عندما تتحول الدولة إلى قنبلة موقوتة

2017-05-04 :: موقع د.برهان غليون

ترجمة :

 

أكثر فأكثر تظهر الوقائع التاريخية للقرنين الماضي والراهن أن الدولة الحديثة التي تقف وراء تقدم المدنية في المجتمعات الغربية التي توسعت دائرتها في ما بعد إلى بقاع أخرى وقادت إلى اكبر انقلاب حضاري في تاريخ البشرية وحققت الهيمنة الغربية على العالم هي ذاتها التي تحولت إلى المسؤول الأول عن تفجير أزمة المجتمعات في البلدان الفقيرة والنامية التي لا نزال نتابع مسلسلها منذ نهاية الحرب الباردة في تسعينيات القرن الماضي، وهي الدولة التي كان انشاؤها حلم النخب الأقوامية والطوائفية في أكثر من قارة بعد أن عانت من الاقصاء والتمييز والقهر لعقود طويلة. فقد أحدث نقل هذا النموذج إلى مناطق لا تملك فيه المجتمعات قواعد عملها ولا وسائل التحكم بها والسيطرة عليها ولم تستوعب غاياتها إلى تغييرات انقلابية داخل النظم الاجتماعية بدلت توازناتها البعيدة وزعزت استقرارها التاريخي العميق. وقاد عجز المجتمعات عن السيطرة عليها إلى تحولها إلى إداة عظيمة لسلب الشعوب والأفراد حرياتها الطبيعية واستقلالها وحقوقها، قبل أن تتحول إلى صاعق لتفجير هذه المجتمعات من الداخل كقنبلة موقوتة.  

هذا هو مصير المجتمعات التي "اقتنت" الدولة كما تقنتى الحاجات الاستهلاكية، أو التي قدمت لها الدولة كهدية مسمومة، لترد على جوع نخب جديدة مقهورة ومتعطشة للسلطة من دون أن تتوفر في بلدانها الشروط الموضوعية، المادية والجيوسياسية، لبنائها، ولا النخب الواعية للغاية منها ولسبل وطرائق قيادتها وتشغيلها.  

لا تنفصل الدولة عن السياسة التي هي فن وعلم تشغيلها وقيادتها معا.  والسياسة من شؤون المجتمع وعمله ونشاطاته الابداعية الحديثة، لا تستقيم من دون الدولة التي هي اداة تنفيذها تماما كما لا تستقيم الدولة من دونها.  والحال أن أول إنجازات وغايات الدولة الناشئة الجديدة في معظم هذه المجتمعات كان إخضاع المجتمع لإرادة النخب المستلبة الجديدة، وفي سياق ذلك إلغاء السياسة من المجتمع وتحويل الدولة إلى جهاز لفرض سلطة، هي قوة تسلط وقهر، متحررة من أي قيد، استخدمت الدولة لعكس غاياتها، أي لاستعباد المجتمع وقهره وتركيعه وتجويعه بدل تحريره وتنظيم شؤونه ومصالحه العمومية. لم يحصل ذلك بسبب إرادة ذاتية ولكن في أكثر الأحيان باسم حماية الدولة وامنها وتأكيد هيبتها واستقرارها في مواجهة الوجاهات والعصبيات والمقاومات الخاصة باالجماعات الغيورة على استقلالها وخصوصياتها. هكذا تحولت الدولة إلى أداة استلاب من دون ان تدري وهي التي ضحى من أجلها الناس لتكون مصدر تحرر وحريات وحقوق، وفجرت من التناقضات وأشعلت من النزاعات ما أودى بأكثرها ومعها المجتمعات التي خضعت لها. الصراعات والتناق

ما حدث بشبه تماما ما يحصل عندما يصعد طفل صغير لم تنضج ملكاته إلى قيادة قاطرة بمحرك ألف حصان وبسرعة مهولة. الدولة الحديثة ليست لعبة سلطة أو مجال لتاكيد النفوذ والوجاهة كما كان عليه الحالة في الإمارة والمشيخة وحتى الامبرطورية حيث كانت المجتمعات تمارس حياتها إلى جانبها وبمعزل عنها. خصوصية الدولة الحديثة انها تملك أدوات السيطرة ليس على مصير المجتمعات فحسب ولكن على مصير الأفراد الذين لا مهرب لهم من سلطانها اينما ذهبوا وفي اي مكان حلوا. وهي تتحكم بالشعوب وتمسكها من داخلها، وتستطيع بسبب ترابطاتها الدولية، وما تملكه من تقنيات المراقبة والضبط والتحييد التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ السيطرة السياسية أن تخضع المجتمعات وتشلها افرادا وجماعات، مثلما تستطيع أن ترتقي بشروط حياتها المعنوية والمادية وتفتح لها آفاق التقدم والازدهار والسعادة عندما تملك شروط تكوينها وتتحقق بالفعل كدولة سيدة تملك وسائل إعادة انتاجها، ودولة سياسية أي مركز سلطة شرعية تستمد إلهامها وتحديد غاياتها من الخضوع لإرادة شعوبها. عندما تتخلى  الدولة عن السياسة أو تتجاوزها تفقد هويتها وتفقد الطابع الوطني لها، تتحول إلى آلة قهر وتسلط وتفكيك للمجتمع والشعب. دولة حديثة من دون مواطنة ولا سياسة ولا مشاركة تعني حتما قنبلة موقوتة لن يمر وقت طويل قبل أن تتفجر وتفجر وتدمر كل ما حولها.