المحنة العربية ، الدولة ضد الأمة

الطبعة الأولى : 1993

الناشر : مركز دراسات الوحدة العربية

الطبعة الثانية : 

الناشر : مركز دراسات الوحدة العربية

الطبعة الثالثة : 2003

الناشر : مركز دراسات الوحدة العربية

الطبعة الرابعة : 2015

الناشر : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

ترجمة :

مثّل هذا الكتاب محاولة مبكّرة لفهم الآليات والسياقات التاريخية والسياسات التي حوّلت الدولة الحديثة، في فكرتها وتجسيدها المادي، من أداة للتحرر والانعتاق عند العرب إلى "غول" ابتلع الحداثة والمجتمع في الوقت نفسه، وأخضعهما لمصالح خاصة غير إنسانية، وأدى في النهاية إلى تفجير المجتمعات وتشظّيها وتشتيتها. ويقدّم هذا الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى في بيروت عام 1993، عناصر أساسية للإجابة، قبل الأوان، عن السؤال الذي طرحته فيما بعد ثورات الربيع العربي، في شأن تفسير القطيعة، ومن ثمّ العداء الذي أظهرته الدولة "الحديثة" "الوطنية" للمجتمع، ووقوف ما سمّي، منذ ذلك الوقت، "الدولة العميقة"، وبعنف لا سابق له، ضد تطلّعات الشعوب.

يسعى الكتاب إلى فهم الآلية التي تحوّلت فيها الدولة إلى منتجة لـ "نخبة" اجتماعية هي أقرب إلى نخبة المستوطنين أو المعمرين "الأجانب" منها إلى نخبة وطنية، وإلى حاضنة للوحش الذي سينقضّ على هذه الشعوب، بدلًا من أن تكون أداة لتحرير أبنائها وتحويلهم إلى مواطنين متساوين، واحتضان ممثليهم الحقيقيين. ويخالف المؤلف المقولات التي تتحدث عن "الاستثناء العربي" أو التي تروّج مقولة عجز العرب عن الانفصال عن الماضي، علاوة على مقاومة الإسلام للحداثة، وفي هذا الحقل المعرفي شدد الكاتب على أنّ السبب في إعاقة التطور الحضاري والسياسي في المجتمعات العربية لا يكمن في الدين أو الثقافة، بل في "الدولة الحديثة" نفسها التي تدهورت من دولة الطليعة إلى دولة الطائفة إلى دولة المافيا.

يؤلّف هذا الكتاب الحصيلة الأولية لتأمّل نقدي مزدوج: تأمّل في واقع المجتمعات المعاصرة، والمجتمعات النامية منها خصوصًا، وما تعيشه من تخبط على المستويات كلّها، في رؤيتها وعقائدها ونظمها الاجتماعية والاقتصادية، وبصفة أساسية في نظامها السياسي؛ وتأمّل نقدي ثانٍ في النظريات المتعددة التي سعت ولا تزال تسعى إلى تفسير هذا الواقع، على أمل المساهمة في تقديم فهم أنجع، أي أكثر تعبيرًا عن الواقع الفعلي. وهو شرط تجاوزه.

يقع الكتاب في سبعة فصول رئيسة، يفترض الفصل الأول "إشكالية الدولة" أنّ البحث في الدولة وفهم مشكلاتها يمثّلان المدخل الرئيس لتحليلٍ وفهمٍ للأزمة الشاملة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تعيشها المجتمعات العربية.

فيما يتحدث الكاتب في الفصل الثاني "عصر التكوين: الأمة والشعب"، وفي الجزء الأول منه عن الانبعاث العربي بدءًا من القرن السابع عشر، ذاكرًا العوامل الرئيسة لهذا الانبعاث، ثم ينتقل للحديث عن أزمة الهوية التي أحدثها انهيار الخلافة العثمانية، وهي اللحظة التي يصفها الكاتب بأنها إحدى أعظم أزمات الهوية التي عرفها الوطن العربي في تاريخه كلّه، لينتقل بعدها إلى طرح سؤال: ما هي الأمّة؟ وهو السؤال الذي سيطرحه العرب على أنفسهم منذ البدء، مثلما ستطرحه الدول الكبرى التي كانت تنتظر تفكك الدولة العثمانية لتتقاسم ممتلكاتها، ومن ضمنها الأراضي العربية، بخصوص العرب. ولا يزال هذا السؤال المتعلق بأصل الأمّة (أو الأمم العربية) وطبيعة البنى والعلاقات التي تجمع بين شعوبها العربية (أو المعربة) وتوحّدهم يثير، في نهاية الألفية الثانية، جدلًا عنيفًا بين الباحثين ورجال الدولة والمراقبين الأجانب، ليس من المتوقع حسمه في الأجل القريب.

ويبدأ الفصل الثالث "عصر التنظيم: الدولة والسلطة" بالحديث عن الغزو الفرنسي لمصر، على أساس أنّ الحملة الفرنسية كانت لحظة فارقة في التاريخ العربي الحديث، إذ مثّلت الحملة الفرنسية، إضافة إلى ما نجم عنها من تدمير للقوات المملوكية، اكتشافًا لعالم تقني وفكري غريب، وارتبط بها إدراك ما يمور به العصر الجديد من قوى تنظيم، ومن مفاهيم ومؤسسات حديثة لم يكن المسلمون قد عرفوها من قبل، وليس لديهم كما هو واضح أي دليل يساعدهم على التحكم فيها والسيطرة عليها. وقد أدخل هذا الاصطدام بالحضارة الغربية مفهومًا حاسمًا في تبديل تطور نظرية الدولة والسلطة، هذا المفهوم هو المجتمع نفسه من حيث هو مصدر لقوى التغيير والمبادرة، وهدف للسياسة ذاتها. انطلاقًا من تغيّر طبيعة السلطة والقوى الاجتماعية والشعبية الحاكمة: النمط الأول هو الدولة الإصلاحية، والنمط الثاني هو نمط الدولة الوطنية أو القومية، والنمط الثالث هو نمط دولة الانفتاح.

ويستهل الكاتب الفصل الرابع "عصر التغيير أو في أصل القطيعة بين المجتمع والدولة" بالحديث عن الثورة القومية التي حصلت بسبب عدم قدرة الدولة الوارثة للاستعمار على حلّ المشكلات العقائدية والسياسية والاجتماعية المتعلقة ببناء الأمّة، وإعطاء الشعوب المنضوية تحت لوائها وعيًا جماعيًا فاعلًا وهدفًا مشتركًا قابلًا للتحقيق، وبثّ الشعور بالأمن والثقة في المستقبل بين صفوفها، ويخصص المؤلف صفحات عديدة للحديث عن الناصرية وأثرها في الدولة العربية وفي الإنسان العربي، لينتقل بعدها للحديث عن كارثة فشل مشروع التنمية العربي، والذي يعزوه الكاتب إلى فشل العرب في تحقيق التضامن الفاعل فضلًا عن الاتحاد أو الوحدة.

وفي الفصل الخامس "عصر المحنة أو ثمن الحداثة المجهضة"، يطرح المؤلف نقاشًا حول المراجعات التي أسس لها فشل انهيار مشروع التحديث العربي، موضحًا الانقسام الحاصل في تحليل أسباب الأزمة، بين القائلين بفشل البنى المعرفية والثقافية، وأولئك الذين يشددون على الطابع السياسي للأزمة، والتي يرون أن المتسبب فيها هو التخلي عن الهوية الثقافية، وحالة الاستلاب السائدة وتبعية النخب.

فيما يخصص الفصل السادس للسؤال "إلى أين يسير الوطن العربي؟" وفيه يرى المؤلف أنّ أمام العالم خيارين، أولهما هو النزاع الأهلي، والصراع بين الإسلام والعلمانية أو بين النخب الممثلة للتيارين، شارحًا الأخطار الناجمة عن هذا الصراع، أمّا الخيار الثاني هو خيار التغيير، طريق الديمقراطية والوحدة، وإن كان هذا الخيار يبدو أكثر إيجابية من الخيار الآخر إلّا أنّ الكاتب يرى أنّ صعوبات جمّة تقف في وجه الوصول إلى هذا الخيار.

يخصص الكاتب الفصل السابع والأخير "النتائج" لاستعراض نتائج هذا البحث الشامل، والخروج باستنتاجات تمثّل زبدة هذا البحث، منطلقًا من الدولة الحديثة بصفتها ضرورة مطلقة في نظر البيروقراطية التحديثية والنخب، ليتحدث لاحقًا عن أهمية إيمان المجتمع بالدولة بصفتها مفهومًا للتنظيم الاجتماعي الجديد، ويستعرض في الختام أوضاع بعض الدول العربية، والصراعات القائمة فيها، والأخطار المحدقة بها، متنقلًا بين مصر السادات والجزائر والعراق.

https://ia801608.us.archive.org/35/items/fikrhor01_gmail_20170308/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%86%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9.pdf

مثّل هذا الكتاب محاولة مبكّرة لفهم الآليات والسياقات التاريخية والسياسات التي حوّلت الدولة الحديثة، في فكرتها وتجسيدها المادي، من أداة للتحرر والانعتاق عند العرب إلى "غول" ابتلع الحداثة والمجتمع في الوقت نفسه، وأخضعهما لمصالح خاصة غير إنسانية، وأدى في النهاية إلى تفجير المجتمعات وتشظّيها وتشتيتها. ويقدّم هذا الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى في بيروت عام 1993، عناصر أساسية للإجابة، قبل الأوان، عن السؤال الذي طرحته فيما بعد ثورات الربيع العربي، في شأن تفسير القطيعة، ومن ثمّ العداء الذي أظهرته الدولة "الحديثة" "الوطنية" للمجتمع، ووقوف ما سمّي، منذ ذلك الوقت، "الدولة العميقة"، وبعنف لا سابق له، ضد تطلّعات الشعوب.

يسعى الكتاب إلى فهم الآلية التي تحوّلت فيها الدولة إلى منتجة لـ "نخبة" اجتماعية هي أقرب إلى نخبة المستوطنين أو المعمرين "الأجانب" منها إلى نخبة وطنية، وإلى حاضنة للوحش الذي سينقضّ على هذه الشعوب، بدلًا من أن تكون أداة لتحرير أبنائها وتحويلهم إلى مواطنين متساوين، واحتضان ممثليهم الحقيقيين. ويخالف المؤلف المقولات التي تتحدث عن "الاستثناء العربي" أو التي تروّج مقولة عجز العرب عن الانفصال عن الماضي، علاوة على مقاومة الإسلام للحداثة، وفي هذا الحقل المعرفي شدد الكاتب على أنّ السبب في إعاقة التطور الحضاري والسياسي في المجتمعات العربية لا يكمن في الدين أو الثقافة، بل في "الدولة الحديثة" نفسها التي تدهورت من دولة الطليعة إلى دولة الطائفة إلى دولة المافيا.

يؤلّف هذا الكتاب الحصيلة الأولية لتأمّل نقدي مزدوج: تأمّل في واقع المجتمعات المعاصرة، والمجتمعات النامية منها خصوصًا، وما تعيشه من تخبط على المستويات كلّها، في رؤيتها وعقائدها ونظمها الاجتماعية والاقتصادية، وبصفة أساسية في نظامها السياسي؛ وتأمّل نقدي ثانٍ في النظريات المتعددة التي سعت ولا تزال تسعى إلى تفسير هذا الواقع، على أمل المساهمة في تقديم فهم أنجع، أي أكثر تعبيرًا عن الواقع الفعلي. وهو شرط تجاوزه.

يقع الكتاب في سبعة فصول رئيسة، يفترض الفصل الأول "إشكالية الدولة" أنّ البحث في الدولة وفهم مشكلاتها يمثّلان المدخل الرئيس لتحليلٍ وفهمٍ للأزمة الشاملة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تعيشها المجتمعات العربية.

فيما يتحدث الكاتب في الفصل الثاني "عصر التكوين: الأمة والشعب"، وفي الجزء الأول منه عن الانبعاث العربي بدءًا من القرن السابع عشر، ذاكرًا العوامل الرئيسة لهذا الانبعاث، ثم ينتقل للحديث عن أزمة الهوية التي أحدثها انهيار الخلافة العثمانية، وهي اللحظة التي يصفها الكاتب بأنها إحدى أعظم أزمات الهوية التي عرفها الوطن العربي في تاريخه كلّه، لينتقل بعدها إلى طرح سؤال: ما هي الأمّة؟ وهو السؤال الذي سيطرحه العرب على أنفسهم منذ البدء، مثلما ستطرحه الدول الكبرى التي كانت تنتظر تفكك الدولة العثمانية لتتقاسم ممتلكاتها، ومن ضمنها الأراضي العربية، بخصوص العرب. ولا يزال هذا السؤال المتعلق بأصل الأمّة (أو الأمم العربية) وطبيعة البنى والعلاقات التي تجمع بين شعوبها العربية (أو المعربة) وتوحّدهم يثير، في نهاية الألفية الثانية، جدلًا عنيفًا بين الباحثين ورجال الدولة والمراقبين الأجانب، ليس من المتوقع حسمه في الأجل القريب.

ويبدأ الفصل الثالث "عصر التنظيم: الدولة والسلطة" بالحديث عن الغزو الفرنسي لمصر، على أساس أنّ الحملة الفرنسية كانت لحظة فارقة في التاريخ العربي الحديث، إذ مثّلت الحملة الفرنسية، إضافة إلى ما نجم عنها من تدمير للقوات المملوكية، اكتشافًا لعالم تقني وفكري غريب، وارتبط بها إدراك ما يمور به العصر الجديد من قوى تنظيم، ومن مفاهيم ومؤسسات حديثة لم يكن المسلمون قد عرفوها من قبل، وليس لديهم كما هو واضح أي دليل يساعدهم على التحكم فيها والسيطرة عليها. وقد أدخل هذا الاصطدام بالحضارة الغربية مفهومًا حاسمًا في تبديل تطور نظرية الدولة والسلطة، هذا المفهوم هو المجتمع نفسه من حيث هو مصدر لقوى التغيير والمبادرة، وهدف للسياسة ذاتها. انطلاقًا من تغيّر طبيعة السلطة والقوى الاجتماعية والشعبية الحاكمة: النمط الأول هو الدولة الإصلاحية، والنمط الثاني هو نمط الدولة الوطنية أو القومية، والنمط الثالث هو نمط دولة الانفتاح.

ويستهل الكاتب الفصل الرابع "عصر التغيير أو في أصل القطيعة بين المجتمع والدولة" بالحديث عن الثورة القومية التي حصلت بسبب عدم قدرة الدولة الوارثة للاستعمار على حلّ المشكلات العقائدية والسياسية والاجتماعية المتعلقة ببناء الأمّة، وإعطاء الشعوب المنضوية تحت لوائها وعيًا جماعيًا فاعلًا وهدفًا مشتركًا قابلًا للتحقيق، وبثّ الشعور بالأمن والثقة في المستقبل بين صفوفها، ويخصص المؤلف صفحات عديدة للحديث عن الناصرية وأثرها في الدولة العربية وفي الإنسان العربي، لينتقل بعدها للحديث عن كارثة فشل مشروع التنمية العربي، والذي يعزوه الكاتب إلى فشل العرب في تحقيق التضامن الفاعل فضلًا عن الاتحاد أو الوحدة.

وفي الفصل الخامس "عصر المحنة أو ثمن الحداثة المجهضة"، يطرح المؤلف نقاشًا حول المراجعات التي أسس لها فشل انهيار مشروع التحديث العربي، موضحًا الانقسام الحاصل في تحليل أسباب الأزمة، بين القائلين بفشل البنى المعرفية والثقافية، وأولئك الذين يشددون على الطابع السياسي للأزمة، والتي يرون أن المتسبب فيها هو التخلي عن الهوية الثقافية، وحالة الاستلاب السائدة وتبعية النخب.

فيما يخصص الفصل السادس للسؤال "إلى أين يسير الوطن العربي؟" وفيه يرى المؤلف أنّ أمام العالم خيارين، أولهما هو النزاع الأهلي، والصراع بين الإسلام والعلمانية أو بين النخب الممثلة للتيارين، شارحًا الأخطار الناجمة عن هذا الصراع، أمّا الخيار الثاني هو خيار التغيير، طريق الديمقراطية والوحدة، وإن كان هذا الخيار يبدو أكثر إيجابية من الخيار الآخر إلّا أنّ الكاتب يرى أنّ صعوبات جمّة تقف في وجه الوصول إلى هذا الخيار.

يخصص الكاتب الفصل السابع والأخير "النتائج" لاستعراض نتائج هذا البحث الشامل، والخروج باستنتاجات تمثّل زبدة هذا البحث، منطلقًا من الدولة الحديثة بصفتها ضرورة مطلقة في نظر البيروقراطية التحديثية والنخب، ليتحدث لاحقًا عن أهمية إيمان المجتمع بالدولة بصفتها مفهومًا للتنظيم الاجتماعي الجديد، ويستعرض في الختام أوضاع بعض الدول العربية، والصراعات القائمة فيها، والأخطار المحدقة بها، متنقلًا بين مصر السادات والجزائر والعراق.

متى ستصبح الدولة العربية ليست ضد أمتها؟
قراءة في كتاب "المحنة العربية: الدولة ضد الأمة" لـبرهان غليون

26-11-2015  سيدي أعمر شيخنا 

 

من جديد يعود كتاب “المحنة العربية ،الدولة ضد الأمة ” لمؤلفه الدكتور برهان غليون المفكر والمناضل السوري إلى واجهة النقاش والتداول ،حيث نشر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة قبل أسابيع الطبعة الرابعة من الكتاب الذي صدر في العام 1993م ،وهو ما يعكس وعيا متزايدا بفرادة وعمق الأفكار الوارد في هذا الكتاب الذي كشف بشكل مبكر جذور المحنة العربية المتمثلة في واقع “الدولة ضد الأمة”.

الكتاب محاولة لفهم السياقات التاريخية التي حولت الدولة العربية الحديثة من أداة للتحرر إلى “غول” ابتلع المجتمع والحداثة معا.وأدت ،في نهاية المطاف ،إلى انفجار المجتمعات العربية. ويشرح المؤلف في هذا الكتاب القطيعة التي أسستها الدولة الحديثة في وجه المجتمع،ووقوف “الدولة العميقة” بعنف غير مسبوق ضد تطلعات الشعب . في السياق ذاته يسعى الكتاب لفهم الآلية التي تحولت فيها الدولة إلى منتجة لنخبة اجتماعية هي أقرب إلى نخبة المستوطنين أوالمعمرين “الأجانب” منها الى نخبة وطنية،وإلى حاضنة للوحش الذي سينقض على هذه الشعوب ،بدلا من أن تكون أداة لتحرير أبنائهم وتحويلهم إلى مواطنين متساوين، واحتضان ممثليهم الحقيقيين.

يعتبر المؤلف أن فكرة الحداثة التبسيطية لعبت دورا معيقا لتطور فكر تحليلي يواكب سيرورة الحداثة ويساعد في حل مشكلات توطينها ويحرر الرأي العام من التعلق بأوهام حداثة شعارية وفقاعية ،تثير الفتنة ولاتنتج أي إجماع ، ويعتبر الدولة الحديثة مثلت عائقا أمام تطوير مفهوم الدولة ونقدها.وهو ما يفسر تحويل الحداثة الى تركيز نشاطها على تنمية أدوات الضبط والتقييد والسيطرة ومراكمة وسائل القمع وقهر المجتمعات وإخضاعها على حساب تنمية القيم والغايات الإنسانية والفاعلية الإبداعية. وهوماساهم في تدهور الدولة الحديثة في البلاد العربية من دولة الطليعة إلى دولة الطائفة ثم إلى دولة المافيا.

ويرصد المؤلف التأثيرات المدمرة للدولة المتغولة على الأفراد والجماعات داخل المجتمع،حيث “جرفت الدولة هوية الأفراد وفكرهم وضميرهم،بمقدار ما استعبدت أجسادهم وطوعتها في أقبية استخباراتها وسكاكين جلادييها وأدوات تعذيبهم ،وصارت تمثل للفرد الآتي من دون تراث ولا ثقافة ولا تقاليد ،مصدر الحياة والموت ،الثراء والفقر ،العطاء والقبض ،الذل والكرامة ،وصار المجتمع بجميع أفراده وجماعاته ،لاشيء،بل مجرد مادة خام تشكلها أجهزة الدولة بحسب مشيئة أعوانها ،هذا هو السياق الذي ولدت فيه العبودية الجديدة في البلدان العربية ،وصار فيه قتل الأفراد بالمئات والآلاف بمنزلة الأضاحي وأكباش الفداء المطلوبة لحفظ هيبة الدولة وبقائها.”

يقدم الكتاب مرافعة قوية ومتماسكة نسفت أركان مقولة “الاستثناء العربي” التي كانت رائجة في التسعينات والثمانيات لتفسير العجز الديمقراطي المسجل في العالم العربي في ظل موجات التحول الديمقراطي وهي الأدبيات التي كانت ترد جذور “الاستثناء العربي” الى عوامل ثقافية أو أنثروبولوجية، أي بسبب تراثه التاريخي الثقافي والديني والاجتماعي، و المقصود به صراحة الإسلام، وقد بين المؤلف أن سبب المحنة العربية، على الرغم من جميع العيوب والثغرات هي الدولة نفسها، وليس المجتمع أو الدين والثقافة. وقد جاءت ثورات الربيع العربي في عام ٢٠١١، لتقدم برهاناً ساطعاً على صحة هذه الأفكار، وتزيد من دائرة انتشارها، مؤكدة أن الشعوب العربية موجودة، لكنها في الأسر وتحت الحصار، وأن تطلعها إلى التحرر والانعتاق لا يقل عن تطلع غيرها من الشعوب.

يتشكل الكتاب من سبعة فصول ،يعالج الفصل الأول منها “إشكالية الدولة” في السياق العربي المعاصر ويرى المؤلف أن البحث في الدولة والتغول الذي أصابها في العصر الحديث شرط أساسي لفهم الاشكالات المتعلقة بالأزمة الشاملة التي تعيشها المجتمعات العربية،ويشير في هذا الصدد الى جذور هذا التغول الذي يتنزل في سياق الترا كم الذي عرفته السلطة من خلال نمو نظم العنف والاستبداد السياسي في القرن العشرين والذي انتج نظم قمعية تملك نفس الآليات والاستراتيجيات رغم التباعد الجغرافي والاختلاف العقائدي والحضاري.

.

و في الفصل الثاني تناول الكاتب “عصر التكوين: الأمة والشعب”، الذي خصصه لتتبع مسار تشكل الأمة العربية عبر مختلف العصور ،ثم وقف طويلا مع التحولات التي عرفها القرن الثامن عشر ودورها في التأسيس للانبعاث العربي الجديد واستشهد في هذا المجال بدور الوهابية وصراعه مع العثمانيين معتبرا أنها (اعلنت من دون أن تصرح بذلك ما سيتحول في المستقبل القريب إلى مطلب جامع ،أي الدعوة إلى إعادة الخلافة إلى العرب كشرط لابد منه لنجاح الإصلاح) ص 47

وفي الفصل الثالث “عصر التنظيم: الدولة والسلطة” يتناول المؤلف تأثيرات الغزو الفرنسي لمصر، وهو الحدث المفصلي في نظر الكاتب نظرا للصدمة الحضارية التي شكل حدث الغزو وما صاحبه من انفتاح على منتجات الحضارة الغربية ليس فقط في الجوانب التقنية والفكرية ولكن أيضا في مجال نظرية الدولة والسلطة وموقع الشعب وتنظيماته المختلفة .

أما الفصل الرابع “عصر التغيير أو في أصل القطيعة بين المجتمع والدولة” فقد خصصه المؤلف لتتبع الثورة القومية ونقاش بعض اسهاماتها وأبرز اخفاقاتها التي التي أبرز منها (غياب الديمقراطية والحريات السياسية والفكرية وسيادة روح التجريب الذي حكم سلوك القيادة وتفكيرها الذي كان يعني غياب العقيدة أو النظرية الثورية الواضحة والمتسقة) ص 209.كما وقف في هذا الفصل مع فشل مشروع التنمية العربي الذي يعتبره نتيجة حتمية لعدم تحقيق التضامن وفشل تجارب الاتحاد أو الوحدة.

وفي الفصل الخامس “عصر المحنة أو ثمن الحداثة المجهضة”، يطرح المؤلف نقاشًا حول المراجعات التي أسس لها فشل انهيار مشروع التحديث العربي، موضحًا الانقسام الحاصل في تحليل أسباب الأزمة، بين القائلين بفشل البنى المعرفية والثقافية، وأولئك الذين يشددون على الطابع السياسي للأزمة، والتي يرون أن المتسبب فيها هو التخلي عن الهوية الثقافية، وحالة الاستلاب السائدة وتبعية النخب.

وفي الفصل السادس الذي عنونه بسؤال كبير “إلى أين يسير الوطن العربي؟” يتنبؤ الدكتور برهان غليون عبر تفكير نقدي استشرافي في مطلع التسعينات بالمآلات المتوقعة للدولة العربية بعد أن صارت ضدا على الأمة ،حيث رأى في ذلك الوقت المبكر أنّ أمام العالم خيارين، هما: النزاع الأهلي، والصراع بين الإسلام والعلمانية أو انتهاج خيار التغيير الديمقراطي وهو أقل كلفة رغم التحديات الجمة التي تقف في طريقه .فيما خصص الفصل السابع “النتائج” لاستعراض أهم نتائج البحث.

حظي كتاب الدولة ضد الأمة منذ صدور أول طبعاته عام 1993م بأهتمام واسع في الأوساط البحثية والاكاديمية ،ثم جاءت الثورات العربية وما تخللها من أحداث ومواقف لتعطي صدقية أكثر لأطروحة الكتاب .ومع أن الدكتور برهان غليون كان ا لأسبق لكشف مخاطر تغول الدولة وغربة نخبها ، غير أنه لم يرصد تأثيرات الوعي الديمقراطي المتنامي في البلدان العربية ولاسيما في الدول الأكثر قمعية،والتي عصفت بها رياح التغيير في الموجة الأولى من الربيع العربي . كما لم يسلط الأضواء الكافية على التحالفات التي اقامت نخب الدولة الحديثة مع الزمر الأقلوية لبناء استحكامات في مواجهة الأغلبيات .

 

 

 

 

مقدمة  المحنة العربية الدولة ضد الأمة - الطبعة الرابعة

 

برهان غليون 

حرر هذا الكتاب في بداية التسعينيات من القرن الماضي،  للرد على طرح سيطر على الادبيات العالمية في ميدان الدراسات الأجتماعية والسياسية والتاريخية المتعلقة بالعالم العربي، منذ بداية القرن التاسع عشر،  يفيد بأن الثقافة القرسطوية للمجتمعات العربية وفي قلبها الدين الاسلامي، وما تنتجه من فكر تقليدي وتفكير لا عقلاني - من هنا تعميم موضوع نقد العقل العربي الذي ساد في تلك الفترة أيضا عند العرب أنفسهم - هي السبب الرئيسي الذي يفسر تاخر دخول العرب في الحداثة بكل ما يعني ذلك من معنى،  كما يفسر تأخرهم السياسي والتاريخي الراهن، بما في ذلك غيابهم عن موجات الديمقراطية الأولى والثانية والثالثة. وقد حاولت في هذا الكتاب أن أبين، بالعكس من ذلك،  أن المجتمعات العربية ليست خارج الحداثة، وإنما في قلبها، وأن سبب تأخرها في ميادين التقدم الاخلاقي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي ليس بقاءها خارج الحداثة وإنما هو كامن في نمط الحداثة ذاتها  التي حصلليها أو صاغوها، وفي الشروط والسياقات التي تمكنوا من الاندراج فيها في سعيهم إلى اللحاق بركبها ومواكبة المجتمعات الأخرى التي تتحكم بديناميات ومفاتيح التقدم العالمي. والواقع، تختصر الدولة التي عرفتها المجتمعات العربية، مثلها مثل أغلب المجتمعات الفقيرة والنامية، كل تناقضات والمطبات والمخانق التي حولت الحداثة من ديناميكية تحريرية إلى منبع للإعاقة ومراكمة الانسدادات والاحتقانات والتوترات والنزاعات. وقد أطلقت على هذه الدولة اسم الدولة التحديثية لأميزها عن الدولة الحديثة. وهي دولة عاقر لا تنتج امة، بما تعنيه الأمة من مواطنة، أي من أفراد أحرار وأسياد يربط بينهم عقد اجتماعي ولا تجمع بينهم عصبية موروثة، دينية كانت أم قبلية. وحاولت أن أحلل في هذا الكتاب كيف ان الدولة تحولت إلى عدو للأمة بالمعنى الحديث بمقدار ما أصبحت عدوا للحرية. وأظهرت أنه، بعكس ما تشيعه هذه النظريات المتأخرة حول تمسك العرب والمسلمين بالماضي، مما يشكل اليوم مظهرا من مظاهر إخفاق الحداثة والنكوص وبالتالي وجها من وجوه الأزمة، كانت الأفكار والقيم والعقائديات التي ألهمت النخب العربية الحديثة منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى ما بعد منتصف القرن العشرين، كما كانت خيارات هذه النخب  الاستراتيجية – الانفصال عن السلطنة العثمانية والتمرد عليها- هي  المستمدة من حقل الثقافة والسياسة والتطلعات الأخلاقية والتحررية الحديثة وذات المنابت الانسانية الشاملة، من ليبرالية وقومية واشتراكية، وأن الأسباب العميقة لإعاقة تطور الدولة وانسداد آفاق التحولات الديمقراطية لا تعود إلى مقاومة الجمهور الشعبي أو المجتمع الأهلي لفكرة الدولة الحديثة، دولة الحرية والقانون والمواطنة، وإنما إلى  استلاب الدولة الحديثة نفسها وتغولها على المجتمع وإعاقة نموه وتحرره وتطوره من أجل تكريس سيطرة نخبة طفيلية ثابتة وجاحدة.

هذا لا يعني أن المجتمع قد تحرر من ثقافته التقليدية وأنه ضحية وبعيد عن المسؤولية، وإنما يهدف إلى التركيز على الآلية التي حرمته من التحرر والانعتاق والاندماج في الحداثة. فالمحرك للمجتمعات نحو الاندماج في العصر والتاريخ، أي في دورة الحضارة القائمة، وهذه هي الحداثة، كان ممثلا بالدولة ومن ورائها النخبة الاجتماعية التي امسكت بها وحركتها وشغلتها والاهداف التي وضعتها لها. وعندما يتعطل المحرك لن يمكن للآلة أن تتقدم مهما كانت بقية عناصرها فعالة. والواقع أن نمط الدولة المضادة للحرة والأمة قد لعب دور المقبرة لكل الطاقات وقيم التحرر والأفكار وروح الابداع عن الكثيرين من الأفراد والمفكرين والسياسيين والفاعلين الاجتماعيين الذين وجدوا فيها خصما لهم بدل أن تكون مصدر التشجيع والرعاية والاحتضان. وهذا هو الدور الذي لعبته الدولة التي ولدت في القيود وحملت روح العبودية منذ نشوئها وكرستها في بيئتها الإقليمية الخاضعة لاختراقات متقاطعة دولية.  فبدل أن تعمل كإطار لتنظيم حياة الأفراد الاحرار، والارتقاء بشروط حياتهم وإدارة شؤونهم العامة وتثمير جهودهم تحولت إلى وحش يفتك بهم ويصادر حقوقهم حتى يفرض عليهم، وأحيانا باسم وطنية زائفة شعاراتية فحسب، أجندة لا تمثل سوى خدمة مصالح نخبة الدولة، أو الطائفة  الاجتماعية المتحكمة بها. المشلكة تكمن في الدولة حتى لو أن المجتمع لم يكن وليس الضحية. هو من دون شك شريك، لكن بالخضوع لا بالمبادرة.

 

هذا ما أثبتته ثورات الربيع العربي التي جاءت  في منتصف عام ٢٠١١ لتقدم برهانا ساطعا على صحة هذه الاستنتاجات،  وتؤكد أن تطلع الشعوب العربية إلى التحرر والانعتاق لا يقل عن تطلع غيرها من الشعوب. فعندما قررت إزالة ما يعترض طريق تحررها من عقبات، ومنها الدولة العلقة،  والآلة البوليسية الأمنية لتخرج من سجن الديكتاتورية ومستنقع الحداثة المعاقة، اجتمعت ضدها كل عناصر الثورة المضادة، المحلية الممثلة بالطبقة الطفيلية، طبقة الدولة أو الطبقة الدولة، إلى القوى الإقليمية والدولية الراعية والضامنة لها كوسيلة لإخضاع وترويض وترويع الشعوب العربية.

 

وقد شهدنا في موازاة ذلك انفكاكا سريعا للباحثين عن نظرياتهم القديمة التي انتقدها  كتاب المحنة العربية منذ السنة الاولى لثورات الربيع العربي، فكتب العديد من العرب والأجانب مقالات لدحض نظرية الاستثناء العربي، التي تستبطن روحا عنصرية لم يتخل عنها معظم الباحثين الغربيين في الشؤون العربية والاسلامية. وأشار الكثيرون عن حق، على ضوء هذه الثورات إلى الحقيقة التي أراد كتاب المحنة تأكيدها وهي أن العرب مسكونين أيضا، مثل كل الشعوب المعاصرة الأخرى، لانها جميعا تعيش في زمن الحداثة وأجندتها حتى أنها لا تعرف إلا حثالتها، بهم الحرية ومستبطنين لأخلاقياتها. بل إنهم  مستعدون بسبب ذلك، واكثر من غيرهم،  لتقديم تضحيات لا حدود لها في سبيل نيلها وتأكيد كرامة الانسان العربي التي لا تنفصل عنها، وحقهم أخيرا في الدخول في عصرهم ومعانقة القيم الانسانية الكونية التي هم جزء منها. وهذا هو الدرس العظيم الذي أعطاه السوريون للعالم، بصمودهم وتضحياتهم التي لا سابق لها في أي عصر، من أجل انتزاع حقوقهم في الحرية والكرامية والسيادة من يد جلادين مدعومين بكل قوى الهيمنة الإقليمية والدولية. 

لكن سرعان ما انحسرت هذه الأفكار  على أثر النكسات التي بدأت تشهدها هذه الثورات . ولم يمض وقت طويل حتى استعادت النظريات القديمة مكانها، وربما بشكل أقوى من قبل.  وفي سياق الثورة المضادة المنتظرة تم تناسي وتجاهل المطالب التي حركت انتفاضات الشباب في معظم المدن العربية، وأخذ الباحثون يركزون من جديد على الأجواء الدينية التي رافقت تحرر الشعوب من ثقافة استبدادية غطت نفسها باسم العلمانية، ويشيرون إلى التطرف في مواجهة الدولة لصالح عودة الهويات الأتنية والدينية.  ويكاد يكون هناك شبه إجماع بين نخب النظم العربية الجديدة النازعة إلى استعادة زمام المبادرة ، على تحميل الاسلاميين  عموما، بتنظيماتهم المختلفة، المسؤولية الرئيسية عن تخريب عمل الدولة وإجهاض ثورات الربيع العربي بعد السعي إلى حرفها عن أهدافها ومحتواها. يعزز هذه الثورة المضادة  في الدراسات الاجتماعية العربية بموازاة الثورة المضادة السياسية، افتضاح أمر اختطاف الدولة والسيطرة العلنية لميليشيات المال والسلاح عليها والانهيار المتزايد للنظام العام، ومنظومات القيم والعهود الوطنية، وازدياد لجوء الجمهور المحروم من أي حماية أو رعاية في مواجهة الفوضى، إلى التضامنات القبلية والطائفية والعائلية وتنامي النزعات اللامركزية والانفصالية.

 

ربما كان أهم المكاسب المنهجية في هذا الكتاب هو تجاوزه للاشكاليات النظرية السائدة حتى ذلك الوقت والتي تناقش جميعا مسألة تأخر المجتمعات النامية والعربية منها في كل الميادين على ضوء التناقض بين القديم والحديث، الأصالة والمعاصرة التي ملآت أدبيات الفكر العربي والبحث الاجتماعي الأجنبي أيضا منذ عصر النهضة والتي تجاوزها الزمن وكان محورها نقد الفكر القديم، إلى فحص صيرورة الحداثة نفسها، فكرا وممارسة، كما طبقتها ونظرت لها النخب العربية، وفي مركزها صيرورة الدولة العربية التي سميت مجازا دولة وطنية. وكما شكلت ايديولوجية الحداثة نفسها سببا في إجهاض نشوء فكر عربي حديث،  بمقدار ما دفعت إشكالية المقارنة والمقابلة بين الحديث الغربي والقديم العربي إلى تجنيب فكر الحداثة النقد، كذلك شكلت دولة التحديث بالقوة والعنف عائقا أمام ولادة جوهرة الحداثة ونواتها، أعني الانسان الفرد المواطن الحر الذي من دونه لا توجد حداثة ولا دولة أمة. وهكذا كان من الطبيعي أن تتحول الحداثة العربية إلى استيراد وإعادة إنتاج للتقنيات والوسائل والأدوات، وفي مقدمها أدوات الضبط والتقييد والسيطرة، على حساب القيم والغايات والفاعليات الابداعية، قيم سيادة الانسان الفرد، كوعي وإرادة وحرية.

، والخلاصة لا تكمن مشكلة الحداثة، وفي مركز القلب منها الدولة كإطار للحداثة السياسية، في عداء المجتمع لقيمها الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، أو خوفه منها،  وإنما بالعكس في مصادرة النخب الحاكمة للدولة وتحويلها إلى وسيلة لاحتكار قيم الحداثة ومصادرة غاياتها الأخلاقية والانسانية، وتحويل الدولة إلى أدات إخضاع للمجتمعات وتسلط عليها وتحكم بوليسي فيها، بدل أن تكون وتعمل كإطار لتنظيم شؤونه وعلاقاته على قاعدة القانون والعدالة والحرية. وفي طبيعة هذه الحداثة السياسية، أي تحديث تقنيات القمع والاخضاع والتطويع والترويع،  يكمن السبب الرئيسي في  إعاقة الديمقراطية.  فما كان من الممكن لدولة ضد الامة أن تتحول إلى دولة ديمقراطية أو تنتج الحرية والكرامة واحترام الحقوق الانسانية وتخلق المواطنة المتساوية.

 

لا زلت أرى أن التطلع إلى الكرامة والحرية عند الانسان الحديث أقوى من أي مطالب تتعلق بالهوية من دون تجاهل قيمة هذه الأخيرة، خاصة في وقت الازمة الاجتماعية والسياسية. وما يحصل اليوم من تركيز على الهويات الاهلية والتضامنات المحلية، ومن تطلع إلى اللامركزية في مواجهة الدولة الوطنية لا يمثل أي اتجاه تاريخي ثقيل بمقدار ما يعكس انهيار الدولة والثقافة التحديثيتين المعاديتين للإنسان والقيم الانسانية، ورد الفعل الطبيعي على الفوضى وحالة انعدام الوزن والفراغ القيمي والأخلاقي  الذي نجم عن هذا الانهيار. وبعكس ما تقوله الطروحات الثقافوية التبسيطية، لا يظهر التاريخ أي عداء من قبل المجتمعات الأهلية  لاستقرا الدولة الحديثة، بل ربما كانه العكس هو الصحيح، وهذا على عكس ما كانت تظهره هذه المجتمعات نفسها للدولة الامبرطورية والسلطنة في أحيان كثيرة. كما أن الارتداد على الدولة والاحتجاج عليها، مما عبرت عنه ثورات الربيع العربي،  لم ينبعا من العداء لفكرتها أو من رفض البرامج الوطنية التي ارتبطت باسمها من تطبيق حكم القانون وتحقيق أمنها الوطني وضمان حقوق الافراد وحرياتهم الأساسية والدفاع عن هويتها وتأمين فرص التقدم الاقتصادي وتوفير فرص العمل ومؤسسات التعليم والتدريب والصحة والمرافق العامة والتأهيل لأجيالها الجديدة، ولكن، بالعكس تماما، من عجز الدولة عن تحقيق فكرتها الوطنية، وانزلاقها مزالق طائفية او مافيوية وقصورها عن تطبيق البرامج التي وعدت بها واكتسبت بسببها التأييد والولاء والشرعية

 

والسؤال كيف، وفي أي سياق تم اختطاف الدولة ومصادرتها وتحويلها إلى إطار لتنظيم سلطة ومصالح نخبة اجتماعية أصبحت باسم الطليعة وتحديث المجتمع وتحضيره إلى مجتمع نقيض وشوكة في خاصرة المجتمعات وأداة قهر واغتراب وفساد قبل أن تصبح آلة هدم لكل ما راكمته هذه المجتمعات خلال تاريخها من انجازات ومكاسب أخلاقية وحضارية.

ليس هناك شك في أن تفكك الدولة/السلطنة العثمانية وحلول نموذج الدولة الحديثة في أعقابها قد شكلا انقلابا عميقا في بنية المجتمعات العربية وطريقة تفكير الأفراد وسلوكهم الاجتماعي والسياسي. ففي مكان الدولة التقليدية التي تقوم وظيفتها الرئيسية على تأمين السلام والأمان للجماعات المنضوية تحت لوائها، مقابل ما تتلقاه من ضرائب وخدمات عينية بما فيها أعمال السخرة، تاركة للمجتمع الأهلي، بملله وطوائفه ونقاباته وجمعياته الدينية وغير الدينية، مواجهة تحديات ومهام الحياة الفردية والجمعية الاخرى، حلت دولة من نمط جديد تبني شرعيتها وصدقيتها على ما تقوم به لصالح المجتمع من أعمال وما تنفذه من مهام تصب في النهاية في عملية كبيرة واحدة هي إعادة تشكيل شروط حياة المجتمعات الاقتصادية والسياسية والتربوية والثقافية بشكل لا سابق له وعلى هدى قيم المواطنة والحياة القانونية والمشاركة السياسية والتضامن الوطني والاجتماعي، التي تشكل شرط الحرية. فأصبحت هذه الدولة محور حياة هذه المجتمعات. وبينما افتقدت التنظيمات الأهلية، القبيلة والعشيرة والطائفة، الموارد والامكانيات، برزت الدولة بوصفها الأداة الأمضى والأكثر فعالية وقدرة على إخراج المجتمعات من حالة التأخر التي كانت تعيش فيها، بالمقارنة مع معايير العصر، وتأهيلها للدخول في عصر الثورة الصناعية والسياسية والعلمية. فصارت الدولة بسرعة المحرك الرئيسي إن لم يكن الوحيد لكل النوابض الاجتماعية : القوة الأولى لتحقيق السلام الاهلي والأمن، وخلق فرص العمل، وضمان العاطلين، وتعليم الاجيال وفتح المستشفيات وتوفير الكهرباء والماء والخدمات العامة التي أصبح وجودها مرتبطا بها.  لم توجد في مجتمعاتنا أي قوة منظمة، عصبية قبلية أو روابط أهلية، قادرة على منافسة الدولة، أو الوقوف أمامها أو الحد من نفوذها أو حتى البقاء ضد إرادتها. أصبحت الدولة هي محور حياة المجتمعات ومعقد أمل الجماعات الأهلية والمدنية، من دون مثيل ولا شريك. 

والواقع أن الولاء للدولة والتعلق بها جاء مواكبا لطموح المجتمعات إلى الاندماج في حضارة عصرها والتخلص مما أطلق عليه مفكروها عصور التأخر والظلام والانحطاط. ولهذا السبب ملكت الدولة الحديثة في البداية، ثم الدولة القومية في مرحلة ثانية، واليوم الدولة الوطنية، عقول العرب وقلوبهم مثلهم مثل جميع الشعوب التي قاتلت وضحت بالآلاف من أبنائها من أجل الوصول إلى دول مستقلة تعنى بأعضائها وتحميهم وتؤهلهم وتدربهم وتساعدهم على تحقيق آمالهم وتطلعاتهم للعيش في مستوى مدنية عصرهم والدخول في الحضارة والتاريخ. وآخر الأمثلة وأشدها تعبيرا نضال الشعب الفلسطيني العنيد والمرير والدامي لانتزاع ولو جزءا من فلسطين ليبني عليها الدولة الوطنية التي يريد أن تحميه وتضمن حقوقه الأساسية التي يهدرها الاستعمار والاستيطان ويضيعها تقادم الزمن والنسيان.

بعكس ما حصل في أوروبة التي شهدت تبلور نموذج هذه الدولة الأول، لم تواجه فكرة الدولة الحديثة في العالم العربي والعديد من بلدان العالم، منافسا يذكر. كان يمكن للعشيرة أو الطائفة أن تكون مركز مقاومة لتمدد نفوذ الدولة واستحواذها على ولاءات الناس وانتمائهم، لكن حالة التردي الاقتصادي والانساني التي كانت قد وصلت إليها هذه المناطق خلال قرن من انحسار عهد السلطنة العثمانية وتفكك الإدارة وانتشار الفوضى والخراب، كانت قد هيأت الجماعات، بالعكس، للانفكاك عنها أو على الأقل، علمتهم عدم المراهنة عليها. وعلى جميع الاحول لم يكن لديها من الموارد المادية والمعنوية ما يمكن أن يجعل منها شريكا للدولة أو منافسا لها في تحقيق مشاريع الخدمة العامة وفتح الطرق ومد خطوط الكهرباء ومياه الشرب وبناء الجسور والسدود  والاستثمار في الزراعة والصناعة والصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. هكذا صارت الدولة، عند العرب وكل الشعوب الأخرى الخارجة من قواقعها الامبرطورية المفقرة، موضوع رهان شامل، وتقريبا وحيد، لا شريك ولا منافس لها، في تنفيذ برامج الاصلاح، وهي الأمل الوحيد أيضا لدى المجتمعات لتلبية نداء الانفتاح على العالم والاندماج في حضارة العصر.

من هذا الرهان المتزايد على الدولة وغياب المنافس بل الشريك المجتمعي القادر على موازنة القوة،  سوف يولد نوعان من الاستلاب أديا إلى الانفصال الكامل للدولة عن المجتمع وسيطرتها الشاملة : الأول استلاب الفرد للدولة وتسليمه لها، بكل ما يتعلق بأمور الحياة، ومن ضمن هذا الاستلاب ينبغي أيضا تفسير الرغبة في أسلمتها، وتعظيم الرهان الشامل عليها وتوسيعه،  والانجراف وراءها قلبا وقالبا،  لتصبح في الوقت نفسه مالكة الدنيا والدين،  والثاني النزوع المتزايد عند الدولة، وعند النخب المسيطرة عليها، الى التغول على المجتمع والاستهانة بارادته ووجوده، قبل الانقلاب عليه واستغلال تفتته وانعدام عصب تماسكه، لبناء نظام تسلطي يستخدم الدولة وسيلة للسيطرة، بأسلوب خجول في البداية، تحت راية الطلائعية والتقدم، التي ترفعها نخبة استبدادية عقائدية، وهو ما أنتج الدولة التي أطلقت عليها اسم الدولة التحديثية، التي هي تجعل من تحديث المجتمعات واللحاق بركب الحضارة رسالتها التاريخية والانسانية وتستمد من نجاحها في إقامة المشافي والمستوصفات والمصانع والملاعب وكل ما يميز ثقافة المجتمع الحديث وانتاجه واستهلاكه، شرعيتها. ثم في مرحلة ثانية، بعد فشل العملية التحديثية أو بالأحرى ما كان ينظر إليه كلحاق بالغرب، من تنمية اقتصادية وتجاوز العثرات التاريخية وتحقيق الوحدة القومية وإحياء الثقافة والنهضة العلمية والفكرية، التسلط بأكثر الاساليب فجاجة، باسم استقلال الدولة وسيادتها والدفاع عنها، وحفظ الامن، وفي حماية نخبة تحتكر لوحدها من دون رقيب ولا شريك سلطة المال والسياسة والسلاح والإدارة والاعلام، وتجعل من الدولة ملكيتها الخاصة ووسيلة عملها، ومن التحكم بالمجتمع، وتأمين إخضاعه وتجريده من أي قدرة على المقاومة أو المعارضة أو الاحتجاج، البرنامج السياسي الوحيد لها.

في هذا التسليم الكامل للدولة  والانسحاق أمامها، بسبب ما مثلته من وعود وبرامج ومشاريع سلبت الوعي والارادة معا،  ثم ما ملكته من قدرات للقهر والاستتباع،  لم يختف المجتمع والفرد والانسان كليا ويغيب أي تفكير في المساءلة والمحاسبة فحسب، ولكن الدولة ستتحول، بموازاة تبلور الطبقة المتماهية معها، طبقة الدولة أو طائفتها، إلى أكبر آلة سلب واستلاب وعنف ونهب عرفتها المجتمعات العربية في تاريخها، وستتحول السياسة بموازاة ذلك الى عبادة للدولة والتسبيح بحمد القائمين عليها وتبجيلهم والركوع أمامهم واستجداء عطفهم ورضاهم. هكذا صارت الدولة الحديثة التي نشأت لتحرير المجتمع أداة استلابه الرئيسية، وصار  رهينة لها بمقدار ما  وضع رهاناته المصيرية فيها.. وصار معظم الناس من أصحاب القضية والضمير يقضون الجزء الأكبر من حياتهم في السجون أو هاربين من بطش السلطة وملاحقاتها.

 

هذا هو السياق الذي ولدت فيه العبودية الجديدة في البلاد العربية، وصار فيه قتل الافراد بالمئات والآلاف بمثابة الاضاحي واكباش الفداء المطلوبة لحفظ هيبة الدولة وبقائها. ومن هنا ستولد في سورية التي تقدم المثال الأقصى لدولة العبودية والاستلاب الشامل والعنف هذه شعارات : طلبنا المدد فارسل لنا حافظ الاسد، والاسد الى الابد، ودولة الاسد، وسيد الوطن، وبالروح بالدم،  وأخيرا : الأسد أو نحرق البلد، وكلها، وغيرها كثير، طقوس الدين الجديد، ووسائل التعبير عن العبودية للاله الجديد الذي هو الدولة ومن يمثلها، عبودية نصف مختارة ونصف مفروضة بالقوة والرهبة. لقد جرفت الدولة هوية الأفراد وفكرهم وضميرهم، بمقدار ما استعبدت أجسادهم، وطوعتها في أقبية مخابراتها وبسكاكين جلاديها وأدوات تعذيبهم،  وصارت تمثل للفرد، القادم من تيه السلطنة المتهاوية ونهاية التاريخ، من دون تراث ولا ثقافة ولا هوية ولا تقاليد،  مصدر  الحياة والموت، الثراء والفقر، العطاء والقبض، الذل والكرامة.وصار المجتمع أمامها، بكل أفراده وجماعاته، لا شيء، مجرد مادة خام تشكلها اجهزة الدولة على حسب مشيئة أعوانها،  لا ينتظر منه رد فعل ولا يحسب لردوده إذا حصلت أي حساب

 

يحاول هذا الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى في  ١٩٩١ أن يدرس الديناميات الاجتماعية والتاريخية والجيوسياسية المتناقضة والمتقاطعة التي عملت على تشكيل الدولة في المنطقة العربية ودفعت بها إلى أن تكون محور نشاط المجتمعات ووسيلة تحقيق تطلعاتها القريبة والبعيدة، الخاصة والعامة، الفردية والقومية. وأن يبين أن سبب المحنة العربية،  بالرغم من جميع العيوب التي تنخر في جسم المجتمعات العربية وثقافتها القديمة والراهنة، ومرجعياتها الفكرية،  هي الدولة نفسها وليس المجتمع. كما يحاول أن يبين ويشرح كيف أن الخروج على الدولة والردة عليها، كما تجسده العديد من الحركات والتيارات الاسلاموية وغير الاسلاموية، التي انتشرت منذ السبعينيات وصارت الشبح الذي يخيم على مصير الدولة والنظم الحاكمة، لم يكن خروجا على دولة تمثل إرادة الأمة وتعمل على تحقيق غاياتها وأهدافها، أي لم يكن ضد فكرتها ومفهومها وما تمثله من قيم السياسة الحديثة وفي مقدمها المواطنة، وما تنطوي عليه من حقوق وحريات فردية وواجبات وأسبقية المصالح العامة، وإنما كانت ثورات ضد دولة انقلبت على الأمة، فصارت دولة ضد الامة، وسلطنة لا تعيش ولا تستمر إلا بتفكيك المجتمع وإخضاعه ونزع الوعي الوطني والإرادة عنه، وحرمانه من أي فرصة للتكون كشعب متحد في الوعي والإرادة، ومن باب أولى كأمة حرة تستمد مشروعية وجودها ومبرره الأخلاقي من تحقيق الحرية والكرامة للفرد ومن وراء ذلك للجماعة الوطنية كلها

وقد تركت النص الأصلي للكتاب كما هو دون تغيير، كجزء من الشهادة على تلك الحقبة الأليمة التي ما كان يمكن لها أن تقود إلى غير ما وصلت المجتمعات العربية إليه اليوم : خراب العالم العربي دولا ونخبا وعقائد ومؤسسات.

 

 

 

 

"الدولة ضد الأمة".. خراب العالم العربي

الترا صوت- 25-01-2017

 
الدولة ضد الأمة، الدولة ضد المجتمع، الدولة ضد الديمقراطية.. كل هذه عناوين تصلح أن تكون على غلاف كتاب المفكر السوري برهان غليون "المحنة العربية:
الدولة ضد الأمة" الذي صدرت طبعته الرابعة عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أواخر 2015"، وكانت الطبعة الأولى من الكتاب قد صدرت عام 1993، ما يؤشر على الوعي الكامن وراء إعادة إصدار الكتاب، والتأكيد على عمق وأهمية الأفكار الواردة به وصلاحيتها بعد ما يقارب الربع قرن في التأشير على مواطن الخلل في المسألة العربية، وإشكالات تحقيق الديمقراطية في بلاد ما تزال تبحث عن سبيل النهضة.

يناقش الكتاب إشكالية الدولة في ظل الواقع العربي المعاصر والمشكلات الثقافية والسياسية والاقتصادية التى تواجهها وتحليل حالة التخبط التى تعانيها هذه المجتمعات. وعلى النقيض من كل الأطروحات الأنثروبولوجية والتاريخية التي تركز على العوامل الثقافية والموروث الديني والتأثيرات الكولونيالية في تأصيلها لبنية الاستبداد العربي وسلطويته الراهنة، يطرح الكتاب فكرة الدولة الحديثة، أو "الدولة التحديثية"، كمسبب رئيسي في توغل وظهور الاستبداد وتكريسه وخلق طبقة من "المستبدين الجدد".

و"الدولة التحديثية" بحسب غليون "ليست دولة وطنية (دولة - أمة)، ولا دولة ديمقراطية، أو دولة تحصين الحرية، إنها نموذج جديد للدولة الانتقالية، نشأت على إثر ظهور الدولة الحديثة في بعض المجتمعات الأوروبية، وما أحدثته هذه الدولة من تفاوت في إمكانيات وديناميات التطور بين المجتمعات. إن الدولة التحديثية هي الأداة التي استحدثتها وطوّرتها المجتمعات المتأخرة كبديل عن الحداثة، وكأداة للوصول إليها في الوقت نفسه، أي كوسيلة للثورة على المجتمع المتأخر وتطوير بناه، ففي وظيفة هذه الدولة وتصورها ومفهومها الأصلي عن نفسها ودورها التاريخي تكمن كل عناصر السلطة المطلقة الحديثة".

 

يحلل الكتاب في فصله الأول الدولة العربية الحديثة في مفهومها وأدواتها، وكيف تحوّلت بهذا المفهوم من دولة لإقامة مجتمعات قائمة على قيم الحرية والديمقراطية والعدل، إلى وحش كاسر يلتهم كل مفاهيم الحداثة والمعاصرة التي تقوم عليها المجتمعات، مما أدى إلى تشتيت وتدمير هذه المجتمعات وسحق هويتها الثقافية والسياسية. 

وحين يتعرّض صاحب "المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات" إلى البحث في نشأة الدولة وإشكاليتها في العالم العربي، يقول: "لكن البحث في نشأة الدولة لا يعني بالنسبة إلينا تبرير وجودها بعد قيامها، وإنما على العكس الكشف عن العوامل المادية والمعنوية التى تجعل هذا القيام أو الظهور ممكنًا في هذه المنطقة أو تلك، وفي هذه الحقبة أو تلك، ويمنع وجودها في مناطق وحقبات أخرى، فإشكالية تكوين الدولة لا تسعى إلى فهم الأسباب التى تفسّر ظهور الدولة بشكل عام في التاريخ، أو فهم لماذا لا يمكن للمجتمعات أن تعيش من دون دولة، لكن فهم ما الذي يفسّر في هذه اللحظة أو تلك، وفي هذا المجتمع أو ذاك، ولادة هذا النموذج للدولة أو ذاك: دولة العرب، دولة الهنود، الدولة الموحدة المركزية، الدولة المفككة الطائفية، الدولة الوطنية أو الإمبريالية وليس نموذج آخر للدولة".

 

ويتطرق الكتاب في فصله الثاني إلى تكوين الأمة العربية عبر الأزمنة المختلفة، مع التوقف طويلًا مع التحولات التي شهدها القرن الثامن عشرودورها المؤثر في ما تلى من "انبعاثات أممية"، مستشهدًا بالصراع بين الوهابية والدولة العثمانية، وكيف ساهم هذا الصراع بترسيخ أفكار مثل أن عودة الخلافة إلى العرب هي السبيل لعودة مجد هذه الأمة. ويناقش الكتاب في الفصل الثالث الغزو الفرنسي لمصر باعتباره لحظه فارقة في تاريخ الأمة العربية لما له من نتائج على تطور نظرية الدولة والسلطة، نتيجة الاصطدام والانفتاح على مجتمع فكري جديد لم تعرفه الأمة من قبل.

 

ويلتفت الكتاب أيضًا في فصله الرابع إلى قيام الثورات القومية التي أطاحت بالأنظمة التي تلت الاستعمار، ويٌرجع أسباب فشلها إلى عدم قدرتها على حل المشكلات السياسية والثقافية والاقتصادية التي تواجه المجتمعات مع ارتفاع سقف آمال هذه الشعوب وتطلعاتها إلى مستقبل آمن ودولة ديمقراطية قائمة على الحريات الثقافيه والسياسية، ويؤكد غليون أن أبرز إخفاقات هذه الثورات القومية هو "غياب الديمقراطية والفكرية وسيادة روح التجريب الذي حكم سلوك القيادة وتفكيرها الذي كان يعني غياب العقيدة أو النظرية الثورية الواضحة والمتسقة"، نتيجه لتحوّلها إلى أداة قمع في يد طبقة المستبدين الجدد التي أنتجتها الدولة الحديثة، وهو ما كان ما أسماه بدايةً "عهد القطيعة بين الدولة والمجتمع"، ليصل إلى استنتاج أن فشل مشروع التنمية العربي كان نتيجة حتمية لعدم تحقيق التضامن وفشل تجارب الاتحاد أو الوحدة.

 

وفي أحد الأجزاء المهمة من الكتاب، يطرح غليون، في الفصل الخامس، نقاشًا حول أسباب فشل مشروع الحداثة العربي، مشيرًا إلى انقسام الباحثين في تحليل أسباب الأزمة بين وجهتي نظر فريقين من المفكرين، الفريق الأول يتحدث عن الجانب الأنثروبولوجي من حيث الموروثات الدينية والثقافية للمجتمعات، والفريق الثاني يذهب إلى أن الأزمة سياسية من الأساس، وأن التخلي عن الهوية الثقافية لهذه المجتمعات واتباع نخب فاسدة هو السبب الرئيسي في فشل مشروع الحداثة العربي.

وفي الفصل الأخير من الكتاب، يطرح غليون سؤالًا كبيرًا يعنون الفصل "إلى أين يسير الوطن العربي؟"، ومن خلال محاولته الإجابة على هذا السؤال المحوري في مطلع التسعينيات، يخلص الكاتب إلى أن العالم العربي أمام خياران، الأول هو الصراع الأهلي بين الأصولية والعلمانية، والثاني هو اتباع طريق التغيير الديمقراطي وبناء مجتمعات قائمة على الديمقراطيه والعدل والحرية، ويرى غليون أن الطريق الثاني أقل كلفة ولكنه سيواجه مشقات وصعوبات كثيرة من أجل الوصول إليه.

 

وفي النهاية، تجدر الإشارة إلى أهمية الكتاب ووجاهة طروحاته واستشرافها للمستقبل، وهو ما أكدته انتفاضات الربيع العربي في 2011، وما صاحبها من أحداث ومواقف، فالكتاب ينسف أركان المقولة الشائعة عن "الاستثناء العربي" وموات الحركة الشعبية الاحتجاجية، وردّ أسباب العجز الديمقراطي في العالم العربي إلى عوامل ثقافية ودينية حصرًا، بتقديمه بيانًا نقديًا يفنّد أسباب المحنة العربية ويحمّل الدولة نفسها أسباب فشل التحول الديمقراطي بحيازتها وتطويرها منظومات قمعية وبوليسية تحدّ من تثمير أي محاولة للتغيير، وهو ما أثبتته انتفاضات الربيع العربي من أن تطلُّع الشعوب العربية إلى التحرّر والانعتاق لا يقلّ عن تطلُّع غيرها من الشعوب. وإن كان يؤخذ على الكتاب في هذا الصدد عدم رصده لتأثيرات الوعي الديمقراطي المتنامي في البلدان العربية، لا سيما في الدول الأكثر قمعية والتي طالتها رياح التغيير في الموجة الأولى من الربيع العربي، وهو الأمر ذاته الذي أشار إليه غليون مستدركًا في مقدمته للطبعة الرابعة من الكتاب بقوله: "عندما قررت الشعوب إزالة ما يعترض طريق تحررها من عقبات، ومنها الدولة العلقة، والآلة البوليسية الأمنية لتخرج من سجن الديكتاتورية ومستنقع الحداثة المعاقة، اجتمعت ضدها كل عناصر الثورة المضادة، المحلية الممثلة بالطبقة الطفيلية، طبقة الدولة أو الطبقة الدولة، إلى القوى الإقليمية والدولية الراعية والضامنة لها كوسيلة لإخضاع وترويض وترويع الشعوب العربية". 

مضيفًا في نهاية مقدمته أن قراره بترك النص الأصلي للكتاب كما هو، دون تغيير، جاء "كجزء من الشهادة على تلك الحقبة الأليمة، التي ما كان يمكن لها أن تقود إلى غير ما وصلت المجتمعات العربية إليه اليوم: خراب العالم العربي دولًا ونخبًا وعقائد ومؤسسات".