مشكلة الدولة العربية في غيابها

2006-09-27:: الاتحاد

ترجمة :

فتحت الحرب الاسرائيلية اللبنانية الأخيرة النقاش كما لم يحصل من قبل بين المثقفين حول المسألة التي لا تزال تقسم الرأي العام العربي منذ عقود، والتي تقوض أي إمكانية لبلورة أجندة وطنية عربية واحدة، أعني التعارض بين خيار الدولة وخيار المقاومة. وبقدر ما يشكل تعزيز مكانة الدولة وتأكيد دورها ووجودها خيار بعض النخب الاجتماعية والسياسية المتميزة ماديا وثقافيا، يتحول مشروع المقاومة إلى ثقافة قومية أو شعبية شاملة يختلط فيها العداء للسيطرة الأجنبية وللنظم القائمة ونخبها في الوقت نفسه. وكان يكفي انتصار كبير واحد، كما حصل مع نجاح حزب الله في حرمان الجيش الاسرائيلي من تحقيق أهدافه في جنوب لبنان، حتى تشتعل شرارة هذه الثقافة في المنطقة العربية بأكملها وتضع الدولة/الدول القائمة أمام تحد لا مثيل له، يهدد بزعزعة استقرارها إن لم يقض على مبرر وجودها.
والواقع، يبدو هذا التعارض أمرا محيرا، ويكاد لا يطرح في أي منطقة أخرى في العالم، لا من الناحية النظرية ولا من الناحية العملية. ففي الأصل لا تطلق المقاومات الوطنية إلا من أجل الوصول إلى الدولة التي تمثل إطارا أكثر تقدما لتنظيم قوى الشعوب وتطوير قدراتها على الوقوف في وجه أعدائها. وقد كان انتزاع الاعتراف بالحق في تشكيل دولة مستقلة، ولا يزال، الهدف الأول للثورات الوطنية جميعا، إدراكا من قبل الشعوب بأن الدولة الوطنية، أي الخاصة بالشعب نفسه والتي لا تتحكم بها شعوب أو نخب أجنبية، هي الضمانة الوحيدة للدفاع عن حقوقها ومواردها ومصالحها من خطر السيطرة الخارجية. فالدولة هي رمز استقلال الجماعة وسيادتها ووسيلتها لبناء القوة التي تحفظ مصالحها وحقوقها، والإطار الذي يرفع من درجة نجاعة الاستثمارات المادية والمعنوية، الفردية والجماعية، بالنسبة لأي شعب يأمل بأن يكون له موقع على ساحة الحياة الدولية. وخلال نصف القرن الماضي شكل الكفاح في سبيل بناء دولة قومية مستقلة، عند العرب وغيرهم، ولا يزال يشكل بالنسبة للشعوب التي حرمت منها، كالفلسطينيين والأكراد، الغاية الكبرى لمشروع الثورة والمقاومة في كل تنوعاتها السياسية والايديولوجية. فما الذي حدث حتى انقلب الرأي العام على الدولة التي حلم ببنائها وقدم التضحيات الكبيرة لإقامتها؟
تواجه الدولة في العالم الفقير عموما، وفي المشرق العربي بشكل خاص، تحد كبير لوجودها بسبب الإخفاق الذي أظهرته في تحقيق الآمال المعلقة عليها، والفساد الذي أصاب مفهومها وفكرتها ومؤسساتها والنخب التي ارتبطت بها. ويولد هذا الإخفاق شعورا عميقا بالسخط عليها والخيبة منها، على نطاق واسع. فالدولة لم تفشل في ضمان الحد الأدنى من الأمن الخارجي فحسب، وإنما فشلت أيضا في تحقيق الوظائف الجوهرية التي لا مبرر لوجودها من دونها، أعني ضمان أمن الفرد وسلامته، وإقامة حد أدنى من حكم القانون والقضاء النزية والعادل. فإذا لم تستطع الدولة أن تحمي الفرد والجماعة من اعتداءات خارجية ولا تمكنت من تقديم فرص أفضل لتأمين شروط البقاء المادية، ولا نجحت في وضع قانون ولا تطبيقه، لم تعد دولة، وفقدت مبرر الاستثمار فيها، وربما مبرر وجودها. فما بالك عندما يصبح تقييد حرية الفرد والاعتداء عليه، وإرهابه لزعزعة استقراره وإخضاعه، قاعدة عمل السلطة وشرط استمرار الدولة وبقائها، كما هوالحال في العديد من البلدان العربية؟
يقول السياسيون: الدولة هي الأساس. وهو صحيح. لكن هل توجد بالفعل في عالم العرب اليوم شروط قيام دولة سيدة، تعبر عن إرادة سكانها وقادرة على العمل لحماية مصالحهم وتعظيمها؟ وهل تشكل أجهزة السيطرة وفرض الخضوع والاستسلام على الفرد، لصالح أقلية مسيطرة، دولة أو ما يمكن أن نصفه كذلك؟ وماذا لو لم توجد الظروف التي تسمح بنشوء دولة قادرة على القيام بواجباتها بالفعل، سواء في مواجهة الاعتداءات الخارجية أو في ضمان الأمن والاستقرار وتطبيق القانون والعدالة والمساواة على الأرض الوطنية؟
ويقول العسكريون وتابعوهم من قادة الاجهزة المخابراتية الحريصون على الدولة: الاستقرار والأمن هما الأصل. وهم أيضا على حق، لكن على شرط أن يكون وجودهما رديفا بالفعل للأمن والاستقرار. والأمر يختلف كليا عندما يصبح هذا الوجود رديفا للعجز عن رد العدوان الخارجي، ومصدرا لغياب الأمان والاستقرار الداخليين، أو عندما يكون حكمهم مثالا على التهديد اليومي لأمن المواطنين ونزع الاستقرار النفسي والجسدي عنهم.
ويقول المثقفون: العلمانية والقضاء على التعصب الديني، وما ينجم عنه من ولاء لحكم الملالي والشيوخ، هو مصدر الحداثة وقاعدة الاندماج في المنظومة الدولية الحضارية، مصدر التقدم العلمي والأخلاقي والسياسي. وهو صحيح أيضا، لكنهم ينسون أن الحداثة لا يمكن أن تبنى في ظروف الحجر على المجتمعات وتهميشها ونزع إرادتها وانتزاع حسها بالمسؤولية واستبعادها من المشاركة في المسؤوليات والمصائر الوطنية والعالمية.
لكن، في ما وراء تهافت سياسات النخب الحاكمة وانانيتها الواضحة، يعكس إخفاق الدولة في الوضع العربي المشرقي الشروط التاريخية التي رافقت ولادتها، والعقبات الهيكلية التي حالت ولا تزال تحول دون تحقيق مشروعها أو تقدمه. وأقصد بالشروط التاريخية والعقبات الهيكلية التبعية والارتهان البنيويين لسلطة أو منظومة خارجية، وهي هنا النظام العالمي ومركزه الأطلسي بالدرجة الأولى. فطبيعة الدول القائمة هنا ومهامها ووظائفها قد تحددت جميعا بحاجة النظام الإقليمي الذي نشأ على أثر انهيار الحركة القومية العربية، التي كانت تطمح في الستينات إلى تحقيق الهدفيين الاستراتيجيين : توحيد المنطقة أو إزالة الحواجز التي تفصل بين بلدانها وتشتت جهودها، والقضاء على النفوذ الأجنبي، في سبيل بناء إطار للاستقلال، وهامش من السيادة الوطنية. ومنع تحقيق هذين الهدفين شكل ولا يزال محور استراتيجية الدول الغربية، والوظيفة الرئيسية للدولة القائمة في المنطقة العربية. وفي هذه المنظومة الإقليمية التي تهدف إلى الحفاظ على العلاقات شبه الاستعمارية، وتمنع شعوب المنطقة من التحكم بمصيرها، والمشاركة في الحياة السياسية والدولية، تشكل الدول القائمة لبنات أساسية لنظام الهيمنة الخارجية، ووكالات سياسية دولية تعمل، بصورة غير مباشرة، ومباشرة أحيانا، تحت أوامر العواصم الغربية وبالتنسيق الوثيق معها. وتكاد النخب الحاكمة والمسيطرة على هذه الدول تمثل العواصم الأجنبية وتعمل لها وباسمها أكثر مما تمثل شعوبها ورأيها العام. وهي في حقيقة الأمر موظفة عندها، وتشكل امتدادا طبيعيا لها، لا حول لها ولا قوة من دونها. أما الشعوب فهي خارج دائرة الفاعلية، لا كلمة لها ولا قرار.
ومن الطبيعي أن لا تنجح مثل هذه الدول في استكمال نموها وتحقيق فكرتها في الواقع. وأن تبقى دولا غير ناجزة، لا من الناحية الجيوسياسية ولا من الناحية السياسية ولا من الناحية القانونية والأخلاقية. فهي كالثمرة التي تسقط قبل نضوجها، عجرة، لم تحقق شروط وجودها، لا في علاقتها مع مجتمعها ولا في علاقتها مع المجتمع والنظام الدوليين. وككل ثمرة ساقطة، أصبحت الدولة الطرح مدعاة لإثارة سخط أصحابها أكثر من إرضائهم. فبدل أن تتحول إلى أداة في يد أبنائها للتنسيق بين مصالحهم وتكوين قاسم أعظم يبني وحدتهم وتفاهمهم وإجماعهم، شرط نجاعة وجودهم الجمعي، صارت أداة تقسيمهم، ومصدر زعزعة استقرارهم، وبث النزاعات في ما بينهم. وبدل أن يكون هدفها العمل على تعظيم مشاركتهم في الحياة العمومية والدولية، أخذت تجعل من العمل على تحييدهم وشل إرادتهم ومنعهم من التدخل في الشؤون السياسية، أي العمومية، محور نشاطها ونشاطهم هم أنفسهم. وهو ما ينعكس بصورة واضحة في طبيعة النظم السياسية التي نتجت عنها، ونوعية الايديولوجيات التي تؤسس شرعية نخبها الحاكمة وتوجهها، والتي تكاد تكون، بصراحة، عنصرية، تنكر على شعوبها وكل فرد فيها أي أهلية للمشاركة في الحياة السياسية، وتستبدل الحياة الأخلاقية، القائمة على الطاعة الذاتية للقاعدة والقانون، بمذهب عبادة الشخصية ونظم الوصاية الأبوية. والنتيجة أن المشكلة ليست في الدولة ولكن بالعكس في غيابها.