إلى أين وصلت الثورة السورية؟

2014-11 :: الوطن

ترجمة :

 مريم زريرة
أقر الدكتور برهان غليون، رئيس المجلس الوطني السوري السابق، وأستاذ علم الاجتماع السياسي، ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر، في حوار مع « اليوم24»، على هامش مؤتمر«من ثورات الشعوب إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي»، الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات قبل أيام في الدوحة، بأن أهم المشاكل التي تعيق اكتمال أهداف الثورة السورية ترجع بالأساس إلى الدعم الإيراني والروسي المطلق لنظام بشار الأسد، مقابل تراجع الدعم العربي والدولي للمعارضة السورية.


*  إلى أين وصلت الثورة السورية؟
* الثورة السورية في وضع حرج، اليوم، لأن النظام مستمر في القتل ورفض أي حوار وأي تراجع عن موقف الحرب التي أعلنها على الشعب السوري، فهو معزز بدعم كبير من قبل إيران وروسيا. من جهة، مازال الموقفان الروسي والإيراني لم يتغيرا في دعم وجود بشار الأسد نفسه، ومن جهة ثانية، ظهرت مشكلة «داعش» التي جعلت المجموعة الدولية تشكل تحالفا دوليا، وتوجه الأنظار كاملة نحو الحرب على الإرهاب، كما لو كان الغرض من ذلك إخفاء الأجندة الحقيقية التي يحاول الشعب السوري تحقيقها منذ أربع سنوات عبر تغيير النظام وتحقيق مطالب الحد الأدنى الأساسية للشعب السوري، وهي حفظ حقوقه كبشر، وأن يعامل بكرامة. نحن أمام تحد جديد هو توجيه الأنظار نحو «داعش»، وهي بدون شك مشكلة حقيقية، لكني أعتقد أنها أحد إفرازات تجاهل المشكلة الرئيسية وهي مشكلة النظام السوري. والعائق الأساسي أمام حل هذه المشكلة هو دعم إيران لهذا النظام، عبر التوسع الإقليمي، وزيادة النفوذ عبر خلق استقطابات مذهبية شديدة. أقول لا يمكن، اليوم، حل أية مشكلة أخرى في المنطقة العربية؛ سواء بالعراق أو لبنان أو اليمن، أو حل مشكلة «داعش» إذا لم نلتفت إلى أصل المشكلة المتعلقة بالأزمة السورية.


*  في الآونة الأخيرة، كان هناك حديث قوي عن المنطقة العازلة التي طالبت تركيا بإحداثها في سوريا من أجل تسهيل عملية التصدي لـ«داعش». هل -فعلا- ما يشاع من أن تركيا تريد محاصرة وضرب نظام الأسد عبر هذه المنطقة صحيح أم مجرد إشاعات؟
* المنطقة العازلة –برأيي- تأتي في إطار التقاء مصالح بين الثوار السوريين وتركيا. هدف تركيا من المنطقة العازلة هو –أولا- حماية مصالحها القومية وحدودها، والسيطرة على المنطقة المحاذية لسوريا حتى تعرف جيدا من يدخل إليها، ومن يخرج منها يوميا، خاصة وأن هناك مجموعة كردية كبيرة، ممثلة بحزب «بي ايه دي» PYD، وهو جزء من «حزب العمال الكردستاني» (PKK)، الذي يعتبره الأتراك حركة تمرد قوية ضدهم.
هذه المنطقة حساسة جدا بالنسبة لهم، ويعملون على مراقبتها حتى لا تكون، في غياب إشرافهم، بؤرة لتدريب وتسليح وتنظيم حزب معارض يمكن أن يستعيد إرادة وقدرة القتال في تركيا، بينما هم يتقدمون، اليوم، نحو حوار وتسوية سياسية للأزمة الكردية، أكبر مصلحة بوجود منطقة عازلة تخص الأمن القومي التركي المباشر، وهم يعتبرونها حربا على الإرهاب، ويعتبرون الذراع العسكري لحزب «بي كا كا» منظمة إرهابية. المصلحة الثانية لتركيا هي خلق منطقة يستطيع السوريون فيها، وخصوصا اللاجئون الذين دخلوا إلى تركيا، وأصبح عددهم كبيرا، ويتحولون يوما بعد يوم إلى عبء كبير على حكومة أردوغان. في حال وجود المنطقة العازلة تستطيع تركيا أن تفتح لهؤلاء اللاجئين مخيمات أو تنقل جزءا منهم إليها، وستحد أيضا من أعداد اللاجئين الجدد الوافدين إليها، وتجد لهم مكانا آمنا في سوريا نفسها. وفي هذه الحالة لن تتكفل بهم، بل ستفعل ذلك منظمات الإغاثة الدولية، والأمر الآخر الإيجابي في مقترح المنطقة العازلة هو أنه يخدم مصلحة الثوار، فبوجود مثل هذه المنطقة العازلة يمكن للمعارضة المسلحة أن تنظم نفسها، وتكون لديها منطقة آمنة ليست معرضة فيها للقتل، حتى تدرب أفرادها وتخلق إدارة محلية حقيقية تستطيع أن تؤمن فيها مساعدات للشعب السوري، وتكون لديها حرية التحرك بأرضها دون عقبات قانونية وسياسية، ودون أن تكون منفية في بلد آخر. هذه كلها مصالح مشتركة، ونحن نؤيد وجود مثل هذه المنطقة، وهي بمثابة حل لدول كثيرة. وأعتقد أنها ستتحقق بعد فترة قصيرة. ولحد الآن، الأمريكيون يعارضون وجودها.


*  لماذا يرفض الأمريكيون خلق مثل هذه المنطقة، هل هذا الرفض سببه مساومة تركيا في ملفات أخرى أم أنهم ضد الفكرة لحسابات مرتبطة بالوضع الإقليمي ؟
* لا أعتقد أن الأمريكيين ضد الفكرة، هم لا يريدون أن يصطدموا مع إيران. سياسة أمريكا الحالية تعتمد على مبدأ «صفر صدام» مع إيران، لأن الإيرانيين يهددون بأنه في حال حدث تدخل تركي في سوريا فسيلغون اتفاقهم مع الغرب حول النووي. حسب رأيي، إن هذه تهديدات فارغة ولا معنى لها، لكن بعد فترة، أعتقد أن الضغوط التي يمثلها اللاجئون على الأردن وتركيا ولبنان، وغيرها من الدول، ستجعل كل الدول تلتقي في فكرة أنه لابد من وجود منطقة آمنة في سوريا.
ثاني شيء، هو ضرورة توقف النظام عن توريد اللاجئين، المفروض قبل التفكير في خلق المنطقة العازلة أن يتم الضغط على النظام؛ حتى لا يدفع مئات الآلاف من اللاجئين، كل يوم، إلى الهرب نحو الحدود، هربا من القصف العشوائي.


*  أين وصل موضوع الدعم الأمريكي؟ كانت هناك وعود بتسليح وتدريب المعارضة وتقديم مساعدات مادية للثوار وأسلحة أكثر تطورا، هل تحققت هذه الوعود؟
* لست متابعا لما يجري على الأرض؛ المساعدة الموعودة هي للمعارضة المسلحة وللجيش الحر تحديدا، وليس للسياسيين. قال الأمريكيون إنهم سيشرعون –قريبا- في تدريب وتنظيم 5 آلاف مسلح خلال سنة أو سنتين، حسب الخطة التي وضعوها لذلك، وهناك بعض الأخبار عن كونهم بدؤوا التدريب في السعودية، وأن السعودية ستكون البلد الذي يجري فيه التدريب. أعتقد أنهم بدؤوا –فعلا- بتدريب بضعة مئات من المسلحين. هذه ليست مشكلة، الشيء الذي يجب أن نعرفه. ولحد الساعة، لا أحد يعرفه، ونحن كسوريين لا نعرفه.


* ما هو نوع السلاح الذي تنوي أمريكا تقديمه للمعارضة. أقصد هل هو سلاح خفيف أم سلاح نوعي؟ ثانيا، ما هي وظيفة هؤلاء، هل هي محاربة «داعش» فقط، أم سيكون ذلك جزءا من التدريب، على الأقل لدعم الجبهات السورية ضد النظام؟
< لا يمكن أن نتصور أن مجموعة من السوريين يذهبون وينتظمون تحت قيادة أمريكية لمحاربة «داعش» في العراق أو في المنطقة السورية الشرقية، ويتركوا جبهاتهم الأصلية في الجنوب، مثل: القنيطرة ودرعا، وكذلك دمشق وحلب وحمص..لا يعقل أن تترك هذه المدن الأساسية تسقط، لأنها بدون تسليح وبدون تدريب. لا يمكن للأمريكيين الاستمرار في التفكير أن عليهم تشكيل فرقة صغيرة هي التي ستنفذ لهم المهام القتالية، ويتركوا الجيش الحر، المكون من مئات الآلاف من المقاتلين، يعاني من نقص الذخيرة والسلاح بكل مكان، وعلى كل الجبهات. أعتقد أن هذه من الأمور التي يجب أن تناقش، وعلى الأمريكيين أن يعرفوا ألا أحد سيترك الغوطة الشرقية التي يصب عليها النظام كل يوم براميله المتفجرة والقنابل، ليذهب ويحارب في الرقة أو الموصل أو بغداد. هذه ليست سياسة مقنعة إذا لم تتسلم الجبهات، التي تحارب النظام، حقها من الدعم لتستمر وتصمد، وتواجه النظام، وتفرض تغيير ميزان القوى على الأرض.


* منذ بضعة شهور كان هناك ضغط غربي قوي على السعودية وقطر ودول خليجية أخرى تمول وتدعم المعارضة السورية، بحكم الشائعات التي انتشرت، تفيد بأن هذا الدعم يصل إلى الجماعات الإرهابية، وليس إلى الثوار السوريين. ما مدى أثر هذا الضغط على تمويل المعارضة السورية؟
* أثر، بالتأكيد أثر. منذ سنة ونصف كانت هناك مشاكل تهم تمويل المعارضة السورية على جبهات أساسية. انخفاض التمويل لم يؤثر بشكل سلبي، لأنه لم يقطع بصفة نهائية، لكنه قل كثيرا. وهذا ما يفسر بأن المعارضة تراجعت، في السنة الماضية، عن مواقع كثيرة كانت تحتلها، وتراجعت -بشكل خاص- أمام «داعش»، هل تعرفين أن تنظيم «داعش» انتزع من المعارضة السورية 80 في المائة من الأراضي التي حررتها من النظام؟ كل مناطق الرقة والغيرة وريف حلب كانت بيد الجيش الحر الذي حررها، لكن بسبب نقص الأسلحة أصبحت الآن تحت سيطرة «داعش»، وهذا هو النقد الذي نوجهه، اليوم، إلى أصدقاء سوريا بما فيهم العرب، ونقول لهم إن سبب تطور «داعش» هو عدم إعطاء السلاح والدعم الكافي للجيش الحر، والتباطؤ أيضا في إيجاد حل للمسألة السورية التي تعقدت كثيرا. بقي الشباب السوري الثوري يقاتل ثلاث سنوات بدون ذخيرة، ولا سلاح، وحتى بدون دعم غذائي، وهم يتحملون مسؤولية إحباطه وفشله.


* في رأيك ! بروز «داعش» على السطح بهذه القوة والإمكانيات، هل يمكن أن يفسر بأنها جماعات قتالية مدربة حصلت على الأسلحة في أرض المعركة بمعرفتها الخاصة، وليست ممولة من جهة ثانية، ومن دول وأنظمة استخباراتية لها مصلحة في وجودها ؟
* حسب المعطيات الملموسة، وحتى لا نتحدث من فراغ، ونقول إن عدة دول من المنطقة وخارجها تدعم «داعش» مباشرة وتمولها. هذا غير صحيح. الموجود هو شكوك باختراقات من قبل أجهزة الأمن السوري والأمن الإيراني؛ وربما حتى الأمن الأمريكي! هناك اختراقات في «داعش» قد تفسر بعض توجهاتها، ويحق لنا أن نتساءل لماذا ذهبت «داعش» إلى الموصل ونفذت ضربات هناك بشكل مفاجئ، ولماذا ذهبت إلى عين العرب التي تسمى كوباني، ولم تذهب إلى الطبقة أو أكملت معركتها في دير الزور، واستولت على المطار الذي مازال محاصرا حتى الآن؟ يمكن أن تطرح شكوك حول تكتيكاتها المتبعة، وهي –بالتأكيد- ليست منفصلة عن بعض المشاريع السياسية، وعن بعض العلاقات والتحالفات الدولية.


* مع كل التجاذبات التي عرفها المجتمع السوري وتشتت الثورة بين جماعات إسلامية وقتالية متعددة ومتباينة التوجهات والأهداف، هل مازال المجتمع السوري قادرا على التمييز بين الجماعة الأفضل والأقرب إلى الاعتدال وتحقيق أهداف الثورة أم أنه يضع كل الجماعات في سلة واحدة ؟
* مازال الناس يميزون بين جماعة إسلامية وأخرى. اليوم، هناك العديد من الجماعات وقسم من كتائب الجيش الحر أعلنوا جميعا أنهم بمثابة جماعات إسلامية.
في سوريا الناس تميز بين إسلاميين يعلنون أن هدفهم هو تكوين دولة إسلامية وليس دولة ديمقراطية، وليس هدفهم الأول نصرة الشعب وتحقيق أهداف الثورة؛ المتمثلة في الحرية والكرامة..، وبين الإسلاميين الذين يعتبرون أنفسهم جزءا من ثورة كبرى من أجل الحرية والكرامة، ويقصدون بها الشورى في بعض الأحيان، وبين أشخاص ومجموعات مثل «داعش» التي تقول إن الديمقراطية كفر، وهذا المشروع لا طائل منه، وهدفها هو إقامة دولة الخلافة. ما لا يعرفه الكثيرون هو أن قوات «داعش» حين دخلت إلى الرقة ومدن سورية أخرى أثارت تمردا كبيرا ضدها في كل المدن التي حكمتها بسبب العنف والوحشية والتفسير اللاإسلامي للإسلام. كل صور القرآن تبدأ بـ «بسم الله الرحمن الرحيم»، وتحض على الرحمة، لكن تنظيم «داعش» لا يعرف معنى الرحمة. أؤكد مرة أخرى أن السوريين رغم ما عانوه من تصرفات المتطرفين يميزون بين «داعش» و«النصرة»، لأن مقاتلي النصرة أعلنوا أكثر من مرة أنهم جاؤوا لنصرة الشعب السوري، وليس لمصادرة قراره، والشعب السوري هو من سيقرر بعد سقوط الأسد، وهم سيقبلون قرار الشعب. طبعا، هم يؤمنون بالدولة الإسلامية كنموذج للحكم، لكنهم وعدوا بأنهم لن يخالفوا اختيار الشعب، ولن يلتفوا على إرادته. لهذا تعتبر باقي الكتائب جبهة «النصرة» جماعة معتدلة، وتتعامل وتتعاون معها.


* راج الحديث –مؤخرا- أن هناك صفقة سرية بين إيران والولايات المتحدة حول رحيل الأسد مباشرة بعد الاتفاق حول النووي، هل تعتقدون بوجود مثل هذه الصفقة ؟
*  عمليا، الأسد فقد السيطرة على سوريا منذ مدة ليست بقصيرة. الأسد لا يمثل شيئا ولا يعبر عن شيء، ولا أحد يعطيه قيمة، لكن رحيله مهم، لأنه إشارة واضحة إلى التغيير. الأسد بمثابة راية الحرب التي ترفعها إيران في وجه الشعب السوري وأمام الغرب. سوريا رهينة بيد الحرس الثوري الإيراني اليوم، ومثلما ترفع «داعش» راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، تحمل إيران راية الأسد، ولسان حالهم يقول طالما بقيت هذه الراية مرفوعة فنحن في حالة حرب، ولن نتخلى عن سوريا. في الوقت الذي يجري فيه الترتيب لاتفاق أمريكي-إيراني، لا يمكن أن تصير هناك تسوية إلا إذا جرى تفاهم مع إيران أو تكبدت هزيمة في مكان ما؛ بمعنى أن يمارس عليها ضغط قوي. وإن لم يحدث ذلك، فإيران لن تتخلى عن الأسد، وستظل رافعة راية الحرب. وطالما الحرب مستمرة، فبشار مستمر. غياب بشار يعني بداية حل الأزمة السورية، وهذا يستلزم وجود قرار وتفاهم وتسوية. إيران هي جزء أساسي فيها على المستوى الإقليمي بالتأكيد، وهذا أمر يتطلب أن يكون للعرب وزن أكبر حتى يقنعوا إيران. لحد الآن، العرب منقسمون ويتقاتلون فيما بينهم، ولا يمثلون ثقلا كبيرا. هذه –للأسف- هي الشروط المطلوبة حتى تفهم إيران أنه عليها فتح الأبواب للمفاوضات، وأن تتخلى عن سياستها تجاه الشعب السوري.
لابد كذلك أن ننتظر حتى يحقق الجيش الحر عدة مكاسب، ويصل إلى جبهة الجنوب قريبا من دمشق، حتى تشعر جماعة الأسد من الداخل أن النصر النهائي الموعودة به من قبل الأسد أصبح مستحيلا، وقد بدؤوا يشعرون بذلك. اليوم، ولو جاءت إيران بكل حرسها الثوري لم تعد هناك إمكانية لحسم الوضع، قد يتحول النظام السوري أكثر فأكثر إلى ميليشيا مثل إحدى المليشيات الكبرى المدعمة من إيران، لكن لم يعد له أي طابع تمثيل وطني أو سياسي. الأسد انتهى..، ووجوده يعبر عن استمرارية الحرب، وإيران هي التي تدير المعركة، وهذه الحرب تحولت إلى مأساة ليس لها حل. لكن نقاط الضوء والأمل بالنسبة للسوريين هي أن الجيش الحر يتقدم في كثير من المناطق، واسترجع كثيرا من المناطق التي سيطر عليها حزب الله و»عصائب الحق» الإيرانية. الجيش الحر يحتاج إلى دعم كبير، وإذا لم يكن هناك ضغط من قبل الجيش على النظام في الداخل، وضغط عربي على إيران بتوحد العرب وتفاهمهم على الموقف من سوريا والعراق، وفي نفس الوقت تغير النظرة الأميركية إلى الوضع، وعدم تجاهل الأزمة السورية والشعب السوري والتفكير فقط بالعراق..، إذا لم تجتمع هذه الشروط، فإن الحرب ستطول.


* الكثيرون يحملون المسؤولية، في تعثر الثورة على كل المستويات، لقادة المعارضة السورية الذين اتهموا في كثير من الأحيان بالانتهازية والعمالة لبعض دول الخليج، وبالبحث عن أدوار ومكاسب سياسية آنية، هل هذه الاتهامات صحيحة ؟
* تراجعت المعارضة السورية كثيرا، لأن كل الأوراق أخذت منها في الساحتين؛ الإقليمية والدولية. أصدقاء الشعب السوري لم يتعاونوا بما فيه الكفاية، والنظام الدولي أصبح يتخذ قرارات بدون استشارة السوريين، والوضع الإقليمي العربي والدولي همش المعارضة. وبسبب التهميش ونقص الدعم، بدأت المعارضة تفقد التوازن أمام الشعب السوري؛ الإنسان السوري العادي أصبح يقول: «ما قيمة هذه المعارضة، وماذا يمكنها أن تفعل؟».
هذه نقطة جوهرية، وليس هناك شك في أن المسؤولية الكبيرة تقع على المعارضين للنظام الذين لم يعرفوا، بعد أربع سنوات من المعاناة والعذابات وحرب مدمرة كادت تقضي على البلد، أن يتجاوزوا حساسياتهم وخلافاتهم ومصالحهم، وأن يفكروا في القضية السورية فقط، وأنهم موجودون بالمعارضة لخدمة القضية وليس لخدمة مصالحهم الشخصية أو الكتل والأحزاب التي ينتمون إليها. المفروض أن تتجاوز المعارضة، اليوم، الانتماء الحزبي والمصالح الخاصة، وألا تفكر إلا في مصالح الشعب السوري. للأسف الشديد! أنا أقول بأن هذه النخبة يجب أن تقود عملا وطنيا من هذا النوع، وتستثمر تضحيات شعب لا مثيل لها؛ تضحيات عظيمة بكل معنى، هي أن الكلمة لشعب رمى نفسه في النار لتحرير وطنه. هذه النخبة كانت أقل بكثير من المسؤولية، ومازالت أقل من المسؤولية، ومازالت تدور في حلقة مفرغة.
كل هذه الأمور هي نتاج 50 سنة من العقم السياسي، وهي من قتل ثقة الأفراد ببعضهم البعض من قبل النظام؛ لأنه نظام خلق التفاوتات وكرس ثقافة الريع، هؤلاء تشربوا ثقافة النظام وثقافة الارتزاق. الشعب حين ثار على النظام ودخل المعركة، تخلص من هذه الثقافة، وحرر نفسه بالموت وبحب القتال والتضحية، بينما عناصر النخبة، التي صعدت إبان الثورة، لم تدخل إلى غرفة التطهير -إن جاز التعبير- لأنها لم تدخل إلى الثورة حقيقة، ثم إن مرور أربع سنوات من الثورة خلقت تجارا للحرب والثورة حتى داخل صفوف الثوار. كثيرون لا علاقة لهم بالثورة ولا بقيمها ولا بأفكارها، لاحظوا أن الحرب هي تجارة مربحة، فكونوا كتائب من عشرة أشخاص أحيانا، ومن 100 شخص أحيانا أخرى، وسموها كتائب حتى يتاجروا بها، وهؤلاء أصبحوا عالة على الثورة السورية، وعنصرا مساهما في تمزيق المعارضة المسلحة.