من هو المسؤول عن انتشار العنف الدولي؟

2007-05-09:: الاتحاد

ترجمة :

 استخدمت العديد من حكومات الدول الكبرى وقوى سياسية متعددة، في العقدين الماضيين، تزايد عمليات العنف التي تقوم بها بعض التيارات الاسلامية المرتبطة بالقاعدة، أو التي أصبحت توقع عملياتها باسم القاعدة، في سبيل تعبئة الرأي العام العالمي من حول سياساتها الأمنية، وجره إلى مواقعها الرامية إلى تحويل الحرب على الارهاب إلى محور السياسات الدولية. ويهذه المناسبة ساهمت أيضا في خلق القاعدة الأسطورة التي أصبحت قطب جذب لجميع تلك القوى والجماعات الانتحارية والتدميرية التي لم تعد تحتمل نظام القهر العالمي، والتي تحلم بالفعل بدفعه نحو الفوضى والانهيار. ويتساءل الكثيرون من أنصار الرد العنيف على العنف والحد من الحريات العامة ومضاعفة إجراءات الملاحقة والتفتيش والمتابعة الأمنية والتنصت المهدد لجميع الحريات المدنية، عما إذا كانت المجموعة الدولية قد قامت بما يكفي من الجهود لمقاومة الارهاب. وهي تأمل من ذلك في أن تقنع القطاعات التي بقيت مترددة في قبول الإجراءات الامنية الشديدة السابقة، لما تتضمنه من تقليص في الحريات العامة، بالرجوع إلى العقل، وربما دفعها إلى نقد الذات.

باختصار، إن الدول والقوى التي لا تزال تطمح إلى استخدام الحرب ضد الارهاب لتحقيق أجندة سياسية واستراتيجية خاصة بها، تحاول، على شاكلة إدارة الرئيس بوش في واشنطن، أن تردع مناوئيها باتهامهم المضمر بالمسؤولية عن توسع العنف لأنهم لا يقروا جميع الوسائل والامكانيات التي تطلبها السلطات في معركتها ضد العنف. وإذا نجحو في ذلك فإن الوقت لن يطول قبل أن يسقط العالم بأجمعه تحت نظم أمنية لا هم لها سوى تجديد سلطة البيرقراطية العسكرية والمخابراتية والامنية بحجة مواجهة العنف. وهو ليس خطر محتمل. إنه خطر جاثم، خاصة وأن الدولة الأكبر هي التي تقف وراءه، وتتخذ منه درعا واقيا في مواجهة جميع أولئك الذين ينتقدون سياساتها المغامرة والكارثية في الشرق الأوسط والقوقاز ومناطق أخرى من العالم.
والحال، لم يشهد العالم عنفا أكثر انتشارا مما حصل بعد تطبيق نظرية الحرب العالمية ضد الارهاب. ومن المطلوب معرفة في ما إذا كانت هذه النظرية والاستراتيجيات التي اتبعتها ليست هي المسؤولة عن توسع دائرة العنف، لا ضعف الجهود المبذولة لوقفه أو تردد قطاعات الرأي العام في دعم هذه الجهود. بل ليس من المبالغة القول إن توسع دائرة انتشار العنف يبرهن على الإخفاق الذريع لنظرية الحرب العالمية ضد الارهاب، أكثر ما يؤكد نقص الموارد المخصصة لتطبيقها. فما كان من الممكن تصور مثل هذا الانتشار لو اتخذت المجموعة الدولية إجراءات حل المشاكل الدولية المولدة للعنف بدل المصادقة على الجهود الحربية، تجنبا لطرح المسائل الحقيقية. لكن حتى على هذا المستوى ما كان من المتوقع أن تسفر الحرب عن مثل هذا الإخفاق الذريع لو لم تستخدم لأغراض سياسية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالقضاء على العنف.
والمقصود أن الحرب العالمية ضد الارهاب أخفت منذ البداية أجندات متعددة تصب جميعا في عملية استعادة المبادرة من قبل قوى السيطرة العالمية على حساب آمال التغيير والتحول الايجابي لصالح الشعوب والفئات المحرومة. فقد جاءت بداياتها مع تنظيم أول مؤتمر عالمي ضد الارهاب في شرم الشيخ عام 1998، الذي كان يهدف إلى التضامن مع سياسات إسرائيل التوسعية، ومساعدتها على عزل الشعب الفلسطيني وكسر إرادته ومعنوياته، لتمكين تل أبيب من الاحتفاظ بالأراضي المحتلة وضمها. ثم أصبحت هذه الحرب الغطاء النظري والايديولوجي لتبرير سياسات السيطرة الأمريكية العالمية، في الشرق الأوسط خصوصا، قبل أن تتحول إلى محور السياسة الدولية وأجندتها الرئيسية، في سياق سعي جميع النظم القائمة إلى استخدام الحرب ضد الارهاب ذريعة للتغطية على المشاكل الداخلية والهرب من المسؤولية.
هذا ما يفسر أن الحرب ضد الارهاب قادت بالفعل إلى تنمية الارهاب، وذلك بقدر ما وضعت الشعوب المعرضة للتهديد، وبعضها كما في فلسطين والعراق للإبادة الوطنية والاضمحلال، في مواجهة تحد لم تعرفه من قبل، وهو تحدي تعبئة الرأي العام العالمي باكمله ضد حقوقها ومن وراء ذلك تبرير سياسات القوى التي تنتهك هذه الحقوق. فلم تنعم السيطرة الاستعمارية بفترة سماح أطول وأكثر رحابة صدر مما نعمت به في العقدين الماضيين تجاه السياسات الأمريكية الاستعمارية المعلنة في القوقاز والشرق الأوسط وأفريقيا. ولا وجدت إسرائيل ظرفا أكثر ملاءمة لتوسيع رقعة الاستيطان وتعزيز وجودها في الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة، وضرب مصالح الشعوب عرض الحائط، كما حصل في العشرين سنة الماضية أيضا.
لكن الحرب ضد الارهاب لم تستخدم فقط من قبل الدول الكبرى وإسرائيل لاستعادة السيطرة والمبادرة في مناطق النفوذ التي بدأت تهتز تحت أقدامها فحسب، ولكنها استخدمت ولا تزال تستخدم أيضا من قبل النظم الأوليغارشية العربية وغير العربية من أجل تعزيز سيطرتها الداخلية، وإغلاق أفق الاصلاحات الديمقراطية وتقوية قبضة حفنة من أصحاب المصالح المتوحشة على موارد شعوبها ومصائرها معا.
هكذا تحولت الحرب ضد الارهاب إلى شعار يخفي الحرب المعلنة ضد الشعوب وحريات أفرادها ومصالحهم ومستقبلهم في كل مكان، وصارت غطاءا تجري من تحته عمليات الاستفراد بالقرار، ونهب الدول، وتحييد المجتمعات، وولادة مافيات دولية تتفاهم من وراء ظهر الشعوب وعلى حسابها، من أجل تبادل المصالح والخدمات، من وراء الشعارات والخطابات الدعائية المعسولة. وما كان من الممكن لهذا الوضع إلا أن يقود إلى مزيد من التقهقر والتدهور في شروط حياة الشعوب، مع زيادة انعدام الامن الشخصي، وتصاعد عمليات القمع والقهر والاختفاء، وتفاقم ظواهر الفقر والبطالة وانتهاك القانون وتضييق حقل الخيارات أمام جميع السكان.
لم يخلق هذا الوضع ظروفا أفضل لتعبئة الشباب الفاقد لأي أفق أو أمل، والباحث عن مخرج فحسب، بعد أن ضاقت جميع السبل الاقتصادية، بما فيها المعتمدة على الهجرة إلى البلدان الغنية بفرص العمل في الخليج وأوروبة، ولكنه أعطى مبررات أكثر لمنطق العنف وقضيته. فبقدر ما قوضت الإجراءات الأمنية التعسفية التي يقدم معتقل غوانتنامو وأبو غريب وسياسات الحصار المضروب على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، والتنكيل بالناشطين السياسيين والمدنيين في معظم الدول العربية، لأسباب واهية أو من دون أسباب، أفضل تجسيد لها، أقول بقدر ما قوض ذلك صدقية النظم السياسية والحلول القائمة على احترام الآخر وقيم العدالة والمساواة والتطبيق الدقيق للقانون، جعل من استباحة هذه القيم والقوانين نفسها من قبل الجماعات الارهابية أمرا عاديا ومقبولا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام، وبرر للكثير من الشباب العاطل والناقم السلوك مسلك الإجرام والعمل على أسس لا قانونية بل إرهابية.
لذلك ليس من الغريب أن تكون الحرب العالمية التي أعلنت ضد الارهاب هي السبب الأول لتوسيع دائرة انتشار العنف والارهاب، بقدر ما كانت هذه الحرب في الواقع حربا على استقلال الشعوب وسيادتها وحرياتها وحكم القانون فيها. وإذا كان من غير الممكن لعاقل أن لا يدين مثل هذه الأعمال الإرهابية، فمن غير المعقول أيضا أن لا يدان بالجريمة نفسها وبشكل أقوى أولئك الذين حولوا، ولا يزالون يحولون، بسياساتهم العدوانية، ومغالاتهم في الاستهتار بمصالح الناس وحقوقهم ومشاعرهم، شباب الشرق الأوسط أنفسهم إلى متمردين على القانون، وبعضهم إلى مجرمين.