الحداثة الرثة أنتجت من القهر أكثر مما أطلقت من الحريات

2006-04-21 :: الحياة

ترجمة :

ابراهيم العريس - الحياة

 

"الحياة" تحاور الفكر العربي: أين نحن في العالم؟ متى ينتهي الانحدار؟ أي دور للمثقف؟ ... برهان غليون: حداثتنا الرثة تنتج قهراً وعنفاً واستبداداً أكثر من انتاجها حرية فكرية وعملية .

منذ «بيان من أجل الديموقراطية»، وحتى اليوم حيث هو بالتأكيد واحد من قلة من مفكرين عقلانيين يظهرون على الشاشات الصغيرة معلقين على بعض الأحداث المهمة محللين لها، داعين الى تغييرات شاملة في المجتمعات العربية تلائمها، يعتبر الدكتور برهان غليون صوتاً متفرداً في الفكر العربي الحديث. الأكيد ان هذا التفرد وليد تجربة سياسية مبكرة في بلده، سورية، استبقت تجربته في باريس، حيث درس ثم علّم، ولا يزال مقيماً فيها منذ ثلث قرن. برهان غليون اليوم، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة السوربون، لكن نطاق همه يتجاوز هذا الموقع الجامعي – على أهميته – بكثير، لأنه منذ بداية سطوع اسمه في عالم الفكر العربي، لم يكتفِ بالعمل النظري في مجال تاريخ الأفكار، بل تجاوز ذلك الى الفعل العملي، محاضراً خطيباً ومشاركاً في السجالات كافة.
فإذا أضيفت كتبه ودراساته الكثيرة، التي قرئت من النخبة العربية وجمهورها على نطاق واسع، وهي في معظمها كتابات سجالية تنظر الى الواقع وما سبقه بعين نقدية تنويرية ونهضوية، ندرك المكانة التي يحتلها غليون على خريطة الفكر العربي.
ومن أبرز هذه الكتب الى «بيان من أجل الديموقراطية»، «اغتيال العقل» و «الاسلام والسياسة: الحداثة المغدورة». ولعل في إمكان المرء أن يفهم موقف برهان غليون من دور المثقف، أو المفكر، من خلال تأكيده في هذا الحوار ان «الفكر لا يلعب دوراً، بل ان المفكر هو من يلعب الدور، مقترباً في هذا من الوظيفة التي يسندها غرامشي الى المثقف بصفته «مثقفاً عضــوياً».
والحوار الآتي الذي أجري مع برهان غليون في باريس، هو حلقة في سلسلة الحوارات التي تجريها «الحياة» مع عدد من المفكرين العرب، طارحة عليهم اسئلة ملحة، شائكة أحياناً، حول الخريطة الفكرية العربية الراهنة، ونظرة المفكر العربي الى ما يحدث، وربما الى ما سيحدث أيضاً، من خلال مفاهيم وقضايا مثل الحداثة والأصالة والعلم والايديولوجيا والإرهاب... وغيرها من أمور تشكل جوهر الهموم الفكرية العربية اليوم، إن لم نقل جوهر الهموم الشعبية والاجتماعية عموماً.
 

* برهان غليون، أنت بصفتك مهتماً منذ ثلاثة عقود على الأقل بأوضاع المجتمعات العربية وعلاقتها مع العقل كيف تشخص حال هذه البلدان وشعوبها اليوم، من وجهة علم الاجتماع او علم السياسة او التاريخ مثلاً؟
فرضت الحداثة، التي انبثقت في بعض المجتمعات الاوروبية نتيجة تراكمات حضارية متعددة ومتضافرة منظومات مجتمعية، اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وتقنية وعلمية، مغايرة بشدة لتلك المنظومات التي سيطرت على مجتمعات القرون الوسطى في العالم أجمع. ومنذ القرن التاسع عشر أصبح الاندراج في التاريخية الحديثة واستيعاب منظوماتها الجديدة، تقليداً وتمثلاً وإعادة اختراع معاً، الشغل الشاغل لهذه المجتمعات، وفي مقدمها المجتمعات العربية والاسلامية التي بدأت تتساءل عن نجاعة منظوماتها الماضية منذ نهاية القرن الثامن عشر. ولم يكن الانسلاخ عن النظام القديم الموروث، بما يشمله من تنظيمات ومعايير وقواعد عمل ومفاهيم وقيم، واستيعاب النظام الحديث، سهلاً في أي منطقة من مناطق العالم وعلى أي مجتمع من المجتمعات.
فقد مرت المجتمعات الأوروبية نفسها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بمرحلة من التردي في شروط الحياة المادية، ومن القهر السياسي والضياع الثقافي والتخبط الأخلاقي والبؤس الروحي لا حدود له. وعلى قاعدة هذا التردي في شروط حياة المجتمعات والمعاناة القاسية التي ارتبطت به حصل التجدد الكبير في الفكر الانساني: في الاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع والدين. ودفع الفقر والتشرد المادي والفكري والروحي ملايين البشر إلى ركوب مخاطر البحار للبحث عن الموارد واكتشاف القارات الجديدة واستعمارها على حساب سكانها الأصليين.
وفي دوائر المدنية الكبرى التي كانت محيطة بأوروبا في الصين والهند واليابان وروسيا والعالم الاسلامي والعربي، رافقة التقهقر المضطرد في مواقع الدول والمجتمعات محاولات للتكيف والتحديث وإعادة البناء حصلت فيها مذابح وخيضت في سبيلها حروب داخلية أهلية وخارجية قارية لا تزال حية في الأذهان. ولم تخرج روسيا من الفخ العظيم الذي نصبته لنفسها في سعيها المحموم للحاق بأوروبا الحديثة بأسرع وقت، أقصد فخ النظام الشيوعي الشمولي، إلا منذ سنوات معدودة. ولا تزال الصين تصارع الزمن من أجل الدخول في عصر الحداثة من دون أن تفقد وحدتها وتوازنها، بينما دفعت الهند أكثر من قرن من الاحتلال البريطاني في سبيل بناء نواة دولتها الفيديرالية الحديثة. ولا تزال أفريقيا تتخبط في بيئة تجمع بين انحسار حميمية الماضي وغياب فرص الدخول في آلية الحاضر.
لكن من بين هذه العوالم المتباينة جميعاً، انفرد العالم العربي بالتجربة الأكثر إيلاماً، والتي تجعله يعيش اليوم في حال من الإحباط والخوف وفقدان الثقة بالنفس والآخر معاً. فقد انخرط قبل الصين والهند وروسيا في البحث عن الحداثة واستيعابها، واستثمر فيها مادياً ونفسياً طوال أكثر من قرنين، فعرف الانسلاخ عن الماضي والضياع كما عرف حروب النزاع الداخلي والغزو وحروب الاستعمار التي عرفتها المجتمعات الأخرى جميعاً، لكنه بعكس هذه المجتمعات الكبرى لم ينجح في أن يعيد بناء نفسه في فضاء الحداثة الجديد، لا من الناحية الجيوسياسية، كما فعلت الصين والهند وروسيا، ولا من الناحية السياسية ولا من الناحية الثقافية ولا حتى من الناحية الاقتصادية. باختصار، لقد فقد نظامه القديم من دون أن يدخل نهائياً في النظام الجديد. وبقي لذلك من دون نظام، أي في حال من الفوضى المادية والسياسية والفكرية والروحية، تجعل منه اليوم العالم الأكثر إنتاجاً للعنف والبؤس المادي والروحي والتعاسة الفردية والجمعية في العالم. ويكاد يكون المكان الوحيد الذي لا يزال يشهد ظاهرة الاستعمار فيه، والاستيطاني منه في شكل خاص، وحكم الفرد المطلق، وسيطرة قانون الغلبة والقوة. كما بقي الأكثر طرداً لسكانه بين جميع مجتمعات العالم الكبرى ودفعاً بملايين البشر المشردين إلى البحث عن مستقبلهم خارج حدوده في ظل العداء والعنصرية. وليست الفوضى سوى النتيجة الطبيعية لانعدام النظم والمعايير والمفاهيم والتمثلات المتساوقة التي تضبط سلوك الجماعات والافراد وتخضعه لقواعد ثابتة ومعروفة ومتوقعة. ففي غياب مثل هذه القواعد لا يبقى هناك ما يضبط حركة القوى، من أي مستوى كانت، سوى ميزان القوة وحده وما يستطيع كل صاحب قوة من توظيفه في بناء قوته من موارد قديمة أو حديثة، أي من علاقات شخصية وولاءات وعصبيات وتقنيات وتحالفات. وهو ما يجعل من الحرب، نمط سلوك، أو ناظماً وحيداً للعلاقات بين المجتمعات وداخلها معاً، وفي عمق الفرد الذي تتنازعه أيضاً منظومات قيم وغايات وآمال وآلام متباينة ومختلطة أيضاً.
 
من المسؤول؟
* لماذا هذا الإخفاق التاريخي الكبير وما هو سبب انعدام الإنجاز الذي يدمر حتى الشعور بالكرامة عند العربي؟
* هناك اتجاه اليوم إلى تحميل الثقافة العربية أو الاسلامية، وبالتالي الاسلام كدين، القسط الأكبر من المسؤولية في فشل الوصول إلى محطة مستقرة للحداثة في المجتمعات العربية. لكنني مع التأكيد على أن عناصر في الثقافة، الزمنية والدينية، قد تلعب دوراً مشجعاً أو غير مشجع في بلورة سلوكات عقلانية في مسار التحديث واستيعاب منظوماته المختلفة، لا أعتقد أنها صاحبة الدور الأول في تحديد مصير مشاريع الحداثة التي ظهرت في حجر المدنيات الكبرى. فالثقافات الحديثة التي قادت هذه المشاريع لم تولد من الثقافات التقليدية ولكنها نشأت بالعكس في مواجهتها، وما كان لهذه المشاريع أن تولد من دون نشوئها عند نخبة محلية. وقد ارتبط مصيرها من حيث التقدم في العمق أو الانتشار في أوساط المجتمع الأخرى بمصير هذه النخبة التي امتشقتها. وأنا أعتقد أن مصير مشاريع الحداثة مرتبط دائماً بطبيعة النخب الاجتماعية التي قادتها وعملت على تحقيقها، وبالتالي بالسياقات الجيوسياسية والسياسية التي حددت خيارات هذه النخب وفرص تكونها كفاعل تاريخي أيضاً.
وفي العالم العربي الذي دخل العصر الحديث بتراث كبير من النظم التي راهنت دائماً على قوى خارجية بالنسبة الى المجتمع، تمثل الانكشارية أكثر تعبيراتها صراحة، كانت القطيعة عميقة بين النخب الاجتماعية، الاقتصادية والإدارية والثقافية والدينية، ذات الأصول والولاءات القومية والثقافية وأحياناً المذهبية المتنوعة، والمجتمعات التي تخضع لسلطاتها. وقد أعاقت الاختراقات الأجنبية نشوء نخبة اجتماعية وثقافية موحدة ذات خصائص مشتركة وواضحة. وهكذا أعيد بناء قيم الثقافة الحديثة ومعاييرها على أساس تكريس هذه القطيعة التاريخية بين النخب ومجتمعاتها وأحياناً تعميقها. وانتهت أكبر مشاريع الحداثة العربية طموحاً، في مصر أسرة محمد علي، بتكوين طبقة كمبرادورية شبه ارستقراطية زادت حداثتها غربتها عن المجتمع، وارتبطت منذ مولدها بالسلطة القهرية الاستبدادية، صارت تنمي في ذاتها مشاعر الانتماء للمجتمعات الأوروبية أكثر من الانتماء للمجتمعات المحلية. أما في معظم البلاد العربية الأخرى التي بقيت خاضعة في إدارة شؤونها لفترة طويلة لنخبة تركية، فلم تكن هناك أصلاً نخب محلية على درجة من التماسك والسماكة والقوة تجعلها تستحق هذا الاسم. وتكفي للتدليل على أهمية الحديث عن طبيعة النخب، مقارنة ما حصل في مصر والعالم العربي بما حصل في تركيا. فلم تثبت النخب المحلية التركية الشابة المتمردة على نظام السلطنة وجودها ووحدتها وجدارتها في مواجهة خطط القوى الغربية الساعية إلى تقسيم تركيا فحسب، ولكنها نجحت أيضاً في بعث روح قومية تركية جديدة وحديثة في مواجهة روح العثمانية الكوزموبوليتية. وهي القومية التي حمت حتى اليوم الدولة التركية الحديثة وحددت غاياتها ووجهت عملها. وبالعكس أدى افتقار معظم المجتمعات العربية لنخب محلية على قدر من الانسجام والاستقلال والكفاية والخبرة والإرادة إلى سقوطها السريع في آليات الانقسام والتجزئة والالتحاق بالدول الكبرى فيما المجتمعات لا ترى للسلطة مصدر شرعية.
قصدت من الحديث عن النخب الاجتماعية والمقارنة في ما بينها إخراج مسألة فشل مشاريع الحداثة أو إعاقتها من دائرة المقارنة بين ماهيات ثقافية غير موجودة، وغير حاسمة إذا وجدت، لوضعها في سياق الصراع بين فاعلين تاريخيين، وبالتالي في سياق البحث عن شروط الصراع نفسها، الجيوسياسية والسياسية أيضاً.
وهذا يعني أن الحداثة ليست مسألة تقليد أو اقتداء أو اقتباس أو فهم واستيعاب عقلية، ولكنها مسألة صراع تاريخي بين قوى داخلية وخارجية لامتلاك موارد مادية ولا مادية تشكل السيطرة عليها وسيلة لتعزيز القوة ودائرة نفوذها وانتشارها. الحداثة بهذا المعنى ليست أمراً معطى ولكنها عملية صراع لانتزاع ثروة تتنازع عليها قوى متعددة وتريد أن تستملكها لنفسها، حتى داخل البلدان ذاتها وليس بين البلدان فحسب. ويكفي النظر إلى مصير رأس المال المتراكم والمهرب إلى الخارج في بلادنا لتأمين شروط اندماج نخبنا المحلية في دورة الرأسمالية العالمية. لكن هذا ما يحصل أيضاً للحريات السياسية التي ينشئها نظام الدولة الحديثة الوطنية وللعلم والمعرفة اللذين يتم احتكارهما والسطو عليهما من نخب محدودة لتعزيز نفوذها الاجتماعي.
وعندما نطرحها في هذا المنظور ونخرجها من دائرة المجادلة في أهلية الثقافة نستطيع أن نقدر في شكل أفضل قيمة الشروط التاريخية الخاصة التي حكمت مشاريع الحداثة الانسانية في كل بقعة من بقاع العالم، ونربطها أيضاً بخصوصيات هذه البقاع الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولا يمكن أن نفصل تعثر مسار الحداثة في منطقتنا عن هشاشة النخب الاجتماعية العربية منذ القرن التاسع عشر حتى الآن بسبب عدم تجانسها وانقسامها وتقلبها وبالتالي سطحيتها. وهو ما يفسر ضيق أفق الحداثة التي تقترحها ومحدوديتها أولاً والقواعد التي تحكم علاقة الدول الأوروبية الحديثة الصاعدة أيضاً بهذه المنطقة من العالم، سواء بسبب قربها منها وحساسية موقعها الاستراتيجي بالنسبة الى أمنها، أو بسبب مواردها الروحية الاستثنائية وما تمثله من رمزية روحية لجميع الأديان السماوية، أو لما ظهر فيها من موارد للطاقة لا يستغني عنها العالم الصناعي. ونستطيع أن نقول إن هذه العوامل التي حكمت إخفاقنا في القرنين الماضيين في انتزاع موقع ثابت في نظام الحداثة هي نفسها التي لا تزال تحكم إخفاقنا الراهن في تجاوز الأزمة العميقة التي وضعنا فيها هذا الإخفاق.
 
لا نزال نعيش الولادة
* بعيد هزيمة 1967، كانت هناك نهضة فكرية نهلت من الحداثة ولكن ايضاً من الوجوه المضيئة في التراث، علاماتها كتب ودراسات قالت غضب الفكر العربي على الهزيمة ورغبته في تجاوزها... أنت شاركت في ذلك كتباً ودراسات... فهل تعتقد ان تلك الانتفاضة النهضوية أثّرت؟
* أعتقد أننا لا نزال نعيش منذ هزيمة 1967 لحظة فكرية واحدة هي ولادة الفكر النقدي العربي. وأستطيع أن أقول من دون أن أسيء إلى المفكرين الكبار الذين شقوا لنا منذ القرن التاسع عشر طريق التفكير الحديث وأدخلونا في لغة الحداثة وعلمونا مفرداتها، أن العالم العربي لم يكن يفكر في أي فترة كما يفعل اليوم. فما كان سائداً خلال الحقبة الماضية كان استيعاباً للحداثة من طريق تلخيص أفكارها وإدخال مفاهيمها والتدرب على التعامل معها. اليوم لم يعد الفكر العربي ترجمة للكتب الأجنبية بطريقة غير مباشرة ولا التحاقاً بموضتها بقدر ما أصبح يستهدف أكثر فأكثر تحليل مشكلات عينية، ويسعى من خلال منطق العقل الذي تمثله في الحقبة الماضية، إلى فهمها واستيعابها. لقد أصبح تفكيراً بواقع وبالواقع. والسبب في ذلك هو تفاقم الأزمة نفسها ونشوء التحديات الكبيرة والخطيرة التي لا مهرب من مواجهتها وتطوير الأدوات النظرية الناجعة والمناسبة لمعالجتها.
لا أقول اننا ربحنا معركة التفكير النظري المستقل والحر ولكننا في بداية الطريق. وتكفي قراءة صفحات الرأي في الصحف العربية الرئيسية ومقارنتها بما كان ينشر في الخمسينات والستينات لتبين الفرق بين فكرين وحقبتين وعالمين متباعدين تماماً: ثقافة الأيديولوجية والتعبئة والنقل والتمثل لما هو أجنبي حديث وثقافة النقد والتحليل والشك. والسبب الحقيقي لهذا هو أزمة الحداثة العربية بالضبط وإخفاقها، مما أضعف كثيراً شرعية النقل والتمثل والاستيعاب والتقليد وأعطى قيمة أكبر للتفكر الأصيل والجديد والمستقل.
 
خيانة من؟
* اليوم يرى كثر أن المثقفين صامتون، خانوا أو دُّجنوا... أو ابتعدوا مشمئزين، بينما لجأ بعضهم الى مهادنة أنظمة وتيارات قومية متأزمة او أصوليات؟
* لا أستسيغ كثيراً التهم الموجهة إلى المثقفين أو غيرهم. وحتى أولئك الذين يتهمون بالالتحاق بالنظم والعمل لخدمتها، وهم أكثرية، هنا كما هي الحال في كل المجتمعات، لا أعتبرهم منسحبين وبالأحرى خائنين (لمن؟) وإنما أصحاب رأي مخالف مرتبط بالضرورة بمصالح، وهي بالتأكيد مصالح غير مشروعة أحيانا، كما هي الحال بالنسبة الى طبقة واسعة من أهل الحكم أو الموالين لهم. المثقفون النقديون كانوا في جميع العصور والبقاع أفراداً تحركهم المبادئ والمثل أكثر مما تحركهم المصالح. وهذا الموقف لا يمكن توقعه أو طلبه من الجميع ولا من الغالبية. المهم عندي معرفة لأي هدف تكرس هذه القلة من أصحاب المبادئ والمثل قلمها ووقتها: لنشر عقائد شمولية وأصوليات، كما ذكرت، أم لتعرية الواقع ووضع الأفراد جميعاً أمام مسؤولياتهم لأخذ مصيرهم بأيديهم، وبالتالي للارتفاع بهم إلى مستوى الواجب الأخلاقي. دور المثقفين هو توسيع دائرة المبدئي والأخلاقي والمثالي في المجتمعات وعند كل فرد بما يقدمونه هم أنفسهم من قدوة وما يقومون به من كسر للأوهام ونزع للحجب التي تكبل العقل ومن إحياء للضمير. والساحة الثقافية العربية اليوم لا تخلى من هؤلاء، وأكاد أقول إنها تتسم اليوم بصعود مكانة هؤلاء وتأثيرهم وبانحسار مكانة الآخرين الذين يخفت صوتهم بقدر ما يفتقر خطابهم لأي لون أو طعم أو رائحة، أي لأي مبدأ أو مثال.
 
الحداثة الرثة
* هل يمكن اتهام حداثة عربية ما... بأنها مسؤولة جزئياً عما يحدث؟
* أنا ركزت بالفعل على ما أطلقت عليه اسم حداثة رثة، خصوصاً في كتابي «الاسلام والسياسة: الحداثة المغدورة». وقلت إن حداثتنا تسد علينا الأبواب في السياسة والاقتصاد والثقافة والعلم والمعرفة والاجتماع والأخلاق معاً. فهي تنتج قهراً وعنفاً واستبداداً أكثر بكثير مما تنتج من الحريات الفكرية والعملية. وهي تراكم الفقر والبطالة والبؤس أكثر مما تزيد من قدرة الافراد على الاختيار في تحسين شروط حياتهم المادية والمعنوية. وهي تشجع عمليات غسيل الدماغ وصب فكر الأفراد في قوالب جاهزة وجامدة، أكثر مما تنمي العقل المفكر والمتأمل والمتسائل. وهي تعمم الإيديولوجيات والشعارات والأساطير الدعائية أكثر مما تعمل على تكوين الأفراد وتأهيلهم وصقل عقولهم وتزويدهم بالمعارف الحقيقية. وهي تنتج الإمعية والتبعية والالتحاق والولاءات الزبونية والعصبوية أكثر مما تقود إلى انبثاق الذوات الحرة والمسؤولة والفاعلة والمشاركة في تقرير مصيرها. وهي تبني السلوك على معايير القوة والغطرسة والانفراد والازدواجية وانعدام المسؤولية أكثر مما تخلق قواعد أخلاقية تنظم العلاقات بين الأفراد على أسس طوعية مدنية.
لكن هذا لا يعني أنني ألوم الحداثة. فالحداثة، عربية كانت أم صينية أم هندية، ليست مسؤولة ولا يمكن أن تكون. فالمسؤولية تقع على البشر الواعين، أي على النخبة الحديثة أو صاحبة مشاريع التحديث. والنقد الذي قصدته للحداثة الرثة ليس اتهاماً ولكن كشفاً عن المطبات التي أدخلت فيها الحداثة العربية وبالتالي تصحيحاً للاستراتيجيات ومخططات العمل وطرائقه أيضاً. عندما أتحدث عن حداثة رثة أو معطوبة فأنا أشير إلى الانسدادات والمطبات والنقائص والأعطاب التي يعاني منها مشروع حداثة قضت مجتمعاتنا ما يقارب قرنين في بنائه، وشارك فيه جميع الأفراد من مثقفين وغير مثقفين وساسة واقتصاديين ومربين ومعلمين ورجال دين. وليس الهدف من ذلك أن أدين هؤلاء أو أنقم على تاريخ بأكمله أو أمحوه من الذهن. ما حصل حصل وما كان يمكن أن يحصل بطريقة أخرى. وهو ثمرة نقائص متعددة في ثقافتنا ومجتمعاتنا وعوامل خارجة عنها أيضاً. إن هدف النقد هو إنقاذ المستقبل لا البكاء على الماضي. وإنقاذ المستقبل يعني الكشف عن النواقص والأعطاب والانسدادات لإصلاح البناء وجعله قابلاً للعمل والفعل من جديد. والحداثة عملية بناء مستمرة وإعادة بناء وتفكيك وتركيب أيضاً مستمرين، ليس في المجتمعات التي تعاني من نقص مواردها الحديثة فحسب وانخراطها في الحداثة في سياقات خاصة استعمارية أو شبه استعمارية، ولكن حتى في المجتمعات التي يمكن القول إنها تمتلك مشاريع حداثة منجزة وفاعلة أو منتجة. وهذه الحداثة الفاعلة نفسها هي اليوم محل انتقاد شديد أيضاً من قبل أصحابها بسبب ما أحدثته أيضاً من تصدعات داخلية وعالمية، وما قادت إليه من طرق مسدودة في مجالات مختلفة.
 
الفكر والعمل
*هناك مفكرون عرب وصلوا الى مواقع قرار ما... في بلدانهم، أو على صعيد مؤسسات عالمية... فهل ترى انهم وصلوا بأفكارهم أم من دونها؟
* بالاثنين. لأن أفكارهم ليست ما يصرحون به أو يسطرونه على صفحات الجرائد فحسب ولكن ما يفكرون فيه في أعماقهم وما يحركهم ويملي عليهم سلوكهم. ولدى جميع المثقفين الأخلاقيين أو المثاليين نزوع لربط الفكر بالعمل بل وحاجة إليه. لكن بينما يندفع بعضهم للممارسة السياسية بنفسه كما حصل لكثيرين من قادة الأحزاب السياسية وعلى رأسهم مفكر كبير مثل كارل ماركس، يراهن آخرون على زعماء سياسيين يتمثلون أفكارهم ويسعون إلى تطبيقها. ليس هناك في نظري فكر حي لا يرتبط بممارسة أو ينزع إليها. لكن لا يتمتع كل من كان له مثل هذا الفكر بمواهب سياسية عملية بالضرورة. والذين يجمعون بين الموهبتين هم القادة الكبار وهم قلائل في تاريخ المجتمعات.
 
ذهنية غائبة
* في رأيك... من يصنع الذهنيات العربية حالياً... وأي ذهنيات تصنع على هذا النحو؟
* نحن نعيش في جميع المستويات وفي جميع الميادين عملية مخاض عسير. وفي هذه العملية تفلت القواعد والمعايير الكلية والجمعية وتسود الفوضى العارمة من جهة وتنفتح آفاق المسارات والتجارب الفردية أو الخصوصية من جهة ثانية. الذي يكوِّن الأفراد اليوم ، ولا أتحدث عن ذهنية عربية فهي لم تعد موجودة في أي مكان، هو جهدهم الشخصي وما تقع عليه أيديهم من فضلة من قيم أو تراث أو حداثة تلفزيونية أو، بالعكس، ما يتوفر لبعضهم من أطر ومؤسسات فاعلة وناجعة تقدم لهم، إذا وجدت، تكويناً جدياً في المدارس والجامعات المحلية الوطنية أو الخاصة أو الأجنبية. وهي تشكل جزراً صغيرة معزولة في محيط يسوده الاختلاط والتشويش والتنافر وعدم الاتساق.
لذلك، على المستوى الجماعي، نحن في حال انعدام وزن معرفي وأخلاقي وتربوي. ليست هناك قاعدة سائدة ولا معمول بها في الواقع، إلا إذا اعتبرنا الغش والخروج على القاعدة والاحتيال بكل أشكاله قاعدة أخلاقية. ولذلك يقتل مجتمعاتنا البؤس المادي والنفسي معاً، ويسودها غياب التواصل وانعدام الحوار وعدم التفاهم، وتغلب عليها روح الانفعال والعدوانية والنزاع والتنازع. حتى ما يبدو من انسجام وتجانس على الأفراد المنتمين إلى جماعات أصولية علمانية أو دينية ليس إلا مظهر خادع يخفي انعدام التواصل والتفاهم وسيطرة التنازع والانقسام. مجتمعاتنا فقدت القيم المشتركة والمعايير الثابتة المستبطنة بقدر ما انحلت ثقافتنا التقليدية وانهارت الثقافة الحديثة أو القيم الرئيسية التي اعتمدناها في القرن الماضي، ولم يعد النظام الاجتماعي أو المجتمعي بأكلمه يقدم للفرد أي أمن أو ضمانة أو ثقة بالذات وبالمستقبل. وهو ما أطلقت عليه اسم الفوضى الشاملة بما فيها، بل في مقدمها الفوضى الأخلاقية والروحية. العنف والاحتيال والغش هي السمات البارزة لسلوك الأفراد، وهي، كممارسات عملية، أساس لنشوء ثقافات وسير شخصية متعددة ومتباينة أيضاً. الاتساق موجود عند أفراد لكنه منعدم على مستوى الجماعة بوصفها كذلك. وهذا هو أيضاً مصدر الأمل في أن يسفر هذا المخاض الراهن عن ولادة جديدة للمجتمعات العربية. وهي ولادة لا شك آتية.

وحدة وسط الفوضى
* هل يمكن، بعد، الحديث، عن وحدة ثقافة او فكر عربية... أم أن ثمة «تطوراً غير متكافئ» بين منطقة ومنطقة، بل حتى بين فئات مختلفة داخل كل منطقة يجعل من المستحيل الوصول الى نقاط تلاق؟
* نعم يمكن الحديث عن وحدة ثقافية في الفوضى الفكرية والأخلاقية. لماذا لا. فما يوحدنا هو الغياب المشترك والمعمم لأسس التفاهم المدني وقواعده، وبالتالي فإن كل شيء يصبح في مجتمعاتنا مباح في نظر الفرد طالما كان لديه إمكان تحقيقه أو الفرصة للوصول إليه. من هنا الفساد المعمم والغش السائد في العلاقات الاجتماعية والاحتيال الذي تحول إلى أسلوب حياة وممارسة علمية واقتصادية وسياسية واجتماعية معاً. وهذا ما يشكل في نظري وحسب تعريفي أساس البربرية. فالبربرية لا تقاس بدرجة التطور التاريخية لوسائل الحياة التقنية ونظمها الإجرائية ولكن لغياب أسباب التفاهم والتواصل والتعامل السليم والصادق بين الأفراد وبالتالي غياب الثقة وما نسميه اليوم برأس المال الاجتماعي، أي للثقافة.

* تبدو الاستنتاجات من تشخيصك حتى الآن غامضة بعض الشيء فهل أنت في هذا التشخيص متفائل على المدى البعيد أو القريب... أم ترى أن ثمة ما يدعو الى تشاؤم يجد كثر انه مبرر؟
* التفاؤل أو التشاؤم يقاس بالهدف المنشود. وعلى مستوى التحليل للواقع الراهن لست متشائماً ولا متفائلاً. فهذا هو الواقع كما أراه وكما تكوّن عبر التاريخ الماضي. فنحن نتشاءم عندما نشعر بالفوضى ونتخبط من دون أن نعرف لماذا وكيف يمكن أن نخرج من حال التخبط هذه. لكن عندما نشعر أننا لمسنا بعض العوامل الكامنة وراء الفوضى، أو عندما نعتقد أننا فعلنا ذلك، يزول التشاؤم ليحل محله أمل كبير بالخلاص، ويصبح العمل في سبيل المشاركة في هذا الخلاص مصدر تفاؤل لا ينفد. وفي اعتقادي أن سبب الفوضى والتخبط هو الطريق المسدود الذي أدخلتنا فيه حداثة رثة وسالبة أفقدتنا كل ما كنا نتمتع به من بقايا سعادة وبراءة وانسجام وسذاجة في الماضي من دون أن تقدم لنا شيئا غير العنف والاقتتال والانقسام والتنازع والبؤس والانخداع بالمظاهر البراقة والفارغة من المعنى. إنه انعدام المعنى أو فقدانه. وما علينا كي نتحرر من الرثاثة والتعاسة معا سوى فتح الأبواب الموصدة وكسر الحواجز التي وضعناها نحن أنفسنا على طرقاتنا ونزع العصب التي تكبل عيوننا لنرى الحقيقة كما هي. أي أن نوقف مسلسل الغش والخديعة والكذب والاحتيال الذي أصبح المادة الأولى لتفكيرنا وسلوكنا.
 
الفكر لا يلعب دوراً
* في خضم هذا كله... أي دور يمكن للفكر، بعد، ان يلعبه؟ في الجامعات؟ في الإعلام؟ من خلال المناصب السياسية... أو حتى من خلال الشارع؟
الفكر لا يلعب دوراً، المفكرون هم الذين يلعبون مثل هذا الدور. فهم الذين يصدقون ويكذبون. ويكفي أن يكفوا عن الكذب، على أنفسهم أولاً، وعلى جمهورهم ثانياً، وعلى أصحاب السلطة ثالثاً، حتى تتغير مكانة الفكر والمفكرين معاً، أي حتى يصبح للمثقف ما يطمح إليه من مكانة ودور في إعادة إطلاق نهر التقدم الدافق وفتح شرايين المجتمعات المغلقة وتغذية خلايا العقل والجسم التي تكاد تتحول إلى خلايا كسيحة، وغسلها من خطاياها وآثامها، أي من إفرازات الحزن والبؤس والوهم الذي تراكم فيها. ولا يهم بعدئذ ما إذا كان مدرساً أم صحافياً أم سياسياً أم عاملاً منتجاً، ولا المكان الذي يطل منه على مجتمعه. الصدق هو في نظري كلمة السر. وهو كل ما هو مطلوب منا جميعاً، مثقفين وعاملين، على قدم المساواة، كي نخرج من محرقة الجهالة الكاوية ونحقق الولادة المنتظرة الجديدة.
 
نص مختار من كتاب بيان من أجل الديمقراطية، دار ابن رشد، بيروت 1977
إرث النخبة الفاسد
«ورثت النخبة العربية الحديثة إرثاً عظيم الفساد والأذى نتيجة تأثرها بالنخبوية المستمدة في جوهرها من النظريات الليبرالية. لكنها تحت تأثير الصراعات الجديدة والضغط الشعبي أعادت صوغ هذه النظرية في صورة جديدة وبثياب جديدة ووضعت عليها ماركة تقدمية. هذه هي نظرية الطليعة. لكن الطليعة هنا لا تصبح وتبقى كذلك إلا بقدر ما تخلق فكرياً، أي في الذهن، وعملياً، أي بالديكتاتورية الفعلية، الشعب المؤخرة. ولا تظهر الطليعة عبقريتها وقيادتها إلا بقدر ما تعمل على أن يتعلم الشعب التبعية والاستجداء ويقنع بالجهل والعمى الفكري تجاه كل ما يتعلق بمصالحه اليومية المباشرة والسياسية العليا. العلاقة بين الطليعة والمؤخرة في الفكر التقدمي العربي تعكس العلاقة بين مجتمع الصفوة الحر: الاقتصادي والسياسي والفكري، وبين مجتمع العبيد الشعبي. وهكذا يصبح الصراع الاجتماعي الفعلي هو الصراع بين فئات المجتمع الحر المختلفة على قيادة الشعب وقهره واستغلاله. ليس هناك طليعة تعلم الشعب الحرية وإلا لم تكن هناك حرية على الإطلاق. فالحرية هي شكل الدفاع الأبسط عن النفس، شرط البقاء، وهي الإطار الذي يسمح لطبقة أو فرد أن يدافع عن مصالحه ويضمنها. وقد أدركت ذلك الأنظمة والدول التي اكتشفت منذ القدم نظام السجون السياسية والمدنية وطبقته
كيف أمكن للفكر العربي أن يصل بهذه السرعة إلى هاوية الفاشية التي أدركها بصرف النظر عن الشعارات والفلسفات؟ كيف أمكن له أن يغوص إلى هذه الهوة المظلمة وأن يسقط في مستنقع تقديس الديكتاتورية باسم الطليعة وباسم ترتيب الظروف الموضوعية الناضجة لتحرير الشعب؟ كيف أمكن للنظريات التحررية الليبرالية والمادية التاريخية أن تهوي مع الطلائع البائسة إلى هذا الدرك من التناقض والتحلل والتفكك والعقم؟ كيف أمكن للأمة أن تحبل بمثل هذه المسوخ الفكرية وأن تحملها لعشرات السنين وتلد بها وتتحمل صورتها ومنظرها ونموها كل هذه الأعوام؟