المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات

الطبعة الأولى:  1979

الناشر دار الطليعة للطباعة والنشر

الطبعة الثانية :  1988

الناشر دارسينا للنشر

الطبعة الثالثة : 2012

الناشر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

ترجمة :

يرد هذا الكتاب على الطروحات التي تفسر فشل بناء الدولة الأمة في المجتمعات العربية المشرقية بالبنية الانقسامية الطائفية او الاتنية، وتعدد التشكيلات المذهبية والدينية. ويحاول أن يبرهن في دراسته هذه على أن التعددية الدينية والطائفية التي هي الحالة الطبيعية في كل المجتمعات ليست السبب الرئيسي أو الحاسم في اضعاف الدولة القومية أو الوطنية وإعاقة تكوينها، ولكن بالعكس. إن الطابع الطائفي بالمعنى العصبوي لهذه الدولة، وما يحولها إلى دولة/طائفة، أو دولة طائفة بعينها، اجتماعية أو قومية أو دينية، وبالتالي غياب الطابع الوطني والأموي الحقيقي لهذه الدولة، هو الدافع الرئيسي لاستمرار تمسك الأفراد بالتمايزات الطائفية والعشائرية وأحيانا في اعادة احيائها ودعمها، وفي الاستثمار الرمزي والسياسي والاجتماعي المبالغ فيها، وتحويلها الى أدوات وأطر للصراع الاجتماعي والسياسي، وبالتالي إلى ما يشبه الدولة داخل الدولة وعصبيات خاصة تنافس العصبية القانونية العامة التي تجسدها الدول الأمة. فعندما تغيب الأطر القانونية الطبيعية للممارسة السياسية في الدولة الحديثة تتحول الطوائف والاتنيات والهويات الخاصة إلى أطر بديلة وتشحن بوظائف ومهام لا علاقة لها في الأصل بالتعبير عن الهوية أو التأكيد عليها وتمجيدها .
فلا يمكن للدولة الحديثة، أي الدولة الأمة أن تستقر، ما لم تكن دولة المواطنة المتساوية. وتعبر المواطنة هنا عن الحرية، فالمواطن بعكس العبد والقن إنسان حر، بالمعنى القانوني والأخلاقي، أي سيد مصيره، وصاحب قراره، الخاص والعام، وبالتالي شريك في تقرير مصير الجماعة/الأمة. أما المساواة فتعني الكرامة التي لا يمكن للإنسان الحر أن يكون حرا من دونها، ولا كرامة في العبودية أو التمييز في المواطنة أو بوجود مواطنية بحقوق متباينة. لذلك لا تكون الدولة دولة أمة من دون أن تكون قوانينها ضامنة للحريات الفردية والجماعية والمساواة الفعلية أمام القانون والمشاركة العملية في القرار. غياب مثل هذه الشروط عن السلطة العمومية يجعل الدولة الحديثة، بما توفره لها الحضارة الصناعية والتقنية من وسائل استثنائية للمراقبة والضبط والتحكم بحياة الناس ومستقبلهم، مهددة في كل لحظة في أن تصبح دولة/طائفة أو مركز تشكيل عصبية قاهرة، قائمة بذاتها في مواجهة المجتمع، وسببا في دفع المجتمعات الى بناء دول عصبية، مماثلة ومضادة لها، تراهن على الاستثمار في الهوية المذهبية أو الإتنية الخاصة وتعزيزها من أجل اتقاء أذى الدولة، والوقوف في وجه تطاولها في التسلط، وتأمين الحد الأدنى من الحماية والأمان والتعاون والتكافل بين أبنائها في مواجهة طغيان الدولة أو العصبيات الأخرى.
هكذا يحاول هذا الكتاب أن يعزل لأول مرة وبشكل واضح المسألة الطائفيّة ويميزها عن المسألة الدينيّة، ويربطها بسياق الصراعات الاجتماعيّة والسياسيّة ولا سيّما ببنية السّلطة، ناقضا بذلك المقولة الشّائعة عن أنّ التعدديّة المذهبيّة والأثنيّة هي علة المجتمعات العربية وسبب تاخرها السياسي والاجتماعي والثقافي، كما لو كانت عاهة ثابتة لا نتاجا لعلاقات اجتماعية محددة في الزمان والمكان وقابلة للتحول والتبدل والتلاشي او الشحن والاستنفار.
ويستخدم في سبيل البرهان على ذلك، إلى جانب الحجج العقلية، تحليل استراتيجيات السلطة التي تستخدمها بعض النظم السياسية العربيّة، وفي مقدمها النظام السوري، من أجل تقسيم المجتمع والسيطرة عليها واستبعاده من القرار واستبدال حقوقه السياسية كشعب، وفي مقدمها حقه في السيادة ومراقبة السلطة، بحقوقه كجماعات أهلية، وأقليات طائفية وإتنية. وفيه يمكن للقاريء أيضا أن يجد تحليلات لمفاهيم الأقلّية والأغلبيّة والفارق بين الأغلبيّة الاجتماعيّة والأغلبيّة السياسيّة، وديناميات النزاع السياسي والمذهبي مع ومصطلحات الأمّة والجماعة، ومفهوم"الثّقافة العليا والإجماع الثقافيّ" علاوةً على مفهوم "الدّولة والإجماع السياسيّ". والنتيجة أنّ مسألة الأقلّيات الثقافيّة والإتنية والدينيّة لا تظهر في المجتمعات كمسألة سياسية إلا في سياق الانتقال من الاجتماع التقليديّ المبنيّ على الإجماع الثقافيّ ووحدة العقيدة، إلى الإجتماع الحديث القائم على المواطنة المتساوية وحكم القانون. المسالة الطائفية ومشكلة الأقليات هي جزء من مسالة تكوين الامة أو الدولة الحديثة وليست من التاريخي الماضي، واحتلالها مقدمة المسرح وانفجارها في الحياة العربية العامة اليوم هو تعبير عن أزمة مشروع بناء الدولة الأمة وإخفاقه لا سببا له. والرد على الطائفية يبدأ من إعادة بناء الدولة على الأسس القانونية والمواطنية، ولا تحله الطروحات التي يميل إلى تبنيها البعض، في العالم العربي وخارجه، برفض نموذج الدولة الوطنية وتقسيم الدول القائمة على مقاس الهويات الطائفية والإتنية.

المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات

يرد هذا الكتاب على الطروحات التي تفسر فشل بناء الدولة الأمة في المجتمعات العربية المشرقية بالبنية الانقسامية الطائفية او الاتنية، وتعدد التشكيلات المذهبية والدينية. ويحاول أن يبرهن في دراسته هذه على أن التعددية الدينية والطائفية التي هي الحالة الطبيعية في كل المجتمعات ليست السبب الرئيسي أو الحاسم في اضعاف الدولة القومية أو الوطنية وإعاقة تكوينها، ولكن بالعكس. إن الطابع الطائفي بالمعنى العصبوي لهذه الدولة، وما يحولها إلى دولة/طائفة، أو دولة طائفة بعينها، اجتماعية أو قومية أو دينية، وبالتالي غياب الطابع الوطني والأموي الحقيقي لهذه الدولة، هو الدافع الرئيسي لاستمرار تمسك الأفراد بالتمايزات الطائفية والعشائرية وأحيانا في اعادة احيائها ودعمها، وفي الاستثمار الرمزي والسياسي والاجتماعي المبالغ فيها، وتحويلها الى أدوات وأطر للصراع الاجتماعي والسياسي، وبالتالي إلى ما يشبه الدولة داخل الدولة وعصبيات خاصة تنافس العصبية القانونية العامة التي تجسدها الدول الأمة. فعندما تغيب الأطر القانونية الطبيعية للممارسة السياسية في الدولة الحديثة تتحول الطوائف والاتنيات والهويات الخاصة إلى أطر بديلة وتشحن بوظائف ومهام لا علاقة لها في الأصل بالتعبير عن الهوية أو التأكيد عليها وتمجيدها .
فلا يمكن للدولة الحديثة، أي الدولة الأمة أن تستقر، ما لم تكن دولة المواطنة المتساوية. وتعبر المواطنة هنا عن الحرية، فالمواطن بعكس العبد والقن إنسان حر، بالمعنى القانوني والأخلاقي، أي سيد مصيره، وصاحب قراره، الخاص والعام، وبالتالي شريك في تقرير مصير الجماعة/الأمة. أما المساواة فتعني الكرامة التي لا يمكن للإنسان الحر أن يكون حرا من دونها، ولا كرامة في العبودية أو التمييز في المواطنة أو بوجود مواطنية بحقوق متباينة. لذلك لا تكون الدولة دولة أمة من دون أن تكون قوانينها ضامنة للحريات الفردية والجماعية والمساواة الفعلية أمام القانون والمشاركة العملية في القرار. غياب مثل هذه الشروط عن السلطة العمومية يجعل الدولة الحديثة، بما توفره لها الحضارة الصناعية والتقنية من وسائل استثنائية للمراقبة والضبط والتحكم بحياة الناس ومستقبلهم، مهددة في كل لحظة في أن تصبح دولة/طائفة أو مركز تشكيل عصبية قاهرة، قائمة بذاتها في مواجهة المجتمع، وسببا في دفع المجتمعات الى بناء دول عصبية، مماثلة ومضادة لها، تراهن على الاستثمار في الهوية المذهبية أو الإتنية الخاصة وتعزيزها من أجل اتقاء أذى الدولة، والوقوف في وجه تطاولها في التسلط، وتأمين الحد الأدنى من الحماية والأمان والتعاون والتكافل بين أبنائها في مواجهة طغيان الدولة أو العصبيات الأخرى.
هكذا يحاول هذا الكتاب أن يعزل لأول مرة وبشكل واضح المسألة الطائفيّة ويميزها عن المسألة الدينيّة، ويربطها بسياق الصراعات الاجتماعيّة والسياسيّة ولا سيّما ببنية السّلطة، ناقضا بذلك المقولة الشّائعة عن أنّ التعدديّة المذهبيّة والأثنيّة هي علة المجتمعات العربية وسبب تاخرها السياسي والاجتماعي والثقافي، كما لو كانت عاهة ثابتة لا نتاجا لعلاقات اجتماعية محددة في الزمان والمكان وقابلة للتحول والتبدل والتلاشي او الشحن والاستنفار.
ويستخدم في سبيل البرهان على ذلك، إلى جانب الحجج العقلية، تحليل استراتيجيات السلطة التي تستخدمها بعض النظم السياسية العربيّة، وفي مقدمها النظام السوري، من أجل تقسيم المجتمع والسيطرة عليها واستبعاده من القرار واستبدال حقوقه السياسية كشعب، وفي مقدمها حقه في السيادة ومراقبة السلطة، بحقوقه كجماعات أهلية، وأقليات طائفية وإتنية. وفيه يمكن للقاريء أيضا أن يجد تحليلات لمفاهيم الأقلّية والأغلبيّة والفارق بين الأغلبيّة الاجتماعيّة والأغلبيّة السياسيّة، وديناميات النزاع السياسي والمذهبي مع ومصطلحات الأمّة والجماعة، ومفهوم"الثّقافة العليا والإجماع الثقافيّ" علاوةً على مفهوم "الدّولة والإجماع السياسيّ". والنتيجة أنّ مسألة الأقلّيات الثقافيّة والإتنية والدينيّة لا تظهر في المجتمعات كمسألة سياسية إلا في سياق الانتقال من الاجتماع التقليديّ المبنيّ على الإجماع الثقافيّ ووحدة العقيدة، إلى الإجتماع الحديث القائم على المواطنة المتساوية وحكم القانون. المسالة الطائفية ومشكلة الأقليات هي جزء من مسالة تكوين الامة أو الدولة الحديثة وليست من التاريخي الماضي، واحتلالها مقدمة المسرح وانفجارها في الحياة العربية العامة اليوم هو تعبير عن أزمة مشروع بناء الدولة الأمة وإخفاقه لا سببا له. والرد على الطائفية يبدأ من إعادة بناء الدولة على الأسس القانونية والمواطنية، ولا تحله الطروحات التي يميل إلى تبنيها البعض، في العالم العربي وخارجه، برفض نموذج الدولة الوطنية وتقسيم الدول القائمة على مقاس الهويات الطائفية والإتنية.

 

مقدمة لكتاب المسألة الطائفية

برهان غليون

 

عندما طلب مني الصديق عزمي بشارة كتابة مقدمة جديدة لكتاب المسألة الطائفية  بهدف نشره ثانية في المركز العربي وجدت نفسي مضطرا إلى قراءة الكتاب الذي صدر في السبعينيات من القرن الماضي. واكتشفت من جديد بذور الأطروحات التي سعيت إلى تطويرها في ما بعد  في العديد من الدراسات التي نشرتها في السنين الماضية حول الطائفية ومشكلة العلمانية والسلطة وبناء الدولة. والواقع أن الفكرة الرئيسية التي ميزت طرح المسألة الطائفية في هذا الكتاب هي تحرير مسألة الطائفية، التي كثيرا ما نشكو منها في مجتمعاتنا المشرقية المعاصرة، عن المسألة الدينية، وربطها بتحليل العلاقات الاجتماعية والسياسية المتعلقة ببنية السلطة بشكل خاص. فحتى وقت قريب ساد الاعتقاد بأن أصل الطائفية وجود التعدد المذهبي والديني الذي يشكل خاصة من خصائص مجتمعاتنا. وأن هذه التعددية هي السبب الرئيسي في نشوء التوترات بين الطوائف بمقدار ما أن كل طائفة تنتج بشكل تلقائي أو طبيعي عصبية خاصة بها موجهة في الغالب ضد عصبية الطوائف الأخرى. في مثل هذا التصور الستاتيكي والسطحي لمسألة الطائفية تبدو المشكلة وكانها نتيجة عاهة بنيوية مرتبطة بتكوين المجتمعات العربية المشرقية ذاتها ولا يمكن فصلها عنها طالما بقيت هذه المجتمعات ذات بنية تعددية. مما يعني أنه لا أحد يملك حلا نهائيا أو علاجا شافيا لها، وعلينا أن نتعايش معها، لكن مع السعي إلى التخفيف من احتمال الدخول في حرب طائفية.

وربما هذه النظرية هي التي اوحت لادبياتنا في الموضوع استخدام صورة الفتنة النائمة التي تشكل جزءا لا يتجزأ من ثقافتنا السياسية. فأصبحنا  نقبل بأن التعددية المذهبية والاتنية علة من عللنا، بدل أن تكون ثروة روحية وفكرية، وأصبح كل ما نرجوه وما نأمل في تحقيقه إبقائها نائمة وتجنب اشعالها. وليس لنا لذلك من سبيل سوى أن نثابر على تنبيه الأفراد الواعين من شرورها وتوعيتهم على خطورتها، وترجي رجال الدين من كل الطوائف أن يتبنوا خطابا تسامحيا يخفف من مخاطر انتشارها. وفي موازاة ذلك الاستمرار في العمل على تأمين الاستعدادات والتجهيزات المادية لإخمادها إذا اشتعلت أو أبعاد شبحها عنا. ومن بين هذه الاستعدادات التي عرفت النظم السياسية العربية استغلالها إلى أبعد حد الديكتاتورية، أي حرمان العرب من الحريات الأساسية، ومعاملتهم كما لو كانوا قصرا، وفرض الوصاية السياسية والدينية عليهم  حتى يمكن ضبط أي ديناميكية الفتنة المحتملة والممكنة في أي وقت. أما المثقفون والسياسيون الأقل تشاؤما فقد مالوا في علاج هذه العلة الولادية عن طريق السعي إلى نفي التعددية المذهبية والدينية الرمزي في إطار دعوة علمانية تتجاوز السياسي لتشمل المجتمع بأكمله وتظهر كما لو كانت عقيدة جديدة للدولة والامة ينبغي أن تنحل فيها أو تذوب جميع العقائد والمذاهب والأديان الأخرى.

على عكس ذلك تماما، ما حاولت أن أبرهن عليه في هذا الكتيب هو أن النزاعات الطائفية، ومن ورائها غياب اللحمة والمشاعر الوطنية أو ضعفها، لحساب العصبية الدينية أو المذهبية أو العشائرية، مما يقود إلى إضعاف الدولة وانقسامها وغياب الروح القومية ، ليست ثمرة وجود هذه التعددية الدينية أو القبلية الموروثة عن تاريخ المجتمعات العربية الماضي، وإنما هو غياب الدولة التي تساوي بين جميع مواطنيها وتعاملهم كأعضاء رابطة سياسية واحدة ليس لأحد علامة فارقة أو امتيازا على آخر، بسبب الدين أو العرق أو المذهب، وتقدم لهم فرص التعبير الأرقى عن هويتهم كمواطنين تجمع بينهم رابطة أو عائلة وطنية واحدة ، تؤكدها المشاركة العملية والفعالية في القرارات التي تتعلق بحياتهم الجمعية، أي في السياسة. وهذا هو مفهوم  دولة الأمة التي تؤسس لرابطة جديدة لا تلغي الروابط الأهلية دينية كانت أم إتنية ولكنها تخلق حيزا جديدا للتفاعل والتواصل والتعاون وتبادل المصالح يخلق هو نفسه عاطفة قرابة ولحمة جديدة، هو ما نسميه الوطنية.

في هذه الحالة، ليست التعددية الدينية هي السبب في إضعاف الدولة القومية أو الوطنية وإنما غياب الطابع الوطني والقومي الحقيقي لهذه الدولة. وهو السبب الرئيسي في تثبيت التمايزات الطائفية والعشائرية وأحيانا في إعادة إحيائها وفي الاستثمار الرمزي والسياسي والاجتماعي المبالغ فيها وتحويلها إلى أدوات وأطر للصراع الاجتماعي والسياسي، أي إلى دول داخل الدولة وعصبيات خاصة تنافس العصبية القانونية العامة التي تجسدها الدول الأمة. فغياب الدولة الأمة يعني غياب دولة المواطنة التي تعني قبل أي شيء آخر ضمان الحياة الكريمة للجميع ،والحرية لكل فرد، والمساواة الفعلية أمام القانون، والمشاركة العملية في القرار.  غياب مثل هذه الشروط عن السلطة العمومية يجعل الدولة الحديثة، بما توفره لها الحضارة الصناعية والتقنية من وسائل استثنائية للمراقبة والضبط والتحكم بحياة الناس ومستقبلهم،  مهددة كل لحظة في أن تصبح إطارا لتكوين طائفة أو عصبية ديكتاتورية قائمة بذاتها في مواجهة المجتمع وسببا في دفع المجتمعات إلى بناء دول عصبية مماثلة ومضادة لها تقف في وجهها وتسعى إلى تأمين الحد الادنى من الحماية والأمان والتعاون والتكافل بين أبنائها.

ولعل النسخة اليعقوبية من القكر القومي التي سيطرت على النخبة المثقفة العربية والإقليمية منذ نهاية القرن التاسع عشر لم تساعد العرب أيضا على الولوج إلى مفهوم دولة الأمة بمعنى دولة المواطنة،  لأنها رسخت لديهم فكرة المطابقة بين الدولة الحديثة في مؤسساتها والهوية القومية أو الاتنية، وهو ما أنتج شعورا قوميا يتغذى من المواجهة مع الخارج والآخر بدل أن يتماهى مع تعميق شروط ممارسة السلطة والمشاركة السياسية وما تتطلبه من تأمين شروط الحرية والمسؤولية الفردية وحكم القانون والمساواة بين الجميع ورعاية شؤون الجماعة الحية.  وساهم ذلك في جعل الوطنية رديفا في معناها لتعزيز دور الدولة المتمركزة حول نفسها، والسلطة الشمولية  التي ترى في تقييد الحرية وتضييق دائرة المشاركة السياسية  وتعزيز دور نخبة طليعية، على حساب القاعدة الشعبية، شروطا أساسية لمنع الاختراقات الخارجية وضمان السيادة الوطنية. وكانت النتيجة زواجا لم تعرف المجتمعات العربية سابقة له من قبل بين آليات الإقصاء والاستبعاد لأوسع جمهور شعبي من جهة وتسلط نخب لم يعد لها أي شعور بالمسؤولية تجاه الشعوب من جهة أخرى، وتدير الاوطان كما لو كانت رأسمالا خاصا صافيا لها تتعامل به بحرية في مفاوضاتها لتعظيم مصالحها الخاصة مع  الدول والمنظومة الدولية.

وغني عن القول هنا أن اكتشاف الأصل السياسي للطائفية الراهنة في المجتمعات العربية،  بمقدار ما كشف عن الترابط بين نمو العصبيات الطائفية وعمليات الإقصاء والاستبعاد  التي  مارستها سلطة استبدادية حولت الدولة إلى مؤسسة لخدمة المصالح الخاصة وتعظيمها، كشف أيضا، بموازاة ذلك، عن العلاقة الحميمة بين الوطنية  - أو بناء الشعور الوطني ومشاعر الانتماء والولاء لأمة، كرابطة سياسية تتجاوز الروابط الأهلية - من جهة، والديمقراطية من جهة ثانية . وهذا ما جاءت الثورة العربية المشتعلة في أكثر من قطر عربي في الوقت نفسه لتؤكده، حيث يختلط النزوع الصارخ نحو الحرية وبناء الديمقراطية بتاكيد وحدة الشعب وحضوره وتأكيد سيادته داخل الدولة وفي مواجهة النخب الخاصة، السياسي والاقتصادية، وبشكل خاص نخبة الدولة التي تماهت معها ووضعت نفسها في خدمة السلطة القديمة الجائرة.

لذلك لم يكن الكلام عن تفكيك منطق الطائفية واستخداماتها من قبل السلطات الديكتاتورية راهنا في أي حقبة ماضية من تاريخ المجتمعات المشرقية كما هو راهن اليوم. وقد كان أكبر نموذج لهذه العلاقة بين تحويل الطائفية إلى فتنة كامنة وتوجيه بعض رجال الدين نحو التحذير منها، أو التغطية عليها بمساحيق علمانية تحولت هي نفسها إلى دعوة استبدال لطائفية قديمة بطائفية جديدة،  ما قامت به السلطتان السورية والمصرية خلال الثورة من أعمال ينبغي إدراجها ضمن أعمال الجريمة الرسمية المنظمة. فهذا هو معنى التفجير الذي دفعت إليه وزارة الداخلية والذي يحاكم عليه مسؤولها الأول اليوم في مصر، العادلي، في كنيسة القديسين. وهو ما تجسده أيضا جرائم الميليشيات السورية الملقبة بالشبيحة التي كانت تقتل وتمثل في جثث ضحاياها من الطائفتين السنية والعلوية حتى تدفع كلاهما إلى الدخول في حرب ضارية تبرر للسلطة الابقاء على نظام الطواريء وتعليق القانون وتجريد الناس من حقوقها وحرياتها، والتعبئة العسكرية الفظة في مواجهة المسيرات الشعبية السلمية المطالبة بالحرية والتغيير الديمقراطي. وقد وصلت الامور هنا إلى حد تقديم السلطة الأسلحة للطرفين وإغرائهم باستخدامها، للدفاع عن أنفسهم ضد الطائفة الأخرى، كما كان يدعي رجال الأمن وشبيحة النظام. ولولا الوعي المتميز الذي بثته روح الثورة المدنية والديمقراطية  في شباب وشعب قطع نهائيا مع الفاشية وآلاعيبها لما أمكن تجنب حرب أهلية دامية لا يمكن لسورية تحملها ولا يستطيع أحد أن يحيط بأثارها الكارثية.

وقد طورت هذه الأطروحة فيما بعد في النظرية التي تقول إن الطائفية هي السوق السوداء أو الموازية للسياسة، التي تظهر بمقدار ما يفسد سوق السياسة الطبيعي أو يتم التلاعب به أو يلغى. فهي ممارسة سياسية ملتوية في ميدان الصراع على السلطة بالمعنى الواسع للكلمة لا نزوعا طبيعيا لدى الطوائف أو الجماعات إلى نشر دينها وقيمها أو تعميمها أو فرض سيادتها وهيمنتها. وهذا يعني، كما ذكرته في كتاب "نظام الطائفية، من الدولة إلى القبيلة"[i]، انه لا علاقة للطائفية بتعدد الطوائف أو الديانات. فمن الممكن تماما أن يكون المجتمع متعدد الطوائف الدينية أو الإتنية من دون أن يؤدي ذلك إلى نشوء دولة طائفية أو سيطرة الطائفية على الحياة السياسية ، وبالتالي لتقديم هذا الولاء على الولاء للدولة والقانون الذي تمثله.

إن الخلط النظري الذي نشأ من الربط، داخل الأدبيات القومية التقليدية، في البلاد العربية، بين التعددية الدينية والإتنية القائمة على مستوى المجتمع المدني، والتي هي ظاهرة طبيعية، حتى لو لم تكن مرتبطة بمفاهيم حديثة أو بممارسات مدنية سليمة، واستخدام الولاءات الجزئية من قبل النخب الحاكمة داخل الدولة، للالتفاف على قانون المساواة وتكافؤ الفرص، وفي سبيل ضمان السيطرة غير المشروعة عليها، قد أساء إساءة كبيرة إلى إدراك حقيقة الظاهرة ووضع اليد على الآثار الخطيرة المرتبطة بها. فقد استسلم السياسيون والمنظرون لفكرة اعتبروها بديهية، مفادها ان المجتمع العربي مجتمع متعدد الطوائف والمذاهب والإتنيات، أو حسب التعبير الذي شاع، فسيفسائي. وأن هذه التعددية هي المسؤولة عن اختراق الدولة بالطائفية. وبالتالي ليس هناك ما يمكن عمله لمقاومتها سوى الاشتغال على وعي المجتمع وثقافته لاقناعه بخطر التحيزات الدينية والأقوامية.

وكانت نتيجة هذه السياسة سلبية على مستويين. على مستوى الوعي الجمعي الذي ما كان من الممكن أن يقتنع بسوء التضامنات الدينية والأقوامية التي يستند إليها في ضمان الحد الأدنى من التعاون والتضامن، خاصة في إطار دولة تتلاعب بها المصالح الخاصة وتكاد لا تستجيب لأي مطالب عمومية. فاستمر يراهن على علاقات التضامن الدينية والمدنية القديمة لكن مع شعور بالاثم يدفع به إلى إخفائها، وإظهار التمسك المبالغ فيه وأحيانا المرضي بمباديء الوطنية المجردة ومظاهرها الشكلية. وهو ما ساهم في تكوين وطنية وقومية شكلية، فارغة من أي التزام، ومفتقرة إلى أي محتوى سياسي، بل عاطفي، خارج إطار ترداد الشعارات وتكثيرها. وعلى مستوى النخبة الاجتماعية نفسها، الرسمية والأهلية، التي منعها الخلط بين طائفية المجتمع وطائفية الدولة من اكتشاف خصوصية الطائفية السياسية، والعمل على استئصالها داخل الدولة، وهو أمر ممكن وضروري، بصرف النظر عن وعي المجتمع المدني ودرجة تمثله لقانون الدولة السياسي.

وفي النهاية، عمل هذا التصور الذي يقول إن الطائفية داخل الدولة هي انعكاس للطائفية داخل المجتمع على القبول بالتعايش داخل الدولة مع ممارسات طائفية عديدة، إن لم يشرعن لقيام الدولة الطائفية نفسها، بوصفها حتمية اجتماعية أو تعبيرا عن خصوصية محلية لا يمكن التجاوز عنها من دون ارتكاب مخاطر السير في اتجاه اقتسام غير عادل للسلطة والثرورة المرتبطة بها. وكما عمل هذا التصور على تحرير النخبة، في الحكم والمعارضة معا، من مسؤولياتها تجاه بناء دولة حديثة حقيقية، قوامها مفهوم الحق والقانون، لا تقاسم السلطة بين نخب الطوائف والعشائر القائمة، غطى على الممارسات الطائفية ورفعه فوق النقد، ووحد تماما بين منطق عمل الدولة ومنطق عمل المجتمع الأهلي ملغيا بذلك أي إمكانية لتصور دولة سياسية. والحال يمكن لطوائفية المجتمع، أو تكوينه الفسيفسائي، أن يفسر صعوبات وتحديات نشوء نخبة وطنية منسجمة ومتماسكة. لكنه لا يبرر بأي شكل ممارسة الطائفية من قبل هذه النخبة أو بعضها داخل الدولة. فشرط تكوين هذه القوة السياسية الأساسية، وتبوئها مركز نخبة وطنية، هو قدرتها على الارتفاع فوق المصالح الجزئية والعصبيات الخاصة، ومنها النعرات الطائفية، حتى تصبح في مستوى المسؤولية الوطنية أو العمومية. وفشلها في ذلك يعكس عجزها عن تمثل قيم السياسة الحديثة ومعاييرها، أكثر مما يعكس جهل الشعب وأميته أو تعصبه لهذا الدين أو ذاك. فليس المطلوب أن يتحرر المجتمع المدني من عصبياته أو تضامناته الطبيعية المتعددة، الدينية أو المذهبية أو الإتنية التي تعكس واقع الحال، خاصة في مجتمعات تقليدية، أو خارجة حديثا من التقاليد، وإنما أن تتحرر النخبة السياسية من تماهياتها الجزئية لتتمكن من تجسيد مثال الوطنية وأن تحرر معها الدولة ومؤسساتها من احتمال ارتهانها للعصبيات الخاصة، حتى تتحول بفضل سياساتها الوطنية إلى دولة امة، أي دولة مواطنيها. 

ولعل أفضل مثال على ذلك ما عرفته المجتمعات العربية الحديثة نفسها، حتى وقت قريب، من تطور مضطرد للولاءات الوطنية وللكتل السياسية المعبرة عنها، قبل أن تقع فريسة نظم الطغيان الحديثة منذ السبعينيات من القرن الماضي. فلم تكن هذه المجتمعات أقل تقليدية ولا أقل تعددية طائفية وإتنية ومذهبية مما هي عليه اليوم. ومع ذلك فهي التي أنجبت أقوى الحركات الوطنية التي كان لنشوئها وتطورها الفضل الأول في تحقيق الاستقلال وطرد قوات الاحتلال. وقد ولدت هذه الحركات والدول المستقلة التي نشأت عنها، في مصر وسورية والعراق وبقية البلدان المتعددة الطوائف، في لحظة ترفع وارتفاع رائعين من قبل جميع الطوائف والطبقات والأقوام على جميع الحساسيات التقليدية، وأشكال التعصب والانغلاق الماضية، لإقامة جمهورية تعددية ديمقراطية مفتوحة بالتساوي لجميع أبنائها. ونشأت الدول الحديثة وتكونت منذ البداية بوصفها دول وطنية لا تميز بين أبنائها. وترسخت فيها خلال حقبة الوصاية والحماية الأجنبية، وفي مواجهة سياساتها التقسيمية، ثقافة وطنية قوية ترفض الطائفية وتشجب الاعتماد عليها، لدى كل الطوائف، كبيرها وصغيرها. ولا تزال معظم الشعوب العربية، بالرغم مما تعرضت له من أزمات ثقة داخلية بين الطوائف، تستلهم تلك التجربة الفذة التي تجاوزت فيها زعامات الطوائف والمناطق المتعددة، بإرادتها، منظوراتها الجزئية، لتنخرط في حركة وطنية واحدة وتعمل ضد النزعات الانقسامية، بالرغم مما تعرض له بعضها من إغراءات من قبل سلطات الوصاية، بما في ذلك تشكيل دول مستقلة خاصة ببعض الطوائف والجماعات المذهبية. 

وتستند هذه التجربة نفسها، وهو ما يفسر انتصارها، في العراق وسورية على ترسخ الفكرة العربية في وعي الأفراد، بصرف النظر عن مذاهبهم الدينية، والتطلع المشترك والشامل لنهضة حضارية عربية كبرى، تنقل المجتمع إلى مصاف المجتمعات الحديثة المتمدنة الديمقراطية، وتساعده على تجاوز انقسامات المجتمعات التقليدية الموروثة، وتحرر الفرد من التبعية لعصبية العشيرة والقبيلة والطائفة الدينية.

وقد شكل هذا الإرث السياسي الوطني الحي، ولا يزال يشكل إلى الآن، واليوم بشكل خاص، حصانة ومنعة حقيقيتين ضد النزوعات الطائفية والضغوط الانقسامية القوية التي تتعرض لها العديد من المجتمعات العربية. فبالرغم من بعض الانزلاقات الطائفية التي حصلت هنا وهناك، في سياق التحولات الاجتماعية العنيفة التي شهدتها في العقود الأربع الماضية، بقي القسم الأكبر من ا لرأي العام مخلصا لهذا التراث، ورافضا الانجراف وراء الطرح الطائفي للأزمة السياسية التي تعصف بالفعل بمعظم البلدان.

إن التوحيد بين منطق عمل المجتمع ومنطق عمل الدولة واعتبار الطائفية التي تمارسها النخب السياسية انعكاسا مباشرا وطبيعيا للتعددية الطائفية التي تسم المجتمعات، يقودان لا محالة إلى الاعتقاد بأن محاربة الطائفية تمر عبر إدانة جميع العصبيات والتضامنات الأهلية وحلها، لتكوين مجتمع خال من العصبيات الأهلية. وهو ما يعني عمليا تفكيك عرى التلاحم المجتمعي وتحويل الممسكين بالسلطة والشأن العام، أنفسهم، داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها، إلى طائفة وحيدة، محتكرة للسلطة والثروة جميعا، بصورة نهائية، في وجه شعب أفرغ من أي علاقة اجتماعية، وتحول إلى ذرات لا تعمل ولا تتحرك ولا تفكر ولا تشعر إلا عبر طائفة السلطة وبإرادتها وأوامرها. وهذا ما راهنت عليه، بوحي ايديولوجية قومية مجردة ولا تاريخية، السلطة البعثية في سورية والعراق، وكانت نتيجته عودة مظفرة للطائفية واحتلال لا مثيل له من قبل العصبيات الأهلية لفضاء الدولة، بصورة علنية أو مقنعة، ثم دمارا حقيقيا للدولة والمجتمع، مع فتح الباب واسعا امام التدخل الخارجي والاحتلال.

من هنا، ليست الطائفية، سواء اكانت شعورا عدائيا لطائفة تجاه طائفة اخرى أو استراتيجية موازية تستخدمها بعض فئات النخبة السياسية في التنافس على  السلطة أو سياسة منهجية تتبعها سلطة معينة في سبيل تأمين قاعدة اجتماعية او إتنية أو مذهبية تعزز مواقعها الاستراتيجية، حتمية اجتماعية أو تاريخية لا ترد. وليس لها، بعكس ما تشيعه بعض الأدبيات القوموية السطحية، جذور عميقة في النظام الوطني الذي نشأ مع ولادة الدول العربية الحديثة، بعد انهيار الدولة العثمانية في العشرينات.

كما أن الطائفية لم تنبع من مؤسسات الدولة الاستقلالية نفسها، وإنما أتت إليها من خارجها. فهي أحد أبعاد الأزمة الوطنية الشاملة، وليست أزمة قائمة بذاتها، ولا حتى البعد الرئيسي فيها. وهذا يعني أن الطائفية، بالرغم من تحولها إلى استراتيجية رئيسية عند بعض القوى الاجتماعية للدفاع عن مصالح وامتيازات ومكاسب استثنائية وتكريسها، ليست ظاهرة مستقلة، ولا يمكن دراستها بمعزل عن الأوضاع السياسية والاجتماعية. إنها تشكل بعدا من المسألة السياسية والاجتماعية، وهي مرتبطة بها ارتباطا عميقا وليس لها من دون هذا الارتباط حظ في الحياة والبقاء. وهي لا تملك حتى الآن، على الأٌقل، أي ديناميكية مستقلة، ولا تعمل إلا مقنعة أو من وراء حجاب. ويعني كل هذا، أخيرا، أنه من غير الممكن فهمها بمعزل عن السياق الاجتماعي والسياسي الذي نشأت فيه في العقود الماضية.

 

 

 

[1]  صدر عن دار المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء، 1990