تفسخ بنيات السلطة العربية

2017-06-06 :: موقع د.برهان غليون

ترجمة :

 

تشهد بنيات السلطة في المجتمعات العربية والمشرقية خاصة مرحلة تفسخ وتحلل تهدد بأن تتحول إلى مرجل لكل الاحتجاجات والنزاعات والمواجهات. فكي يكون هناك نظام اجتماعي مستقر، ينبغي أن توجد سلطة تتمتع بالحد الأدنى من الصدقية، وكي تحقق ذلك ينبغي أن تحظى بالحد الأدنى من القوة والشرعية. فلا يمكن لسلطة ان تقوم وتستمر من دون أن تمتلك القوة لتأكيد سيطرتها ونفوذها وحضورها المادي، ومن هنا اهمية احتكار العنف في الدولة الذي ركز عليه ماكس فيبر لكن ليس وحده، فقدراتها الادارية والاقتصادية والمالية هي جزء مكون ايضا لقوة الدولة ونفوذها. كما انه لا يمكن لسلطة أن تستقر وتدوم من دون الشرعية، أو اعتراف الخاضعين لها بشرعية الحاكمين في امساكهم بالسلطة واستخدامهم القوة التي تمثلها.

والحال أن السلطة في البلاد العربية تكاد تفتقد جميع عناصر القوة والشرعية معا. كان للتفوق الاسرائيلي المجرب والدائم الدول الأول في تقويض الصدقية الاستراتيجية لهذه الدول وتفريغها من سمها، أي من رادعيتها الضرورية لنفاذ كلمتها. لكن بعد الاجهاض الاسرائيلل لهذه الصدقية جاءت الميليشيات التي انتشرت في المنطقة باسم المقاومة أحيانا أو في ما بعد كأدوات لزعزعة استقرار العديد من الدول في يد بعض الدول الاقليمية، في مقدمها ايران، لكن ليس وحدها، والتدخلات الأجنبية التي تجاوزت كل حدود المحتمل الذي يسمح بالاستمرار في القبول بوجود دول وسيادات وطنية احيانا كثيرة، ومع انتشار الحركات والمنظمات المتطرفة وغير المتطرفة والاستخدام المعمم للعنف وتوسع دائرة تجارة السلاح في كل بقاع المشرق خارج عن سيطرة الدولة والسلطات العمومية، لم تعد الدول تتمتع بأي صدقية تذكر. صارت بالعكس موضوعا للهزء والسخرية. اما على مستوى الشرعية، اي الاعتراف بحق القائمين على الأمر والقيادة في الامساك بالسلطة واستخدام العنف ضد أي طرف كان فالوضع أكثر مأساوية.  فمصادر الشرعية كما اصبحت تتفق عفيها العلوم الاجتماعية لا تتعدى ثلاث: روح الزعامة المتربطة بالمواهب والجاذبية الشخصية، وثقل التقليد التي تتمثل في الثقة بالوجاهات والأعيان وممارسي المسؤولية التقليديين من رجال دين ووجهاء وزعماء عشائر وسلالات الملوك والامراء الذين يكادون يمثلون بالقابهم مهمة ممارسة السلطة، والتقليد من العناصر التي تخلق الثقة بمقدار ما تعطي اهمية للخبرة والمعرفة او الكفاءة .  وأخيرا الشرعية القانونية الديمقراطية التي التي ترتبط بالنظام الديمقراطية الحديثة. والحال أن السلطة القانونية الديمقراطية لم تطرق باب أي نظام عربي بعد وسقطت كل محاولاتها على جدار الدكتاتورية الفاشية، أم الزعامة الملهمة المحفزة والباعثة على الحماس والأمل فقد انتهت مع اختفاء الرعيل الأول من الزعماء الملهمين الذين قادوا حروب الاستقلال، وهاهي تفقد اليوم آخر عناصرها، وهي الثقة التي يولدها التقليد نفسه والمرتبطة بحكم رجال وجهاء واسر وعائلات مارست السلطة لفترة طويلة مع توريث الرؤساء والأمراء والملوك شبان صغار مسؤولية السلطة العليا والحكم . يضاف إلى ذلك  اخفاق الجميع في تحقيق اي تقدم اقتصادي او اجتماعي وفشل جميع مشاريع التنمية التي اعلنت عنها أو سعت لتحقيقها، والانتصارات العديدة التي حققتها وتحققها الميليشيات على الجيوش النظامية في اكثر من مكان،  وتترك المجتمعات أمام سلطات عارية ومفتقرة لأي وسيلة اقناع غير التسلط والعنف.