إذاعة طهران: التصعيد الدولي ضد سوريا

2006-02-01 :: اذاعة طهران

ترجمة :

تاج بخش

2006-02-01

* : لماذا التركيز بهذا التوقيت بالذات على سوريا من قبل الغرب ولماذا ‏تركزون انتم ايضاً في كتاباتكم على سوريا؟ هل ترون ان الوقت بات مناسباً الآن ‏للحديث عن الاصلاح في سوريا؟

*  اولاً لم تبدأ المعارضة الديمقراطية السوريه بالضغط على النظام ‏السوري اليوم من اجل الاصلاحات. انا كتبت اول كتاب حول الديمقراطية في العالم العربي وضرورة ‏الاصلاح الديمقراطي في عام 1976 ومازلت اكرر واقول، ان الفساد الدائم في ‏البلدان العربية، وغياب القانون وانعدام الحياة السياسية السليمة، وتأبيد حالة ‏الطوارئ والقوانين الاستثنائية يحرم المجتمعات من اي فرص للتقدم. واصلاح هذه ‏النظم هو مصلحة وطنيه، عربيه وسوريه، بصرف النظر عن كل ما تقوم به الدول ‏الاجنبيه. بل بالعكس، ان الضغوط الاجنبيه تستدعي الاصلاح الداخلي، أكثر مما لو لم تكن ‏هناك ضغوط. واذا كانت الحركة الديمقراطية قد صعدت من لهجتها في الفترة الاخيرة، فلأنها تشعر ‏ان الضغوط الخارجية تهدد فعلاً مصالح البلاد، وأن المخاطر في تزايد اذا لم يحصل اصلاح حقيقي يسمح ‏للشعوب بأن تأخذ مصيرها بيدها وان تقاوم الضغوط الاجنبيه. بعكس ما يقوله ‏بعض المسؤولين، نحن نعتقد ان تزايد الضغوط الاجنبيه على سوريا يستدعى ‏الاسراع في الاصلاح لا تجميده. ولا ينبغي أن تكون الضغوط سبباً ولا ذريعه لوقف الاصلاح.

 

* سوريا بعد القرار الدولي 1664. كيف تقرأون وضعها؟ وما هي ‏خياراتها؟
*  خيارات سوريا كانت ولاتزال هي نفسها، في نظرنا. أعني الاهتمام بالبيت ‏الداخلي أولا. هناك سياسة امريكيه ودوليه جديدة في الشرق الاوسط ‏تدعو الى نزع سيادة الدول، اذا شئنا، او على الاقل السيادة‌ الاقليمية ‏والاستراتيجية العربية من المنطقه، لتحقيق السيطرة والسيادة الغربية. نحن نقول ‏منذ زمن طويل انه لا يمكن لنا ان ندافع عما كسبناه وحققناه من سيادة اقليمية، ‏عربيه ووطنيه، الا اذا بدأنا باصلاح البيت الداخلي، وحققنا فعلاً تقدما حقيقيا على ‏المستوى السياسي، والاقتصادي والمستوى العلمي. في البلدان العربية، النظم ‏المنخوره، النظم التي تكرس المجتمع كله لخدمة اقليه ومجموعة عوائل محدودة، لا تستطيع أن تواجه الضغوط الخارجية ولا ‏تهدف إلا إلى مساعدة النخب الحاكمة على مراكمة الثروات الخاصة.‏ ولذلك لا يمكن ان تقود الا الى انتصار المشاريع الاجنبيه. نحن نريد أن نؤكد على ان دعم ‏المصالح الوطنيه المحلية يستدعي التعامل مع الشعب وإنهاء فترة تغييب الشعب ‏وتعليق القانون وإلغاء الحياة السياسية السليمة.‏

 

* وكيف تقرأ خيار الامريكيين والاوروبيين في التعامل مع النظام ‏السوري، ضرب النظام السورى ام انقاذه؟ عبر اعادة تأهيله؟ ام اعتماد بدائل من ‏داخل النظام نفسه؟ ‏
*  السياسة ‌الغربية، الفرنسيه والاوروبية بشكل عام والامريكيه خاصة، لم ‏تسع الى تغيير النظام.‏ ولو كانت تسعى‌الى تغيير النظام لغيرته. تسعى كما تقول دائماً وتردد، الى تطويع ‏النظام. وهذا ما قلناه نحن منذ خمس سنوات. قلنا ان الدول الغربية تسعى الى ‏تطويع النظام من اجل استخدامه اداة في تحقيق استراتيجيتها الجديدة. وللدول ‏الغربيه اجندتها التي لا نستطيع أن نفرضها عليها. لكن علينا تقع مسؤولية عدم السماح لهذه الدول بتحقيق ‏اجندتها. كيف؟ بتطوير الاجنده الوطنيه السوريه والاجنده الوطنيه العربية، والاجنده ‏الوطنيه الاسلاميه على مستوى الحلقات الثلاثه التي ينبغي ان نعمل فيها. ما يقوم به ‏النظام هو رفض اي اصلاح داخلي، ورفض الالتزام باي اجنده وطنيه، والسعي باستمرار ‏‏(هذا ما حصل خلال خمس سنوات ماضيه) إلى عقد بصفقه مع الدول الغربية، ‏الاوروبيه والامريكيه. الآن من الواضح ان هذه الصفقه لم تحصل، كما كان ‏النظام يتوقع، او على الاقل اصبحت شروطها اصعب بكثير مما كان يتوقع. وانا لا استبعد حتى الآن ان ‏تحدث مثل هذه الصفقه، لأن النظام (كبقية الا نظمه العربيه) تميل إلى التفاهم اكثر وتتفاهم ‏بالفعل اكثر مع الدول الاستعماريه، الامريكيه والاوروبية، وتحب التعامل معها أكثر من ان تتعامل مع شعبها. فهي ‌تخاف ‏من الشعب لأن ضمان مصالحها كما فرضتها تستدعي تغييب الشعب ومنعه من المشاركه في الحياة ‏السياسية. ولذلك هي ميالة الى الصفقه وتبحث عن الصفقه،‌ ولا يهمها ابداً ارضاء ‏الرأي العام المحلي.‏

 

*  ما هو موقفكم من الرغبه الامريكيه والاوروبية في ادخال الشعب ‏السوري الى الحياة السياسية؟
* ابداً لم يحصل ذلك. هم لم يطالبوا ولا مرة واحدة بادخال الشعب السوري في الحياة ‏السياسية. اقصى ما قالوه في يوم من الايام ان على النظم العربيه (وليس فقط ‏النظام السوري) - قالوا ذلك للسعوديين وللمصريين ولليمينين، ولكل النظم الاخرى - ‏أن تعمل على توسيع دائرة المشاركة السياسية في النظم القائمة، بمعنى اشراك فئات جديدة من النخب المحليه في الحياة الساسية. هم لا ‏يريدون ولا يتحملون، اقصد الاوروبيين والامريكيين وكل الدول الطامعة في تحقيق ‏نفوذ في المنطقة، لا يقبلون بان باخذ الشعب مصيره بيده، لا يقبلون بوجود برلمان ‏حر شعبي ووطني، وممثل فعلاً للشعب. فمثل هذا البرلمان سيكون بالضرورة معاديا للمصالح ‏الاستعمارية وللنفوذ الاستعماري أو شبه الاستعمار الغربي، ومتمسك بفكرة السيادة والاستقلال، والدفاع عن المصالح ‏الوطنية. هم ضد الديمقراطية بالعمق. وبدأوا يستخدمونها منذ ثلاث سنوات فقط بعد ‏ان غرزوا في العراق، ووقعوا في مأزق، وفقدوا مبررهم الرئيسي للحرب التي شنوها هناك وأصبحوا سخرية للرأي العام الغربي نفسه. فهم  لم يستطيعوا ان يكتشفوا وجود اسلحة ‏دمار شامل، حتى يبرروا الحرب التي قاموا بها، فقالوا نحن لم نقم بالحرب من اجل ‏نزع سلاح الدمار الشامل فحسب وانما من اجل الديمقراطية. استدخوا الديمقراطية ‏فقط من اجل اضفاء نوع من الشرعية المتأخرة على مشروع احتلال اظهر فشله ‏واظهر انه ادخل السياسة الامريكيه، والسياسة الاوروبيه، في مأزق.‏ هم ليسوا مع الديمقراطيه، الديمقراطية هي مطلب اصيل شعبي-عربي-وطني في ‏كل المنطقه.‏

 

*  وماهي خلفيات النزاع الذي ينشب بين الحين والآخر، بين قوى التحالف ‏الغربي من جهة وهذا النظام العربي او ذاك من جهة اخرى.... هل تمسك الغربيين ‏بأجندة مصالح وطنية هو السبب حقاً؟
*  السبب هو ان الأنظمة العربية تعودت على وجود حد ادنى من هامش الاستقلال في ‏سياساتها الأقليمية، ورثته عن المرحلة السابقة التي سيطرت فيها خلال أكثر من عقدين حركة شعبية، قومية عربية قوية في إطار حركة التحرر الوطني العالمية التي انتشرت وعمت العالم في ‏الستينيات والسبعينات. وقد احتفظت الدول العربية بهذا الإرث الذي خلفته لها الحركة الشعبية القومية واستفادت مما كان يقدمها لها من هامش مبادرة استراتيجية إقليمية. وقد تمثل ذلك احيانا من خلال الطموح الى عمل عربي مشترك، الى جامعة عربية ذات وزن تتدخل ‏في الشؤون العربية، الى الحفاظ على حد أدنى لا يمكن التخلي عنه أمام الرأي العام من مظاهر الاستقلال، الى المطالبة ‏بتحرير فلسطين، على الأقل الجزء الذي أصبح المجتمع الدولي يعترف به للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة. هكذا احتفظنا خلال الحقبة السابقة، ولسنوات قليلة ماضية، كعرب وكدول ‏وكأنظمة معا - فحتى الأنظمة الأكثر عجزا وفسادا تستفيد من هذا الهامش الموروث من المبادرة ومن ‏الاستقلالية - احتفظنا بهذا الهامش من الاستقلال الذي استفادت منه حتى تلك الأنظمة الأكثر التصاقا بالدول الغربية والأكثر عجزا وفسادا. هذا الهامش هو ماتريد ان تنتزعه اليوم منا ‏الدول الأوروبية والأمريكية، لأنها تشعر بأن ميزان القوى الإقلمي قد تغير بالفعل لغير صالحنا، مع ترهل النظم وفسادها وتغييب المجتمعات وإخراجها من الحياة السياسية. فهي تشعر بأنها أصبحت قادرة بالفعل ان تنتزع منا ما كسبناها في الحقبة الوطنية الشعبية السابقة وأن تفرض علينا الأذعان. هذا هو مدار الصراع اليوم. والنظم المتفسخة ‏، الفاسدة، التي تغيب الشعوب، تساهم مساهمة اساسية في تشجيع الأوروبيين ‏والأمريكيين على انتزاع ماتبقى لنا من هامش سيادة ومبادرة اقليمية. أما نحن فنعتقد بأننا لا نستطيع أن ندافع عن مكتسباتنا الوطنية وهذا الهامش المحدود الذي بقي لنا من دون إعادة الشعب إلى الساحة ووقف عملية الحرب الداخلية التي تشنها النخب الفاسدة عليه.

 

* تشددون على ما تسمونه عملية اعادة تأهيل الأنظمة العربية من قبل القوى ‏الغربية، كيف توضحون هذا الرأي؟ يعني ماذا عنيتم بإعادة التأهيل؟ كيف ‏تتصورون ان تتم هذه العملية؟
* اعادة التأهيل يعني ان تلفظ النظم العربية آخر ما حفظته من لغة الوطنية، وان تتخلى عما تبقى لها ‏من هامش مبادرة اقليمية، لصالح التعاون المطلق، ومن دون نقاش، مع الولايات ‏المتحدة الأمريكية واوروبا، والقبول بكل ما تراه مناسبا لتحقيق سيطرتها الدولية، سواء في اطار الشرق الأوسط الكبير الذي تريد ان ‏تبنيه واشنطن بما يضمن لها تحقيق سيطرتها على كل ما يتعلق بالأمور ‏الأستراتيجية في منطقتنا، من افغانستان حتى المغرب ، مروراً بايران وغيرها، ‏أو في إطار إعادة ترتيب ميزان القوى العسكرية بما يتضمنه ذلك من نزع سلاح الدمار الشامل ومنع الدول ‏العربية والدول الأسلامية من امتلاك التكنولوجية الدقيقة والعالية... الخ.‏ كل ما تريده الولايات المتحدة هو هذا. تريد من الأنظمة العربية ان تقبل بأسلوب ‏العمل الذي ترتئيه للمنطقة وان تتفاعل معها وتستجيب لما تطلبه منها. أي بمعنى آخر، أن تساهم في خلق وضع إقليمي ووطني يضمن ‏لإسرائيل التوطين النهائي والشرعي والآمن في المنطقة، وأن تتخلى عن أسلحة الدمار الشامل ‏وتنتزعها هي نفسها، وترفض السعي إلى الحصول، كما ‏تفعل ايران اليوم، على التقنية النووية او تكنولوجية الذرة التي يمكن ان تشكل خطراً في المدى البعيد على ‏اسرائيل او على الاستراتيجية الأمريكية. تريد منها ان تفتح اسواقها ايضاً، ‏ضمن اطار فكرة العولمة الليبرالية، وتوحيد السوق العالمية وتطبق مباديء حرية التجارة بمفهومها السائد. تريد منها ‏اصلاحات ادارية تمكنها من ان تتعامل اقتصادياً بشكل طبيعي مع هذه البلدان الغربية واقتصاداتها الحديثة. هذه ‏هي الأجندة الأمريكية- الأوروبية التي تهدف إلى إدراج الشعوب العربية والمجتمعات الأسلامية ‏جميعاً في النظام العالمي الجديد اذا شئنا، نظام العولمة. فهي تريد ان تدمجها في منظومتها بعد أن أبقتها لفترة طويلة بسبب تراث التحرر الوطني مهمشة ومستبعدة منه إلى حد كبير. لكنها ليست مستعدة لأن تقوم بذلك ما لم تتخلى هذه الدول عن تراث الماضي القومي والوطني، أو عما اصبح يبدو عند ‏الأمريكيين والأوروبيين من قبيل الاوهام التاريخية غير الفعالة وغير المقبولة، أوهام العروبة والقومية والوطنية والاستقلال والخصوصية الاسلامية أو الثقافية. كل ‏هذه الأمور هي موضوع الصراع بيننا وبيينهم.‏

 

* المنطقة العربية، ماذا يراد لها من جانب التحالف الغربي؟ هل يراد لها ‏ان توضع في منظومة استعمار  اقليمي جديد، ام يراد لها شرق اوسط ديمقراطي ‏بكل ما للديمقراطية من معنى؟
*  لا. يراد لها ان تقبل بما ذكرت وأن تندرج ضمن اطار نظام انا سميته نظام شبه ‏استعماري مجدد. تريد ان تعيد تأهيل النظام الاستعماري، او شبه الاستعماري، الذي ‏نشأ بعد انهيار الحركة القومية والشعبية العربية، وحل محلها. وهو النظام الذي يعاني اليوم من أزمة عميقة عبر عنها تفكك الجامعة العربية و انتشار ‏النزاعات العربية- العربية، والعربية- الإسلامية، مثل الحرب العراقيه –الأيرانيه، والحرب الاسرائيلية الفلسطينية التي لا تنتهي وتفجر الحركات الارهابية في موازاة تفجر المجتمعات الشرق أوسطية ‏‏... الخ. تريد الآن بالضبط ان تستفيد من الضعف الهائل الذي وصل اليه العالم ‏العربي، من اجل ان تعيد بناء النظام الإقليمي شبه الاستعماري على أسس تبعية أقوى بعد أن تنزع عنها ما تبقى من إرث الحركة الشعبية الوطنية العربية كما قلت، حتى تستطيع أن تضمن استقرارا أكبر وأطول وأن تنتهي من بؤرة التوتر الدائمة في فلسطين وتضع حدا للنزاعات المحلية التي تؤكد الاستقلال النسبي للدول القائمة عنها. وهي تعتقد أن استمرار تفكك النظام الشرق أوسطي القائم وتحلله يشكل خطرا على استقرارها وأمنها الوطني اليوم الاستقرار والسلام العالميين أيضا. وهو ما أكده ما حصل في عملية 11 ايلول وضرب مركز ‏التجارة الدولي عام 2001. اذاً هناك شعور بأن النظام الذي بني منذ السبعينات في هذه ‏المنطقة على انقاض الحركة الشعبية القومية العربية، اصبح في ازمة ولابد من ‏اعادة بنائه بشكل جديد، يضمن استمرار النفوذ الغربي ، واستمرار تبعية الشرق ‏الأوسط، يعني العرب بشكل اساسي والايرانيين والإفغان وغيرهم، لأهداف ومطالب ‏الاستراتيجية الأطلسية، التي تؤمن المصالح الأمريكية والمصالح الأوروبية.‏

 

 * هناك من يرى ان الأنظمة العربية باتت بين خيارين لا ثالث لهما، اما ‏الخضوع الكامل للأرادة الغربية او مواجهة خطر السقوط، هل هناك خيارا ثالث ‏غيرهما؟
*  الخيار الثالث هو ان تقبل بأن تقوم بتنازلات لشعبها، بدلاً من ‏ان تقوم بتنازلات للولايات المتحدة الأمريكية او للأوروبيين. وهذا ماتطالب به ‏حركات المعارضة الديمقراطية في البلدان العربية. نحن نقول لا يمكن ان تستمروا ‏كما كنتم حتى الآن. انتم في مأزق وازمة مستمرة لا مخرج منها. ولن تستطيع هذه الأنظمة ان تستمر مهما فعلت. فإما أن تقوموا بتصفية نظمكم الشمولية لصالح شعوبكم، بما يعنيه ذلك من القبول بالانفتاح والانتقال نحو نظم ديمقراطية تعددية بالطرق السلمية، ومحاربة الفساد ووقف نهب المال العالم ومراكمة المليارات من الدولارات على حساب الشعب الفقير، وهو ما يفتح آفاقا جديدة أمام  البلدان العربية، ويعزز مواقع هذه المجتمعات ‏تجاه الضغوط الاجنبية، او تقبلوا بالصفقة مع الدول الأجنبية التي تقدم لكم دعماً ‏جديداً من اجل الاستمرار، كما حصل مع النظام الليبي. فانتم امام خيارين في الواقع لا غير : الخيار ‏الليبي، او الخيار الذي لم يحصل بعد، وهو التنازل حقيقة للشعب، وبناء نظم ‏ديمقراطية اجتماعية تحترم الانسان وتحترم الشعب وارادته، وتحترم حقوق ‏الأفراد، وتحترم القانون. نحن نعيش في بلدان لا تحترم القانون، بل في ظل نظم ليس فيها ‏قانون، ليس فيها حياة قانونية على الأطلاق. هناك حالة من الإستثناء التي تسمح ‏لأجهزة الأمن بالتسلط والسيطرة والاعتقال والقتل كما تشاء. فهي ليست ‏خاضعة لأي حساب او مسائلة امام اي جهة سياسية او اجتماعية او ادارية. هذا ‏وضع غير مقبول اطلاقاً ولم يعد يطاق. وهذا هو الذي دفع الأمريكيين والأوروبيين الى ان ‏يستضعفوا النظم، ويقولوا نستطيع ان نطوعها وان نجعلها اداة في استراتيجيتنا ‏الدولية، بل أن نراهن على احتمال دعم الشعوب التي تلوعت على يديها لخطة إخضاعها لأوامرنا. هذا نموذج الحكم الذي لم يعد قابلا للاستمرار ‏مهما كان الثمن لا من قبل الشعوب ولا حتى من قبل الدول الكبرى ذات النفوذ العالمي التي تخشى انفجار الشعوب أيضا ومخاطره عليها بسبب ما يقود إليه من تدهور في شروط حياة الناس وإهدار فج لحقوقهم المدنية والسياسية. فليس أمام النظم هذه إلا أن تقبل الاعتراف بالشعب وتسليمه فعلاً مصيره، او ان تتجه في الاتجاه الذي ‏ذهب اليه القذافي، يعني بالتنازل للغربيين، والقبول بالعمل ‏ضمن استراتيجيتهم الخاصة للسيطرة الدولية، من اجل ان تضمن كبح جماح ‏شعوبها والسيطرة المستمرة المشتركة أو الثنائية على هذه الشعوب.‏

 

*  ماهي الخيارات المطروحة امام الشعوب العربية عموماً والشعب ‏السوري خصوصاً في هذه المرحلة... هل هي نفسها خيارات الأنظمة؟
*  لا ابداً. مطروح اليوم على الشعوب خيار كسر قيودها التي وضعتها في ما يشبه حالة الاستعباد والتضامن من أجل بناء نظام ديمقراطي ‏يتفاعل مع الإرادة الشعبية ويمثلها، يشكل وحده درعاً حقيقياً للدفاع عن المصالح ‏الوطنية ضد الضغوطات الأجنبية. وهذا يستدعي العمل من اجل نظم تمثيلية، تنبع القيادة فيها من انتخابات نزيهة، دورية، تجسد ارادة الشعب وتطبق ‏برنامج اصلاحي يتفق مع مصالح الشعب، في مقدمته: استعادة هيبة القانون، ‏الذي حطم تحطيماً كلياً من قبل الأنظمة الراهنة، اعادة الحياة السياسية وما تعنيه من تعددية ومنافسة نزيهة على كسب الرأي العام بين القوى السياسية، تحسين شروط الحياة الاجتماعية عن طريق التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية، مكافحة الفساد بشكل قوي ونهائي وحاسم وليس التلاعب به من فترة لأخرى كوسيلة لتبييض صفحة النظام وتخدير الشعب بالوعود الاصلاحية، تطوير التعاون والتفاهم الإقليميين بين ‏الدول العربية والدول الأسلامية بما يعزز موقعنا جميعاً في مواجهة الضغوط ‏الخارجية. ويشكل كل هذا برنامجا متكاملا لاستعادة المبادرة الاستراتيجية والسياسية التي فقدناها أو نحن على طريق فقدانها بسبب سياسات نظمنا الأنانية واللامسؤولة واللاعقلانية. ومستقبلنا مرتبط بقدرتنا على استعادة ‏زمام المبادرة من اجل اعادة بناء ما تهدم من بنياننا وأخذ مصيرنا بيدنا، وعدم السماح للآخرين بأن يكونوا ‏هم ولاة امرنا، وهم الذين يتحكمون بالطريقة التي سوف نعيد بناء انفسنا بها ، اي ‏في الواقع بإعادة بناء نظامهم، النظام الاستعماري او شبه الاستعماري الجديد.‏

 

* ماذا يمكن للقوى الديمقراطية في الدول العربية ان تفعله في تعاطيها مع ‏استبداد حاكم واحتلال اجنبي قادم او في الأقل تعلق بأذيال المصالح الأجنبية؟
*  مانفعله حتى الآن هو تعبئة الشعب، وتوعيته ‏بحقوقه ومصالحه وبالحياة السياسية السليمة، وتنظيمه، حتى نستطيع فعلاً ان نقود ‏نحن انفسنا، ومن داخل مجتمعاتنا، حركة التغيير باتجاه الديمقراطية. لأن التغيير ‏لا يمكن الا ان يعكس، في اهدافه وماسيصل اليه، القوى التي قامت به. اذا قامت  القوى الاستعمارية والأمريكية بالتغيير، ستكون النتيجة ان الأمريكيين هم الذين ‏سيستفيدون من التغيير, أما اذا قمنا نحن بالتغيير، أعني الشعوب العربية والاسلامية، ‏فهي التي ستحدد مضمون هذا التغيير وتقطف ثماره وتوظفه لتحقيق مصالحها، سواء فيما يتعلق بالمشاركة ‏السياسية وتأسيس حياة ديمقراطية سليمة، او فيما يتعلق بإعادة النظر في السياسات ‏الإقتصادية وبشكل خاص في السياسات الاجتماعية التي وصلت الى درجة من الفساد لم يعد من الممكن احتمالها، إذ انقسمت المجتمعات على أثرها بين اقلية محدودة مكونة من أسر تكاد تعد على أصابع اليد تملك المليارات، وأغلبية يصل حد الفقر في وسطها احياناً الى 70-60% . ويبلغ معدل الذين يعيشون تحت حد الفقر في سورية نفسها اكثر من ‏‏30% . ‏بينما تضرب البطالة القسم الأكبر من الشباب الذين لم يعد لديهم أي أمل في الحياة الكريمة. ماالذي أوصلنا لذلك؟ وما الذي يبرر مثل هذا التدهور الخطير في الأوضاع الاجتماعية ؟ إنها سياسات الاستهتار المطلق بمصالح الشعب ‏الوطنية، ومصالح الشعب الاجتماعية. من هنا فإن التغيير مصلحة شعبية، ولا يمكن تحقيقه ‏وتحقيق اهدافه، في الديمقراطية والمساواة والعدالة والكرامة الأنسانية، الا اذا قامت ‏به القوى المحلية. ودور القوى الديمقراطية هي ان تنظم هذه القوى وتعبئها وتعيد ‏توحيد الشعب وتنظيم صفوفه من اجل الوصول الى هذا التحول الديمقراطي السياسي والاجتماعي معا. لذلك، لا يهمنا ماذا يفعل الأمريكيون، ولا ماذا يفعل الأوروبيون. نحن ‏لنا اجندتنا الخاصة، ولنا مشروعنا الخاص، ولنا سياستنا الخاصة، ونسير في خطنا. ‏وسنقف ضد الاستبداد وضد الاحتلال وضد الاستعمار في الوقت نفسه. وهذا ‏مانفعله حتى الآن. ونحن منسجمين مع انفسنا، لأننا نعرف بأننا، مهما حصل، لا ‏يمكن ان ننجح في تحقيق اهدافنا، الا اذا قمنا بها بأيدينا، وبنينا القوة التي ستحميها ‏في المستقبل. فالذي سيحمي الديمقراطية في المستقبل ويحملها على أكتافه، ليس الدعم الأمريكي ولا ‏الدعم الأوروبي وإنما وجود قوى ديمقراطية ‏شعبية حقيقية، داخل بلداننا. اذا لم ننجح في تحقيق ذلك نكون قد خسرنا ‏المعركة وفتحنا المجال امام تفاهم جديد بين النخب المستبدة الفاسدة، والنظام ‏الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. نحن نأمل بأن نستطيع التغيير، من ‏خلال تعبئة القوى الاجتماعية المحلية، وتنظيمها ودفعها الى التعامل الايجابي فيما ‏بينها ايضاً، وانجاز مصالحة وطنية حقيقية، تجنبنا الحروب والنزاعات وحركات ‏الإنتقام، وتصل بنا فعلاً الى حالة من الحياة المدنية الطبيعية، أي إلى الخروج من الحالة ‏الاستثنائية نحو حالة من الحياة السياسية والاجتماعية السليمتين. نحن لسنا مختلفين ولا نريد ان نكون ‏مختلفين عن الشعوب التي تعيش في ظل قوانين واضحة، في اطار ‏حياة سياسية تقوم على التفاعل والتفاهم والنقاش والحوار والتنافس بالوسائل السلمية، ‏يحترم فيها الفرد الفرد الآخر ولا يهدده ولا يستخدم ضده القوة والسلاح والسجن والاغتيال لأنه يختلف معه بالرأي ولا يحرمه من حرية التعبير عن الرأي أو التظاهر أو النقاش ويستخدم في وجهه أساليب الترعيب والترهيب ليخضع ويذله ويجعله أداة طيعة لخدمة أغراضه الخاصة، كما هو حاصل الآن. نحن نريد ان تشعر الشعوب العربية بأنها مكونة ‏من بشر طبيعيين، لهم حقوق وعليهم واجبات ويستطيعون ان يفكروا ويشاركوا ‏وينافسوا غيرهم، تحكمهم قواعد العقل والأخلاق، ويمكن المراهنة على ضمائرهم المدنية لاتباع طريق الصلاح والعمل الايجابي، لا أن يعاملوا كالانعام ويحجر عليهم ويحرمون من حرية التعبير والتنقل والتنظيم، بل التفكير، ويقادون بالسياط والسلاسل. نريد ان نخرج من هذه الحالة الاستثنائية التي حكم فيها على المجتمعات بأن لا تعرف في حياتها سوى العنف والزجر والضرب والإهانة والقمع نحو حالة يشعر ‏فيها العربي والمسلم بأنه إنسان، له كرامة وله حقوق، له دور ومكانة وموقع واحترام، وهو قادر على المساهمة ‏الايجابية في جميع شؤون حياة المجتمع الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية. ومن دون ذلك كيف سيكون بإمكاننا أن نطور شعوبنا. وماذا سنحصد اذا شعر أي فرد بأن ليس عليه مسؤولية، وهو غير أهل، وليس لديه القدرة ولا الكفاءة ولا الحرية ليفعل شيئاً، وان المخابرات هي الوحيدة التي تستطيع ان تفعل كل شئ: تبني المجتمع وتحميه من نفسه وتدافع عن ‏الوطن وتقف ضد الأجانب وتسير الاقتصاد وتقود العمل السياسي، وتنشر الثقافه، وتقرر ماهو الصحيج وما هو الفاسد في العلوم والمعرفة، وماهو لازم للبث في وسائل الإعلام وما لا يحق للمجتمع معرفته أو الإطلاع عليه.‏
لقد تحولت مجتمعاتنا الى دمى تحركها اجهزة لا يهمها سوى مصالحها وتأبيد ‏سيطرتها، لا تملك شيئا من الوعي السياسي ولا تهتم أصلا بالسياسة. جوهر تفكيرها الحرب ولا تفهم في مواجهة الشعوب التي تتحكم بها سوى لغة الضرب والقتل والارهاب والتخويف لفرض الصمت والإذعان والانسحاب من الشؤون العامة والانطواء على النفس على الجميع. في مثل هذه الحالة، كيف تريدون لهذه الشعوب ‏ان تكبر وتتطور، وان تواجه الهجومات والضغوطات الغربية؟

 

*  ماالمطلوب من الشعب السوري في هذه المرحلة الراهنة؟
*  المطلوب من الشعب السوري ان يتعبأ ويلتف حول قوى المعارضة ‏الديمقراطية، من اجل ايجاد بديل ديمقراطي سلمي للنظام القائم، الذي خان الأمانة الوطنية وتخلى عن المصالح الشعبية عندما قبل بتعميم الفساد، وتساهل مع تغييب القانون، وعلق الدستور بالأحكام العرفية والاستثنائية ، وسلم الشعب مقيد اليدين، فريسة سهلة لأصحاب المصالح الخصوصية والأنانية بمساعدة الأجهزة الأمنية وتحت إشرافها.‏

 

*  وكيف تقرأون وضع النظام السوري بعد قرار مجلس الأمن الأخير ‏رقم 1664؟ .... يعني كيف ترسم لنا صورة النظام بعد القرار ، اياً كانت نتائج ‏ومضاعفات تقرير لجنة التحقيق الدولية؟
*  النظام السوري بعد هذه القرارات، او بالأحرى بعد الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها في معالجة الأوضاع التي أدت إلى التصويت على هذه القرارات، هو كالمحكوم بالأعدام مع وقف التنفيذ. لقد فقد ‏رصيده الداخلي، فلم يعد احد يؤمن بأنه أهل لقيادة السياسة المحلية الوطنية. كما أن إضاعة البرلمان وأعضائه لصدقيتهم وتصرفهم كما لو كانوا أدوات طيعة في خدمة السلطة التنفيذية من دون أي هامش حرية، حتى مظهرية، قد جعل من جميع القوانين والقرارات التي يسنها النظام قرارات وقوانين شكلية خالية من الشرعية والفاعلية. هناك شعور متزايد إذن بأن البلاد تفتقد للقيادة السياسية. وفي الوقت نفسه فقد النظام أيضا صدقيته لدى الدول الأجنبية التي يراهن على التفاهم معها لكبح جماح الحركة الديمقراطية وصعود حركة المطالب الاجتماعية والسياسية. لا يهمنا اليوم كيف وصل النظام الى هذا الوضع. المهم أن ننقذ البلاد وأن نطور قوى المعارضة الوطنية، ونوحد الشعب، ونعيد ‏توعيته، ونعيد تنظيمه، من اجل تغيير النظام ‏الراهن، واقامة نظام جديد، ديمقراطي، قائم على دعم شعبي وقاعدة وطنية ‏حقيقيين. هذا هو الطريق الوحيد اليوم لضمان احترام مصالح الشعب الوطنية و‏الاجتماعية، في سوريا وفي جميع البلدان العربية والاسلامية على حد سواء.‏

 

* ماهو البديل عن النظام الناجز في سوريا؟
*  البديل هو ببساطة نظام ديمقراطي وتعددي. أما غير ذلك فليس هو مشروعنا ولا هدفنا. نحن ‏نريد ان نخرج من هذا النظام الذي يقوم على تسليط اجهزة الأمن، ولا يؤمن الا ‏بالعنف، لتسيير الجماعات، ونحل محله نظاما ديمقراطيا تعدديا، ‏يحترم كرامة الانسان ويعترف بحقوقه، ويراهن على مشاركة المواطن الايجابية، من اجل الأصلاح. كيف يمكن تحقيق الاصلاح والقضاء ‏على الفساد اذا بقي موقف المواطن سلبيا؟ اذا كانت الأجهزة التي تريد ‏ان تحارب الفساد، هي نفسها فاسدة، على من نراهن؟ نحن لا يمكن ان نراهن الا ‏على وعي المواطنين وارادتهم ومشاركتهم، والتزامهم من اجل التغيير ومحاربة الفساد الذي دمر المؤسسات، بما في ذلك الدولة نفسها وشوه مفهومها وفكرتها. نحن نعتقد، في اطار حركة المعارضة ‏الديمقراطية، ان العمل من اجل التغيير هو مخاض للشعب السوري لا بد أن تولد منه حركة ‏خلاص وطني حقيقية، محمولة على موجة نهوض شامل على جميع المستويات الفكرية ‏والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والوطنية في الوقت نفسه.‏
هذا لا يعني ان النظام الديمقراطي ليس فيه نقائص ولا يحمل في طياته أية مخاطر، ولا يواجه أو لن يواجه العديد من التحديات. ليس هناك مسيرة من دون مخاطر وتحديات. علينا أن نواجه هذه المخاطر والتحديات. ونحن نعرف أنه، بالرغم من كل شيء، ‏ليس هناك نموذج أفضل لقيادة المجتمعات وتسيير شؤونها من الإدارة الديمقراطية.
وإذا كنا نحن العرب قد فقدنا احترام الشعوب والمجتمعات الأخرى، بما فيها المجتمعات الإسلامية، لنا فلأننا أظهرنا استهتارا غير مقبول ولا مفهوم بالقيم ‏والمبادئ والنظريات التي اقرها الرأي العام الدولي بأكمله، وفي مقدمها الديمقراطية وأصول الحياة المدنية والسياسية القانونية. ولا بد بعد هذا الضلال الكبير أن نعود إلى أنفسنا، وندرك أنه لا بد للفرد أن يحترم في بلادنا وأن يعرف أن له حقوقا وعليه واجبات ومسؤوليات، وأن الدولة لا يمكن ان تقوم ‏بدون قانون، وان المؤسسات لا يمكن ان تعمل على قاعدة الولاء الشخصي أو ‏القبلي أو الطائفي أو العشائري، وانه ينبغي ان يكون هناك معايير موضوعية لتسيير ‏المؤسسات ومباديء أخلاقية للتعامل مع البشر. نحن تجاهلنا كل هذا، واستهترنا بالقيم والمعايير الانسانية، ولذلك أصبح المجتمع الدولي يستهتر بنا، ويستوطي حيطنا ‏، كما نقول نحن في لغتنا المحلية، لأننا بالفعل وصلنا الى درجة من البؤس الفكري، ‏والبؤس السياسي، والبؤس الاقتصادي، والبؤس الاجتماعي، والبؤس العلمي، ما يتجاوز حدود المعقول، وما يجعل الآخرين يعتقدون أن من واجبهم التدخل في شؤوننا وإصلاح أحوالنا. ولا يخرجنا من هذا الفخ الذي نصبناه لانفسنا سوى مبادرتنا، نحن ذاتنا، إلى إصلاح السوء فينا. هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجهنا. ويحدونا الأمل، ونحن أبناء أمم عريقة، أن يكون ما عشناه من تجارب أليمة درسا لنا يساعدنا على التحرر من أوهامنا ويمكننا من الارتقاء إلى مستوى التحدي والرد الناجع عليه.