في النخبة والشعب

الطبعة الأولى 2010

الناشر دار بترا

ترجمة :

 

العلاقة بين النخب الاجتماعية والشعب تشكل إحدى القضايا المحورية في عملية التحول السياسي الذي تشهده المجتمعات العربية. وقد جاءت الثورة التونسية في بداية هذا العام لتؤكد هذه الحقيقة. وهنا تقديم لكتاب صدر لي قبل اشهر قليلة يطرح مشكلة النخبة ويفسر أسباب تشتتها وضعفها في البلاد العربية ننشرها لتعميم الفائدة وفتح النقاش حول هذه المسألة الحيوية في هذه الحقبة التي تعلن عن بداية دورة جديدة من التحولات التاريخية للمجتمعات العربية.

 

 

 

العلاقة بين النخب الاجتماعية والشعب تشكل إحدى القضايا المحورية في عملية التحول السياسي الذي تشهده المجتمعات العربية. وقد جاءت الثورة التونسية في بداية هذا العام لتؤكد هذه الحقيقة. وهنا تقديم لكتاب صدر لي قبل اشهر قليلة يطرح مشكلة النخبة ويفسر أسباب تشتتها وضعفها في البلاد العربية ننشرها لتعميم الفائدة وفتح النقاش حول هذه المسألة الحيوية في هذه الحقبة التي تعلن عن بداية دورة جديدة من التحولات التاريخية للمجتمعات العربية.

 

 

مقتطفات 

" … مهما كانت نوعيتها وطريقة تكوينها، أرستقراطية أم مدنية وسياسية حديثة، ومهما كانت خصوصيتها، أكانت وثيقة الصلة بطبقة، على مثال ما هو قائم في الولايات المتحدة حيث تختلط عناصر النخبة القائدة بطبقة رجال الأعمال وأصحاب المشاريع الاقتصادية الحرة "المقاولون أو أصحاب المبادرة الخاصة"، أو ثمرة تكوين طبقة إدارية وتقنوقراطية خاصة عبر المدارس والجامعات الحكومية الكبرى، وما تقدمه من فرص للحراك الاجتماعي، على مثال ما هو قائم في فرنسا، لا يمكن للنخبة القائدة أن تقوم بدورها كنخبة، وتحتل موقعها ما لم تنجح أولا في تأكيد استقلالها، لهذه الدرجة أو تلك، عن أصحاب الملكية والثروة والمال، وثانيا في استبطان مفهوم المسؤولية العمومية تجاه الدولة (أو الملك الذي يرمز إليها) أو الشعب والمجتمع المرتبط به. ومتى ما ضعف هذان الشرطان أحدهما أو كلاهما، انحطت النخبة إلى مستوى الجماعة الخاصة، وتدهورت شروط ممارسة السلطة وإدارة الدولة أيضا، بل اقترب زوالها. فالاستقلال عن الطبقة المالكة هو شرط تحويلها إلى نخبة قيادية قادرة على أن تتجاوز، في النظر والممارسة، منطق المصالح الخاصة، وتستوعب منطق المصلحة العمومية. وهو الذي يمكنها من أن تمثل الكلية الاجتماعية، وأن تحقق، بوجودها وعملها معا، التواصل بين الأطراف، والتنسيق بين المصالح، وبث الانسجام والاتساق داخل النسق الاجتماعي بأكمله، مما يشكل شرط قيام الدولة وتشغيل المؤسسات العامة. وفي غياب هذه الاستقلالية، وما تؤمنه من مقدرة على التواصل والتنسيق والاتساق بين المصالح والأطراف، تفقد الفئات المهيمنة أو السائدة صفتها كنخبة، وتتحول هي نفسها إلى طرف خاص، يعمل في صراع مع الأطراف الأخرى على استحواذ أكثر ما يستطيع من الموارد والمنافع والامتيازات، وتفقد الدولة ومؤسساتها مضمونها كوسيلة لقيام وطنية ومواطنية، أي لتحقيق الروح العمومية. لذلك حتى في المجتمعات التقليدية، لم يكن من الممكن قيام دولة وسلطة مستقرة وموحدة من دون وجود نخبة متميزة عن أصحاب الامتيازات والأطيان والإقطاعات، متمتعة بحد كبير من الشعور بالمسؤولية تجاه وحدة النظام واستقرار الكل. وعلى درجة قوة هذه النخبة البيروقراطية واستقرارها وحسن تكوينها كان يتوقف نفوذ الدولة وقوتها وامتدادها. والمجتمعات التي لم تنجح في تكوين نخب مستقلة نسبيا (لنقارن بين وضع العرب ونموذج الصين القديمة وما تميزت به من نظام المندرينا القوي) هي التي عجزت عن الاحتفاظ باستقلالها واضطرت إلى الاندراج في إطار الامبرطوريات ذات التقاليد البيروقراطية العريقة". ص 17

” والقصد أن نشوء النخبة هو شرط أساسي لنشوء الدولة وتطور نظام عام سياسي ومدني يحرر المجتمع من العنف والانقسام وعدم الاستقرار. فالنخبة تعني في النهاية وجود قيادة، بما يتضمنه مفهوم القيادة من الرؤية الموحدة، ومنظومة المعايير التي تضبط نشاط الأفراد في كل ميادين العمل الجمعي، وأجندة تاريخية تحدد الأولويات وتنظم مسيرة المجتمع ككل. ومتى ما فقدت النخبة السائدة هذه القيم تحولت إلى طبقة خاصة تحتل مؤسسات الدولة والمجتمع وتستعمرها، وكفت عن أن تكون مصدر اتساق الكل الاجتماعي الذي يخضع مصالح جميع الإطراف، وفي مقدمها النخبة القائدة نفسها إلى منطق هذا الاتساق.

هذا ما حل بمجتمعاتنا العربية في العقود الأربع الماضية. فقد شهدت انحلال النخبة الحديثة التي هيمنت عليها ووجهتها وقادتها خلال أكثر من قرن. ولا يعني انحلالها الافتقاد لرؤية متسقة للعمل الجمعي والتاريخي فحسب ولكن أكثر من ذلك غياب النظام والمقاييس ومعايير السلوك. فمجتمعاتنا تفتقر لأي قاعدة عمل واضحة في كل ميادين النشاط الجمعي الفني والمادي معا. ولذلك فهي غير قادرة على ضبط حركتها والسيطرة على نشاطها وترتيب أوضاعها. وهي تنتظر المعايير من الخارج. وهذا ما يعطي للخارج أيضا موقعه المتميز في تقديم نموذج للتنظيم الداخلي. وهو الذي يفسر أيضا تدخل الخارج المستمر فينا، وعلى مستويات متعددة، عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية، تكاد تنسينا داخلنا، كما يفسر استعدادنا العميق لتلقف انجازاته وفتح الباب له. فهو وحده القادر اليوم، في شعورنا العميق نحن أنفسنا، على تزويدنا بماديء تنظيمنا. وهذا ما يفسر أيضا ما نلاحظه من اهتمام متزايد من قبل الرأي العام بالمغتربين العرب، من علماء ومثقفين ورجال أعمال، مقيمين في الخارج، يفترض أنهم تمثلوا جزءا من عقلانية هذا الخارج ومقدرته على الرؤية والاتساق والتنظيم، فصاروا في نظر الكثيرين ذخرا للعرب، ورأسمالا ينبغي الاستفادة منه لإعادة إدراج مبدأ الفاعلية والتنظيم والتسيير في مجتمعاتهم الأصلية.

بهذا المعنى أصبحنا أيضا مجتمعات من دون ثقافة، أي من دون معايير وقيم وقواعد عمل، نابعة منا ومستبطنة في وعي أفرادنا. وأصبح من الطبيعي أن يأتي التنظيم بوسائل ميكانيكية إكراهية، أي بالقوة المجردة والعنف والسجن والاعتقال، وتحويل البلدان نفسها إلى معازل ومعتقلات جماعية. أما في الداخل فليس هناك سوى قوى متنازعة على المنافع ولا وجود هناك لأي قوة تفكر أو تعمل من منظار القيم أو المبادئ أو الكلية الاجتماعية أو المستقبل.

أما النخب الجديدة فلا تزال، في الكثير من الحالات والدول، مشاريع نخب اجتماعية تقف في وجه تحققها ونضوجها أنواع من الانقسامات والتشتتات والتناقضات البنيوية، الموروثة والمكتسبة معا، وتجعل المجتمعات نهبا لفئات مصالح متناقضة تستخدم كل منها ما تستطيع أن تسيطر عليه من مواقع داخل النسق الاجتماعي العام لخدمة مصالحها، من دون اهتمام يذكر بما يمكن أن نسميه المصالح العامة، أي وحدة النظام العام واتساق حركته وتفاعله وتنمية قدراته الاستيعابية، حتى ليمكن القول إن النخبة، بالمعنى الاجتماعي الذي ذكرت، هي بالفعل ما تفتقر إليه معظم هذه المجتمعات. فالنخب المثقفة والسياسية والتقنوقراطية والمالية والإدارية وغيرها تشكل اليوم تفتقر إلى أي مشروع جماعي، وتشكل مجموعات مصالح خاصة لا تجمع بينها رؤية، ولا توحد عملها أهداف وغايات عامة. ولذلك لا يضمن وحدة النظام هنا واستمراره سوى استخدام القوة العنيفة المادية لفرض الانصياع على النخب نفسها، وصيغة ميكانيكية من القسمة وتوزيع الغنائم حسب الولاءات والانتماءات الخاصة، وأسلوب ديني في فرض الرأي الواحد الذي لا يناقش ولا يشارك، رأي الزعيم الأوحد. فليس هناك سوى القائد الملهم الذي يمكن أن يعوض، بموهبته الروحية والسياسية والفكرية، عن غياب الرؤية المشتركة والغايات العامة المتمثلة والمستبطنة من قبل النخب والشعوب معا. ولذلك كان موت الزعيم إنذارا بضياع الأمة وخراب العمران". ص 23-24

" ... الشعب: كمعظم المفاهيم السياسية الحديثة التي نستخدمها، من المفاهيم المركبة التي يختلط فيها عنصر المعرفة التاريخية بعنصر الأيديولوجية لتصبح مفاهيم سياسية من الطراز الأول، أي ذات فاعلية تحويلية وليست فقط علمية. فلا يتعلق الأمر هنا بتحليل دقيق للواقع، وإنما باختيارات أخلاقية أيضا. فكما أن الذين يرفضون هذا المفهوم أو يحيلون معناه إلى معنى العامة الجاهلة والأمية، يبخلون على الشعب بالقيم الإنسانية المساواتيه التي يتضمنها، ينزع أولئك الذين يستخدمونه بإضفاء صفة ايجابية عليه إلى التأكيد على إمكانية تعميم القيم التي يحملها على المجتمعات الرعوية أو نصف الرعوية. هكذا لا ينفصل إبراز مفهوم الشعب في التحليل العلمي للمجتمع هنا عن السعي لإعادة إنتاجه في الواقع المادي، وهو ما تتضمنه دعوة النخب الاجتماعية إلى العودة إلى المجتمع والانخراط فيه والتفاعل معه على أرضية المساواة التي تشكل مقدمة لولادة أي شعب. ومنطلق ذلك التفكير من وجهة نظر مصالح الأكثرية من الناس وتحقيق مفهوم الشعب الواحد المتساوي، من دون تمييز بين خاصة وعامة، متنورين وجهلة، عقلاء وعاطفيين، والعمل على إيجاد متطلبات وجوده في الواقع، وإبراز حقيقة الإنسان الكامن في كل فرد فيه، والسعي إلى تنميته وتطويره، لا البقاء على مستوى الإدانة والشجب والندب والتقريع.

والقصد أنه من دون اندماج النخب بالمجتمع، وقبولها الانخراط معه في مشروع مشترك، على قاعدة المساواة والتضامن، لا يوجد شعب. وفي شروط وجودنا الراهنة، لن يكون هناك حتى الأمل في الاحتفاظ بنمط العلاقة التقليدية بين عامة وخاصة يجمعهما الانتماء الديني الواحد، وإنما استعمار داخلي تستبد من خلاله النخب المرتبطة بالخارج، أو المتحالفة معه، بمصير البلاد والعباد، وتحتكر موارد السلطة والثروة فيها على حد سواء. فما نطمح إليه من وراء الحديث عن النخبة والمجتمع والقطيعة بينهما هو تكوين شعب، لأنه من دون وجود المجتمع كشعب، أي كفاعل جمعي يتفاعل في داخله أصحاب القرار والاختصاص مع الناس العاملين والمنتجين، لن يكون هناك حياة سياسية ولا مدنية، وإنما صراع مستمر بين شبكات المصالح الخاصة المافيوية التي تحتل موقع النخبة وفئات المجتمع المفقرة والمستبعدة، المجهلة والمنزوعة الإرادة، الخارجة على القانون، والمستعدة في أي لحظة للتمرد والانتفاض، على شاكلة ما كان يحصل في أوروبة في القرون الوسطى. وشرط وجود المجتمع كشعب، أي كإرادة ووعي جمعيين، الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات". ص 51-52

" هكذا جاء اختيار مفهوم الشعب، وفي موازاته النخبة الاجتماعية، في كتاب بيان من أجل الديمقراطية، ثم مجتمع النخبة في السبعينات، بل إعادة اكتشافه كمحور للتحليلات السياسية في مواجهة مفاهيم الجماهير والطليعة الثورية، أولا محاولة نظرية لإعادة فهم الواقع، واسترجاع إمكانية النظر إلى المجتمع كمشروع شعب ومواطنين أحرار، وثانيا كجزء من مشروع مقاومة فكرية وسياسية واعية ومسؤولة لصعود السلطة الشخصية والفاشية الجديدة، أي لنمط العلاقات السياسية الإلحاقي الذي أخذت السلطة البعثية الصاعدة من حضن الشعبوية تفرضه على المجتمع في ذلك الوقت لتصفية الإرث التعددي والديمقراطي الحديث الذي أنتجته الحقبة السابقة بالفعل، وإخضاع الشعب لسلطة الأمر الواقع، وإحلال حكم الإرادة الشخصية وعلاقات الولاء التبعية محل حكم السياسة والقانون في العلاقة بين السلطة والمجتمع.

فالتركيز على مفهوم الشعب بأبعاده الثلاثة: النظرية والأخلاقية والإستراتيجية، في مواجهة مفهوم العوام والجماهير والغوغاء والمجتمع المتخلف وغير الواعي والعاجز عن الارتقاء إلى مستوى قيم العصر العلمانية والديمقراطية، وكذلك في مواجهة مفهوم الطليعة ورديفها القيادة الملهمة، لا النخبة، لم يأت هنا، أعني في كتاباتي السابقة التي تشير إليها، للتأكيد على روح التحرر والانعتاق الإنساني الكامن في كل إنسان، بصرف النظر عن ثقافته ودينه ومنبته الجغرافي فحسب، ولكنه جاء، أكثر من ذلك، لتقويض النخبوية الشعبوية، ومن وراء ذلك ترسيخ الاعتقاد بمقدرة جميع الشعوب على الارتقاء إلى مستوى المعايير والقيم الكونية الإنسانية. وهي قضية لم تكن حية في أي حقبة ماضية وصائبة أكثر مما هي اليوم". ص 53

" وتشير هذه البنية في مجتمعاتنا التي نتحدث عنها، أو على الأقل كما أرى أنا وأسعى إلى إظهار ذلك في تحليلاتي، إلى اختلال عميق في توازن القوى بين الجماعة المحكومة والجماعة الحاكمة، الفئات السائدة والفئات الخاضعة، وينجم عنه تهميش الجماعة المحكومة وحرمانها من أي قرار من جهة، ومن جهة ثانية استبداد الجماعة السائدة والحاكمة، وتمكينها من السيطرة على القرار الذي يقدم لها وسائل الاحتفاظ بتفوقها، وبالتالي التجديد الدائم لنفسها في موقع النخبة والمسؤولية، بصرف النظر عن رأي المحكومين وإرادتهم.

هذا يعني أنه إذا تغير نوع العلاقة بين السائدين والمسودين، المتحكمين والمتحكم بهم، التي هي انعكاس لنوعية العلاقة القائمة بين الطبقات، والروابط التي تحدد سلوك الأفراد، والقيم التي توجههم وتشرط اختياراتهم، تغيرت طبيعة النخبة وسلوكها وتغير المجتمع، كما تغير تصور كل فرد لهويته السياسية ودوره أيضا. فالأساس هو هذه العلاقة.

وتكفي المقارنة بين ما أنتجته الديمقراطيات العربية "البدائية" التي انتشرت في النصف الأول من القرن العشرين، تحت تأثير الفلسفات الليبرالية السائدة، والتي كانت لا تزال ديمقراطية ضعيفة وتجريبية، وما أنتجته نظم السلطات المطلقة والاستبدادية التي تدعي العلمانية والحداثة، وتستخدم العنف والقهر والتهميش والاستبعاد - خوفا من الردة الرجعية، على حسب ما يقول من ذكرت من المعترضين على منهجي في النظر والتحليل - من أفكار وحركات اجتماعية ومشاريع تغيير سياسية. فقد سمحت النظم التعددية وشبه الديمقراطية الأولى بتوليد حركات وطنية حقيقية تجاوز فيها الأفراد انتماءاتهم التقليدية، واتحدوا في الوطنية، ووجدوا حلولا عملية لقضايا التعدد المذهبي والديني، والاختلاف السياسي، كما أنتجت أهم الأفكار والحركات اليسارية الداعية للتغيير السياسي والفكري والإنصاف والعدل تجاه الطبقات المهمشة أو المناطق الريفية الفقيرة والمعزولة، من منطلق الوطنية والحداثة السياسية. وهو ما أنتج منذ الخمسينات من القرن ذاته الثورات والانقلابات التي ولدت في حجر أفكار التحرر والعدالة الاجتماعية، حتى لو أنها انحرفت في ما بعد عن غاياتها، بينما بقيت الحركات المحافظة من منطلقات دينية أو فلسفية مغلوبة على أمرها وأقلوية.

وبالمقابل لم تنتج نظم القهر والاستبداد والعنف التي سادت منذ السبعينات، كما لا يمكن أن يخفى على عاقل اليوم، داخلها وفي مواجهتها، سوى عقائديات وحركات استبدادية، لا تختلف في قيمها، سواء أكانت ذات منشأ ديني أو مدني، عن تلك التي تعبر عنها نظم الطغيان القائمة، لأنها بكل بساطة مشروطة في تطورها بها بمقدار ما هي رد فعل عليها، من الطراز نفسه وللغايات ذاتها. والقصد ليس للشعب ماهية ثابتة أو هو ليس ماهية، ولو كانت له ثقافة وإرث ماضيين من الاعتقادات والمفاهيم. لكنه حسب نظام العلاقات الذي يسوده ويخضع هو له يعيد تأويل هذه الاعتقادات والمفاهيم، فتتغلب فيه قيم الانفتاح على الانغلاق أو العكس." ص 61-62

" من هنا سأنتقل إلى مسألة الديمقراطية في بلداننا العربية، وبشكل عام في المجتمعات الانتقالية التي لا تزال لم تستوعب الحداثة في جميع مستوياتها وأبعادها، حتى لو أنها وضعت نفسها على طريق اكتسابها. وأول ما ينبغي قوله هنا هو أن الديمقراطية لا يمكن ردها إلى مسألة انتخابات. بل إن الانتخابات هي العنصر الأكثر شكلية وثانوية فيها، لأنه عنصر إجرائي وتنفيذي، مرتبط بالقيم والمبادئ والتوازنات الاجتماعية والسياسية التي تعطيه مضمونه ومعناه ومداه أيضا. فالانتخابات في مجتمع لم يستوعب قيم المواطنية ولم تنبثق عند قسم كبير من أعضائه روح الفردية الحرة والاختيار القائم على التفكير من منطلقات مدنية، ستعيد إنتاج العصبيات الأقوامية والجماعوية الدينية وغير الدينية حتما، وستتحول، كما هو قائم في العديد من بلداننا، إلى وسيلة لتوزيع سلطة الدولة على زعماء العشائر والقبائل والأديان. وفي هذه الحالة لن يكون هناك نظام ديمقراطي وإنما نظام سلطاني جديد قائم على المحاصصة بين زعماء تقليدين، يسيره في الواقع سلاطين متعددين، مطلقي الصلاحية في عشائرهم وطوائفهم، بدل أن يعتمد على سلطان واحد مطلق الصلاحية. في مثل هذه الحالات الفائزون الوحيدون هم زعماء العشائر والطوائف الذين يضمنون أصوات أتباعهم. وهم في الحقيقة لا ينتخبون أبدا ولكنهم يوزعون مناصب الدولة ومواردها على بعضهم البعض قبل أن تبدأ الانتخابات الفعلية التي تأتي لتكرس قسمة مسبقة وتضع نقطة الختام عليها.

هذا يعني أن الديمقراطية قبل أن تكون انتخابات وأصولا إجرائية وقانونية هي منظومة من القيم والعلاقات الاجتماعية تحدد علاقة السلطة بالمجتمع وعلاقة أطراف المجتمع وقواه ومصالحه المتعددة واحدتها بالأخرى، وقواعد إدارة خلافاتها واختلافاتها الفكرية والسياسية. وهي تتجسد على المستوى السياسي، بسواد علاقة بين الحاكمين والمحكومين قائمة، بعكس ما يجسده نمط الحكم المطلق، على التفاعل والتواصل والتفاهم بين الطرفين. مما يستدعي على المستوى الأيديولوجي وجود ثقافة سياسية، أي منظومة قيم مختلفة عن منظومة قيم النظم الاستبدادية تماما، ونشوء تطلعات ومطالب وغايات إنسانية أخرى غير تلك التي حكمت سلوك الأفراد في الحقبة القرسطوية، أي بمعنى آخر تستدعي وجود نمط جديد من الاجتماع المدني والسياسي. ومن دون منظومة قيم إنسانية تعترف بالإنسان كمصدر لمعرفة ناجعة وشرعية، وبالفرد كذاتية عاقلة وذات أهلية في العلم والتعلم والترقي وحمل المسؤولية، وبالعلم أو بصدقية المعرفة غير الدينية وغير المرسلة أو المستلهمة من الوحي، لن يكون هناك أي معنى لمطلب الديمقراطية الذي ينص على أن الشعب مصدر السلطات، وأن الإجماع مؤسس لحقيقة سياسية شرعية، أو لمشروعية، وأن الدولة والنظام الاجتماعي يمكن أن يكونان ناجعين وممكنين تحت إدارة وتسيير الأغلبية الشعبية، مهما كانت حدود معرفة الأفراد ومستوى تعليمهم وثقافتهم، ولا يحتاج وجودهما إلى نخبة خاصة، من أصول دينية أو ارستقراطية، تحتكر وحدها المعرفة الصحيحة، وبالتالي مشروعية الحكم والقيادة السياسية.

فمن دون الاعتراف بشرعية المعرفة غير النقلية والإلهامية، وأهلية الجماعة أو المجتمع أو الشعب أو الأمة في قيادة نفسها، لن يكون هناك معنى لسلطة مرجعها الأخير الشعب، ولا لحق الشعب في مراقبة النخبة الحاكمة، ولا لقبول النخبة الحاكمة بالخضوع لإرادة الشعب وبالمسؤولية أمامه، وبالتالي لوجود دولة ديمقراطية. الديمقراطية قبل أن تكون انتخابات هي إذن تحولات عميقة داخل الثقافة والمجتمع والتجربة السياسية التعددية وضمير الفرد وتطلعاته الأخلاقية. ولا تمثل الانتخابات إلا صيغة إجرائية لإبراز الإرادة العامة المشتركة التي عبر عنها الأفراد، بطريقة إحصائية، وبالتالي حاسمة أيضا في تقرير اتجاه هذه الإرادة وخيارها. فهي تبلور هذه الإرادة أو تقدم فرص تكوينها بصورة مادية واضحة وشفافة، وتضمن للخيار الغالب فرصة أن يظهر إلى الوجود ويخرج من الإمكان إلى الواقع. فهي المناسبة الخاصة التي تعود السلطة فيها دوريا إلى الشعب حتى يقرر فيها، فيجدد للنخبة الحاكمة أو ينزع الثقة عنها.

من الواضح أن هذا نظام لا يولد من تلقاء نفسه. فالانتخابات لا تخلق الشعب الحر والمسؤول، أو القادر على حمل المسؤولية الأساسية، والتصرف كمصدر للسلطة العمومية. والنخبة لا تقبل بان تكون مسؤولة أمام الجمهور عندما تكون قادرة على احتكار وسائل القوة والتصرف بها بحرية من دون قيود ولا ضغوط. حتى يحصل ذلك ينبغي أن يتكون الشعب، أي أن يتحول القوم الذي يجمع بين أفراده التماثل في الهوية الثقافية وتقتصر غاياته على الدفاع عنها، إلى شعب تكون غاية اجتماعه السياسي ضمان الحرية والمساواة للجميع، ويقوم اتحاده على الالتزام بمبادئ الحرية والمساواة والولاء للقوانين الواحدة التي تجسدها. فالديمقراطية ليست إجراءا شكليا يتحقق مع فرز حكم الأغلبية، أية أغلبية عددية. إنها عملية تاريخية طويلة يتم من خلالها تحويل الجماعة إلى شعب، أي تربية الأفراد على النظر إلى أنفسهم بطريقة مختلفة، كأناس أحرار ومسؤولين، والتصرف تجاه بعضهم البعض بطريقة مختلفة أيضا، على أساس العدالة والمساواة، وقبل ذلك تغير، منظومة قيمهم، وغاياتهم اجتماعهم الإنساني.

لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى الديمقراطية كثمرة ناضجة للحداثة السياسية، أو أن نفكر أن تحقيقها يتطلب تحقيق هذه الحداثة مسبقا. بالعكس تماما، الديمقراطية هي أهم معارك الحداثة قاطبة لأنها تعنى بتكوين الفرد كمواطن، أو هي معركة تحويله من قن أو تابع أو ربيب أو مولى إلى مواطن حر. فهي المدرسة التي تعلم الناس التحول من أخوة العشيرة والقبيلة والدين إلى أخوة المبادئ المختارة والواعية، القائمة على تمثل قيم مستبطنة ومختارة لا على إعادة إنتاج تقاليد ثقافية تاريخية، وهو ما تعبر عنه مفردة المواطنية. فهي مخاض تحويل الجماعات من جماعات تقليدية إلى جماعات وطنية ومواطنية. وهي أقوى وسيلة لإدخال المجتمعات في الحداثة السياسية، بمقدار ما تعلمهم معنى السيادة الشخصية واستقلال الفكر وقبول التعددية وحمل المسؤولية، تماما كما يعلم الاستبداد الاتكالية ويرسخ ثقافة العجز والاستقالة المعنوية والسياسية، ويحل التبعية والإمعية محل المشاركة الايجابية والنشيطة في الحياة العمومية. ومن يطلب من الناس أن يتمثلوا قيم المواطنية في مناخ الاستبداد وتربته كمن يطلب من العربة أن تشد الحصان. المواطنية تولد في الحرية ولا تولد في الطغيان. والحداثة معركة مستمرة سياسية، من أجل استبطان معنى الحرية وقيمها، ومعركة ثقافية من أجل بناء الشخصية الفردية الواعية والمسؤولة، ومعركة اقتصادية من اجل تأمين حاجات الناس والمجتمعات الأساسية، وعدم تركهم ضحية قوانين الطبيعة أو الغابة الطبيعية، ومعركة أخلاقية من أجل بناء الضمير الذي يوجه الفرد من ذاته وبذاته في حياته الشخصية والعمومية.

وعندما نتحدث عن معركة فنحن نقصد أيضا ممارسة طويلة وتجربة تاريخية يتعلم الأفراد من خلالها ويعيدون صوغ تفكيرهم ومبادئهم وغاياتهم معا. ولا يمكن تصور شعوب تولد جاهزة لقبول القيم الجديدة التي لم تعرفها ولا عاشت شروط نشوئها وتحقيقها، قيم الحداثة. ولو فكرنا في هذه الطريقة لكان تفكيرنا غير منطقي، بل عبثي. الشعوب تتعلم بالتجربة وعبر التاريخ وتتحول، ولا تولد حديثة مرة واحدة، ولذلك أيضا لا يمكن للحداثة أن تكون سلة واحدة، أي أن تخرج من رحم التاريخ كما تخرج البيضة كاملة ومتكاملة من بطن الدجاجة أو مؤخرتها. كما أنها ليست انقلابا سياسيا يحل جماعة حاكمة مؤمنة بالديمقراطية محل جماعة استبدادية. هي تجربة في الحياة السياسية والمدنية والأخلاقية علينا أن نتعلمها ونعلمها لشعوبنا إذا آمنا بالقيم المرتبطة بها. وكما أن تعليم السباحة لا يتحقق عبر المفهوم، والنظرية، ولكن لا بد في لحظة ثانية أن ينزل المتعلم إلى الماء ويطبق ما تعلمه ويتدرب عليه، كذلك لا تنمو تجربة الديمقراطية بالحديث النظري عنها أو عن القيم التي ترتبط بها، ولا بترجمة نصوصها الفكرية، بل لا بد من دخول معتركها، وإدخال الشعوب في مصهرها حتى تعيد بناء نفسها وعلاقاتها على ضوء قيم الديمقراطية وحسب متطلباتها. ومن هنا، عندما نقول إن الديمقراطية هي مدرسة الحداثة السياسية والفكرية أيضا، فهذا يعني أن هذه الحداثة غير ممكنه من دون خوض معركة الديمقراطية، فمن خلالها فقط وبمناسبتها يتعلم الشعب معنى المواطنية وما تتضمنه من حرية ومساواة وعدالة، وقبل ذلك معنى القانون ومغزى احترامه وتقديسه أيضا من دون أن يشعر أن هذا الاحترام وذاك التقديس يشكلان مساسا باعتقاداتها الدينية أو منافسة لها.

وفي هذا المجال ليست النتائج محسومة سلفا. فمن الممكن أن لا تكون حصيلة المعركة النجاح والتقدم على الطريق الصحيح المرسوم. لكن السبب لن يكون في خوض التجربة نفسها، وإنما في الشروط التي مورست فيها. فكما أن النتائج التي تحققها المدرسة، أي مدرسة، تتوقف على نوعية المربين والمعلمين والمدرسين، كذلك تتوقف نتائج تجربة الديمقراطية، أي تطوير قيم الحداثة السياسية، وتربية الشعب عليها، واستبطانها وإعادة إنتاجها بصورة إبداعية في ثقافة كل شعب، على نوعية القادة السياسيين والمثقفين المنخرطين فيها والملتزمين بتحقيقها، وبرامج التربية السياسية التي تحظى بها كل المدارس أو التجارب الديمقراطية.

وبالمقابل، لا يمكن المراهنة في أي ظرف على نشوء الديمقراطية في رحم النظم الاستبدادية أو تحت رعايتها ووصايتها، ولا بالتعاون معها أو بالاحتماء بها. فكما أن الديمقراطية مدرسة تعليم الحداثة السياسية واستيعاب قيمها الإنسانية، كذلك يشكل الاستبداد مدرسة تعليم الفساد السياسي والنكوص إلى القيم والاتجاهات القرسطوية، بما فيها من تكريس الإمعية وعبادة السلطان والتسليم له، واحتقار الذاتية الحرة والفردية، وتقزيم الإنسان، وضياع معنى الحرية والعدالة والمساواة والإنسانية. فالاستبداد مدرسة الترثيث السياسي والعودة بالمجتمع إلى حالة الفراغ السياسي وانعدام الأهلية والرهان على التوازنات الطائفية والمذهبية والأقوامية، أي إلى تقاليد تغييب الفرد السياسي ومسخه، لصالح القرابات الطبيعية والتماهيات الدينية والثقافية. ولا يمكن إلا أن يقطع الطريق على أي تحولات ايجابية.

"والنتيجة، ليس هناك سبب للتشاؤم. فمهما كانت شروط التفكير والنظر والبحث قاسية، وبالرغم من وجود الذاتيات وأحيانا سيطرتها، هناك أمل في الوصول إلى حقيقة، أو حقائق نسبية ومتماسكة بما فيه الكفاية حتى يمكن الاعتماد عليها لدفع التجربة الاجتماعية خطوة إضافية إلى الأمام. وبالمثل، مهما كانت شروط العمل قاسية، وخراب النخب والجماعات والشعوب عميقا، هناك دائما مكان لقوى مناوئة للنظام، أو قوى زعزعة للنظام، تخرج من صلبه أحيانا أو ردا عليه، وتفتح بعملها الفكري والسياسي أفقا جديدا للشعوب والجماعات. فالتناقض قائم في صلب أي نظام، وهو محركه الدائم ومنتج نقيضه أيضا. ومن دونه لا وجود لحياة، لا في المجتمع ولا في الطبيعة. وهذا النقيض موجود في مجتمعنا أيضا، غير أنه، لضعف في التجربة النظرية والعملية، لا يزال مشتتا لم يعثر بعد على محور استقطاب يجمع بين أطرافه المختلفة، ويكون منه قوة صاعدة وضاربة، بالرغم من تعددية الرؤى وتفاوت المواقف والأوضاع. وهذا ما ينبغي أن يشكل هدف السياسي، مثقفا كان أم ناشطا مدنيا أم سياسيا مخضرما. وليس لعملنا في هذا المجال معنى إلا في هذا السياق". ص 73-74

" أما في ما يتعلق بمعركة الثقافة فهي ليست بين أطراف، ولا بين أشخاص. إنها معركة ضد القيم الهرمة أو المهترئة وأنماط التفكير والسلوك السلبية التي يستند إليها الطغيان، أو التي تشكل مصدر فقدان الشعوب ثقتها بنفسها وتخليها عن مبادئها وقيمها، ومن ثم انحلالها وتفتتها. فهي معركة داخل الثقافة، لا بين أطراف اجتماعية ثابتة. وثقافة الاستبداد ليست حكرا على طرف، حاكما كان أم محكوما. إنها تخترق الطبقات والجماعات والأطراف. فهي لا تعمل إلا لأنها، من حيث هي ثقافة العنف والسيطرة والإكراه والاضطهاد، هي أيضا ثقافة الاستكانة والاستسلام والتسليم واحتقار الذات. فكما أنه لا توجد سيطرة من دون خضوع كذلك لا توجد ثقافة قهر وإذلال من دون ثقافة ذل وتذلل وإمّعية. ص 79

" والواقع إن دحض التفسير الثقافوي للاستبداد، الذي يسيطر سيطرة كاملة تقريبا على تحليل الباحثين اليمينيين في الغرب، هو ما سعيت دائما إلى نقده، وما كنت أخشى أن يتأثر به العرب أنفسهم، فينتقلوا من نقد الذات، الضروري لأي انبعاث، إلى كره الذات المدمر لأي ذاتية والباعث على العداء للشعب وللتاريخ. وهو التحليل الذي يشكل، بالإضافة إلى ذلك، أفضل حجة في يد الاستبداد ومبرر لبقائه. فبفضله تستطيع النخب المسيطرة بالقوة المجردة أن تبرر مصادرتها حرية الناس، وتقضي على أي بلورة لإرادة شعبية موحدة، حتى تفرض سلطتها الاستبدادية، باعتبارها سلطة إنقاذية وتربوية لا بديل عنها. وهذا هو أيضا الأساس في دفع بعض المثقفين المرتهنين لعقدة الخوف من الدين إلى الالتحاق بالأنظمة الاستبدادية أو على الأقل إلى التواطؤ الضمني معها.

والحال، وكما ذكرت للتو، ليست الثقافة التي تسود داخل المجتمعات العربية والإسلامية اليوم، بالرغم من المظاهر الخادعة، تقليدية أو تراثية. فنحن نعيش اليوم في عالم عوم الثقافات جميعا. وليس ما نستمده من التراث لتوجيه أنفسنا وسلوكنا في الحياة والمجتمع أكثر مما نستمده من ثقافة العصر ووسائلها الإعلامية الكونية، سواء أكان ذلك من خلال تقليد أنماط الاستهلاك الحديثة أو تعميم نماذج السلوك والتفكير، أو تكوين الأفراد العلمي والمعرفي، أو بناء المشاعر والعواطف والتطلعات. وحتى ما يبدو لنا قديما ليس هو في الواقع إلا قناع يخفي قيما حديثة، أو شبه حديثة، محورة ومشوهة أحيانا، لكن لا شيء يربطها بالقيم القديمة الحقيقية.

وبالمثل ليس هناك ثقافة يمكن تخفيضها إلى دين فحسب. وليس صحيح أن الدين يشكل ثقافة العامة بينما العلم هو جوهر ثقافة النخبة الاجتماعية أو الخاصة. لكل منهما قيمهما الدنيوية والدينية معا، حتى لو كان دين هؤلاء أو مقدساتهم مختلفين عن دين أولئك ومقدساتهم. ومن جهة ثالثة، بالرغم مما عممته فلسفة الأنوار من أفكار نقدية للكنيسة الكاثوليكية، ليس هناك أي ارتباط حتمي بين الدين كدين والاستبداد. اللهم إلا إذا أعطينا للدين مفهوما ماهويا وجوهرانيا ثابتا وصرفنا النظر عن كل ما يقول به علم الاجتماع الديني من أن أي دين لا يوجد إلا ضمن مجتمع أو جماعة مشخصين وأنه يخضع، حسب السياقات التاريخية والاجتماعية والمعرفية، إلى تأويلات لا تحصى تجعله يتكيف باستمرار مع حاجات المجتمعات ويرد على مطالبها. فالكاثوليكية حسب التأويل الذي كان سائدا قبل الثورة الفرنسية كانت بالتأكيد ضد الديمقراطية وحليفة رسمية للملكية المطلقة بقدر ما كانت شريكة لها في السلطة والثروة والقوة، لكنها ليست كذلك اليوم بعد أن غيرت من موقعها، فصارت مدافعة علنية عن العلمانية والديمقراطية، وفخورة أمام الإسلام بأنها ساهمت في إنتاجهما. ويعتبر علماء الاجتماع أن الديانة البروتستنتية التي حذفت سلطة الكنسية البابوية الوصائية من مفاهيمها وحولت مركز الإيمان إلى التجربة الشخصية كانت أحد المرتكزات الأساسية للتحولات الديمقراطية في الولايات المتحدة كما هو الحال في أوروبة الشمالية." ص 94

" فما نعيشه اليوم لا يعكس استمرار تعلق الناس بالتراث أو الخضوع الأعمى له، وإنما بالعكس احتجاجهم على نمط من الحداثة الكاذبة والمغشوشة. مما يعني أننا نعيش في الحداثة، كنمط عيش ونمط تفكير وإنتاج واستهلاك حتى لو كانت هذه الحداثة مشوهة وغير منتجة، ولم يعد في مقدورنا التواصل مع التراث إلا من داخل هذه الحداثة. فهي السائدة ثقافة ونمط حياة. وفوضاها العقلية والسياسية والاقتصادية هي التي تغذي أزمة الفكر والضمير والمجتمع. فنحن نتحرك لكننا نتحرك بالطريقة الخطأ. ونقدنا لهذه الحركة في الطريق الخطأ هو الذي نحتاج إليه لنخرج من الضياع في غابة الحداثة. أم النكوص على أعقابنا، سواء باستعادة التأويلات التراثية أو برمي المسؤولية على التراث وثقافة الأجداد والأسلاف، فهو هروب من المشكلة، لن يفيدنا شيئا غير الإغراق في الضياع.

" ص 90

" إن الاستبداد السياسي الذي يقهر المجتمعات العربية اليوم لا يستمد شيئا تقريبا من الدين، لا في نظام شرعنته، ولا في وسائل قمعه، ولا في تنظيم مؤسساته، ولا في تصميم مفهومه. إنه نظام قائم على بث الرعب والخوف عند السكان، انطلاقا من مبادئ وقواعد عمل، واستنادا إلى مؤسسات ولدت وترعرعت في التجربة السياسية الحديثة، الفاشية والشيوعية والقومية معا، من ديكتاتورية عسكرية وأحزاب واحدية أو شبه واحدية، وأجهزة أمنية، وإجراءات قانونية، ووسائل تكنولوجية، وقواعد اجتماعية زبائنية، وشرعنات علمانية أو شبه علمانية، جميعها حداثوية الطابع والخطاب.

لا يمنع هذا بالتأكيد النظم الاستبدادية أو بعضها من استخدام الدين كوسيلة إضافية، وفي الواقع ثانوية، من وسائل القمع، سواء أكان ذلك على صعيد الخطاب، أو على صعيد استعمال حركات ومنظمات دينية قائمة، أو التلاعب بعواطف الجماعات الدينية، لتحقيق أهداف سياسية مباشرة. وقد تتحول التعبئة الطائفية إلى وسيلة رئيسية في ضمان بقاء النظام في حالات الأزمات القصوى. فليس لدى النظم الاستبدادية حصانة تمنعها من أن تستخدم تكتيك الحرب الأهلية، المعلنة أو الكامنة، والحرب الطائفية أحد أشكالها، من أجل حرمان المجتمع من إمكانية بناء قوة ذاتية وبلورة إرادة استقلالية وواحدة تقف في مواجهتها. وهذا ما شهدناه في العديد من الدول الأفريقية التي عاشت حروب التطهير العرقي، وخاضتها لصالح السلطات الغاشمة.

وفي جميع الحالات، وبالرغم من أن أعدادا كبيرة من أعضاء الطوائف شاركت في حروب التطهير هذه، لا تبرز الطائفية إلا بالارتباط بنخب سياسية لديها مشروعها الخاص للسلطة، وتعرف كيف توظف التعبئة الطائفية في هذا المشروع. فمن دونه لا تستطيع الطائفية أن تبني أي مشروع سياسي خاص، أعني لا حزبا ولا حتى ميليشيا فاعلة. لا تلغي مسؤولية النخب، التي هي بالتأكيد رئيسية وحاسمة، احتمال اشتراك أعضاء من الطائفة، إلى هذا الحد أو ذاك، في مشاريع الحفاظ على السلطة أو القتال دفاعا عنها. وإلا لم يعد للتعبئة الطائفية معنى، ولا تعود هناك قيمة لمفهوم الطائفية نفسه كأداة في التحليل السياسي. لكن لا يخرج هذا الولاء الطائفي الجزئي أو الكلي لزعامة سياسية عن مفهوم الاستخدام السياسي للدين، ولا يجعل من الطائفة، بوصفها تجمعا دينيا أو قبليا، مصدرا طبيعيا للنزاع أو للاستبداد. فما لم توظف علاقة الألفة الدينية أو القرابية، التي تؤسس للجماعات الدينية والأقوامية المتميزة، في مشروع سياسي، وتدخل عنصرا في إستراتيجية الصراع على السلطة التي تسعى من أجلها نخبة سياسية "علمانية"، تظل هذه العلاقة علاقة مدنية، تعنى بتحقيق أهداف مشتركة وخاصة بالطائفة، ولا تتخذ أي قيمة سياسية. مما يعني أنه لا دور للجماعة الدينية بوصفها كذلك في تكوين الطائفية السياسية. ولا تمارس هذه الجماعة أي دور وليس لديها مسؤولية من حيث هي جماعة دينية، أي في حدود ممارستها الدينية، وتضامن أفرادها، في المشروع السياسي الذي يستخدم الطائفية. وعندما تدخل في الطائفية، جزئيا أو كليا، وهذا مستحيل، لا تعود الجماعة الدينية جماعة دينية، وإنما تتحول إلى حزب سياسي مقنع بالدين أو المذهب. ولذلك تنقسم بالضرورة وتصبح الفئات الملتحقة بالنخبة السياسية منها، جماعة أخرى، أي جماعة سلطة، أو طالبة سلطة ومصالح دنيوية." ص 119-120

" أما في ما يتعلق باستئصال الطائفية فليس هناك حل آخر سوى إعادة بناء وعي الأفراد وإدماجهم في منطق الحياة السياسية الحديثة المرتبط بالدولة. وشرط ذلك بناء الإطار الذي يسمح بنمو الفردية المسؤولة وتطور معنى المواطنية، أي تحويل الدولة القائمة بالفعل إلى دولة مواطنيها، بدل أن تكون قوة مفصولة عنهم ومفروضة عليهم تهدف إلى خدمة القائمين عليها، وتحقيق تفوقهم المادي والمعنوي، أي تعيد توزيع الناس وتقسيمهم بين سادة حاكمين ومسيطرين وعبيد خاضعين ومقهورين. فبمقدار بناء العلاقة داخل الدولة كعلاقة مواطنية يتراجع النزوع لإعادة إحياء العلاقات بين الأفراد كولاءات وانتماءات دينية. وما لم تنشأ المواطنية كوضعية قانونية وسياسية واضحة وملموسة داخل الدولة، وما لم تشجع بنى الدولة والسلطة، والفكر السائد، على بناء مفهومها وتجسيده في الواقع، لن يكون من الممكن التغلب على نزوع الأفراد إلى إحياء الروابط ما قبل الوطنية، الدينية والمذهبية والقبلية، والرهان عليها لضمان حد أدنى من التضامن والتواصل والتكافل. فلا تستطيع المجتمعات أن تعيش في الفراغ مفتقرة لأي مبدأ ناظم أو منظومة قيم أو قواعد وأصول مرعية تجمع بين الأفراد وتقربهم بعضهم من بعض. ولا يعني الفراغ شيئا آخر سوى الحياة في الفوضى والاقتتال والعدوان الشامل. إن اللجوء إلى المرجعية الدينية لتأسيس العلاقات الاجتماعية يتزايد طردا مع تراجع المواطنية كممارسة حقيقية، ومع افتقاد مرجعيتها السياسية الحديثة صدقيتها ورصيدها.

والقصد أنه لا توجد أي ضمانات نهائية كي لا تحصل في أي نظم، بما في ذلك الديمقراطية منها، اختراقات طائفية، لكن هذه الاختراقات ليست حتمية. ولو حدثت، لن تكون بالضرورة على قدر من القوة يسمح لها بتخريب منظومة السياسة المواطنية إذا قامت فعلا. يتوقف الأمر على تطور ممارسة النخب الاجتماعية وقبول أكثرها العمل ضمن قوانين السياسة ومنطقها، والتسليم بقاعدة سلمية وقانونية للتداول على السلطة. وقبل ذلك قبول النخب الخضوع في سلوكها العمومي لقواعد قانونية، أي تخليها عن منطق السلطة/الغلبة، وبالتالي الغنيمة وتمثلها لمفهوم السلطة/العقد أو السلطة/المسؤولية، ومن ثم الوظيفة الاجتماعية، التي تختلف كليا عن السلطة التي تستخدم وسيلة للكسب ومراكمة الثروة والجاه والنفوذ. فالأمر يرتبط إذن بنضوح النخبة وتحولها بالفعل إلى نخبة سياسية وقيادة اجتماعية. وهذه معركتنا الرئيسية في طريق بناء النظم الديمقراطية، أي النظم القائمة على قيم الحرية والعدالة ومبادئ حقوق المواطن والإنسان. وعكسها النظم الاستبدادية التي تخضع لمنطق القوة الغاشمة، ويحكم فيها من يظهر مقدرة أكبر على مراكمة العنف واستخدامه". ص 123

" إن التسليم بفكرة الشعب الجاهل، والمجتمع المتدين والمتعصب غير القابل للتحويل والتغيير، والاعتقاد بأن الإسلام، دينا كان أم إيديولوجية اجتماعية تستخدمها الحركات السياسية، عائق لأي تقدم نحو العلمانية، أو عقبة أمامها، أو أنه عصي على التبدل والتغير وإعادة التأويل والتفسير، عدا عن خطئه نظريا، يقود لا محالة إلى قتل الممارسة والقنوط من إمكان تحقيق نظام الحرية الذي تدعمه العلمانية، ويشجع بالتالي على الاستقالة السياسية والقبول بالأمر الواقع، إن لم يكن الدفاع عنه وتعزيزه خوفا من مجيء نظام يرتبط فيه الاستبداد السياسي بالقهر الفكري والروحي معا. وهذا هو إلى حد كبير حالنا اليوم بين نخبة خائفة من التغيير لما يمكن أن يحمله من مخاطر على فسحة الحرية المدنية المحدودة التي تتمتع بها، ومجتمع عاص، مستعد دائما للانفجار والتمرد، منطو على نفسه ومنكمش على عقائده الخاصة، في مواجهة ما ينظر إليه كتسلط وعداء وقهر من النخبة والسلطة في آن واحد". ص 141-142

" تستدعي عملية التغيير السياسي في اتجاه الديمقراطية، وتكريس قيم الحق والمساواة والحرية، توحيد أكثر ما يمكن من القوى الحية، وتعظيم الشعور بالمسؤولية والأمانة الفكرية لديها، لا العمل على تمزيقها وبث الفرقة بينها وقطعها عن الرأي العام. فهذا التقارب السياسي هو المدخل للتقارب الفكري، والحافز على تقديم تنازلات متبادلة، والقبول بتسويات غير مسبوقة بين الأطراف تسمح ببناء إجماع ديمقراطي، أي تفاهم على حصر النزاع بين الرؤى والمصالح والتوجهات في إطار الوسائل والطرق السلمية.

هذا هو شرط حصول المثقفين وجماعات النخبة العمومية، على الصدقية التي من دونها لن يكون هناك أمل في التأثير في الرأي العام، ولا في دفعه إلى تبني مواقف ايجابية لا أمل في قيام الديمقراطية، ولا من باب أولى انتشار روح التسامح والنزاهة الاجتماعية، من دونها: أعني شرط الايمان بالحق والعدالة والمساواة والحرية والشعور العميق بالالتزام والمسؤولية". ص 151