ابتعدنا كثيرا عن حلم الديمقراطية

2018-02-15 :: التراصوت

ترجمة :

منذ صدور كتابه الأوّل "بيان من أجل الديمقراطيّة"، اتّخذ المفكّر السوري برهان غليون، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون، ومدير "مركز دراسات الشرق الأوسط" في باريس؛ من البحث الأكاديمي بوابةً لنضاله السياسي والفكري ضدّ الدولة العربيّة التي يصفها بدولة الاستعمار الداخلي لفرط تسلّطها على شعبها. بالإضافة إلى دأبه في الدفاع عن قيم الحريّة والديمقراطيّة والدعوة إلى الدولة الوطنيّة من خلال مؤلّفاته التي تناولت مواضيع وقضايا مختلفة. هنا حوار معه.


  • بدايةً، تشغلُ قضية الديمقراطيّة حيّزًا واسعًا من اهتمامات الشعوب العربيّة، وجاءت ثورات الربيع العربيّ لتبرهن على ذلك من خلال سعيها إلى تطبيقها، بيد أنّها اصطدمت بالكثير من المعوِّقات التي أفشلت عمليّة التحوّل الديمُقراطي. في ضوء ذلك، هل تعتقد أنّنا ابتعدنا عن تطبيق الديمقراطيّة اليوم؟

للأسف الشديد نعم. ابتعدنا كثيرًا عن حلم الديمقراطيّة. وهذا كان هدف العنف المفرط وسياسة الإبادة التي استخدمها نظام الأسد للقضاء على الثورة بأي ثمن، كما كان هدف التدخل العسكري الدولي الكبير والمتعدّد الأطراف.

وما من شك في أن حظوظ الديمقراطيّة قد تراجعت أكثر بعد إفشال حركة التغيير السلمي في البلاد العربيّة، لكن بانتظار جولة جديدة قادمة لا محالة. فالذي دفع بالشعوب إلى الثورة لم يكن حلم الديمقراطيّة بالأساس، ولكن التدهور الكبير والمتزايد في شروط حياة الأغلبيّة الاجتماعيّة. وبدت الحريّة والديمقراطيّة المرتبطة بها الوسيلة الرئيسيّة لإحداث التغيير الذي فشلت المعارضة الإصلاحيّة في تحقيقه. وما دامت الأحوال الاجتماعيّة كما هي عليه، وسوف تزداد سوءًا بعد انتصار الثورات المضادّة، ويتفاقم فساد النخب الحاكمة المعادية الآن رسميًا وعلنيًا للشعب؛ فلن يضعف الدافع للتغيير، ولكنّه سوف ينمو ويتراكم من جديد كالطوفان. وعندئذٍ، سوف يفهم الشعب أنّ ما فشل في تحقيقه عن طريق الإصلاح ثمّ عن طريق الثورة السلميّة لا يُمكن تحقيقه إلّا بالثورات الدمويّة. وهذا ما نحن سائرون نحوه بموازاة تفاقم الفشل وانسداد الأفاق وتنامي إرادة التغيير.

وهذا يعني أنّنا دخلنا عصر الموجات الثوريّة وعهد التطرف الحقيقي، الذي لن يكون هذه المرّة من صنع أجهزة المخابرات أو مُخترقًا منها وعاملًا على تحقيق أهدافها، محليّةً كانت أم دوليّة، وإنّما ثورات دمويّة شعبيّة عميقة الجذور وبعيدة المدى تشبه ما انتهت إليه الثورة السوريّة بعد تصفية مرحلتها الشعبيّة السلميّة. إذن نعم حظوظ الديمقراطيّة تراجعت في البلاد العربيّة، لكن حظوظ التغيير بالقوّة وولادة حركة التغيير في صورة حركة إرهابيّة مستقلة وربّما غير دينيّة زادت بما لا يُقاس.

كيف من الممكن أن يكون مستقبل الدول العربيّة بشكلٍ عام، وسوريا بشكلٍ خاص، في حال لم نتمكّن من تحقيق الديمقراطيّة وتطبيقها؟

سيئ جدًا. صحيح أنّ الطبقة الحاكمة قد نجحت في إفشال الحملة الشعبيّة لإحداث تغيير ديمقراطي يُخرج المجتمعات من شللها، لكن الثمن الذي اضطّرت إلى دفعه كان غاليًا جدًا، ولن تستطيع على أثره أن تضمن شيئًا للمستقبل. فقد تحطّم نظام الطغيان، سياسيًا ومعنويًا، وظهر على حقيقته كنظام احتلال لا يهدف سوى إلى تجريد الشعب من حقوقه وانتزاع موارده لنفسه. كما أنّ الإفراط في استخدام العنف، بكلّ أشكاله، كما يظهر ذلك المثال السوري، قد دمّر جزءًا كبيرًا من موارد البلاد المادّية والمعنويّة، وحطّم بنيتها ومؤسّساتها وأغلق آفاق أي تنمية اقتصاديّة واجتماعيّة في الأفق المنظور. وحتّى لو نجح نظام العنف والطغيان في الاستمرار لبعض الوقت بسبب ما حظي به من دعم خارجي منقطع النظير، سياسي وعسكري، فإنّه لن يستطيع التماسك بعد الآن، وسوف يدخل في حالة أعمق من الفساد والفشل والعجز. وسيحتاج إلى دعم كبير للحفاظ على بقائه، ولن تستطيع الدولة المستفيدة منه أن تقدّمه له لفترة طويلة.

أمّا في ما يتعلّق بسوريا، فبالنسبة للاعبين محليين ودوليين كثيرين، لم تصبح الديمقراطيّة حقًا وهدفًا مشروعًا للسوريين. لأن أبعاد تحقيقها لا تقتصر على هذا البلد، ولا على ولادة شعب حرّ يقود نفسه بنفسه، ولا تتجلّى فقط عبر احترام حريّات الناس وحقوقهم، وإنّما تتعدّى ذلك إلى تغيير دور سوريا وموقعها في معادلات القوّة الإقليميّة والدوليّة. وهكذا يفتح تحرير الشعب الباب أمام معادلات جديدة. وبدلًا من أن تبقى سوريا مركز حراسة للمصالح الإقليميّة والدوليّة كما كانت حتّى اندلاع الثورة، تصبح سوريا الحرّة في نظر كثيرين مصدر تهديد ومخاطر، تحتاج إلى من يحرسها ويضبط حركة شعبها ويشل إرادته من الخارج عوضًا عن نظام الاستبداد.

وعلى العموم، لن يستقر في سوريا ومصر واليمن ولبنان وليبيا أي حكم سياسي مدني لفترة طويلة بعد الآن، لا للجماعة الوطنيّة المتفككة ككل، ولا لأي جماعة قوميّة أو دينيّة جزئيّة تحلم بالانفصال أو الاستقلال بنفسها عنها. سنعيش، من هنا إلى أن تتغير موازين القوة بين الشعوب والدول التي عملت في العقود الماضية كوكالات للمصالح الإقليميّة والدوليّة السائدة، على فوهة براكين مشتعلة يمكن أن تنفجر في أي وقت.

  • نشهد اليوم تحوّلات في مواقف بعض الدول التي تعاطفت ودعمت الثورة السوريّة في بداياتها، وتسلك الآن طريقًا مختلفًا عن سابقه. كيف تقرأ انعكاسات هذه المواقف على الثورة السوريّة؟

ليس لهذا التغير الذي حصل حتى الآن علاقة بمحنة الشعب السوري وتحقيق تطلعاته المشروعة، ولكنه مرتبط بصراعات القوى الدوليّة على سوريا وفيها. وهو يهدف من طرف التكتل الغربي إلى منع الروس والإيرانيين أساسًا من السيطرة الثنائيّة على الدولة السورية وإبعاد الغربيين عنها أو تهميشهم فيها كما همش الغربيون من قبل المصالح الروسيّة في العراق وليبيا واليمن. وسيبقى تأثيره على الصراع السوري الداخلي عرضيًا، يرتبط باستعادة الدعم لبعض فصائل الجيش الحر أو لقوات سوريا الديمقراطيّة التي يمكن الاستفادة منها لتحقيق الهدف المنشود للدول المتنازعة. وهذا ما يساهم في تسريع عملية استقطاب القوى التي شاركت في الثورة من قبل الدول الأجنبيّة ويزيد من تعميق الشرخ داخل المجتمع السوري وقواه الديمقراطيّة.

يعني ذلك أن الصراع مستمر، وأن أحدًا لن يستطيع أن يقول ويدعي، كما فعل بوتين ومن قبله الأسد: انتصرنا. في الخريطة الراهنة لتوزيع أوراق اللعب لا يوجد رابحون محتملون وإنّما خسارات متبادلة بانتظار أن تسفر المبارزة الخفيّة والظاهرة عن انهيار بعض القوى التي أرادت تغيير الوقائع الجيوسياسيّة العميقة في المنطقة، أو انسحابها بسبب الاستنزاف وعلى رأسها ايران.

منذ بداية الثورة ثمّة من يتحدّث عن عدم جاهزيّة الشعب السوريّ لممارسة الديمقراطيّة، فضلًا عن أنّه، في حال تطبيق الديمقراطيّة فعلًا، من الممكن أن يأتي بالتيارات الدينيّة إلى الحكم. أوّلًا، هل يمكن قول إنّ الشعب السوري غير مؤهّل للديمقراطيّة؟ وما أسباب هذه المقولات وأهدافها أيضًا؟

ليس هناك شعب مؤهل للديمقراطيّة، ببساطة لأنّ الديمقراطيّة ليست موجودة في مورثات أي شعب أو طائفة أو دين. الديمقراطيّة ثقافة وقانون ومؤسّسات، لا تولد بالسليقة عند شعب. ولم يكن الأوروبيون ديمقراطيين قبل أن يثوروا على الاستبداد وينخرطوا في معركة الديمقراطيّة التي كلفتهم أيضًا ثورات دمويّة كثيرة. الديمقراطيّة طريقة في تسيير الشأن العام وإدارة السلطة في المجتمعات الحرّة، ينبغي تعليمها وتربية الشعوب عليها. هي مدرسة التأهيل للمواطنة الحديثة. ولا يوجد شعب مؤهّل مسبقًا لها، تمامًا كما لا يوجد أطفال مؤهلين للعلم قبل دخولهم للمدرسة. وظيفة الديمقراطيّة تأهيل الشعوب سياسيًا للمشاركة الفعالة والناجعة في الحكم، تمامًا كما أنّ وظيفة المدرسة تأهيل التلاميذ للحياة المنتجة والنافعة. عندما تسألني في ما إذا كانت الشعوب العربيّة مؤهّلة للديمقراطيّة كأنّك تسألني في ما إذا كان الأطفال العرب مؤهّلين للدراسة وتلقي العلم في المدرسة أم لا. المدرسة هي التي تؤهّلهم ولا يأتون إليها مؤهّلين.

بالمقابل، من ينبغي أن يكون مؤهّلًا ثقافيًا وسياسيًا وقانونيًا لقيادة تجربة الديمقراطيّة والتربية عليها ليست الشعوب والجمهور الواسع الذي يشغل وقته تأمين قوت أولاده، ولكن النخب الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تعمل في ميدان الشأن العام. وقد أظهرت الثورات العربيّة بالفعل أن هذه النخب ليست مؤهّلة لقيادة عملية تحويل ديمقراطي وبناء مؤسّسات سياسيّة وقانونيّة تقوم على تعزيز روح المواطنة ومشاركة الجمهور في القرار والتداول السلمي للسلطة واحترام القانون والشرعيّة ووضع قوة الدولة ومؤسّساتها في خدمة الجمهور لا من أجل السيطرة عليه واستغلاله. والسبب في ذلك ليس الجهل أو الغباء أو انعدام الخبرة والمعرفة، ولكن لأنّ هذه النخب لا تشعر أنّها معنيّة بمصير الجمهور الواسع ولا مسؤولة عنه، وترى في السلطة والقيادة تشريفّا لها ينبغي أن يقترن بالتحرر من أي قيود أو واجبات. فهي، في نمط تكوينها وإعادة إنتاج نفسها، مرتبطة عضويًا بانتاج الاستبداد. وهي التي حملت مشروع الدكتاتوريّة التي عمرت طويلًا في البلاد العربيّة، وهي التي أجهضت أيضًا المشروع الديمقراطي الجديد عندما تخلّت عن الثورة أو تردّدت في الالتحاق بها، في أكثريتها، حتى لا أقول خانتها وتآمرت عليها. وقد استخدمت الحضور المتزايد للتيارات الإسلاميّة، التي كادت تكون غائبة في الأشهر الأولى للثورة، ذريعة للانقلاب عنها، في الوقت الذي كان انسحابها من المعركة السبب الرئيسي لبروز هذه التيارات، وتنامي مواقعها القياديّة والفكريّة، ووضع الثورة الشعبيّة في طريق مسدود. وللمفارقة، أنّ هذه الذريعة التي استخدمتها أغلبيّة النخب العربيّة للتخلّي عن الثورة أو عدم الحماس لها هي نفسها التي استخدمها النظام السوري ولا يزال لتبرير سحق الثورة وإعلان الحرب على المجتمع وتطبيق سياسات الإبادة والتهجير القسري.

الديمقراطيّة ليست إرثًا لأي شعب. ولا تولد جاهزة وكاملة في أي مجتمع. هي ثمرة القوانين والمؤسّسات التي طورتها بعض النخب السياسيّة والثقافيّة تحت ضغط الشعوب المفقرة والمحرومة والناقمة، من أجل إشراكها في المسؤوليّة والقيادة السياسيّة للمجتمع، وفي الوقت نفسه ردم الهوة التي كانت تفصل بين النخب الحاكمة التقليديّة والجمهور العام، والتي كانت السبب في التفاوت الاجتماعي المتفاقم واستعار الحروب الأهلية والانتفاضات المغرقة بالدم. الديمقراطيّة هي المؤسّسة السياسيّة التي اخترعها العقل الإنساني النير والمتمثل الحد الأدنى من الحكمة وحس العدالة لتأمين فرص إقامة نظم سياسيّة مقبولة ومتفق عليها بين الطبقات الاجتماعيّة وتوفير الحروب الأهليّة التي لا ينجم عنها سوى الموت والدمار. الديمقراطيّة هي النظام السياسي الذي يقدم فرص التفاوض بين الحاكمين والمحكومين، ويحد من التفاوت الصارخ بين الطبقات، ومن استخدام العنف والقهر، ومن استفحال الفساد، ويقدّم في الوقت نفسه فرص إصلاح ما يطرأ من مفاسد وإعطاب وما يتفجّر من تناقضات في المجتمعات. وينبغي على من يرفضها أن يدرك أن البديل الوحيد عنها اليوم هو الحروب الأهليّة والانتفاضات. الخضوع المطلق للناس أصبح في عصر العلم والمعرفة والمساواة القانونيّة والأخلاقيّة، مستحيلًا بل مثيرًا لحروب أهليّة أكثر عنفًا مما كان يحصل في التاريخ الماضي. وليست الثورات في الحساب الأخير إلا الطريق الأعنف لتأهيل النخب الاجتماعيّة وتربيتها على طرائق الحكم المسؤول والعادل وتحصينها ضد الفساد والاستبداد.

  • يُقال إنّ من الأسباب الرئيسيّة التي أخّرت تحقيق أهداف الثورة السوريّة أنّها كانت في بداياتها ثورةً عفويةً وغير منظمّة، ناهيك عن عدم طرح المعارضة السوريّة لنفسها بديلًا عن النظام في سقوطه. هل هذا صحيح؟

لا توجد ثورة منظمّة في التاريخ. الثورة بالتعريف عفويّة لأنّها غير متوقعة، ولا يمكن توقعها لكثرة العوامل التي تدخل في إنتاجها. ولا يوجد أي علم قادر على التنبؤ بأنّ هناك ثورة سوف تحدث في هذا التوقيت وهذا المكان بالذات. هناك مناخات ثوريّة تولّد حركات احتجاج وتمرّد وانتفاضات متعدّدة، وربما تستمرّ لعقود متتالية. هذا كان وضع أوروبا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، لكن لا يمكن لأحد أن يحدد متى تنفجر الثورة الشاملة التي تدفع شعبّا كاملّا إلى النزول جماعيّا إلى الشوارع ورفع رايات التغيير والانتقال نحو نظام جديد.

كان النظام السوري يعرف أنّ هناك انتفاضات حصلت وستحصل. وأعدّ نفسه ومؤسّساته القانونيّة والعسكريّة والأيديولوجيّة والإعلاميّة والاقتصاديّة للقضاء عليها حالما تطلّ برأسها. وقد واجه حركات الاحتجاج الشعبيّة في الماضي أكثر من مرة وتصدى لها، حتى المحدودة منها، بعنف لا علاقة له بحجم التهديد الحقيقي الذي كانت تمثّله، وذلك من أجل أن يلقّن المجتمع درسًا قاسيًا ويلقحه ضدّ الانتفاضات والاحتجاجات القادمة المنتظرة. وبالرغم من كل ما وفّرته له أجهزته الأمنيّة واستعلاماته الدقيقة، فشل في توقّع الثورة. وحتى عندما اندلعت، لم يقدّر حجم القوّة الحاملة لها، واعتقد أنّه يستطيع أن يطبق عليها وصفاته التقليديّة: العنف القاتل والمجنون الذي يهدف إلى ردع من لم يخرج عن الخروج. باختصار الثورات أعمق بكثير من أن يسبر غورها عالم أو حكيم فما بالك بخبراء أمن؟ لكن أصحاب الفهم يدركون مخاطر تلبّد السماء بالغيوم السوداء.

أما عن خطأ المعارضة في عدم طرح نفسها بديلًا للنظام، فلا أدري كيف كان بمقدورها أن تفعل ذلك، بعد أربعين عامًا من تجفيف ينابيع أي حس سياسي، وتدمير أي ثقافة مدنيّة وقانونيّة، وتحطيم منظّمات المعارضة وزج أفرادها جميعًا في السجون والمعتقلات اللاإنسانيّة، كما حصل لآلاف النشطاء الذين قضوا عشرات السنين في سجن تدمر الذائع الصيت وغيره، من الإجحاف الحديث عن معارضة منظمة تجرؤ على أن تطرح نفسها بديلًا لنظام مدجّج بالسلاح ومتمترس وراء دولة تحوّلت إلى أداة دمويّة للسيطرة والتسلّط والقتل المنظّم، من دون أن تتهم بفقدان العقل والجنون. لم يكن في سوريا عندما اندلعت الثورة الشعبيّة معارضة منظّمة، وإنّما مجموعات من الناشطين المعزولين إلى حد كبير عن الجمهور الواسع السوري، وأحيانًا البعيدين عن مشاكله ومعاناته. وليست المعارضة هي التي فجّرت الثورة وما كان لديها الوسائل الفكريّة والسياسيّة التي تسمح لها بأن تقودها، بل أن تقود نفسها، فما بالك بقيادة بحر هادر من مئات آلاف البشر المنتشرين على كل بقاع الجمهوريّة والتفاعل معهم. ومن أين لها أن تجد الوسيلة لتنظيمهم والسيطرة عليهم؟

أنا رأيي العكس تمامًا. كان خطأ المعارضة، أو ما وجد منها من تنظيمات هزيلة ومقطوعة عن الواقع والجمهور الشعبي، أنّها فكرت بقيادة الثورة، وطرحت نفسها بالفعل بديلًا للنظام، ومنافسًا أو مبارزًا له، بدلًا من أن تنخرط مع الشعب وتساهم في تزويده بعناصر الوعي والتنظيم البسيطة التي كانت تملكها. وبدلًا من أن تضع نفسها في خدمة الشباب الثائرين والمفعمين بالإيمان بقدراتهم حاولت فرض نفسها عليهم وقادتهم، كما كانت تقود نفسها، أي بوسائل التسلّط والتلاعب والاستتباع. لم تستفد الثورة أبدًا من هذه التنظيمات التي كانت قد تحوّلت إلى مستحاثات ورأس مال ميت يعيش على استهلاك مبادرات الشباب وقتل إبداعاتهم، ولكنّها عانت منها كما يعاني الحي عندما يتشبث به ميت، أملا بامتصاص ما فيه من حياة.

كما كشفت الأحداث بعد سبع سنوات، لم يكن سقوط النظام ممكنًا في أي فرضيّة. كان رهان الشارع الثوري لا يختلف عن رهان ثورات تونس ومصر واليمن، أي أن يبلغ الضغط الشعبي درجة يجبر فيها الأسد على مغادرة السلطة، كما فعل غيره، أو يحدث شقوقًا في صفوف النظام. لكن تماسك النظام، لقاء تصفية بعض أجنحته الأكثر عقلانيّة، فرض على الثوار حربًا عسكرية بالمعنى الحرفي للكلمة، وبكل صفات الحرب الدمويّة التي لم يكونوا مهيئين لها ولا يمكن أن يكونوا مهيئين. وهذه الحرب ذاتها لم تحصل بمعزل عن القوى الإقليميّة الكبرى التي كانت تقف وراء النظام أيضًا. أي كان على السوريين أن يواجهوا قوى النظام العسكريّة والأمنيّة الهائلة والحرس الثوري الإيراني وحزب الله والميليشيات العراقيّة الطائفيّة، وفي ما بعد منظمات الإرهاب الداعشي والقاعدي التي بعثت أصلًا من الموت لمواجهتها، قبل أن تتقدّم روسيا بسلاحها الجوي لتحصد ما تبقى من فصائل وتغلق العديد من الجبهات.

صحيح أنّ الجمهور رفع شعار إسقاط النظام، لكنّ هذا كان تعبيرًا عن تجذّر الثورة ورفض الاستسلام، وتجسيدًا لإرادة الاستمرار والمقاومة والصمود، لا برنامج عمل يملك وسائل تطبيقه. لهذا منذ الأشهر الأولى لتشكيل أوّل تمثيل لقوى الثورة قبل المجلس الوطني المبادرة العربيّة التي تحوّلت إلى مبادرة أمميّة وبيان جنيف الداعي إلى القبول بمفاوضات من أجل انتقال سلمي نحو نظام جديد، لا يستبعد بقاء جزء من أطر وكوادر النظام والحفاظ على مؤسّسات الدولة بعد إصلاحها.

  • صدرت منذ أشهر قليلة الطبعة الثانية من كتابك "نظام الطائفيّة من الدولة إلى القبيلة" بعد مرور 27 سنة على صدور الطبعة الأولى. في هذه المدّة، هل غيّر برهان غليون قناعاته وأفكاره المعروضة في هذا الكتاب؟

كتبت هذا الكتاب لأقول إنّ سياسات الطائفيّة سوف تقضي على الدولة التي ورثناها من حقبة الكفاح ضدّ الاستعمار وما بعده، من حيث هي مؤسّسة سياسيّة وقانونيّة موضوعيّة تقطع مع نظام السلطة الأبويّة والعشائريّة القائم على العصبيّة والالتحاق بالفرد الشيخ أو الأمير أو الأب، وتفتح باب التأهيل والتربيّة على قانون المواطنة المتساويّة، والمشاركة في تحمّل المسؤوليّات العموميّة، والمساواة في الحقوق والواجبات، والتمرّس في الحياة القانونيّة وأخلاق العدالة والحريّة التي تحوّل الأفراد من أطفال واتّباع ومحاسيب وزلم تابعين وعاجزين عن تدبير أمورهم من دون معيل، ومستسلمين لتفكير قلّة متسلّطة من الناس، إلى أشخاص مستقلين بالرأي وقادرين على التفكير والتصرّف من تلقاء أنفسهم واستخدام عقولهم ومحاكمتهم الشخصيّة.

ما نعيشه الآن هو بالضبط ما أردت أن نتجنبه منذ 27 عامًا. انهارت دولنا كمؤسّسات مدنيّة قادرة على تنظيم شؤون البشر على أرضيّة القانون والمساواة في الحقوق والواجبات وبناء الجماعة الوطنيّة المتضامنة والمتعاونة لتحسين شروط حياتها الماديّة والأخلاقيّة، وتحوّلت مجتمعاتنا إلى رميم، مفتقرة لأي مؤسّسات مدنيّة تستند إليها، وأخذت تنبش من تحت أنقاض المجتمعات المحليّة المدمّرة عن العصبيّات القبليّة والطائفيّة التي تحوّلت إلى رسوم دارسة وتعمل المستحيل، أي تستخدم أقصى أشكال العنف على نفسها، كي تعيد إحياء هذه العصبيات وإخراجها من حالة الثبات بل الموت السريري الذي أصابها.

كنا نريد تطوير الدولة حتى لا نرتد لحكم العصبيّة والعشيرة والقبيلة والطائفة، أمّا اليوم فنحن بحاجة إلى كتاب مقابل يرسم استراتيجيّة الخروج من حكم العصبيّة المريضة والدارسة إلى حكم الدولة والقانون من جديد. هذه معركتنا للعقدين القادمين إذا قدّر لنا أن نبقى مجتمعات مستقلّة وفاعلة.

  • سبق وأن أصدرت كتابًا بعنوان "المسألة الطائفيّة ومشكلة الأقليّات"، بيد أنّك قلت فيه إنّه سوف يخيب ظنّ كلّ من ينتظر من دراسة اجتماعيّة تقديم وصفة جاهزة لحلّ مشكلة الأقليّات كأقليّات. إذًا، ما هو الحل الأمثل لهذه المسألة؟

هذه كانت أهم أطروحة في هذ الكتاب. وهي تعني أنّه لا حل لمسألة الأقليّات كأقليّات، أي إذا استمرينا نتعامل معها كمشكلة جماعة أو مجموعة قليلة من المجتمع. وأنّ مسألة الأقليّات هي في الحقيقة العرض لمسألة أكبر هي بناء الأمة والجماعة الوطنيّة التي تذوب فيها مفاهيم الأقليّة والأكثريّة بالمعنى الديني والأقوامي، ويتوحّد ضمنها الجميع على قاعدة المواطنة المتساويّة. والمواطنة المتساويّة تنتمي إلى هويّة جديدة مختلفة عن الهويّات الأهليّة الدينيّة والأقوامية وإن لم تكن منافية لها. بناء هذه الهويّة كرابطة جامعة تضاف إلى الروابط الأهليّة، لكنها تختلف عنها في بنيتها ووسائل عملها، لأنّها تعنى بالتعاون على تسيير شؤون الدولة التي تشارك فيها جماعات أهليّة من شتى الأنواع، هو موضوع السياسة العموميّة والهويّة الوطنيّة. هكذا يمكن للفرد أن يكون مواطنًا، أي عضوًا في رابطة سياسيّة أو جماعة وطنيّة، يتمتع بحقوق المواطنة المتساويّة، وعضو في رابطة أو جماعة دينيّة أو أقوامية، تحقق كل دائرة من دوائر انتمائه وظيفة مختلفة عن الأخرى.

هذا يعني أنّ العمل بمنطق الأقليّات والأكثريّات المذهبيّة والأقوامية يبرز ويفرض نفسه كقاعدة للتعامل بين الجماعات، طالما لم ينجح المجتمع وتنجح الدولة في بناء منطق الجماعة الوطنيّة التي يتساوى فيها الأفراد أمام القانون والمشاركة في المسؤوليّات العموميّة. من هنا قلت إن مشكلة الأقليّة هي في الواقع مشكلة الأمّة، وبمعنى آخر الأكثريّة التي تمارس تأثيرًا أكبر على مسار تشكيل الدولة والسياسة. فعندما يخفق بناء الرابطة السياسيّة يصبح الانتماء العقدي والثقافي العامل الأول في تكوين الهويّة.

  • نجد دائمًا أنّ الدولة الوطنيّة/ المدنيّة هي غالبًا الحل المثالي ربّما لهذه المسألة، ولكن ألا تعتقد أنّ تطبيق هذا المفهوم بات نوعًا ما صعبًا في ظلّ التكتل واللجوء إلى الطوائف والقوميّات بدلًا من الهويّة الوطنيّة؟

لا أعتقد ذلك. اعتقد أنّه متاح في أي وقت، ولا يوجد حل غيره لمسألة تعايش الأفراد والجمعات في عصرنا. لكنّ هذا يحتاج إلى نخبة سياسيّة تجاوزت هواجسها وأوهامها وأحيانًا مشاعرها الدونيّة أو بالعكس التفوقيّة، وقررت أن تبني أمّة وتقود عملية تحديث سياسي واجتماعي وحضاري تاريخيّة، لا نخبة تريد أن تستفيد من انقسام المجتمع، وتراهن على نزاعاته الأهليّة، لتأمين مركز قوّة وتفوق لها على حساب المجتمع، يسمح لها بالتكون كنخبة أرستقراطيّة خاصة تستمد قوتها وتميزها وثروتها من بؤس الجماعات الأهليّة والعمل على تسعير خلافاتها والمساهمة في حلّها في الوقت نفسه.

هذا يعني أنّ ما نشهده من عودة للعصبيات الأهليّة التقليديّة، من طائفيّة واقوامية، هو ثمرة إجهاض مشروع الدولة المواطنيّة لا علة له. كما أنّ الأمم تبنى فإنّها تفرط وتنحل أيضّا، وكذلك العصبيّات. ليس هناك في النظم الاجتماعيّة شيء موروث لا يمكن تغييره. المهم وجود المربي والمغير واتساق فكره وسلوكه.

  • في هذا السياق، كيف ترى مستقبل الأقليّات في سوريا، من طوائف وقوميّات؟

لا يختلف عن مستقبل الأكثريّات. إذا لم نخرج من منطق الانكفاء على العصبيات الأهليّة المذهبيّة أو الأقوامية سوف نفشل في بناء الدولة ونستمر في الانقسام والتشرذم حتى داخل الأكثريّة، أو ما نعتقد أنه الأكثريّة، حتى لا يبقى هناك لا أكثريّة ولا أقليّة ولكن أفواه جائعة ومشاكل لا حلّ لها. المجتمعات جميعها مكونة من أقليّات، ومشكلة الأقليّة والأكثريّة أو المناقضة بينهما صناعة سياسية

  • هناك من يُعارض مشاركة الأحزاب والتيارات الدينيّة في أي انتخابات ديمقراطيّة، بينما هناك من يرى أنّ هذا الأمر يقوّض الديمقراطيّة ويعوِّقها، مؤكّدين حقّ تلك الأحزاب في المشاركة شرط ألّا يكون برنامجها الانتخابي متعارضًا مع الدستور. إلى أي طرفٍ يميل برهان غليون؟ وكيف يقرأ هذا الموضوع الشائك؟

الديمقراطيّة لا تعنى باختلاف العقائد والأفكار وإنّما بالخضوع المتساوي للقانون والمساواة في الحقوق والواجبات، مهما كانت الخلافات الفكريّة. هي وجدت أصلًا كصيغة سياسيّة تفضل حل النزاعات الاجتماعيّة من خلال الاحتكام إلى الرأي العام، وهذا هو معنى الانتخابات، على الحل القائم على الإقصاء والذي لا وسيلة لتطبيقه إلّا بالعنف والقهر وسفك الدماء. من يضع "الفيتو" ويطالب بـ"حق نقض" خاص به، لانتمائه لأكثريّة أو أقليّة، أو لعقيدة ضدّ أخرى، يقوّض مبدأ الديمقراطيّة نفسه، ويجعل الخروج من صيغة الاحتكام للعنف أمرًا مستحيلًا.

الفضيلة الأولى للديمقراطيّة لا تكمن أصلًا إلّا في تقديمها حلًا لمسألة الإقصاء الجزئي أو المتبادل، المولد حتمًا للعنف والاقتتال والصراع وانعدام الأمن والاستقرار، وبالتالي التقدّم والتنمية في الوقت نفسه.

  • أخيرًا، هل راكمت التجربة السوريّة خبرةً كافيةً لفهم شكل المستقبل؟

التجربة لا تكفي وحدها لمراكمة الخبرة، أو بالأحرى يتوقّف نوع الخبرة المراكمة على العقل المتلقّي وقدرته على التمييز فيها بين الدروس السلبيّة والإيجابيّة. قد يستخرج بعضهم دروسًا عكس ما كان ينبغي أن يستخرجونه ويفسّرون الأمور على غير ما ينبغي تفسيرها. لذلك لا تستمد الخبرة من المشاركة في التجربة فحسب وإنّما من تفسير العقول النيّرة والحكيمة لأحداث الماضي وتجاربه الأليمة. وكم من شعوب أدى بها فشلها في فهم دورس الماضي والتجارب المرّة إلى مراكمة خبرة سلبيّة تزيد من بؤسها وعجزها عن قيادة نفسها في عالم الصراع المفتوح بدلًا من أن تفتح أمامها سبل التقدّم والنجاح. إذا اعتقدنا مثلًا أنّ الصراع الطائفي الذي عملت عليه أجهزة أمنيّة في أكثر من بلد عربي من أجل تقسيم الشعب ووضع أطرافه في مواجهة بعضها البعض في سبيل احتواء غضبه، يؤكّد أنّه لا يمكن التعايش بين أصحاب المذاهب والاعتقادات المختلفة، فقد بذرنا بذور حروب أهليّة لا نعرف مداها ونهايتها، وقطعنا على أنفسنا فرص التقدّم السياسي والأخلاقي، وسقطنا في البربريّة التي سقطت فيها المجتمعات القرسطويّة الأوروبيّة عندما  اعتقدت الأكثريّة المسيحيّة أن بؤس أحوالها ناجم عن وجود الأقليّة اليهوديّة بين صفوفها لا سوء نظامها الاجتماعي وسيطرة الكنيسة والاقطاع المتحالف معها.

باختصار حتى نستخلص الدروس من التجربة المرّة والغنيّة لسنوات الثورة والحرب التي أعقبتها، ينبغي أن ننكب على تحليلها وتفسيرها والقيام بمراجعة عميقة لخياراتنا وتصوراتنا، والكشف عن نقائص تصوراتنا وعيوب تفكيرنا وأعطابنا الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة. التجربة هي امتحان. والامتحان يبرز حقيقة المعدن الذي كناه كشعب وكمجتمع وكفرد في سوريا والبلاد العربيّة الأخرى. وهذا دور المفكرين ومهمتهم التاريخيّة. وهذا ما لم يحصل عندنا بعد لأنّنا لا نزال في زمن الفعل وإلزاماته لا زمن الاستقصاء والبحث العلمي وحياديّته المنطقيّة والعاطفيّة.

https://www.ultrasawt.com/برهان-غليون-ابتعدنا-كثيرًا-عن-حلم-الديمقراطيّة/مصطفى-ديب/سياق-متصل/سياسة