عن منطق أمراء الحرب

2016-05-20 :: face book

ترجمة :

 

في بلدة دير العصافير الاستراتيجية التي اعاد النظام احتلالها، سقطت نظرية إمارات الحرب الاسلامية التي وقفت حاجزا امام استعادة الدولة التي دمرتها الفاشية والديكتاتورية الأسدية، كما أصبحت عقبة تحول دون إعادة تأهيلها وتحويلها إلى إطار ناجع لتمكين الشعوب ومساعدتها على انتزاع حرياتها وحقوقها المغتصبة وسيادتها وازدهارها.

الحكمة الرئيسية من الاقتتال بين جيش الاسلام وفيلق الرحمن والاقتتالات القادمة بين الفصائل الاسلامية هو أن السياسة وإدارة الدولة والدفاع عنها ليست من مسائل الدين، وأن الايمان لا يضمن للمؤمن معرفة المصالح الوطنية العليا، وأن الدين لا يغني عن السياسة، وأن الدفاع عن الأوطان يحتاج إلى معارف وخبرات ليست متضمنة في ورع التقي أو فقه العالم أو حكمة الشيخ الجليل. ولا يمكن أن يخدم الدولة ومن باب أولى أن يقوم بتأسيسها ويحامي عنها من تتحكم به وتحكمه ثقافة أمراء الحرب ودفاعاتهم، بأي ذريعة كانت، وما يرتبط بها حتما من تشتيت الموارد وتعزيز السلطات والقيادات المتوازية والمتناحرة، وتقويض أسس الوطنية والهوية السياسية، وفي النهاية القضاء على فكرة الشعب نفسها لصالح الحشود من الأتباع الذين يعيشون في رعاية الأمير وبفضله وإحسانه.

لا تنفي سيطرة منطق أمراء الحرب الفاعل على المدى الطويل وجود الأسباب المباشرة والاحتكاكات التي فجرت الصراع الكامن ودفعت الفصيلين إلى تقديم الحرب بينهما على الحرب مع النظام. لكن ما حصل في الغوطة الشرقية وتسبب في تمكين النظام من احتلال عشرات المواقع والقرى الاستراتيجية، يمكن ان يحصل في كل مكان وبين جميع الفصائل الموجودة اليوم، وبشكل خاص الفصائل الاسلامية بمقدار ما وظف أمراء هذه الفصائل الدين لشرعنة الانقسام وتعدد الإمارات والقيادات وقطع الطريق على ولادة قيادة وطنية واحدة تقود العملية العسكرية والسياسية ضد نظام تفنن في تشتيت الشعب وتقسيمه وراهن عليه ولا يزال لإجهاض ثورة السوريين وإجبارهم على الخضوع والإذعان أو الرحيل عن وطنهم ومنازلهم.

لم يكن هناك ولايوجد سبب واحد يمكن أن يبرر استماتة الفصائل في الدفاع عن استقلالها ورفض الاندراج تحت قيادة واحدة سوى هذا المنطق وحده الذي يشرط وجودها. ولا تستطيع أي عقيدة، دينية أو دنيوية، أن تلغي متطلبات هذا المنطق وديناميكياته التي تتحكم بأمراء الحرب ، المتدينين منهم وغير المتدينين على حد سواء، وفي كل الأزمان والبلدان. فهو يتعلق بمسألة مصيرية، هي أن يبقى الفصيل أو يزول. والخطأ كان منذ البداية هو القبول بتكوين فصائل مستقلة ومتميزة ورفض قادتها الاندماج في هيئة أو جيش وطني واحد للتحرير يخضع لقيادة واحدة واستراتيجية سياسية وطنية واعية، كما حاول أن يفعل المجلس الوطني منذ الأشهر الأولى لولادته، وأخفق فيه بسبب مقاومة قادة الفصائل المشروع بتشجيع من الدول الداعمة التي كانت تراهن على تعزيز ولاء الزعامات المتعددة لها وتثبيتها في مواقعها لضمان نفوذها ودورها في الحرب كما في تقرير مستقبل البلاد.

لم تجد مبادرات المجلس الاسلامي السوري ووساطته ولا نداءات القرضاوي وشيوخ المسلمين في إطفاء نار الاحتراب الذي أودى بحياة أكثر من ٧٠٠ ضحية خلال أيام قليلة بين جيش الاسلام وفيلق الرحمن الذين ينتميان كلاهما إلى فصائل إسلامية من المفروض أنها تقدم مثالا للتجرد عن الهوى ونكران الذات والقتال من أجل أهداف وغايات دينية ووطنية. والسبب في فشل هذه الجهود الدينية هو بالضبط أن الاقتتال لا علاقة له بالدين، وإنما هو جزء لا يتجزأ من الصراع على السلطة والنفوذ والموارد التي تميز كل إمارات الحرب التي لا يمكن أن تتعايش في ما بينها وتراهن كل واحدة منها عندما يزيد عليها الضغط إلى الدفاع عن بقائها بأكل والتهام الإمارات الأخرى.