نهاية الحرب السورية

2016-03-16:: العربي الجديد

ترجمة :

 

كان المحرّك الرئيسي للحرب السورية الداخلية، وبقي، خلال السنوات الخمس الماضية، رفض الأسد ونظامه الانتقال السياسي، وسعيه من خلال شن العدوان والحرب على شعبه، وبيع ولائه للدول الأجنبية، إيران ثم روسيا، من أجل تأمين وسائل الاستمرار في الحرب، العسكرية منها والسياسية، للبقاء في السلطة.
خطوة الروس الانسحاب المفاجئ من سورية رسالة موجهة للأسد، أن حقبة التلاعب والهرب من الاستحقاق التفاوضي، والعمل على تقويض المبادرات الدولية، انتهت، وأن عليه التخلي عن أحلامه، والقبول بالمشاركة الجدية في مفاوضاتٍ سوف تفضي، لا محالة، إلى نهاية نظامه وحكمه. وقد جاءت هذه الخطوة رداً واضحاً على تعنت الأسد، ورفضه الاعتراف بالتوافق الدولي حول إعادة إطلاق مفاوضات الحل السياسي، وسعيه، بجميع الوسائل، إلى تقويضها، سواء بإصدار قرار تنظيم الانتخابات التشريعية في الشهر المقبل، ليقطع الطريق على الانتخابات التي حدّدها التوافق الدولي، بعد 18 شهراً، وتحت إشراف دولي وبمشاركة المعارضة، أو من خلال دفعه وزير خارجيته إلى الإعلان عن رفض النظام التفاوض حول الانتخابات الرئاسية، واعتبارها خطاً أحمر، أي في الواقع اعتبار مصير الأسد موضوعاً خارجاً عن التفاوض، أو أخيراً اعتقاد الأسد أنه يستطيع أن يستخدم الروس، من أجل القضاء على المعارضة، واستعادة ملكه، كما لو كانوا خدماً لديه، وهو ما رد عليه، في وقتها، ممثل روسيا في الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، قائلاً: لا تركّزوا على ما يقول الأسد، ولكن، على ما سيفعله.
جاءت الخطوة لتقول إنه طفح الكيل عند بوتين من تلاعب الأسد وألاعيبه، والأهم من ذلك، أكدت خطوته هذه أن هناك فعلاً توافقاً وتفاهماً دوليين، من أجل دفع المفاوضات السياسية، هذه المرة، نحو النجاح، وأن روسيا تريد أن تلعب دوراً إيجابياً في ذلك. لا ينبغي أن نتفاءل كثيراً، ونعتقد أن سبب نشوء هذه الإرادة الإحساس المفاجئ بالمعاناة السورية، أو القلق على مصير المحاصرين والمجوّعين والمشرّدين أبداً. ما وراء الاتفاق الدولي هو الخوف من أن يقود استمرار البركان السوري بنفث لهبه إلى زعزعة استقرار المنطقة، وبشكل خاص، أوروبا والعالم، سواء نتيجة تفاقم أزمة المهجّرين واللاجئين الذي أصبحوا يشكلون، اليوم، عبئاً كبيراً على الدول المستقبلة، ولا أحد يعرف ما الذي سيكون عليه مصير أبنائهم، والأجيال الجديدة الفاقدة للتعليم والأمل معاً، إذا استمر الوضع سنوات أخرى، أو بسبب الانتشار المتوسع للتنظميات المتطرفة، في أكثر من منطقة، انطلاقاً من سورية والعراق، وتزايد العمليات الإرهابية في أوروبا وبلدان عديدة.
جاء التوافق الروسي الأميركي والدولي من منطلق الاعتقاد المتنامي، بعد فشل القضاء على داعش وأخواتها، بأن من المستحيل احتواء مضاعفات الأزمة السورية، من دون وضع حدٍّ للحرب، والدفع في اتجاه التهدئة، والعودة إلى الحالة الطبيعية والاستقرار. لكن نهاية الحرب بهذا المعنى، أي زوال مبرّر استمرارها، مع التوصل إلى اتفاق دولي للحل، وتبني الدول له والعمل عليه، ما يجعل من العودة إلى الحرب مناهضةً للقرار الدولي، ولمصالح دول كبرى، لا تعني وقف الأعمال القتالية تماماً، أو عدم حصول معارك وصدامات. هذا يمكن أن يحصل ضمن إطار الحفاظ على المواقع الراهنة للأطراف، أو في مواجهة قوى من النظام، أو من خارجه، تريد أن تغير في واقع وطبيعة المعادلة التي قام عليها الاتفاق الدولي. بل أكثر من ذلك لا تعني نهاية الحرب، أي زوال مبرّراتها الكبرى، أن روسيا لن تستخدم قوتها الباقية في سورية ضد هذا الطرف أو ذاك، وضد المعارضة إذا حاولت أن تستفيد من الانسحاب لصالحها. أعتقد أن هناك اتفاقاً، أيضاً، على تثبيت مبدأ لا غالب ولا مغلوب، وحرمة الحسم العسكري لأي طرف. وأي طرفٍ يحاول خرق هذا المبدأ أو يظهر وكأنه يقوم بذلك سوف يتعرض للرد الروسي. وربما سيكون ثمن وقف العمليات الروسية لصالح مشروع الأسد، وتوجه الروس لدعم المشروع الدولي لإنجاح مفاوضات التسوية السياسية هو وقف حلفاء المعارضة تزويدها أيضاً بالسلاح، وربما كان هذا أحد بنود التوافق أو الاتفاق.
في جميع الأحوال، نحن مقبلون على مرحلةٍ، ستكون فيها الكلمة الأولى في الصراع السوري للسياسة والدبلوماسية وليس للسلاح. وسيكون من المفيد جداً لنا، أي للشعب السوري الذي عانى أشد العذاب في السنوات الماضية، أن يعيد إحياء روح التظاهر والتفنن في التعبير عن لفظه النهائي لهذا النظام ورجالاته، وتأكيد حقه الذي لا يمكن نقاشه في إحقاق الحق، وتطبيق قانون العدالة، وإنزال العقاب بالقتلة والمجرمين، من أي جهة كانوا.

هذه هي اللحظة التي تعود فيها القضية إلى الشعب، والتي يعود فيها الشعب للعب دوره الحاسم. والكلمة الآن للناشطين في ساحات سورية وأحيائها. وهذه هي، أيضاً، دعوة لهم، كي يعودوا، لمن يستطيع أن يعود، ليستعيد دوره ونشاطه من داخل سورية التي تتهيأ للحرية والانتصار.
باختصار، فرض القبول بالانتقال السياسي على الأسد، وهو ما يعني ضمناً نقل السلطة منه إلى طرف آخر ونظام آخر، يعني إزالة أهم دافع ومنبع للحرب: مصير الأسد نفسه.
نهاية الأسد تعني، ببساطة، نهاية الحرب تماماً كما تعني نهاية الحرب نهاية الأسد.