هل تشكل الحركات الإسلامية عائقاً أمام التحولات الديمقراطية؟

2003-12-31:: الاتحاد

ترجمة :

 

ليس من الممكن للمناقشة العربية والدولية الجارية حول التحولات السياسيةالمطلوبة في المنطقة أن تتقدم من دون أن تجيب على سؤال: هل هناك خطر إسلامي حقيقييهدد أي تحول في اتجاه الديمقراطية أو هل يكون الانتقال نحو نظام ديمقراطي في أيبلد عربي انتقالا محتما نحو نظام إسلامي يقفل باب الديمقراطية أم أن من الممكن تصورتحول نحو الديمقراطية لا يتبعه تسلط للقوى الاسلامية المتطرفة على الحكم وبالتاليلا يترجم بالضرورة بإهدار حقوق وحريات الأفراد وبعودة منتصرة لنظم استبداد دينية أكثر قسوة من نظم الاستبداد القائمة شبه العلمانية؟
وفي السياق نفسه لا يمكنالهرب من طرح السؤال الذي تطرحه الدول الصناعية وهو : هل يمكن إنكار أن العنفالاستثنائي الذي أظهرته بعض الحركات الاسلامية المتطرفة ولا تزال تظهره بشدة تجاهالغرب بشكل خاص هو الذي يدفع هذه الدول إلى تبني النظم المستبدة والتمسك بمبدأالوصاية على المنطقة التي تشكل بؤرة مصالح استراتيجية كبيرة ومعترف بها؟ ثم أليس هوالمسؤول عن تراجع الديمقراطية في الولايات المتحدة نفسها عندما اضطر الإدارةالأميركية إلى تعزيز الاجراءات الأمنية وتقييد الحريات الفردية وتكريس التمييزالأقوامي داخل الدولة الأكثر قبولا بتقاليد التعددية الأقوامية والدينية والفكريةمن بين جميع الدول الصناعية؟
ليس الجواب على هذه الأسئلة بسيطا وتلقائيا. إذبقدر ما يمكن القول إن وجود حركات إسلامية متطرفة ولديها من القوة ما يؤهلها للسطوعلى أي نظام ديمقراطي من المحتمل أن يرى النور في البلاد العربية يهدد الديمقراطية،يمكن القول أيضا إن سطو النخب الحاكمة على الدولة خلال عقود طويلة هو الذي دفعالعديد من أوساط الطبقة الوسطى المهمشة والمضطهدة إلى الالتفاف حول الحركاتالاسلامية المتطرفة التي تستمد إلهامها من العقائد الدينية للدفاع عن وجودها، وكانمن الممكن في ظروف مباينة أن تستمدها، كما حصل في السابق، من عقائديات ثوريةعلمانية قومية أو ماركسية . وفي هذه الحال الثانية لا يمكن فهم قوة الحركاتالمتطرفة الراهنة إلا من حيث هي رد فعل وثمرة للسياسات الاستبدادية والتسلطية التيمارستها النخب الحاكمة في العقود الماضية. وإنه لا شيء يمنع من الاعتقاد بأن العودةإلى الحالة الطبيعية أي وضع حد للسطو القائم على الدولة، سيضع بالتأكيد، ولو بعدحين، حدا أيضا لالتفاف قطاعات الرأي العام، التي يئست من إمكانية إسماع صوتهاواحترام مصالحها بالطرق السلمية، حول حركات التطرف الاسلامية . 
وفي نظري، لاشيء يدعو للاعتقاد من حيث المبدأ بحتمية سطو الحركات المتطرفة على النظمالديمقراطية، اللهم إلا إذا اعتقدنا بالفعل أن الرأي العام العربي أو الاسلامي ميالبطبعه إلى العنف وأن التفافه حول الحركات المتطرفة لم ينشأ بسبب ظروف اجتماعيةوسياسية واقتصادية تاريخية محددة يمكن معاينتها والتعرف عليها بسهولة والسعي إلىمعالجتها، وإنما نشأ بسبب بنية ثقافية أو بيولوجية مستبطنة للعنف. وهو تحليل يتفقمع أطروحات عنصرية القرن التاسع عشر ومدارسها ويشيح النظر عن كل ما أحرزته العلومالاجتماعية من تقدم في فهم المجتمعات منذ قرنين. 
وبالمثل، بقدر ما يمكن القولإن هجوم الحركات المتطرفة على الولايات المتحدة وتهديدها للأمن والاستقرار في الدولالصناعية هو الذي يدفع هذه الدول إلى دعم النظم الاستبدادية في المنطقة وقطع الطريقعلى الاختيارات وديناميات التحول الديمقراطية، وفي ماوراء ذلك إلى تهديد ممارساتالديمقراطية وحقوق الانسان في هذه الدول نفسها، يمكن القول أيضا إن توجيه العداءوالعنف المتزايدين من قبل الحركات الاسلامية المتطرفة نحو الغرب، وليس نحو الهند أوالصين أو روسيا أو أفريقيا، هو رد فعل على رفض هذه الدول أو معظمها احترام حقوقشعوب المنطقة وسيادتها واستقلالها وعلى تدخلها الدائم غير المبرر وغير المشروع فيشؤونها.
وفي هذه الحالة ليس هناك ما يحرم من الاعتقاد بأنه لا شيء يمنع الدولالغربية من أن تحظى بعلاقات ودية وسلمية أقوى مع العالم العربي إذا التزمت بمبدأاحترام حق هذا العالم وشعوبه في تقرير مصيرهم وأوقفت العمل بمبدأ الكيل بمكيالينفيما يتعلق بقضايا مصيرية مثل قضية فلسطين أو التكتل والتنمية العربيين.
والواقعكما أن الفئات الحاكمة في البلاد العربية تستخدم البعبع الاسلامي الذي خلقته هينفسها لتبرير استمرارها في الحكم ورمي المسؤولية على الآخرين في تفسير حالة العنفوالخراب التي وصلت إليها البلاد، ومن وراء ذلك التغطية على الاستمرار في عمليةالسطو المنظم على موارد المجتمعات وتحويلها على شكل مئات مليارات الدولاراتللاستثمار في الخارج، فإن الدول الغربية تستخدم الفزاعة الاسلامية نفسها لتغطي علىمسؤولياتها في تفجير العنف والفوضى والاقتتال في المنطقة وتبرير استمرارها في تبنيسياسة استعمارية جديدة تمكنها من تقاسم الموارد مع الفئات الحاكمة. وأكاد أقول إنالنظم المحلية والدوائر الاستعمارية لم تعد قادرة على الاستمرار والبقاء من دونالعنف والتطرف المقابل لها، وإنها لو لم تنجح في تفجير العنف بسبب سياساتهاالعدوانية لوجدت نفسها مضطرة لإثارته وتغذيته بوسائلها الخاصة • وليس من قبيلالصدفة أن هذا العنف الذي يبدو وكأنه موضوع الخلاف الرئيسي بين النظام الاستبداديالمحلي والنظام الاستعماري الجديد لم يعد مبرر وجود النظم والمصالح الأجنبيةالقائمة في المنطقة فحسب ولكنه أصبح أيضا سببا لتجديد الشراكة القائمة وأساس إعادةالتفاهم بينهما. 
وفي المقابل، يبدو لي الآن، أكثر من أي فترة سابقة، أنالديمقراطية هي الخيار الوحيد الذي يقدم الفرص الضرورية المحتملة لنزع فتيل العنفوالتوتر والعداء، ليس بين الشعوب العربية والدول الصناعية فحسب، وإنما داخلالمجتمعات العربية نفسها. فهو الخيار الوحيد الذي يسمح لجميع الأطراف التي تعيشحالة قلق عميق ودائم على مصيرها، من فئات مهنية وأقوامية ودينية وجماعات وطنية معا،أن تراهن على المنافسة السلمية وتتعلم أسلوب المفاوضات الجماعية للوصول إلى أهدافهاالشرعية . وبالعكس، لن يعمل إغلاق طريق التحولات الديمقراطية الذي يبشر به تجديدالتحالف بين النظم المحلية والنظام الدولي ، سواء أجاء باسم الخوف من سيطرةالاسلاميين المتطرفين في الداخل، أو تهديد المصالح الغربية في المنطقة ككل، إلا علىتفاقم العنف والعدوان اللذين لن تنجح في درئهما أو حتى احتوائهما لا أنظمة الطغيانولا استراتيجيات الحروب الاستباقية. وفي هذه الحالة لن تبقى هناك إمكانية لاحترامأي مصالح مهما كان حجم القوة التي تدافع عنها، لا مصالح الفئات المسيطرة في الداخلولا مصالح حلفائها في الخارج. 
إن الاستخدام المبالغ فيه لبعبع العنف من أجلتبرير الحفاظ على الوضع القائم في البلاد العربية أو من أجل تبرير سياسات السيطرةالامبراطورية في سياق خطاب الحرب على الارهاب يمكن أن يقطع الطريق على القوىالديمقراطية كما يمكن أن يقطع الطريق على انتزاع الشعوب العربية لحقها في تقريرمصيرها. لكن ليس هناك ما يمنع من أن ينقلب على أصحابه بأسرع مما يعتقدون . فمعتفاقم العنف والحرب وعدم الاستقرار لن تبقى هناك إمكانية لحياة جماعية منظمة ولنتكون هناك فرصة لإقامة أي نظام، سياسيا كان أم إقليميا أم عالميا. وسيكون الانتصارالوحيد الممكن والمضمون هو للاقتتال والفوضى والخراب.