إشكالية العالم الاسلامي ليست في الدين بقدر ما هي في ادارة الازمة

2000-04-28 :: البلاغ

ترجمة :

داود محمد - البلاغ 


* كتابكم الأخير "الاسلام والسياسة، الحداثة المغدورة" يأتي ليضيف لبنة جديدة في النقاش الدائر حول هذه الاشكالية في العالم العربي والاسلامي، هل يمكن تقديم رؤية للأساس النظري الذي تنطلقون منه لمقاربة هذه الاشكالية ؟ أي ما هي نظرية الدولة التي تعتمدونها؟ وما تفسيركم للدين كظاهرة أتت لتجيب على أسئلة يعيشها البشر؟
* لا يفيد الحديث عن الدولة وعن الدين بشكل مجرد وعمومي إذا أردنا أن نفهم بالفعل خصوصية التاريخ المتوسطي والعربي الاسلامي في هذا المجال. ولذلك كان من الضروري في اعتقادي التمييز داخل الدين بين الأديان الكونائية القديمة التي كانت تقدم تفسيرات لتساؤلات كونية، وجودية، مصيرية متعلقة أساسا بنشأة الكون ومآله، وبين الأديان التوحيدية التي ربطت بين مجموعة السير الكونائية المعروفة ومفهوم جديد للمجتمع وللعلاقات الاجتماعية، أي بين الايمان وتطبيق شريعة مصدرها الخالق الواحد. ومنذ هذه اللحظة يمكن القول إن انقلابا قد حصل في ميدان تنظيم الشأن العام (السياسي بالمعنى الواسع). فالدين الذي كان فعالية من فعاليات الدولة أو رئيسها، وصفة من صفاته قد أصبح هو الفعالية الأساسية التي تطمح الى أن تلحق بنفسها فعاليات كانت تعتبر من صميم اختصاص الدولة والسياسة، أي الاهتمام بشؤون الحياة اليومية والاجتماعية وتطبيق قوانين منزلة بخصوصها، ولذلك سوف يشهد التاريخ في منطقتنا المتوسطية، بعكس المناطق الأخرى الآسيوية والافريقية والأمريكية ما قبل الكولمبية ولأول مرة صراعا على احتلال الفضاء العام بين السلطات الدينية والسلطات السياسية في كل المجتمعات التي انتشرت فيها الديانات التوحيدية ولا يزال الأمر كذلك حتى اليوم، مع فارق أن الدولة هي التي فرضت نفسها في النهاية. وكما أن التمييز الذي أدخلناه على مفهوم الدين ضروري لفهم آلية تطور السلطة الروحية وتغير سلوكها تجاه الدولة، فإن التمييز داخل الدولة ضروري لفهم آلية تطور السلطة السياسية وتبدل طرائق عملها وسلوكها. فالدولة التي ظهرت في عصرها، وكرد فعل عليها. الأديان التوحيدية هي تلك الدولة القديمة التي انحطت فكرتها فصارت القداسة التي كان يتمتع بها الملك وسيلة لاستعباد الجماعة واخضاعها لمصالحه وأهوائه الشخصية. بعد أن كانت مصدر إلهام أخلاقي وأساس اتحاد للجماعة. ومن هنا كانت الادانة الحاسمة في القرآن للطاغوتية من فرعونية وكسروية وقيصرية.. وبانتزاع الأديان التوحيدية صفة القداسة عن الحاكم القديم وجعلها خالصة لله فتحت الطريق أمام نشوء نموذج الدولة الامبراطورية التي دفناها في القرون الوسطى، سواء في شكلها الناقص أو المتأزم كما حصل في الغرب نتيجة زعزعة الفكرة الدينية الجديدة للفكرة السياسية واستتباع هذه الأخيرة للكنيسة، أو في شكلها الناجز كما حصل في الشرق الاسلامي حيث فرضت السلطة السياسية منذ نهاية العهد الحماسي للخلافة نفسها كمركز للسيادة ووضعت حدودا لا يمكن تجاوزها على سلطة رجال الدين.
ومن الصراع ضد تسلط السلطة الكنسية على السلطة السياسية وحرمانها من الوقوف على قدميها ومعرفة هويتها والقيام بمهامها سوف تتطور الأفكار والنظم والآليات التي سوف تقود الى نشوء الدولة الحديثة. وهذا هو الذي يفسر أن نشوء هذه الدولة أو نموذجها الأول قد حصل في البلاد الأوروبية المسيحية ولم يحصل في الشرق الاسلامي أو الصيني حيث كانت الدولة المركزية قد فرضت نفسها، واستقلت بشؤونها، أعني الشؤون السياسية. وفي الدولة الحديثة التي تشكل في نظري تحقيقا لفكرة السياسة التي نشأت منذ نشوء الدولة / المدينة القديمة نستطيع أن نجد المفتاح الذي يساعدنا على فهم تطور الدولة أو نموذجها العتيق الأول. فالدولة الحديثة هي التي تبرز لنا بشكل واضح الفرق بين التنظيم الاجتماعي الذي يستند الى أولوية السياسي أو العلاقة السياسية، وهو ما تجسده الدولة، والتنظيم الاجتماعي الذي يستند على أولوية الديني، أو العلاقة الدينية، وهو ما يجسده الدين أو الجماعة الدينية (الأمة الاسلامية، الكنيسة) فالعلاقة السياسية تقوم على تكوين المواطنة بينما تقوم العلاقة الدينية على تكوين الأخوة الروحية.
فالشرط الأول لقيام المجتمع في أي مكان وزمان، هو بناء الرابطة التي تربط بين أفراده المتعددين وتجمع بينهم وتجر لوجودهم معا معنى ومضمونا. أي بناء الوحدة الجمعية نفسها. وهناك طرائق أو نماذج عملية مختلفة لتحقيق هذا البناء. وما يميز نموذج عن آخر هو نمط الغايات والوسائل والآليات والعناصر التي يراهن عليها لتحقيق هذه الوحدة الجمعية وضمان استقرارها.
فنموذج الدولة السياسي يقوم على تحقيق غايات مرتبطة بوجود الانسان في هذا العالم، وهي رعاية المصالح الدنيوية، ويترك أمر الاعتقادات والتواصل مع القوى الروحية، مهما كان نموذجها الى الأفراد والجماعات أنفسهم وهو يراهن في تحقيق ذلك على آليات تنظيمية، على النظام، أي على تنظيم الصلاحيات والمسؤوليات ويحتاج للقيام بذلك الى تطوير قوانين وقواعد إجرائية،أو ذات طابع اجرائي واضح يخضع لها الجميه، والى بيروقراطية مدربة تشرف على تطويرها وتطبيقها، فالدولة هي بشكل رئيسي إدارة عملية للشؤون العامة والمشتركة، بصرف النظر عن الانماط المختلفة التي يمكن أن تأخذها هذه الإدارة وحجم الطبقات التي توضع لخدمتها. والدولة الحديثة التي تهدف الى تعميم مفهوم المواطن على جميع السكان والطبقات، تقوم أيضا على تطبيق قانون واحد وموحد على الجميع، ومساواتهم أمام القانون، وهي بقدر ما تصبح دولة مواطنيها، أي إدارة قائمة لخدمتهم جميعا، تربط شرعية وجود السلطة القائمة وتداولها بتأييد جميع السكان، ولا يصبح لأي شكل من أشكال الشرعية الخارجية ضرورة عندها.
أما نموذج الدين أو "الدولة الدينية" فهو يراهن في إنشاء الجماعة وضمان وحدتها وتضامنها وتعاونها واستمرارها على عامل آخر غير فعالية التنظيم ونجاعة الإدارة التي تضمن مصالح الأفراد، وازدهارها، وهو عامل الايمان. والايمان يعني الانخراط الطوعي والحماسي في عقيدة معينة ويعني التسليم والثقة التي تدفع المؤمنين، بصرف النظر عن طبقتهم وأصولهم ومصالحهم الى الخضوع للأوامر والنواهي التي ينص عليها الدين والايمان، وهو ما نسميه الشريعة. وبشكل عام بقدر ما تراهن الدولة في نموذج تحقيقها لوحدة الجماعة على تعميق بفكرة المواطن كنموذج لجميع السكان، بما يتضمنه هذا المفهوم من شعور بالمسؤولية الجمعية، واحترام للقوانين المدنية، والتزام بالتراتبية التي يفرضها كل نظام وتحقيق للمهام العملية الموكلة اليه يراهن الدين على تعميق مشاعر الأخوة الروحية وجعلها منبعا للتضامن والتضحية والتعاون من وراء التمايزات الطبقية والعرقية والجغرافية.
فكل وحدة تفترض القدر ة على تجاوز التناقضات التي هي سمة أصيلة وصميمية لكل واقع تجريبي. وبقدر ما تراهن السياسة التي هي وسيلة الدولة للبقاء على التنظيم القانوني الذي يضبط توزيع المصالح المادية التي تثير تنازع البشر. وضبطها ضمن إطار ينال ثقة الناس وقبولهم. تراهن العقيدة الدينية على الاطار الروحي، أي على ما يملكه الانسان من قوى خفية للارتفاع فوق شرط حياته المادية، ولرؤية المصالح الدنيوية عبر مفهوم أشمل للمصالح الأخروية. لذلك يضعف الرهان الديني كليا عزما يضعف الايمان بهذا الحياة الأخرى ولا يبقى هناك محفز للناس كي يتعاملوا كأخوة أي كأعضاء في ملك مشترك. ويتمسك كل واحد منهم بالمصالح الدنيوية. ونستطيع أن نقول باختصار إن الدين لا ينجر في تنظيم جماعة موحدة ومتضامنة. وبالتالي قابلة للحياة إلا عندما يسلك معظم المنتمين له سلوكا قائما على إعطاء الأسبقية لمصالح الحياة الأخروية. وبالعكس ليس هناك أي وسيلة أخرى لقيام الجماعات عند فقدان هذ السلوك المثالي القائم على عمق الايمان. إلا عن طريق التنظيم العملي والاجرائي للمصالح الدنيوية، كما هي، وهذا ما تشير إليه السياسة ووسيلتها العملية الدولة.


* في ثنايا حديثكم عن إشكالية الأصالة والمعاصرة تقدمون تقييما ايجابيا لحركة الاصلاح التي أسسها جمال الدين الأفغاني وأتباعه في مختلف الأقطار العربية. هل ترمون من وراء ذلك الى ضرورة قراءة جديدة لنصوص هذه الحركة ؟
* أعتقد أن حركة الاصلاح الديني التي ظهرت في أواخر القرن وامتدت خلال الربيع الأول من القرن العشرين، كانت بالأساس تيارا من تيارات التحديث التي عرفتها البلاد العربية والاسلامية، وقد عنيت أساسا بتحديث الخطاب الديني سواء ما تعلق منه بالكلام أو بالفقه أو بالممارسة الاجتماعية التي كانت متماهية مع الدين، كان أهم ما فعلته هو أنها جعلت الحداثة الفكرية والاجتماعية ممكنة. فقد ربطت بين المفاهيم الدينية القديمة وبعض المفاهيم العصرية. وحاربت الكثير من التقاليد الدينية التي تحد من الثقة بالانسان والعقل والعلم، وهي تشكل لحظة أصيلة في الوعي العربي والاسلامي ما كان من الممكن من دونها للعرب والمسلمين فهم مجريات العصر الحديث والقبول بها والانخراط فيها، وأصيلة تعني هنا ان هذا الفكر كان يعكس تفكير الرفض السليم لطرف واحد من المعادلة ويسعى الى الحفاظ على توازنه ورشده في بحر التناقضات والصراعات المتفجرة،. فالمتغربون المطالبون بتقليد الغرب في كل شيء كانوا مجرد ناقلين ومترجمين ولم يبذلوا جهدا لتعريض مترجماتهم للنقد الضروري لحصول الاستيعاب. وكان المحافظون بالمثل مجرد ببغاوات تعيد انتاج أفكار وتقاليد القرون الماضية.
لقد هدم الاصلاح الجدار النفسي والروحي والعقلي الذي كان يحول بين المسلمين وبين الاتصال والتواصل مع التطورات العلمية والتقنية السريعة التي تشهدها الحضارة، وبهذا المعنى فقد قام بعمل مضاعف، فمن جهة كشف للمسلمين عن جهلهم وتأخرهم وانحطاط نظمهم الاجتماعية والسياسية والعقلية والدينية، وعن جهة ثانية قرب اليهم النظم والمكتسبات الحديثة عندما أعاد صياغتها بلغتهم ومصطلحاتهم وتعابيرهم.
هذا هو الجانب الأول، الايجابي إذا شئت، لكن الموضوعي في نظري، لقراءاتي تراث الإصلاح. لكن الجانب الثاني، السلبي إذا أردت. هو أن الاصلاح ومناهجه في العمل خاصة التأويل الديني في ميدان الحداثة أصبح ككل عمل تاريخي جزءا من الماضي. وقد فقد صدقيته ونجاعته. اليوم لأن الاشكالية التي بلورها كانت ترد على مسألة أصبحت ثانوية الآن في نظري، وهي مسألة الدفاع عن مبدأ الانفتاح على الغرب وتبني قيم الحداثة ضد طائفة العلماء المحافظين، والحال اننا لم نعد نحتاج اليوم لاقناع أحد بأن مكتسبات الحضارة التقنية أو العلمية. مفيدة ولنا مصلحة أن نأخذها، إن مشكلتنا هي العكس تماما، ليست الدعوة للحداثة ولكن كما أرى، وهو ملخص أعمالي في السنوات الماضية، نقد هذه الحداثة والكشف عن العيوب والمأزق والانسدادات التي تتضمنها سواء على مستوى الفكرة والتصورات أو على مستوى التطبيق الذي شهدته في مجتمعاتنا العربية الاسلامية. واعتقد أن مشاكلنا الرئيسية اليوم ناجمة عن الأخذ بحداثة مشوهة. أو مفهوم مختزل ومفقر وعديم القيمة لحداثة استهلاكية واستعمالية لا قيمة لها ولا روح. ولا مخرج لنا إلا بإعادة النظر في مفهوم هذه الحداثة ونموذجها ووسائل تحقيقها من أجل العودة الى تاريخ يكون فيه من الممكن لنا السيطرة على ما ينهال علينا، أي على حركة التقدم العلمي والتقني بدل أن نكون ضحايا لها، وهذا يقتني قبل أي شيء آخر تطوير نظمنا الأخلاقية والفكرية والسياسية أي كل ما كنا قد تجاهلناه في نصف القرن الماضي.


* تقـولون في كتابكم "أن عهد الدولة الدينية قد ولى موضوعيا وليس في الغرب فقط" (ص 164) وليس هذا القول مبالغا فيه؟
* أعتقد أن قولي أصبح واضحا على ضوء الكلام السابق هنا. فلم يعد هناك امكانية للمراهنة الكلية ولا حتى الأساسية على الأخوة الروحية لتجاوز الصراع على المصالح وبالتالي لبناء جماعة منظمة وموحدة وقابلة للبقاء في أي بقعة من بقع العالم، إن جميع المجتمعات القائمة اليوم قائمة بفضل وجود دولة تتمتع بإدارة تحقق بعضا من النجاح في رعاية مصالح السكان الاقتصادية والصحية والتعليمية وغيرها، وعندما تخفق هذه الإدارة في تحقيق ذلك أو يبدو عليها الاخفاق لا يبقى هناك أي أساس لاستمرار الجماعة أو لضمان وحدتها واستقرارها. وكل الحروب اليوم حروب على توزيع المصالح لا على تجديد الأديان أو المذاهب أو التفسيرات الدينية، وحتى الحركات الاسلامية التي ظهرت في العقدين الماضيين في البلاد الاسلامية تدرك ذلك فلا توجه نقدها للسلطات القائمة على تجاهل هذه الأخيرة لرعاية مصالح الناس الأخروية ولكن لتقصيرها في رعاية مصالحهم الدنيوية. وهي لا توعد السكان بملكوت السماء ولا تجتذب ولاءهم وحماسهم لما تحجز لهم من مكان في جنة الله الخالدة، ولكن تؤكد لهم أنها الأقدر على رعاية مصالحهم الدنيوية وادارة دولتهم السياسية وتعبؤهم على شعارات تطبيق العدالة الأرضية.
بالتأكيد قد يحصل أن حزبا يدعي التشرب بقيم الاسلام أو يستلهم التقاليد والمباديء الاسلامية يصل الى الحكم. كما هو الحال في ايران. وقد تبرز داخل السلطة الاسلامية تيارات تنادي بإخضاع مصالح الدنيا الى مصالح الآخرة. لكن يبقى هذا الحدث عارضا سببا انهيار صدقية العقائديات التقدمية بعد أن ارتبطت بالظلم والديكتاتورية، ويبقى التيار التيوقراطي أقلية حتى في صلب النظم الاسلامية، ولابد أن ينشأ في هذه النظم، عاجلا أو آجلا التناقض العميق بين نظرتين عملية واقعية ونظرة عقائدية دغمائية، والأول هي المؤهلة حتما للانتصار لأنها هي التي تستجيب للظروف الموضوعية والاتجاهات العميقة للجمهور العربي كما هو الحال في كل المجتمعات الأخرى، هذا يعني أن جميع الأنظمة الاسلامية التي نشأت أو يمكن أن تنشأ في العالم بسبب الأزمة التي تعاني منها الحداثة المشوهة والرثة التي ذكرتها سوف تشهد لا محالة انقساما، ثم ازدواجية سلطة تقودها بالضرورة نحو معركة يعاد فيها للسياسة مكانها كمقوم رئيسي وناظم أول للعلاقات الاجتماعية والحياة العمومية، وأفضل دليل على ذلك ما يحصل في حضن النظام الاسلامي في ايران وهو الذي ولد من واحدة من أكبر ثورات العصر السياسية.


* عندما تقولون أن مسألة السياسي بدأت مع نهاية الخلفاء الراشدين هل تقصدون السياسي بالمعنى الميكيافيللي الذي ميز ممارسة معاوية بن أبي سفيان في مقابل الممارسة السياسية بالمعنى النبيل الذي ميز سابقيه من الخلفاء الراشدين ؟
* لا أقصد السياسي بمعنى مجموعة الغايات والوسائل التي تميز نموذج التنظيم السياسي عن نموذج الانخراط الدين الحماسي كما وصفته. وهذا يعني أولا جعل رعاية المصالح الدنيوية لجميع أو جزء من السكان محرك السلطة القائمة، مهما كانت أصول أو عقائد أو درجة ايمان القائمين عليها بخلاف السلطة الدينية التي تخضه هذه المصالح لمبدأ ضمان المصالح الأخروية، أي مصالح الدين والسلطة الدينية. وثانيا استخدام وسائل التنظيم والتراتب البيروقراطي وتحديد الصلاحيات من جهة والتعامل حسب ميزان القوى من جهة أخرى. وهو ما نسميه الحسابات السياسية لا العقائدية. ولعل خير تعبير عن ذلك كلمة معاوية، أول ملك في تاريخ العرب المسلمين: لو كان بيني وبين الناس شعرة لما انقطعت، اذا شدوها أوفيتها واذا أرخوها شددتها. فمن الواضح هنا أن معاوية يضع الحفاظ على السلطة والدولة في المرتبة الأولى. وأنه يتبنى موقفا براجماتيا لا عقائديا يسمح له بفهم ميزان القوى والسيطرة عليه.


* تعرف جميع الدول العربية والاسلامية ظاهرة الاسلام السياسي، لكن يبدو أن بحثكم يقصد دولا عربية وإسلامية معينة، أي تلك التي عرفت حركات تحرر ضد الاستعمار الغربي، ما تفسيركم لظهور الاسلام السياسي في دول تقول بتطبيق الشريعة ؟
* لا. لا يهتم بحثي بالدول العربية الاسلامية التي عرفت حركات التحرر ضد الاستعمار وان كنت قد قلت بالفعل أن قوة الاسلام السياسي وتطرفا مرتبط بدرجة الاخفاق الذي شهدته عملية التحديث التي عرفها المجتمع، وبالتالي بعمق هذه العملية نفسها. وهذا تماما على عكس الأطروحات الشائعة التي تربط ظهور الاسلام السياسي بالجمود أو بالتأخر الفكري والاجتماعي والحضاري. فهو في نظري ثمرة تحول المجتمع أو النظم الجديدة والحديثة، أي نتيجة خروجه من إطاراته المرجعية والعملية التقليدية ودخوله في الأطر الجديدة، من دون أن تجد هذه الاطارات المرجعية مكافئها الحقيقي في الحياة العملية، أي أن تتحقق الوعود الانسانية التي كانت مرتبطة بها. فلا حصلت الحرية ولا التضامن الاجتماعي المنتظر ولا العدالة. بل والأحترام الكرامة الانسانية للفرد والجماعة. لذلك قلت الاسلام السياسي هو الابن الشرعي للحداثة الرثة والمجهضة، التي أعيد تصويرها بما يسمح بانعتاق نخبة صغيرة واختناق شعب كامل. وهذه العملية ليست مقتصرة على دولة دون أخرق، عربية كانت أو غير عربية مستعمرة سابقة أو غير مستعمرة. فالمضمون الرئيسي للتاريخ الحديث عند جميع !لأمم والشعوب هو انخراطها في عملية التحديث وسعيها المخفق أو الناجع إلى استيعاب الحداثة سواء من حيث هي وسائل إنتاج (التصنيع) أم نظم سياسية (بناء المواطنية التي تقوم على المساواة في التقرير، والحرية الفردية والمشاركة العملية في تقرير مصير المجتمع). أم من حيث هي قيم إنسانية داعية الى جعل الانسان في مركز العمل الاجتماعي والفكر. وتحوله الى غاية لا الى وسيلة لخدمة الدولة أو ضحية للنظام السياسي ولاستقرار السلطة وهيبة الدولة. ولكن رد فعل الجماعات التي خسرت رهانها على الحداثة يختلف باختلاف إرثها الثقافي والتاريخي وظروفها وامكانياتها ومواردها وموقعها في الخريطة الجيوسياسية. ففي العديد من الدول الافريقية والآسيوية كان للعقيدة الأقوامية أو الاتنية الدور الأول في التعبير عن اجهاض قيم الحداثة، وهو الذي قاد الى حروب تصفية عرقية لا تزال مستمرة في بعض البلاء ويمكن أن تنتشر في بلاد أخرى. وفي البلاد العربية والاسلامية التي تملك بنية ثقافية وطنية أمتن، كان للعقيدة الدينية الدور الأول في ذلك، وقادت الى تفجر حروب سياسية عقائدية بالدرجة الأولى.


* تعرف فصائل الاسلام السياسي تحولات كبيرة منها من يفوق في التطرف والعنف ومنها من يرفع شعار الديمقراطية، ما هو مستقبل الاسلام السياسي ؟ وما هي حدود الحل الأمني المطبق في بعض الدول العربية ؟
* الاسلام السياسي ظاهرة تاريخية مرتبطة بأزمة نموذج الحداثة والتحديث الذي عرفته المجتمعات العربية وليس له أي قاعدة في الحقيقة الدينية. ومن المفروض ان يستمر، ويستمر عبره اللجوء الى العقيدة الدينية للتعويض عن افساد العقائد الوطنية والاجتماعية الحديثة في بناء لحمة التضامن الاجتماعي والهوية الجمعية، وذلك طالما استمرت ازمة نموذج الحداثة. ولم ينجح العرب والمسلمون في التوصل الى طريقة يمكن فيها استيعاب المكتسبات الحديثة، والعلمية والتقنية والفكرية والسياسية، دون أن يكون قتل الانسان وسحقه هو الثمن المطلوب لذلك. اما اتجاه هذا الاسلام السياسي نحو التطرف او نحو التعامل السياسي فليس له علاقة بوجوده ولا بعقيدته ذاته ولا باسلاميته انما هو مرتبط بعمق الازمة القائمة من جهة وبالاستراتيجية التي تتبناها السلطات الحاكمة والتيارات السياسية الأخرى لمقاومة او استيعاب الاسلام السياسي. انه مرتبط بطريقة التعامل مع الحركات الاسلامية من قبل خصومها ومعارضيها. واذا كان من الصحيح ان بعض تيارات الاسلام السياسي ميالة للعنف : فهي ليست الوحيدة من بين التيارات السياسية التي عرفها القرن العشرون. وحرب العصابات التي كانت تشنها الفصائل الماركسية لا تزال مستمرة حتى الآن في بعض المناطق، والمهم ان تعرف السلطات الرسمية والقوى السياسية الأخرى كيف تحمي البلاد من الانجرار الى العنف وتجنبها الحرب الاهلية، والحركات الاسلامية تجمع تحت رايتها فئات ومطالب اجتماعية ومشاعر احباط عميقة ومتوترة بالفعل، وهي لا تنتظر الا شرارة واحدة كي تنفجر وتعبر عما يجيش في قلوب اتباعها من شعور بالغبن والظم،وللاسف في معظم الحالات فضل المسؤولون العرب تفجير القنبلة الموقوتة التي تكونت نتيجة السياسات السيئة وغير العادلة، بدل السعي الى نزع فتيلها بالحوار والتفاوض والاعتراف بالمظالم وتلبية المطالب الاجتماعية العادلة، او على الاقل جزء منها، وهكذا كان اختيار الحرب او ما يسمى بلغة مخففة الحل الامني هو الذي انتصر وليس اختيار السياسة ومعالجة الأزمة الوطنية بوسائل سلمية.
بالتأكيد لا احد يعتقد ان للحل السياسي مفعول السحر، وانه كان يستطيب ان ينهي الازمة بدورة نقاش او يقضي على التيارات الاسلامية بالاقناع. ولكن كان من الممكن ان يجنب البلاد تكاليف الحرب الاهلية. وان يدفع بالحركات الاسلامية شيئا فشيئا نحو القبول بقواعد الصراع السلمي. وهذا ما أثار الرعب عند التنظيمات السياسية العلمانية الضعيفة وغير القادرة على المنافسة. ولذلك فقد شجعت في معظمها على اتباع الحل الامني. ومن المنتظر ان ينجح الحل الامني في القضاء على التكتل السياسي الكبير وعلى الحشد الواسع الذي قامت به التيارات الاسلامية في السنوات الماضية. لكنه لن يساعد التيارات المعارضة الاخرى على الحلول محلها. بل سوف يدعم مركز السلطة القائمة ويعمق نزوعاتها المطلقة لانه لن يستطيع القضاء على العنف ولو جاء من طرف اقلية محدودة. ولان السلطة القائمة سوف تحمي بنفسها هذا العنف المتبقي لتجعل منه وسيلة للابتزاز بالامن، وبالتالي لتجنب نفسها المساءلة عن سياساتها وردع اي مطالب اجتماعية جديدة. ان نتيجة الحل الامني هو تمديد عمر الديكتاتورية وتأجيل الاصلاح الاجتماعي والسياسي لصالح الحفاظ على مصالح الفئات القائمة.


* دائما حول مستقبل هذه الحركات على ضوء ما تعرفه ايران من غليان سياسي وفكري واجتهاد فقهي، والاحداث التي عرفتها مصر في الاقصر؟
* لعب الاسلام السياسي في ايران دور الحامل لثورة وطنية وثقافية معا تهدف الى انتزاع حرية واستقلال الشعب الايراني وارادته من جهة وتغيير منظومة القيم التي سودتها نخبة متغربة مرتزقة وطفيلية اجنبية الروح والمشاعر تحتقر ثقافة الشعب وتنكر هويته التاريخية وذاتيته الحية من جهة ثانية، اي من نخبة دمرت معنويات الشعب الايراني في العمق، وقد استخدم الاسلام لانشاء اللحمة الوطنية الضرورية لخلق قوى حية موحدة قادرة على اطاحة نظام الشاه المدعوم رسميا وبقوة بالولايات المتحدة الامريكية، ولتوليد منظومة قيم جديدة تعزز احترام الذات والثقة بالنفس وارادة المشاركة في المغامرة الحضارية العالمية. وبعد ان حقق الاسلام السياسي دوره وانتزع ايران من براثن الهيمنة الاجنبية والاستلاب الثقافي والروحي زاد النزوع وسوف يزداد بسرعة وقوة في وسط الرأي العام الايراني والمثقفين الى العودة الى الحالة الطبيعية، اي الى مواجهة التحديات الفعلية التي تواجه ايران كما تواجه غيرها من الامم الضعيفة، وهي اكتساب القيم والنظم التي تساعد على تحديثها بالعمق واندراجها في حضارة عصرها. وهي قيم الحرية الفردية والتعاون الدولي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية وعادت مسألة الهوية والاستقلال من جديد الى الدرجة الثانية من الاهتمام. وهذا هو الاتجاه الذي سوف يسود ويسمح بانتصار التيار التحرري الايراني ضد تيار المتشددين الاسلاميين.
اما في مصر فالوضع مختلف يتسم بالتحدي المتبادل بين السلطات الحكومية وبين الجماعات الاسلامية او بعضها التي ليس لديها اي تأييد شعبي وطني ولكنها تستفيد من نقمة سكان بعض المناطق الاقليمية الفقيرة ومن اخطاء رجال الشرطة الذين أساءوا استخدام صلاحياتهم في هذه المناطق. ولذلك اتخذت العمليات هنا شكل الاستفزازات المتبادلة بين وزارة الداخلية وقيادات هذا الجماعات التي تتصرف تماما كما يحدث لعصابات خارجة عن القانون في مواجهة شرطة لم تستبطن دولة القانون ولا احترام الفرد والمواطن بصرف النظر عن أصله وفصله ووضعه الاجتماعي وعقيدته.