الراية القطرية: الاصلاح والمعارضة في سورية

2004-02-16 :: الراية القطرية

ترجمة :

 حيان نيوف

  2004-02-16

وجهت الراية مجموعة من الأسئلة حول مستقبل الإصلاح إلي البروفسور السوري المعروف برهان غليون ، مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون الجديدة - باريس 3-، وأستاذ علم اجتماع متخصص بالمجتمعات العربية المعاصرة بنفس الجامعة، وجري الحوار كالتالي:

 

* كباحث وأكاديمي سوري - ولست معارضا - كيف تري مستقبل عملية الإصلاح السياسي في سوريا بلغة بحثية أكاديمية بعيدا عن القنابل الأيديولوجية التي تستخدمها المعارضة السورية؟

* أعتقد أن التوازنات الثقافية والنفسية والسياسية والاقتصادية التي استقرت بعد أربعين عاما من الحكم المطلق والمتواصل من دون انقطاع لا تسمح بحصول تغييرات جدية داخل النظام الذي يبدو مكبلا بقيوده الذاتية. وهذا ما يفسر التعثر الكبير الذي واجهته السياسات الإصلاحية في السنوات الأربع الماضية. وهذه التوازنات التي نجمت عن عقود طويلة من تكييف المجتمعات والمؤسسات معا لا تسري علي الفئات الحاكمة فحسب ولكن علي المجتمع أيضا. فلا يعادل عجز الطبقات المسيطرة عن توليد تيار إصلاحي متسق إلا عجز المجتمعات عن إفراز قوي تغيير قوية قادرة علي هز هذا الجمود القائم وزعزعته. هذا لا يعني أنه لن يكون هناك إصلاح أو تغيير ولكن مصدر هذا التغيير سيكون، كما هو واضح اليوم، في تبدل البيئة الخارجية الإقليمية والدولية التي ستفرض بالضرورة تغييرا في التوازنات الداخلية. وهو ما نعيشه في حقبتنا الراهنة. ومن هنا لا أجد أي معني للحديث عن الاختيار بين تغيير من الداخل وتغيير من الخارج. الواقع أن التغيير من الداخل قد فشل منذ سنوات طويلة في سوريا والعالم العربي معا لأسباب ليس هنا مجال شرحها. إن ما نشهده من تغيير، حتي الجزئي والثانوي منه هو ثمرة تغير السياق الخارجي, ومن المؤكد أنه سيتزايد أيضا مع تطور هذا السياق.

 

* هناك من يعتقد ان الإصلاح السياسي لن ينطلق قبل إصلاح الإعلام حتي يبدأ الحوار عبر إعلام محلي ويبدأ السوريون سماع أخبار بلدهم عبر إعلامهم المحلي  ما رأيك بهذا القول؟

* الإصلاح الإعلامي هو جزء من الإصلاح السياسي. فليس للإصلاح السياسي في الوقت الراهن معني آخر سوي الإقرار بالتعددية الفكرية والسياسية علي طريق تفكيك نظام الحزب الواحد وإعادة السلطة إلي صناديق الاقتراع. وعندما نتحدث عن تعددية وتحول، حتي التدريجي منه، نحو الديمقراطية فنحن نتحدث بالضرورة عن فتح المجال الإعلامي وكسر احتكار الحزب الحاكم والنخب المسيطرة علي المعلومات وعلي أجهزة الإعلام بما فيها أجهزة الإعلام الوطنية أو العامة. فالديكتاتورية لا تتجسد فقط في احتكار السلطة ومنع الآخرين من المشاركة فيها ولا في تجريم العمل السياسي والتنظيمي وإنما أيضا في منع التيارات وقطاعات الرأي العام الأخري من استخدام وسائل الإعلام العامة وقصر هذا الاستخدام علي القائمين علي السلطة أو علي الحزب المسيطر عليها. ولا يمكن لسلطة ترفض الإصلاح السياسي أو تتردد فيه القبول بفتح المجال الإعلامي. ذلك أن احتكار الإعلام والمعلومات وطمس الحقائق وتشويش وعي الأفراد ومنعهم من معرفة الحقائق المتعلقة بحياتهم العامة بل قلب هذه الحقائق بشكل متعمد، كل ذلك يشكل أدوات لا بد منها للحفاظ علي احتكار السلطة ومنع المنافسين من الحصول علي الموارد المادية والمعنوية التي تمكنهم من المنافسة الشرعية وغير الشرعية عليها.

 

* لكن ألا تعتقد ان مجرد السماح لك مثلا بإلقاء محاضرات علنية عن الشأن الداخلي وبسوريا ، وتنوع الحركات الناشئة في سوريا وإصدار البيانات هو دليل علي هامش حرية التعبير الموجود في العهد الجديد؟

* المناخ السياسي والنفسي والفكري داخل المجتمع السوري قد تغير كثيرا وهو في طريقه إلي أن يتغير جذريا. وهذا يفرض نفسه علي المثقفين وعلي المسؤولين أيضا الذين يدركون أن استخدام وسائل القهر نفسها يمكن أن تكون له نتائج سلبية أكثر. ولذلك فهم يميلون اليوم إلي تطبيق سياسات احتواء للمثقفين والناشطين ذات تكاليف سياسية أقل، خاصة بالنسبة لنظام يريد أن يستعيد صدقيته الدولية ويراهن علي الاندماج في الاقتصاد العالمي الليبرالي بعد أن اعترف بإخفاق سياساته التقليدية. لكن مع ذلك ليس من الصحيح أن النظام يسمح لي ولغيري من المثقفين بإلقاء محاضرات علنية. وأنا لم ألق أيا منها في سوريا علي الإطلاق. لقد دعيت من قبل منتديات خاصة وممنوعة يجتمع فيها الناس داخل شقق مغلقة، ونادرا ما تكون في صالونات واسعة كما كان الحال في المحاضرة الأولي التي ألقيتها في منزل رياض سيف والتي تم علي أثرها اعتقال صاحب المنزل وسبعة آخرين من الذين شاركوا في منتدي الحوار الوطني أو كانوا أعضاء في مكتبه والحكم عليهم لسنوات سجن طويلة. وأنت تعرف أنه لا يوجد إلا منتدي واحد مرخص في سوريا هو منتدي الأتاسي، تلقي فيه المحاضرات داخل صالون منزل الأتاسي نفسه. ويتعرض كل من يشارك في اجتماعات أخري إلي تحقيقات وتهديدات دائمة من قبل أجهزة الأمن كما يتعرض المحاضرون إلي إجراءات تنكيلية لا تنتمي لعصرنا أبدا ولا داعي الآن للحديث الموسع فيها. وقصدي أن أقول إن ما يبدو من تساهل جزئي تجاه المثقفين ليس نتيجة الإصلاح السياسي أو الإعلامي ولا ثمرة إرادة الحكم ولكن بسبب تغير السياق الجيوسياسي والمناخ الدولي العام وعجز النظام الذي ولد في ظروف الحرب الباردة الاستثنائية من إعادة إنتاج نفسه بالوسائل والطرق التقليدية نفسها. وهذا التغير هو الذي يفسر أصلا انهيار النظم السوفييتية والشيوعية السابقة، بالرغم من المقاومة الشرسة لحكامها ونخبها البيروقراطية. وما حصل في سوريا من تغير في هذا المجال لا يعتبر شيئا مهما بالمقارنة مع ما حصل في هذه الدول. والمقارنة هنا ضرورية. لأن هذا هو الذي يجعلنا نفهم لماذا يعتقد الرأي العالمي، بل حتي حلفاء سورية، أن الجمود هو السمة البارزة في نظامنا وهو الذي يبعث الشعور العميق بالخيبة ويدفع العديد من الذين دعموا النظام في سنواته الأولي إلي التخلي عنه والانسحاب من المراهنة علي حركته الإصلاحية كما حصل للفرنسيين.

 

* عندما نتحدث عن الأهوال والمشاكل في المنطقة يقال أنها تؤثر علي وضع أي بلد ، وأيضا هل تعتقد أن إطلاق الإصلاح بشكل كبير في بلدان مجاورة يشجع عملية الإصلاح بسورية ويدفعها قدما؟

* بالتأكيد كما أن الخراب الذي يحيق بنا لا بد أن ينعكس علينا. وليس من قبيل الصدفة أن المنطقة العربية برمتها تتعثر في مشاريع الإصلاح.

 

* هناك مطالبة دائمة بالإصلاح والمصالحة.. من بيته من زجاج لا يضرب الآخرين بالحجارة هذا هو المثل الشهير الذي يمكن تطبيقه علي أطراف المعارضة واللجان الحقوقية التي تلونت وتعددت. إذن المعارضة بحاجة إلي إصلاح قبل أن تطالب بالإصلاح - أليس كذلك؟!!

* لا يمكن وضع المعارضة والنظام في هذا المجال علي مستوي واحد. المعارضة جمعية وجمعيات خاصة تمثل مجموعة من المواطنين الذين لا يملكون أدوات السلطة ولا يتحكمون بمصير البلاد. الحكومة ذات مسؤوليات عامة وبيدها موارد الدولة ومصيرها معا. وما هو مطلوب منها قبل أي شيء آخر هو خدمة مصالح البلاد العامة والدفاع عنها في حين أن الجمعيات تدافع بالتعريف عن مصالح الفئات الخاصة التي تعبر عنها أو تمثلها. ثم إن وضع المعارضة ليس مفصولا ولا يمكن فصله عن سياسات الحكم ومؤسساته. والمعارضة السورية تعيش حالة صعبة اليوم وتعاني من التفكك لأنها محاصرة ومحرومة من أي هامش مبادرة أو تواصل مع المجتمع. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تأكل نفسها وأن تدور في حلقة مفرغة. كيف يمكن لمعارضة أن تنشأ وتتطور وتكون سليمة في نظام يحرم حتي النقاش وتداول الرأي حتي في الصالونات الخاصة ويحتكر جميع وسائل الإعلام والاتصال الخاصة والعامة؟ لا قيمة للمعارضة ولا حظ لديها في النمو والتقدم فكريا وسياسيا من دون قاعدة اجتماعية، ولا يمكن أن يكون لها قاعدة اجتماعية من دون تواصل مع الجمهور ولا تواصل من دون وجود الحق في التجمعات والمهرجانات وممارسة النشاطات السياسية والمدنية بصورة حرة أو شبه حرة. ومن دون ذلك ليس هناك أي أمل بنشوء معارضة. والحال أن القوانين الاستثنائية التي جعلت من مجتمع كامل مجتمعا مجردا من حقوقه المدنية والسياسية وخاضعا بشكل كامل لوصاية رسمية من قبل السلطة وقيادتها القطرية لم توجد إلا لتمنع مثل هذا التواصل وتقضي علي أي فرصة أو نافذة أمل لتكون معارضة بالمعني السليم للكلمة. ولو تأملت في ما هو قائم لوجدت أن معارضتنا ليست في حقيقة الأمر معارضة للنظام ولكنها بقايا الحركات السياسية القديمة التي كانت في تنافس مع حزب النظام واستمرت في الوجود بفعل العطالة التاريخية. لم تنشأ بعد معارضة سياسية في النظام ولا يمكن له أن يسمح بمعارضة مهما كان نوعها. ما نشأ ويمكن أن ينشأ في مثل هذا النوع من النظم هو ما كان يطلق عليه السوفييت اسم المنشقين. والحركات الإسلامية المتطرفة التي نشأت هي بالفعل في حضن النظام هي التعبير الأبرز عن هذا الانشقاق. حركات العنف السياسي هي المعارضة الحقيقية الوحيدة التي أنتجها النظام التسلطي العربي في كل مكان ولا يمكن أن ينتج غيرها. باختصار، ضعف المعارضة السياسية الراهنة هي حجة ضد النظام وليس معه.