قواعد وأصول ثابتة بعيدة عن الشخصنة، تساعد بشكل أفضل على إيجاد حلول للنزاعات والخلافات وتناقض المصالح، مما هو طبيعي في كلّ المجتمعات، بالوسائل السلمية، أي بالحوار والاحتكام للعقل، وتجنيب المجتمعات الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية وعدم الاستقرار، الذي يشكل البيئة الطاردة لأي تراكم علمي أو تقني أو ثقافي، ويُعيد الشعوب إلى حالتها الطبيعية البدائية، أي إلى الاحتكام للعصبية.

لذلك أنا أعتقد، أنّ وجود أو بالأحرى إعادة إحياء العصبيات الطائفية والأقوامية والمناطقية ناجم عن تغلّب منطق النزاعات الداخلية على حياة المجتمعات بسبب غياب التواصل والحوار والوسائل والآليات السلمية لحلّها، أي بسبب غياب الديمقراطية، روحًا وهيكلًا، وأنّ الدخول في منطق الديمقراطية وثقافتها يغير كليًا من مضمون الانتماءات الأهلية المذهبية والأقوامية، ويحوّلها من انتماءات حاملة لمشاريع سلطوية مناقضة للمشاريع المماثلة والمنافسة لها، إلى انتماءات ثقافية تعكس الحميمية الخاصة بالجماعات الأهلية وتضامناتها الداخلية.

بمعنى آخر عندما يتوفّر لدى الأفراد والجماعات الآليات السياسية الطبيعية التي تمكّنهم من حسم نزاعاتهم من دون الحاجة إلى توظيف عقائدهم وأديانهم وثقافتهم، أي كلّ ما هو مقدّس لديهم ويعبّر عن هويتهم في النزاع، يحتفظون بانتماءاتهم الخاصّة لأنفسهم، ويحترمون انتماءات غيرهم المشابهة. وبالعكس عندما لا يجدون في الدولة القائمة الوسيلة لمثل هذه الحلول على أسس مقبولة، أي قانونية، يلجؤون إلى الاستثمار في عصبياتهم الأهلية لتقوية موقفهم وتحشيد رجالهم لتحقيق منافع يعتقدون أنّها من حقهم أو انتزعت منهم عن غير حق.

والواقع أنّ الدولة أخفقت في بلداننا لأنّها بدل أن تحلّ محلّ الجماعات الأهلية والعصبيات الخاصّة في توفير إطار قانوني لحل تناقضات المصالح تحوّلت هي نفسها، على يد نُخب منفصلة عن الشعب ومتناقضة مع مصالحه، إلى أداة لخدمة عصبيات أهلية أخرى، أو تحوّلت إلى عصبية نخبة حاكمة قائمة بذاتها في مواجهة المجتمع ككل، وأصبحت تتلاعب بتناقضاته ومصالحه المتباينة لكسب المزيد من القوّة والنفوذ والاستمرار والمكاسب معًا. هكذا حلَّ منطق العصبية الطائفية في الدولة، بما يعنيه من سيطرة روح العلاقات الشخصية والولاءات الأهلية والتضامنات المصلحية الخاصّة، محلّ منطق القانون الذي يعني الاحتكام لقانون واحد، والمساواة في المعاملة أمامه لجميع الأفراد، والطاعة الذاتية للقانون الذي لا يصبح شرعيًا ومحفزًا على اتباعه إلّا لأنّه مستمد من إرادة الناس الخاضعين له والذين شاركوا جميعًا في صنعه وقبلوه لأنفسهم مرجعًا لسلوكهم ومعيارًا لأفعالهم.

وفي سياق التفكير بمصير الدولة وانحطاط بنيتها من منظّمة سياسية اجتماعية إلى منظمة مافيوية، وظيفتها قمع المجتمع والإيقاع به ونهبهِ وتشغيله لحسابها الخاص، كتبت أيضًا "نظام الطائفية من الدولة إلى القبيلة" عام 1991، والذي صدرت طبعته الجديدة هذا العام 2018 عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

  • نتحدّث عن الشعب والديمقراطية، وبالتالي، كيف تقرأ الفرق بين الديمقراطية والديمقراطية الشعبوية، وتأثير كلّ منهما على المجتمعات العربية؟

أنا أتحدّث عن الديمقراطية كمبدأ لتنظيم الحياة السياسية وقيادة الدولة في المجتمع، قائم على خدمة النخب للشعب والاحتكام له في إنتاج القوانين وتطبيقها، وعن سلطة تداولية لا تكون حكرًا على فرد أو طبقة أو طائفة، وبالتالي عن حياة سياسية تعددية تنشّطها الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية، وإذًا عن أفراد أحرار هم الفاعل الأوّل في تحريك هذا النظام وتسييره وتنشيطه.

فيما وراء ذلك يمكن لتطبيق هذا المبدأ الديمقراطي أن يتّخذ أشكالًا مختلفة وأحيانًا متباينة تمامًا، منها الشعبوية إذا وجد زعيم ملهم، أو فقد الشعب أو معظمه الثقة بالطبقة السياسية المنظّمة فتطلّع إلى "منقذ" من خارجها، أو إلى مهدّم لها. وهناك أنماط مختلفة من الحكم الديمقراطي البرلماني والرئاسي، وهناك ديمقراطية عنصرية، كما كان عليه الحال في حقبة من التاريخ الأمريكي وفي المستعمرات الأفريقية والأسيوية حيث كان مبدأ الديمقراطية لا يطبّق إلا على البيض، وكما هو الحال اليوم في إسرائيل، حيث الديمقراطية اليهودية متعايشة مع حكم الاحتلال والقهر ونزع السيادة والحرية والحق عن الفلسطينيين.

أما في المجتمعات العربية فالمسألة لا تزال مطروحة على مستوى قبول المبدأ ورفضه، ولم نصل بعد إلى مرحلة الانخراط بالفعل في سياسة تحويل ديمقراطي للدولة وللمجتمع معًا. هذه كانت تطلُّعات ثورات 2011، لكن حال دونها "تمسحة" النخب الحاكمة، من تمساح، وتجذّر فصامها عن المجتمع، وتحالف قوى الهيمنة الدولية معها، مما شجّعها على الخوض في دماء مجتمعاتها الثائرة من دون أن تخشى أي انتقاد أو انتقام. أما في تونس التي خرجت فيها جماهير الثورة بخسائر أقلّ نسبيًا من مثيلاتها في الدول العربية الأخرى، فلا تزال التجربة في بداياتها. وكلنا أمل في أن يستمر الزخم الشعبي الذي فجّرها حتى يتم القضاء تدريجيًا على ميول النخب المحلية البنيوي إلى الانفصال عن الجمهور الشعبي والاستقلال بقيادة الدولة حسب أجنداتها الخاصة.

  • ثمّة من يربط فشل التحوّل الديمقراطي عربيًا بالمسألة القومية العربية وفشل العمل القومي العربيّ، أي تحقيق الوحدة العربية. ما رأيك بذلك؟ وكيف تقرأ مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع في ظلّ هذا الفشل في إحداث التحوّل؟

المسألة القومية في البلاد العربية كانت تشكّل جزءًا من المشكلة الديمقراطية. بمعنى أنّك لا تستطيع أن تُحرِّر إرادة المجتمعات وتبني دولًا حرّة من دون أن تُحرِّر البلاد من التبعية وارتهان مصيرها لإرادة أجنبية. الاستقلال شرط لبناء دولة حرة، هذا هو معنى السيادة، تحمي حريات أعضائها. ولا حرية لأحد داخل دولة تابعة أو شبه مستعمرة ومحتلّة من قبل إرادة خارجية. ففاقد الشيء لا يعطيه، سواء عنينا بالخارج إرادة أجنبية أم إرادة محلية لكنّها خارجة على إرادة الشعب والمجتمع ومفروضة عليه بقوة العنف والاحتلال.

وبعكس النظريات العديدة التي ربطت القومية العربية بمسالة الهوية وتحدّثت عن الأصالة والحداثة واستعادة التراث وإحيائه، نظرت أنا دائمًا للحركة القومية العربية كحركة جيوسياسية هدفها توسيع هامش مبادرة المجتمعات العربية تجاه القوى الأجنبية التي بقيت شديدة الوطأة في المنطقة المشرقية، وتعميق التضامن بين شعوبها في وجه النفوذ الاستعماري وشبه الاستعماري المشرش والمزمن، وطرده إن أمكن. الدولة العربية الواحدة، كانت تعني إيجاد شروط أفضل، وربما الشروط الجيوسياسية الضرورية لبناء دولة تملك الحد الأدنى من هامش السيادة الذي يتيح لها أن توفر الحريات الشخصية الأساسية لأعضائها. لذلك كانت الحركة العربية بالجوهر والخطاب حركة ضد النفوذ الاستعماري القاسي والفظ في منطقتنا. ولم يأت إخفاقها من تراجع إيمان الشعوب العربية بها وإنّما تم إسقاطها بشكل منظّم ومكشوف من قبل الدول الاستعمارية، وكان أوّل تجليات هذه العملية العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم قناة السويس 1956 الذي ضمّ كلًا من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل. وتمّ استكمال حلقة استراتيجية الإسقاط هذه في حرب حزيران 1967 ثم حرب 1973 والحروب والمناورات السياسية التي تبعتها وانتهت بإخراج مصر من المعركة التحررية، ودعم الحكم الفاشي في سورية وتأبيد حكم الأسد الذي شكّل بحدّ ذاته انقلابًا على العروبة والتحالف العربي من داخل حزب البعث العروبي ذاته.

في نظري لم تستنفذ أجندة الوحدة العربية، سواء أكانت على شكل قومي او اتّحادي جامع لدول قائمة، وهو الأغلب، لكنّها ستبقى مؤجّلة إلى ما بعد انتزاع الشعوب لحقوقها السيادية واستعادتها سيطرتها على دولها وملكيتها لها. الآن الدول العربية هي آلات تعمل لتأبيد مليكة الطغم الحاكمة على موارد البلاد والمجتمعات. ولذلك اعتبرتُ ولا أزال أنّ معركة الديمقراطية هي مقدمة لتحقيق التقدم في جميع المعارك الأخرى للمجتمعات العربية: انتزاع الاستقلال الوطني والسيادة وحرية القرار، ومعركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والعلمية، ومعركة التحديث الثقافي والإحياء الفكري ومعركة التجديد الديني التي يحول دونها ربط الدين ورجاله بالسلطة المافيوية. وكلّها معارك خسرتها المجتمعات العربية لأنّ النخب الحاكمة ضحّت بها لصالح تأبيدها حكمها واستفرادها بالسلطة واحتكارها عوائد التنمية ودخولها في العهد الاستعماري، القديم والحديث، على حساب بناء العهد الوطني والحكم الشعبي.

  • تُطرح مسألة الديمقراطية اليوم إلى جوار العلمانية، ولا تنفصلان أساسًا عن بعضهما البعض في الطرح والنقاش. هل هذا برأيك ما يدفع البعض للتحفظ ومعاداة الديمقراطية؟ وهل من الممكن أساسًا قيام ديمقراطية دون علمانية؟ وهل ترى مكانًا لهاتين المسألتين، إلى جانب الدولة الوطنية، في المستقبل العربيّ؟

أحد ثمرات الثقافة المبتذلة التي عمَّمها الاستبداد، الذي لم يستمر إلا لجمعه بين الطغيان السياسي والطغيان الديني، هو تفخيخ مفاهيم العلمانية والديمقراطية معًا. هكذا صارت العلمانية تعني لقطاعات واسعة من الرأي العام، المحروم من المعرفة والثقافة والتواصل مع العالم، التخلّي عن الدين أو الإلحاد والتنكّر للقيم والواجبات الدينية، وأصبحت الديمقراطية تعني أيضًا، لارتباطها بفكرة الحرية، الإباحية، أي استباحة القيم والشرائع والمحرّمات الدينية وصرف النظر عنها جميعًا. لقد كان تعميم مثل هذه الأفكار جزءًا من الحرب الإعلامية والسياسية ضد الشعوب لتقسيم صفوفها وحرمانها من الوعي المشترك، وضمان خضوعها وإذعانها. وقد تعاون على تعميم هذه الثقافة رجال دين وظفوا أنفسهم لخدمة المستبد ومثقّفون أو بالأحرى أشباه مثقّفين كسبوا أسماءهم وشهرتهم من التمسّح باعتباب الطغاة والمستبدّين ورجال أمنهم وحماتهم المحليين والأجانب.

تحرير هذين المفهومين، أعني العلمانية والديمقراطية، من الفخ الذي نُصِبَ لهما من داخلهما وفي مفهومهما هي مهمة المثقّفين التحررين، المعنيين بشأن شعوبهم ومستقبلها ومصيرها، بعد تحررهم هم أنفسهم من ثقافة الاستبداد والقطيعة مع الشعب "الأمّي" والجمهور الشعبي البسيط، أي من نخبويتهم التي نُصِبَت فخًا لهم ولفكرهم أيضًا. وهذا ما سوف نشهدهُ في السنوات القادمة بعد انكسار شوكة الاستبداد ووصوله إلى الهاوية وانفضاح مخططاته وشِراكه.

وقد كنت قد ميَّزت في أحد مقالاتي القديمة بين العلمانية والعداء للدين. فلا تعني العلمانية ترك الدين أو العداء له، أو التحرر من قيوده وتعاليمه، إنّها لا تتعلّق بالعبث بضمير الفرد وتغيير قناعاته واعتقاداته، وإلّا فهي ضدّ الديمقراطية وضدّ الحس السليم ذاته، وإنّما هي ُمرتبطة بالدولة وممارستها تِجاه مواطنيها المختلفين في العقائد والمذاهب والرأي. هل تنحاز لصالح فريق منهم أم تنأى بنفسها عن التدخل في الشأن الاعتقادي، وتقصر مهمتها على تحسين وتطوير شروط الحياة الاجتماعية المادية والعلمية التي يستفيد منها جميع الافراد على اختلاف معتقداتهم؟ هل تكون الدولة عنصرية تحابي جماعة ضد أخرى، أو مذهبًا ضد آخر، حتى داخل الدين الواحد، أو قومية واحدة ضد القوميات الأخرى، أم تعامل الناس باعتبارهم مواطنين متساويين بصرف النظر عن انتماءاتهم الأهلية والثقافية والاجتماعية، وتطبق عليهم قانونًا واحدًا بالتساوي؟

ليس هناك اليوم إنسان عاقل يقبل بتبنّي الدولة موقفًا عنصريًا أو منحازًا لفريق اجتماعي دون آخر بسبب دينه أو اعتقاده أو أصله. وقد عانى العرب كثيرًا من النظم العقائدية التي جعلت من المنتمين لحزبها جماعة مفضلة ومميزة عن بقية المواطنين، وكان هذا التمييز أحد أهم أسباب فسادها وانهيارها. العلمانية تتعلّق بموقف الدولة من أعضائها المختلفين بالطبيعة دينيًا وفكريًا وجنسيًا وقوميًا. والدولة العلمانية هي التي تساوي بين مواطنيها في الحقوق والواجبات، وترفض التمييز في الوظائف والمسؤوليات والمراكز الرسمية بينهم. لكنّها تترك لهم الحرية كاملة في ممارسة اعتقاداتهم والسلوك حسب ما يمليه عليهم ضميرهم، بما لا يتجاوز حكم القانون. والمواطنون وحدهم هم الذين يتنافسون على بلورة القانون الذي يضمن مساواتهم وتفاهمهم وتعاونهم ويتيح لجميع الأفراد والجماعات العيش بسلام مع أقرانهم وممارسة شعائرهم وعباداتهم. وتاريخ العرب المسلمين كان دائمًا تاريخ التعايش بين الطوائف والمذاهب والقوميات، ولذلك دخلوا العصر الحديث بعد 14 قرنًا من سيطرة الدين الإسلامي بتعددية مذهبية وقومية لم يكن لها مثيل في الكثير من الدول التي سادها حكم الاضطهاد الديني، بما فيها دول أوروبا ما قبل الحديثة.

  • دعنا ننتقل إلى الحديث عن مسألة القومية العربية. كيف يقرأ برهان غليون اليوم هذه المسألة وينظر لها مقارنةً بما كانت عليه سابقًا؟ ما الثابت والمتغيّر في رؤيتك لها؟ وكيف تقرأ المقولات التي تفيد بأنّ القومية العربية الكلاسيكية عنصرية؟

كما ذكرت في جواب سابق، أنا لا أرى في الحركة القومية العربية التي كانت حركة سياسية وليست دينًا ولا مذهبًا، أجندة متمحورة حول تأكيد الهوية الثقافية أو الدينية، حتى لو جاء التعبير عنها أحيانًا في إطار الاعتزاز بتراث الأجداد، كما هو الحال بالنسبة لجميع الحركات القومية. ولأنّ أجندتها الحقيقية جيوسياسية تطمح إلى تعظيم شروط التحرر من السيطرة الاستعمارية السياسية، من خلال تعزيز التضامن بين الشعوب العربية، وإذا أمكن توحيد صفوفها او على الأقل قلوبها، لم تكن تحمل أي مشاعر أو نظريات عنصرية تجاه الأقوام والقوميات الأخرى. ولن تجد في أدبيات هذه الحركة تبخيسًا بحقّ أي أقلية قومية تعيش على الأرض العربية، بل بالعكس كان عبد الناصر، الرمز الأكبر للحركة القومية العربية مناصرًا للقضية الكردية وصديقًا لزعمائها. ولن تجد نبرة عنصرية في هذه الأدبيات حتى إزاء الشعوب الأوروبية التي كانت تحمل راية العنصرية المكشوفة ضد الشّعوب المتأخّرة أو الملوّنة، بما فيها الشعوب العربية. وحتى فيما يتعلق بالموقف من إسرائيل، حرصت الحركة على التمييز بشكل واضح بين اليهودية والصهيونية، ولم تقبل في أي لحظة الخلط بينهما.

هذا لا يعني أنّه لم تتولّد مشاعر عنصرية أو شبه عنصرية لدى قطاعات من المجتمع أو الرأي العام تجاه هذه القومية أو تلك الأقلية في هذا الظرف او ذاك. لكن ليس لهذه النزوعات العنصرية علاقة بالفكر القومي العربي ولن تجد أي تنظير عنصري فيه. سلوك بعض رجالات البعث تجاه الكرد أو بعض الأقليات الأخرى لا علاقة له بالقومية العربية كحركة سياسية وفكرية. إنّه بالعكس تعبير عن خيانتها دفاعًا عن مصالح نظم تسلّطية لم تعد تستند من أجل بقائها واستمرارها على أي عقيدة أو نظرية سوى استخدام العنف العاري وتسعير العداء بين طوائف المجتمع وجماعاته القومية على مبدأ فرق تسد الاستعماري. هذه ليست ممثلة للقومية العربية ولم تستخدم في خدمه أهدافها الوحدوية. هذه تمثل نقيضها.

  • تُفسّر نهاية القومية العربية بانصراف النخب السياسية وصبّ اهتمامها بالمشاكل التي تخصّ كلّ بلدِ بشكل قُطري. وبالتالي، هل كانت مواقف بعض الدول والنخب في بداية الثورة السورية إشارة إلى أنّ الروح القومية لا تزال حاضرة، وإن بشكلٍ خافت؟ وهل من حدود تفصل بين فكرة القومية العربية والتأطير الأيديولوجي؟

أُعيد التذكير بأنّ القومية العربية حركة سياسية نشأت وازدهرت في الستينات، وخفت صوتها في السبعينات وانتهى تأثيرها، إلّا عبر بقايا بعض أحزابها المتراجعة بل المتهافتة. بمعنى آخر لم تعد هي الحركة المسيطرة لا على الدول والحكومات ولا على الرأي العام العربي. وهي لا تختلط أو لا ينبغي الخلط بينها ومشاعر الانتماء القومي أو الإثني لثقافة وشعب وتاريخ عربي. هذه مشاعر عامة وطبيعية ودائمة، ومستقلّة عن نشوء وزوال الحركة السياسية القومية العربية وتطلعاتها الوحدوية، لأنّها تعبّر عن واقع مادّي مُباشر. ولأنّ النظم التي حلّت محلّ النظم القومية العربية في مصر وسورية والعراق حيث كانت دائرة تجليها الأهم، لم تنجح في بناء هوية وطنية بحدود الدولة الإقليمية، بقيت الهوية السياسية للشعوب التي شهدت الفورة القومية مشوشة وضائعة، تنطوي على شظايا من خطاب القومية العربية الفائت ومركّبات غريبة عجيبة لخطاب النظم الاوليغارشية التي ورثتها، والتي تخشى من تنمية الفكرة الوطنية لتجنّب إعطاء الشعب حقوقه، وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن ترفع شعارات الحركة القومية العربية بينما هي تدين ببقائها إلى دعم الدول الاستعمارية التي واجهت القومية العربية. في هذه الحالة لم تبق هناك هوية واضحة سياسية في أي من هذه البلاد، وعوضت عنها نزعة شوفينينة محلية ترفع من قدر نفسها بالانتقاص من قدر الشعوب العربية المجاورة لها، أو عودة غير معلنة وغير مظفرة للولاءات الأهلية الطائفية والأقوامية والمذهبية والمناطقية.

  • أوّل ما يصادفنا في الحديث عن أزمة الهوية العربية هو مسألة الطائفية. برأيك، هل نحن إزاء حقبة جديدة مشابهة لحقبة حماية الأقليات ما قبل استقلال الدول العربية؟ والدليل ربّما على ذلك سرديات حماية إيران للشيعة، والولايات المتّحدة للأكراد، وبعض الدول للسنّة؟ وكيف تقرأ الهجرة المسيحية المتزايدة إلى الغرب؟ هل هي دليل على استحالة قيام الدولة الوطنية في عالمنا العربيّ؟

هذه جميعًا مظاهر وعوارض لأزمة الهوية السياسية والوطنية في البلدان العربية، خاصّة تلك التي عرفت الحقبة القومية العربية في المشرق العربي بشكل خاص. وكانت هذه الأزمة نفسها قد حلّت ببعض بلدان المغرب في عقود التسعينيات، بعد انهيار تجارب التنمية الوطنية وتعثر بناء هوية وطنية لا يُمكن أن تقوم من دون مشاركة السكّان في الحكم وفي إدارة بلدهم وترسّخ الشعور لديهم بأنّ البلد الذي يعيشون فيه ليس بلدهم وملكهم المشترك فحسب وإنّما هم مسؤولون عنه وعن مستقبله أيضًا. من دون ذلك لا مخرج من أزمة الهوية الوطنية. والعودة إلى الاستثمار في الهويات الطائفية والأقوامية الأثنية هي التعويض الوحيد عن غياب هذه الهوية الوطنية، وليس بديلًا عنها ولا عقبة أمام بنائها. وأوّل من يقوم بهذا الاستثمار هي النخب الحاكمة نفسها للتغطية على فراغ برنامج عملها واللعب على حبال الانقسامات الأهلية وليس جمهور الشعب الفقير المتّهم بالجهل والأمية. من يقف وراء تأجيج الطائفية هم بالعكس الأكثر "ثقافةً" و"وعيًا" و"علمًا" لكنّ الأشدّ قربًا من السلطة وتعلّقا بها، في مجتمعاتنا.

  • في هذا السياق أيضًا، تقول إنّ الهوية التي لا تقود إلى حركة تاريخية ومغامرة حضارية بشرية تتحوّل بسرعة إلى شكلٍ من أشكال الوهم، يُحبط الشعب ويدفعه سريعًا نحو التخلّي عنها والتوجّه نحو خيارات مغايرة. هل هذه المقولة تفسير للتوّجه الحاصل اليوم نحو الطائفة والمذهب أو القومية والتخلّي عن الهوية الوطنية الجامعة؟

نعم. إن فشلنا في استيعاب قيم المدنية والحداثة وفي تلبية الحاجات الأساسية لتحرر شعوبنا وتقدّم بلداننا، وهو ما كانت تطمح إليه حركات النهضة العربية ومنها الحركة القومية العربية في مراحلها المزدهرة، قبل أن ينقلب ورثتها إلى نظم فاشية، هو الذي يفسّر الانكفاء على الهويات الأهلية الوحيدة التي لا يزال لها أثر في الذاكرة والشعور للرد على حاجات التواصل الإنساني والبحث عن الحد الأدنى من الاعتراف وحق الحماية والتكافل بين الأفراد، مما عجزت عن تأمينه الدول المخابراتية والأمنية الراهنة.

  • هناك مقولات تفيد بأنّ الفشل الذي مُنيت به النهضة العربية والحركات الوطنية التحديثية دورًا بارزًا في فشل التحوّل إلى الدولة الوطنية الجامعة. ما رأيك بهذه المقولات؟ وهل فشل النهضة والحداثة يعود إلى مقاومة البنى والقيم التقليدية العربية لها؟ بالإضافة إلى صعوبة الإصلاح السياسي والثقافي؟

نظريتي كما أكدتها في أكثر من دراسة ومقال، أنّ عودة الاهتمام بالبنى والقيم والأعراف والانتماءات القديمة واستعادتها والاستثمار فيها من قبل النُخب المتسلّطة والنُخب المنافسة لها في المعارضة هي نتيجة فشل هذه النُخب نفسها في بناء دولة المواطنة الحديثة لا العكس. وليس من الصعب تبين أسباب هذا الفشل وسياقاته، فهي محفورة في السياسات التي طبقتها هذه النخب من جهة وفي الاستراتيجيات التي مارستها الدول الاستعمارية المهيمنة على منطقة الشرق الأوسط والمشرق بشكل خاص من أجل احتواء حركة التحرر العربي في مختلف أشكالها وتنويعاتها، القومية والديمقراطية والتنموية معًا. وما نعيشه هذه الأيام في سورية وغيرها مثال يفقأ العين عن الصراعات التي أدّت لهذا التحوّل، والتحالفات التي انتهت إليها بين طغم عميلة وتابعة وحكومات غربية لا يهمها سوى الحفاظ على نفوذها ومصالحها وتعظيمها في منطقة ينظر إليها من زاوية ثرواتها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي لا من زاوية شعوبها. بل ضدّ شعوبها.

  • كيف يقرأ  برهان غليون المشاريع الفكرية والمعرفية لكلٍّ من تيار النهضة العربية، والقومية العربية، واليسار، والليبرالية، والإسلامية أيضًا؟ وما الأقرب من بين هذه التيارات، عربيًا، إلى الديمقراطية وبناء الدولة الوطنية؟ وهل انتهت حقًّا أفكار هذه التيارات؟ لا سيما أفكار اليسار "الجمودي"؟

جميع هذه التيارات كانت وبقيت محصورة في نطاق عالم المثقّفين والنُخب المتنافسة على السلطة عمومًا ولم تدخل إلى أوساط الشعب وتصبح جزءًا من تراثه. والمجتمع السياسي لا يزال في هذه المجتمعات قشرة رقيقة تغطي مجتمع مدني وأهلي يعيش في أجوائه الخاصة ويعتاش على أجزاء من التراث وبعض ما تمّ تعميمه من شذرات الحداثة، بالإضافة إلى أنّ مركز انشغاله لا يزال تأمين لقمة العيش. هذه ليست شروطًا تسمح بالنضج السياسي للمجتمع ولا بانعتاق الدولة من الارتباطات والقيود والالتفافات الخاصة من قبل جماعات المصالح أو العصبيات الأهلية من كلّ الأنواع.

 الديمقراطية ليست مرتبطة بالفكر بشكل مجرّد، حتى عندما يتعلق الامر بالليبرالية التي ارتبطت تاريخيًا بالفكر التحرري والديمقراطي. إنّها مرتبطة بالعلاقة بين النخبة والشعب، على مستوى الدولة والمجتمع معًا، أي العلاقة بين حاكمين ومحكومين وبين طبقة اجتماعية سائدة وطبقات شعبية منتجة. في الحالتين لا يزال التطوّر بطيئًا جدًا والتقدّم ملجومًا من الخارج والداخل. طبقة الحكام مسكونة بالخوف من الشعب وجل مشاريعها الآن هو محاصرته بكلّ الوسائل وتفتيت شبكات تضامنه وتواصل أعضائه حتى تحيده تمامًا وتقطع عليه طريق التمرد والاحتجاج.

بينما الطبقات الاجتماعية السائدة تتخذ وضعية طبقة الخاصة القروسطية التي لا ترى في الشعب سوى رعاع ومصدر فوضى وقلاقل وجهل يستحسن تجنبه وعدم الاختلاط به وإن أمكن عزله واعتزاله. لا يهم ما هي الأيديولوجية والقيم الشكلية أو الظاهرية التي تحرّك هؤلاء وأولئك. لكن عمليًا هذه هي أنواع الروابط السائدة في اجتماعنا السياسي الراهن. وهي لا تساعد على التقدم في النضج السياسي لا على صعيد الدولة وعلاقتها بالطبقة الحاكمة ولا على صعيد المجتمع وعلاقة النخبة الاجتماعية بالشعب.

وبالنسبة للأفكار في اعتقادي لم ينته شيء لأنّه لم يستقر شيء بعد. كل شيء قابل للتحريف والتحوير والموت والعودة إلى الحياة بين الأفكار والتيارات التي ذكرت. نحن نتخبط كمجتمعات في لجة بحر مضطرب وهائج وكل قابل للتحول والانقلاب.

  • لنتوّجه إلى الدين، وتحديدًا إلى مصطلح "الفكر الديني"، كيف تقرأه، أو كيف من الممكن تعريفه؟ وكيف تنظر إلى ما يُنجز في هذا الحقل، وانعكاسه على المجتمعات العربية ومسائل كالديمقراطية والطائفية وغيرها؟

الفكر الديني هو أفضل مثال على هذا التخبّط الذي نعيشه، على مستوى الفكر والممارسة الاجتماعيين معًا. فقد تمزّقت عراه وتعدَّدت مرجعياته وتأويلاته حتى صار كلّ رجل دين كنيسة قائمة بذاتها ومرشدًا لجماعة قد لا تتجاوز أصابع اليد. في الصوفية مدارس وفي الجهادية مدارس وفي الاعتدال مدارس ولا شيء يجمع بينها ولا علاقة لأفكار أي منها وتأويلاتها بالأخرى. صار الدين بفضل الفكر الديني المندرج في إطار الصراع على السلطة والفاقد لاستقلاليته والمحور عن هدفه وميدان عمله أديانًا لا تحصى ولم يعد فكراً ولكنّه تحوّل إلى أهواء تتغير بتغير الداعي والمبشر والمروج وتتنازع بمقدار ابتعادها جميعًا عن أصل الدين.

المراجعات التي جرت في إطار الفكر الإسلامي أو ما يمكن أن نسمّيه كذلك جلّها مراجعات مركنتيلية، صيغت لأغراض سياسية أو شبه سياسية وفي إطار النزاع على مكاسب ومصالح مادية. ليس منها من جسد إعادة مركزة الدين حول محوره الأصلي، بناء وعي الانسان الفرد وضميره، أي حول الانسان. وهو كان في أصل الانقلاب الحضاري التاريخي منذ بداية نقد الدين الكنسي أو دين سلطة الكنيسة في القرون الوسطى. فكرنا الديني لا يزال في الإسلام للأسف فكر دين السلطة سواء تجسدت السلطة في تكريس هيمنة الهيئة الدينية الحاكمة وسيطرة رجالها واحتكارها القول وتحكّمها بضمير المؤمن أو في سلطة الحاكم المستبد والدولة. بدل أن ندمر الكنيسة التي لم تكن من تقاليد الفكر الديني عندنا حولنا الدولة إلى كنيسة ورجال الدين إلى كهنة في خدمتها، وصار رئيس الدولة الصنم المقدس المعبود من قبل الجميع. وبمقدار ما هو مقدس أصبح قدرًا وأبدًا وسلطانًا على العالم. قال أحد نواب مجلس الشعب للأسد يمدح خطابه في الأشهر الأولى من ثورة الشعب أنت ينبغي أن تحكم العالم ولا يليق بك حكم الشعب السوري ولا العربي وحده. العالم والأبدية معًا، أي ملء الأرض والسموات.

أسباب هذا الإخفاق الكامل في إنجاز الثورة الفكرية الدينية هو تطليقنا السياسة كحقل نشاط تنظيمي عمومي حل محل التنظيمات القهرية والدينية أو الكنسية التقليدية. ففي المجتمعات الحديثة قامت المدنية وتطورت الحضارة، وعم الاستقرار وتراكم المعرفة والثروة المادية والمعنوية والرمزية، على تطوير حقل السياسة وتحويله إلى مجال اختيار وحرية وتداول للسلطة المادية والرمزية، وبديلًا عن سياسة القوة والقهر والتهديد والابتزاز الذي يلغي الديناميات الفكرية والعقلية الإبداعية. وعليه بني السلام الاجتماعي الطويل المدى الذي لا غنى عنه لحصول الاستثمارات الكبرى في الانسان والآلة والأرض، وتطوّر القوى الإنتاجية. وكلّ النشاطات المتعلّقة بتنظيم الحقل العام وما هو مشترك أصبحت تجري في ميدان السياسية وتعتمد عليها. وتحوّل مركز تنظيم الحياة العمومية ومرجعها من الكنيسة ورجالاتها إلى الدولة الدستورية بقوانينها وتشريعاتها المستمدّة من الإرادة الشعبية التي تعبّر عن نفسها عبر ممثليها المنتخبين بصورة دورية وشفافة. ولم تستقر هذه المجتمعات وتنجح في السيطرة على نفسها وحل نزاعاتها الداخلية والخروج من حقب التمرد والانتفاضات والثورات المدمرة إلا عندما نجحت في تحويل السياسة إلى الإطار الرئيسي لتنظيم العلاقات الاجتماعية ومسألة السلطة وحولت السياسة إلى نشاط وطني أي شعبي وعمومي.

في المجتمعات التقليدية القروسطية كان إطار تنظيم المجتمعات ومرجعيتها الدين. الكنيسة في الشرق والخلافة أو السلطنة المتسلّحة بالدين وحاميته والمحتمية به أو ما شابهها في الشرق الإسلامي. صلاح السلطان كان من صلاح دين المتسلّط، حتى لو جاءت سلطته عن طريق الاستيلاء والقوة.

وفي حالات تفجر أزمة السلطة وسياسة الدولة او الدين، تؤول السلطة التنظيمية بأكملها إلى الحرس الملكي أو الجمهوري أو القوة العسكرية.

أما في مجتمعاتنا الراهنة أول ما تم القضاء عليه هو نصاب السياسة أو مقامها لأنها تفتح الباب أمام الشعب وبالتالي أمام التغيير والتداول والمساءلة والمحاسبة، وهي العناصر التي سمحت للسياسة في الدول الحديثة ان تكون أداة وقناة التقدم والتطوّر والتجديد. ولم يبق إذًا من ناظم لهذه المجتمعات سوى دولة القوة والقهر، أي العنف المتجسد في القمع وأجهزته المتعددة والمتقاطعة، والتلاعب بعواطف الشعب وتقسيماته الأفقية والعمودية لتحييده وحرمانه من المشاركة في ضغط على السلطة أو قرار.

وأكثر فأكثر تتخذ المعارضة للنظام شكل مواجهة سياسة القوة والقهر بالدين، وإحلاله كمصدر لضمان العدل والحرية والمساواة بدل السياسة التي تحولت إلى مصدر للتمييز والقهر والاستعباد.

وينطبق علينا قول الشاعر المتنبي: ووضع الندى في موضع السيف بالوغى       

 مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى.

الدين الذي يثري حياة المجتمعات وينظم مجال العاطفة والإيمان والضمير يبطل السياسة ويفسدها والسياسة القائمة على العنف والقهر والقوة لا تترك للمجتمع خيارًا للحفاظ على بقائه واتّساقه وتعاونه غير الدين. وهكذا فقدنا الدولة والدين. وأصبحنا عارين إلّا من أسمال أهوائنا العاتية. حكم الشهوة والهوى هو ما ينطبق علينا اليوم، لا سياسة ولا دين.

حوار مصطفى ديب

٥ نوفمبر تشرين الثاني ٢٠١٨a

https://www.ultrasawt.com/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86-%D8%BA%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86-%D8%AF%D8%A7%D8%A6%D9%85%D9%8B%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%AF%D9%8A%D8%A8/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%AA%D8%B5%D9%84/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9