موقع قنطرة: الديمقراطية العربية المنتظرة لم تولد بعد

2005-07-11 :: موقع قنطرة

ترجمة :

 صالح دياب - موقع قنطرة

المفكر برهان غليون مدير مركز دراسات الشرق المعاصر وأستاذ علم الاجتماع في جامعة السوربون في باريس، يتحدث لقنطرة عن الإصلاحات السياسية، والتطورات الديمقراطية في العالم العربي،ومستقبل الإصلاحات والديمقراطية في سوريا.

 

* باكرا كتبت عن الديمقراطية وبشرت بها. بعد كل هذه السنوات من كتابك "بيان من أجل الديمقراطية". هل ترى أن شيئا ما قد تغير وتحقق ناحية السير نحو الديمقراطية في العالم العربي؟

* بالتأكيد لا يستطيع أحد أن ينكر اليوم أن ثغرة إن لم نقل ثغرات عديدة قد فتحت في نظام السيطرة الأحادية والحكم الاستبدادي في العالم العربي، بالرغم من أن نمط هذا الحكم لايزال سائدا في كل مكان هنا.

بل يمكن القول إن الأسس الايديولوجية لهذا الحكم قد تحطمت تماما بما في ذلك عند قسم كبير من التيار الاسلامي، باستثناء التيارات الجهادية التي تقتصر بطبيعة نشاطها على أقلية منظمة وسرية.

فالتحول نحو أنظمة ديمقراطية هو اليوم شعار مشترك بين جميع التنظيمات السياسية العلنية وهيئات المجتمع المدني والمثقفين على اتساع الأرض العربية. لكن حتى على المستوى السياسي فقد نظام الحكم الاستبدادي مرتكزاته الرئيسية فلم يعد يتمتع بأي صدقية بعد أن أبرزت المعارضة الديمقراطية ضآلة النتائج التي تحققت على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية واستفحال الفوضى والفساد وانعدام المسؤولية لدى النخب الحاكمة.

وبالرغم من أن هذه النظم لا تزال قادرة على المقاومة بسبب قوة الأجهزة الأمنية وعطالة المجتمعات إلا أنها فقدت تماما الشرعية وانتهى زمنها. الكل يفكر بالتغيير وينتظره بما في ذلك النخب الحاكمة نفسها. والحديث لا يدور في الداخل والخارج إلا عن طبيعة القوى التي ستقوم بانجاز مهام التغيير وبلورة صيغة النظام القادم.

لذلك أعتقد أن مسألة التغيير الديمقراطي قد تقدمت كثيرا حتى لو أن الديمقراطية العربية المنتظرة لم تولد بعد. وهذا التقدم قائم بالضبط في تحقيق ما أطلقت عليه أنا مرحلة تفكيك نظام الاستبداد القائم الذي يشكل خطوة سابقة على بناء الديمقراطية وشرط له.


* الاسلاميون لا يتقبلون الديمقراطية بنموذجها الغربي والأحزاب الحاكمة تدعى أن هناك خصوصيات للمجتمعات العربية والإسلامية يجب الأخذ بها. كيف يمكن أن تتقدم الدول العربية نحو الديمقراطية أمام هذه العوائق المجتمعية والسياسية؟

* كل هذا كلام سطحي نابع إما عن ضعف المعرفة بمنظومة الديمقراطية الفكرية والسياسية أو عن البحث عن ذرائع سهلة لتأجيل الاستحقاقات التاريخية. وكما بينت الاستقصاءات السياسية، نسبة المؤدين للديمقراطية والمؤمنين بنظامها هي الأعلى اليوم في العالم العربي من كل بقاع العالم الأخرى.

والسبب في ذلك أن شعوبه لا تزال محرومة منها منذ عقود طويلة. ونحن نشهد اليوم بالعكس أن قسما كبيرا من الاسلاميين يسعى إلى تكييف أطروحاته مع الفكرة الديمقراطية كما أن النخب الحاكمة تجنح بشكل أقل اليوم تحت تأثير الضغوط الداخلية والخارجية إلى الحديث عن الخصوصية.

إنها تميل إلى الحديث عن التدرج في الوصول إلى نموذج الديمقراطية. ليس هناك في رأيي رفض ولا عائق ايديولوجي أمام الديمقراطية. المشكلة هي في بناء قوى التغيير الديمقراطي بعد ما يقارب النصف قرن من الاجتياح الاستبدادي للمجتمعات وتكسير بناها الفكرية والسياسية والمدنية معا. هذا هو التحدي الحقيقي لحركة التغيير الديمقراطي الناضج من الناحية الأيديولوجية.

 

* تبدو الطائفية أحد الركائز الأساسية التي تنبني عليها كثير من الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية في العالم العربي. مع ذلك لا نجد أحدا من دعاة الإصلاح والديمقراطية يتحدث عن ذلك. باستثناء العراق. ما هو السبب برأيك ؟

* الطائفية كانت دائما موجودة في المجتمعات العربية وستظل موجودة في المستقبل وهي موجودة أيضا في بلدان عديدة تعيش في ظل نظم ديمقراطية. وليست هي التي تشكل العقبة أمام تقدم قضية التحويل الديمقراطي.

إنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح الإطار الوحيد للتضامن بين الأفراد ويتغلب الانتماء للطائفة أو العشيرة على الانتماء للجماعة الوطنية. ولا يحصل ذلك إلا عندما ينهار إطار التضامن الوطني الذي يجمع الأفراد على صعيد أعلى وأشمل وتزول فعالية الرابطة الوطنية وهو نتيجة مصادرة فريق واحد للدولة وللسلطة الوطنية ووضعهما في خدمة مصالحه الخاصة.

وهكذا تكف الدولة عن أن تلعب دور الحاضنة العامة لجميع الأفراد بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الطائفية. ولذلك يكفي أن نعيد إلى الدولة طابعها الوطني أي العمومي حتى يتراجع الانتماء الطائفي إلى الدرجة الثانية ولا يصبح هناك تناقض عدائي بين الرابطة الوطنية والرابطة الطائفية أو الإثنية.

وأنا أعتقد أيضا أن التركيز على المسألة الطائفية لا يفيد كثيرا في فهم تراجع الحقيقة الوطنية ولكنه يزيد من تأزم الأوضاع. إن التركيز ينبغي أن يكون على عملية تدمير الدولة وتحويلها إلى أداة لخدمة المصالح الخصوصية لأن استرجاع فكرة الدولة وموقعها في الحياة الوطنية هو المهم للخروج من الاستبداد والطائفية المرتبطة به في الوقت نفسه.


* الدعوات الى الديمقراطية تترافق مع الدعوات الى الليبرالية .هل ترى أن هذا التداخل يساعد أم يعرقل هذه الدعوات في العالم العربي؟

* كما ذكرت في مقال حديث لي، من الطبيعي أن تترافق الدعوة إلى الديمقراطية بعودة الفكرة الليبرالية التي تبدو فكرة نقيض وبديل في الوقت نفسه عن العقائديات الشمولية التي سيطرت في الحقبة السابقة باسم القومية أو الاشتراكية أو الدولة الاسلامية.

ولذلك هناك نزعة قوية لدى المثقفين إلى التماهي مع الليبرالية بالمعنى التحرري الإنساني. فهي ليست مستخدمة هنا بما يدل على الأخذ ببرنامج الليبرالية الجديدة الاقتصادي والاجتماعي.

ولذلك أرى من الضروري هنا حتى لا تبقى الديمقراطية محصورة بالسياسات الليبرالية ورهينة لها وكذلك حتى لا يستحوذ عليها فريق واحد ويحرم الآخرين من حقهم في الانتماء المتساوي لها، أقول أرى من الضروري أن يتم التفريق بين الديمقراطية والليبرالية، أي بين الديمقراطية كنظام سياسي وبين البرامج الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يمكن لكل تيار فكري واجتماعي أن يصوغها للتعبير عن مصالحه ومواقفه.

فلا أستبعد أن يكون هناك ديمقراطية اجتماعية يركز برنامج القائلين بها بشكل أكبر على قضايا العدالة الاجتماعية ومعالجة مشاكل الفقر والبطالة وديمقراطية ليبرالية يتطابق برنامجها مع برنامج النيوليبرالية العالمية التي تعطي الأولوية لمنطق الاقتصاد والتنمية ودفع الاستثمار على أساس اقتصاد السوق وتوسيع دائرة التبادل في إطار السوق العالمية.

ولماذا لا، ديمقراطية إسلامية، قريبة في مفهومها من الديمقراطية المسيحية التي عرفتها أوروبة بعد الحرب الثانية والتي تتميز بحساسية خاصة تجاه القيم والمعايير الأخلاقية والدينية لكن في إطار احترام قواعد السياسة والعمل الديمقراطيين.

بهذا المعنى عدم مطابقة الديمقراطية مع الليبرالية هو ضمانة لتحويلها إلى فكرة جامعة لا تقتصر على تيار ايديولوجي واحد وإنما تنفتح على جميع أولئك الذين يرفضون الشمولية ويقبلون بالتعددية والاحتكام إلى الرأي العام عبر انتخابات دورية.

 

* الأحزاب العربية الحاكمة شكلية وواجهة لحكم البوليس والأمن. في هذا الوضع كيف للديمقراطية أن تشق طريقها مقابل عنف الدولة في العالم العربي؟

* عندما يتبلور الرأي العام فعلا وينتظم وراء فكرة جامعة، وهي هنا فكرة العودة للنظام الديمقراطي والخروج من الديكتاتورية، لن تستطيع أجهزة الأمن أن تفعل شيئا. هذا ما حصل في العقود الماضية في كل دول أوربة الشرقية وما حصل منذ قليل في لبنان عندما نزل الشعب إلى ساحة الشهداء في 14 آذار 2005 بالملايين قبل أن تنتزع الزعامات الطائفية المبادرة من جديد. لكن حركة المجتمع هي التي تسببت في انهيار النظام الأمني القائم.

 

* الإصلاح ومحاربة الفساد شعارات ترفعها الأحزاب الحاكمة كما ترفعها المعارضة أيضا.هل توضح لنا عن هذا الأمر؟ ولماذا هذا الالتحاق من قبل السلطة بشعارات المعارضة في البلدان العربية؟

* لأن السلطة لم تعد قادرة على إنكار الحصيلة السلبية وأحيانا الكارثية لإدارتها وحكمها غير الصالح في العقود الماضية. فهي بتبنيها شعار الاصلاح تريد أن تظهر أنها أخذت علما بالأمر وسوف تسعى إلى تجاوز أخطاء الماضي، وهو ما يبرر لها، في نظر أصحابها طبعا، المطالبة بتمديد فترة حكمها وعدم طرح مسألة التغيير كتغيير للحكم والنظام وإنما فقط كتغيير للسياسة القائمة وفي مقدمها تبني اقتصاد السوق. بذلك تحاول النظم القائمة أن تحافظ على نفسها وتخدع الرأي العام.


* بعد سنوات من دعوات الإصلاح من قبل المثقفين السوريين ومنظمات حقوق الإنسان, بعد تولي بشار الأسد السلطة في سوريا، ودعواته هو أيضا من أجل التغيير.إلا أن ما تحقق على الأرض يكاد لا يرى .هل ما زال بالإمكان استمرار التعويل على السلطة بعد كل ردود فعلها؟

* بالفعل أخفق المثقفون في إقناع السلطة السورية بضرورة الاصلاح الحقيقي. وهو ما يشكل اليوم تحديا كبيرا للمعارضة بجميع أجنحتها من مثقفين وهيئات مدنية وأحزاب سياسية. فعندما ترفض السلطة استراتيجة الحوار من أجل تفكيك التوترات الاجتماعية والرد على المطالب المتصاعدة، يخشى أن يقود ذلك إلى تبني تيارات عديدة، بسبب فراغ الصبر أو عدم احتمال الأوضاع، إلى العودة إلى استراتيجيات العنف أو حتى اللقاء مع الأجنبي.

وهذا ما لا يبدو أن السلطة في سورية وعته أو أخذته بالاعتبار مستندة على أن المعارضة السورية في غالبيتها وطنية وشريفة. وهو ما يعني أنها تكافؤها على وطنيتها وشرفها بسحب البساط من تحت أقدامها وإظهارها أمام الرأي العام بأنها عاجزة لصالح القوى المتطرفة المنادية بوقف الحوار والتعاون مع الأجنبي.

ولعلها تريد من ذلك أن تدفع قصدا نحو التطرف حتى تحتفظ لنفسها وحدها بصفة الوطنية والعقلانية أمام القوى الأجنبية التي تطلب منها استمرار اعتمادها. ولله في خلقه شؤون.

 

* تسعى بعض الأحزاب الشمولية الى أن تتحول الى أحزاب تعددية ديمقراطية. هل الأمر يتجاوز الحدود الشكلية ؟

*  نعم أعتقد أن أحزابا قومية ويسارية وإسلامية عديدة أدركت اليوم في ضوء التجربة التاريخية العامة وأمام الفشل المتكرر الذي واجهته هي نفسها أن الديمقراطية يمكن أن تكون المخرج الوحيد لها من العزلة والمأزق العميق الذي تعيش فيه ومن الاحباط الذي يعاني منه أعضاؤها أنفسهم.

ولذلك فهي تميل إلى تبني الصيغة الديمقراطية. إنها تحاول بالتأكيد المساومة على بعض قيمها التي تجد صعوبة في التكيف معها، لكنها تقبل في الدخول عموما في منطق التعددية والقبول بقواعدها. وهذا تقدم مهم لمسألة الديمقراطية العربية.

ولا ينبغي أن نحلم أن المجتمعات تدخل الديمقراطية من باب الايمان الكامل والمطلق لجميع الأطراف وبكامل القيم والقواعد الديمقراطية. على الديمقراطيين الحقيقيين أن يستفيدوا من هذا الميل الذي يعكس انهيار الفكرة الديكتاتورية أو على الأقل زوال جاذبيتها ليرسخوا أسس الديمقراطية وليدفعوا الأطراف الداخلة فيها خجلا أو هربا من أزمتها الخاصة إلى الانخراط الجدي والنهائي فيها. وليس هناك ما يمنع ذلك أبدا لا فكريا ولا دينيا ولا سياسيا ولا اجتماعيا.

 

* انتهاج طريق الإصلاح الاقتصادي بمعزل عن الإصلاح السياسي دعوة يطلقها النظام الحاكم في سوريا. هل يمكن لهذا الأمر، يحصل برأيك ؟أم أنه نوع من محاولة للالتفاف على الإصلاح الحقيقي؟

*  لو كانت المشكلة نابعة من سوء الإدارة أو السياسة الاقتصادية في حين أن النظام الاجتماعي السياسي لا يزال صالحا وفعالا على المستويات الأخرى لكان هناك معنى للحديث عن إصلاح إقتصادي مستقل عن الاصلاح السياسي.

لكن في سورية كما هو الحال في معظم البلاد العربية ينبع سوء السياسات الاقتصادية وضعف الأداء من طبيعة النظام السياسي نفسه، أي من وجود سلطات تمدد لنفسها تلقائيا ولا تقبل بالاستشارة الشعبية والانتخابات وتخضع جميع السلطات لحزب واحد أو لشخص واحد مطلق الصلاحية كما يتم فيها احتلال مناصب المسؤولية على جميع المستويات حسب الولاءات السياسية أو العائلية بدل الكفاءة المهنية والأهلية الأخلاقية.

لذلك لا يمكن إصلاح الأداء الاقتصادي من دون تغيير قواعد العمل السياسي وأسلوب ممارسة السلطة وتوزيع المسؤوليات العمومية وتعيين القائمين عليها. وهذا هو جوهر النظام السياسي. هنا تكمن المشكلة الحقيقية.

 


المفكر برهان غليون مدير مركز دراسات الشرق المعاصر وأستاذ علم الاجتماع في جامعة السوربون في باريس، أحد الذين كتبوا ودعوا باكرا الى خيار النظام الديمقراطي كمخرج وحيد للأوضاع السياسية والاقتصادية التي يعيشها البلدان العربية.