محور المبادرات الاجتماعية: العرب وتحديات التنمية الانسانية

2010-12-08:: مؤوسسة الفكر العربي

ترجمة :

1- سمات الوضع الراهن:

يبدو للمراقب العادي أن العالم العربي يعيش في حالة جمود لافت، لا تطرأ عليه أو لا تكاد تطرأ، تغيرات وتحولات ذات قيمة وشان. والحال أن ما شهده العالم العربي خلال العقود القليلة الماضية من تحولات، يفوق ما حصل في العديد من المناطق الأخرى، ويطول البنية العميقة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمعات العربية. وسيكون له تأثير كبير على المدى الطويل.

لكن الذي يطمس هذه التغيرات أو لا يجعلها تظهر بقوة هو أنها لا تتفق مع ما هو متوقع من هؤلاء وأولئك. ولذلك لا تظهر مباشرة لنظرهم. بل ربما بدت لقطاعات واسعة من الرأي العام في الداخل والخارج، وكأنها تعبيرا عن التراجع إلى الخلف أو النكوص إلى الوراء. والواقع ليس هناك نكوص وإنما تغير وإعادة تشكيل لبنيات اجتماعية على أسس جديدة، وليس بالضرورة سليمة أو منشودة حتى من قبل من أشرف عليها ومن باب أولى من يتحمل تبعاتها.

فعلى المستوى الاقتصادي حصلت تحولات عميقة في إطار تحويل الاقتصادات الحكومية إو الدولوية إلى اقتصادات خاصة، او يسيطر عليها القطاع الخاص.

وعلى الصعيد الاجتماعي، فتح هذا التحويل التخصيصي في المجال الاقتصادي الباب أمام صعود طبقة جديدة من رجال المال والأعمال واحتلالها موقعا متميزا في الهرم الاجتماعي أزاح إلى مؤخرة الصورة الطبقة الوسطى والطبقات البرجوازية الصغيرة التي سيطرت على جو الحقبة السابقةاو التي سبقتها.

وعلى الصعيد السياسي فسح هذا التحول المجال أمام تغيير عميق في طبيعة السلطة السياسية وتوجهاتها وأهدافها، ولو أن وسائل ممارستها الخارجية، من تقييد للحريات ورفض للتعددية وإغلاق لباب التداول والمشاركة الشعبية، لم تتغير. ولعل السمة الأبرز في هذا التحول هو الزواج الجديد بين السلطة والمال، وما نشأ عنه من إرادة سياسية تنزع إلى تكريس السيطرة الشاملة والدائمة على المجتمعات، كما تشير إليه قضية وراثة المناصب التي تحولت إلى محور أساسي رئيسي في النقاش السياسي العربي الراهن.

وعلى الصعيد الثقافي ومنظومات القيم التي توجه سلوك النخب وتضبطه، تكاد قيم الاستهلاك والتنافس على الاثراء وحب الظهور، التي ارتبطت بصعود الطبقة المالية والكمبرادورية الجديدة من رجال المال والأعمال، وهي غير ثقافة الكدح والجد والتحصيل العلمي التي طورتها الطبقة العربية الوسطى سابقا لنيل الحظوة الاجتماعية ، تصبح ثقافة النخب السائدة عموما، وتضغط بقوة على منظومات القيم الاجتماعية الشعبية والتقليدية، وتبعث في البلاد ما يشبه الحرب الثقافية او القيمية الكامنة وأحيانا المشتعلة في أكثر من مكان، بصرف النظر عن سيطرة قيم الحداثة الاستهلاكية على جميع الأوساط.

وعلى الصعيد الجيوستراتيجي الذي هو حاصل تفاعل هذه التحولات جميعا وملخصها، فقد العالم العربي، خاصة بعد تدمير العراق في حرب التحالف الدولي لعام 2003، أكثر فأكثر سيطرته على مصيره الجمعي، وزاد انقسامه وتباعد أطرافه، ونزوع بعضها لتفضيل التحالفات الخارجية على التفاهمات العربية، ويكاد يصبح منطقة فارغة من القوة يتصارع على اقتسام النفوذ فيها أصحاب المشاريع الهيمنية، داخل الإقليم وخارجه، ولم يعد له أي رصيد في حسابات القوة الدولية والإقليمية.

حصلت هذه التحولات جميعا على ضوء عملية الاندراج في العولمة الليبرالية التي قامت بها أو اضطرت إلى القيام بها الأقطار العربية، واحدها بعد الآخر، ونتيجة السياقات الجيوستراتيجية والاقتصادية والسياسية والثقافية الخاصة التي رافقت هذا الاندراج أيضا.

فهي الثمرة الطبيعية لنوعية هذا الاندراج الذي حصل في شروط لم تكن ملائمة كثيرا للعالم العربي، ولا ملائمة لأهداف تنميته الذاتية وتطور بنياته الاجتماعية والسياسية.

2- السير عكس الاتجاه

والواقع أن الأقطار العربية اتبعت، في اندراجها في عصر العولمة الليبرالية القاسي هذا، استراتيجية معاكسة تماما لتلك التي اتبعتها الدول الصناعية الكبرى والكثير من البلدان النامية التي ستستغل الفرصة وتتحول بمناسبتها إلى اقتصادات ناهضة، كالصين والهند والبرازيل وغيرها. فمن أجل تعزيز مواقعها في نظام العولمة الزاحف، أو خوفا من التهميش، اختارت النظم العربية أو دفعت إلى اختيار نمط من الاندراج في نظام العولمة يمكن ان نسميه نمط التكيف الآلي او البسيط ، بعكس ما اختارته البلدان التي نجحت في الخروج من اندراجها بالعولمة بفوائد وأحيانا بإنجازات حقيقية، وذلك بفضل ما قامت به هذه البلدان من تطوير استراتيجيات وسياسات اواختيارات ايجابية وإبداعية، يمكن الإشارة هنا إلى أهم ما ميزها من خصائص، وهي:

تعزيز المشاركة الشعبية وتوسيع دائرة الممارسة الديمقراطية حتى تزيد من مبادرة القوى الاجتماعية في عالم مفتوح للمنافسة الحرة، ومحروم أكثر فأكثر من حماية الدولة الوطنية.

تعزيز الثورة العلمية والتقنية وإعادة تنظيم سوق العمل وأنظمته

ضبط الرأسمالية المالية والمضاربية وإخضاع منطق الريح الرأسمالي لقواعد أخلاقية وسياسية

في المقابل فضل العالم العربي:

- الاندماج الإفرادي القطري وغياب أي إرادة لتحقيق الاندماج الإقليمي

- الشراكة الاقتصادية والتجارية مع الأسواق الكبرى الدولية والإقليمية، من دون أي تأهيل اجتماعي وعلمي وتقني، وأحيانا اقتصادي، وهو ما تجلي في رفض الاصلاح السياسي والإداري والقانوني، وتعميق السيطرة العصبوية على الدولة والإدارة.

- بدل المراهنة على بناء شبكة أمان سياسية (توسيع دائرة المشاركة السياسية) واجتماعية (دعم الطبقات المتضررة) تضمن تخفيف نتائج التفاوت الاجتماعي وتمكن من السيطرة على التوترات والتناقضات التي ستثيرها عملية الاندراج والتغيير، لا محالة، تبنى اصحاب القرار العرب خيار الحد بشكل اكبر من حرية الأفراد ومشاركتهم في تحمل المسؤولية، وتقليص مساهمتها في الخدمات الاجتماعية، الصحية والتعليمية بشكل خاص، التي تساهم في إعادة نسبية لتوزيع الدخل، بالإضافة إلى إطلاق يد أصحاب المال، المتحالفين مع الإدارة والسلطة في معظم الأحيان، خارج أي إشراف او مساءلة سياسية او قانونية.

- تجاهل قطاعات البحث العلمي والتقني، والاعتماد بشكل مكثف أكبر على استيراد الخبرة الأجنبية،

ونتيجة هذه الاستراتيجية، اي الاندراج في العولمة الليبرالية والانفتاح على الأسواق والفضاءات والرهانات الخارجية، من خلال التكيف البسيط، أي التابع وغير الخلاق، واضحة اليوم في ما تعيشه الأقطار العربية، على هذه الدرجة او تلك، من اوضاع متازمة على جميع الأصعدة. ومن هذه العملية ولد النظام الاجتماعي الجديد، الذي يتميز بالخضوع لأجندة طبقة أصحاب المال والأعمال ذات الطابع التجاري أو الكمبرادوري، ويتطور حسب قيمها واهدافها، وما تفترضه من تغييب أي منظور وطني او قومي او اجتماعي، أوأي تفكير جدي وطويل المدى في مصير الشعوب والكتل الجماهيرية الكبرى وفي مستقبل المجتمعات.

وفي النتيجة كان هذا الاندراج نموذجا للانتقال من نظم وطنية متمحورة على ذاتها نحو نظم منفلشة ومفتوحة على الخارج، أي على كل التأثيرات الايجابية منها والسلبية من دون تحديد. وهو ما يعني انعدام الاختيار وفقدان السيطرة على المسار والذات.

3- نظام الهيمنة المالية والتجارية:

في هذا المجال يمكن الإشارة إلى أربع خصائص عامة تميز طبيعة النظام المجتمعي القائم، مع اختلاف في الدرجة وأحيانا في غلبة سمة على أخرى من قطر لآخر:

الاستثمار من أجل المال، كما تعكسه مراكمة الثروات الفردية وأحيانا الأسطورية من خلال الكمسيونات والصفقات مضمونة الأرباح، وتعزيز قاعدة الشرائح الاجتماعية التجارية، وتمكين الموالين والمقربين من أصحاب الشأن ورجال المال والأعمال، من تكوين الامبرطوريات المالية الشخصية التي تعمل إلى جانب النظم ولصالحها.

الاستثمار في أمن النظم واستقرارها، فتتحول الدولة والامساك بالسلطة العمومية إلى جزء من استراتيجيات السيطرة السياسية،

الاستثمار في قطاع السياحة والخدمات ومنافسة الدول الصناعية في بناءالأسواق والأبراج، والتسابق على االاستهلاك واستيراد مظاهر الحداثة الخادعة.

ما يجمع بين هذه المفاهيم والممارسات المتنوعة والمتعددة، وهي موجودة على درجات متفاوتة في معظم البلدان، هو بعدها عن الاستثمار المنتج، ومحورتها حول الوسائل، أي المال والبنوك والآلات واستيراد التقنيات كسلع تجارية، وتجاهلها الغاية، أي الشيء المهم والأساسي الذي يعطيها معنى ويبرر وجودها، أي الانسان. والانسان عاطفة تطلب السعادة والطمأنينة، ووعي يطلب المعرفة، وإرادة تطلب الحرية، وجماعة تطلب التواصل والتضامن والتكافل، وشخصية تطلب السمو الأخلاقي والمعنوي، وعضوية حية تطلب الأمن والحرية والسلامة، قبل إرضاء الحاجات وإشباع الرغبات. فالتنمية السائدة هي تنمية ميركنتيلية، تعنى بتجميع المال ومراكمته، بصرف النظر عن مصائر غالبية الناس ومصالحهم الحيوية والانسانية وحاجاتهم وتفاقم همومهم ومخاوفهم وإحباطاتهم وآمالهم وتطلعاتهم. فالمال أصبح القيمة الرئيسية في نظمنا الاجتماعية، بمقدار ما انهارت القيم الإنسانية وغاب أثرها.

والنتيجة: مجموعة كبيرة من المشاكل والتحديات على جميع المستويات:

- تحدي غياب الأمن الجماعي والفردي الذي يتجلى في تراجع موقع العالم العربي على الصعيد الاستراتيجي والجيوستراتجي والعلاقات الدولية ، وفقدان المناعة تجاه الضغوط الخارجية والداخلية، وانحسار الشعور بالأمن والحماية عند الأفراد على جميع المستويات، وتراجع حكم القانون، وسيطرة منطق الضبط والإدارة الأمنية للمجتمعات.

- تحدي تفكك الدولة المؤسسية، تحت تأثير فقدانها الفاعلية والصدقية الاستراتيجية، واستفحال الفساد الإداري والسياسي والاقتصادي والأخلاقي، والقطيعة المتنامية بين الدولة والمجتمع، التي تنعكس في قطيعة موازية بين السياسة والدين، وضرب الثقة بالنظام الاجتماعي عموما، وبمعنى السلطة والمسؤولية العمومية على جميع المستويات.

- تحدي الفقر والبطالة والتهميش والهجرة وتراجع فرص التقدم وتحسين شروط الحياة، وفي سياق كل ذلك توسع دائرة السكن العشوائي، ونمو احياء القصدير ومدن الصفيح ومخيمات المهاجرين واللاجئين في أكثر من بقعة ومكان.

- تحدي انعدام العدالة الاجتماعية وتعميم التمييز الطبقي والجنسي والطائفي والقومي

- تحدي انهيار نظام التربية والتعليم العام، وصعود التعليم التجاري الذي يخضع لمنطق الربح السريع والمباشر، ولا يعطي أي أهمية لا لتكوين الوعي الوطني، ولا لاتساق الهيئة الاجتماعية الكلية، ولا لمسائل التأهيل المهني المنظم للأجيال الجديدة، ولا لمسائل تطوير البحث العلمي والتقني الذي يتطلب استثمارات طويلة المدى ولا يمكن رؤية قيمته إلا في إطار مشروع للتنمية الانسانية الشاملة.

- تحدي زعزعة الاستقرار ونمو تيارات الاحتجاج والتمرد ومناهضة الدولة بسبب القطيعة الناجزة بين النظم السياسية والمجتمعات واهتلاك الشرعية ، الناجم عن احتكار السلطة وتوريثها وإعاقة تداولها وقهر النخب الصاعدة وإحباط إرادتها وتهجيرها.

- تحدي الطائفية وتفاقم النزاعات الاتنية الناجم عن تنامي أزمة الهوية السياسية الوطنية في مواجهة التراجع المستمر في آليات التكافل الاجتماعي، والمصادرة الطويلة للسلطة، وتحويل الدولة إلى منطقة نفوذ وأداة للسيطرة الخاصة، وتجميد الحراك الاجتماعي، وإغلاق الحقل الثقافي والفكري، والضغط المستمر على الطبقات الشعبية، وحرمانها من الخيار والامل في الوقت نفسه.

- تحدي التلوث البيئي الذي يحتاج لمواجهته إلى رؤية وطنية واجتماعية شمولية وتاريخية، تتجاوز منطق الربحية والمردودية التجارية،

وهذا يفسر إلى حد كبير ما تعيشه مجتمعات العالم العربي اليوم من التفاوت المتزايد بين الطبقات، ومن قطيعة متنامية بين النخب والمجتمعات، ومن شعور نام بالحرمان من البدائل وانغلاق الآفاق. وهو الأصل في تنامي التوترات الاجتماعية والاختناقات السياسية والمواجهات الفكرية، ومن ورائها تطور النزاعات السياسية والاتنية والطائفية والاجتماعية، وتزايد خطر الانفجارات وأعمال التمرد والاضطراب والفوضى والعصيان.

4- من التنمية الكمبرادورية إلى التنمية الانسانية

إذا أردنا الاختصار قلنا: إن التحدي الأول الذي يواجه السلطات العربية هو الانتقال من نمط تنمية كبمرادورية الطابع، تزيد في ثروة الأثرياء وتضاعف عدد الفقراء ولا تساهم إلا في خلق القليل من فرص العمل والتأهيل والتكوين للأفراد، وتدمر روح المسؤولية والاستثمار وبذل الجهد المنتج والابداع والابتكار عند الشعوب، وتفتقر لأي إطار إنساني وأخلاقي، ولا تستمر إلا في ظل نظم السلطة المطلقة القهرية، وثقافة الغضب واليأس والكراهية والعداء المتبادل، إلى نمط بناء ومحفز ومنتج من التنمية الانسانية. وتعني التنمية الانسانية استخدام الموارد المتاحة بما يحسن منسيطرة الانسان، أفرادا ومجتمعات، على مصيره، ويوسع من دائرة اختياره، ويزيد من ثقته بنفسه وولائه لوطنه وطاعته لقوانينه، واستثماره لجهده. ففي هذه السيطرة تكمن إمكانية توسيع دائرة وهامش الحرية التي هي أبرز مصلحة في قائمة المنافع العمومية، بما تعنيه من تحرير إرادة المجتمعات وإضعاف ارتهانها لقوى خارجية، من قوى طبيعية أو دول قوية أجنبية أو شركات دولية او مراكز سلطة ومال. وفي تمثل قيم هذه التنمية وأهدافها يتحقق معنى الانسان كوعي وإرادة ومقدرة على الاختيار. وبممارستها تولد الثقة بالنفس والأمل بالمستقبل وينشأ الاستقرار ويسود الأمان.

في هذه الحالة، لن يكون مقياس التنمية زيادة الناتج القومي ولا نقل التكنولوجية ولا حتى ارتفاع مستوى دخل الفرد. كل ذلك ليس إلا وسيلة لتعزيز سيطرة الانسان على ذاته ومصيره، ولا قيمة له من دون ذلك. فهي تكمن في تنمية قدرات الفرد وتوسيع إطار تفكيرة، وفي تعميق الشعور بالأمن والاستقرار المشجع على بذل الجهد والاستثمار والعمل والابداع, وهذا ما يبعث الرضى في النفس وعن النفس، وينتج الشعور بالسعادة التي هي غاية كل إنسان, والشعور بالسعادة ينمي روح الغيرية والتضحية عند الأفراد ويعمل على تعزيز روح التسامح والسلوك حسب مباديء العقل والأخلاق.

ومن دون ذلك لا قيمة لتراكم رأس المال ولا لنمو الناتج الوطني ولا لاستيراد التقنيات الحديثة والمتقدمة، ولا لبناء الأسواق الاستهلاكية العملاقة والأبراج الشامخة. بل لن تكون جميعها سوى مصدرا إضافيا لاستلاب الانسان وبؤسه.

وهذا هو للأسف انطباع المرء عندما يزور البلاد العربية. فما يسم مشاعر أغلب سكانها اليوم هو الشعور بالبؤس وانعدام الرضى عن النفس وضياع معنى السلوك حسب قواعد أخلاقية، ومن باب أولى معنى المتعة الفنية. وما يطبع حياة شعوبها هو القيود المتزايدة التي تفرضها هي على نفسها، وتلك التي تفرضها عليها القوى الخارجية، دولا كانت ام منظمات أم شركات أو سلطات مفروضة بالإكراه. وما يحرك أبناءها ويقودهم هي غريزة الخوف التي ينميها الشعور بالغربة في العالم وعنه، والجهل بأسرار قوته وبأسه، ونزع إرادتهم منهم وارتهانهم لعوامل خارجية طبيعية أو سياسية لا يملكون إزاءها أي وسيلة غير الدعاء والرجاء. فهي مجتمعات تجمع بين البؤس والظلم والخوف والحزن في الوقت نفسه.

والخلاصة، لا يمكن أن تستمر الامور طويلا وتستقر مع الابقاء على نظام احتكار السلطة وتسيير المجتمعات بالأوامر العسكرية أو البيرقراطية، وإخضاع حياتها ومصالحها وتطلعاتها للأجندة الامنية الخاصة بالنظم والحكومات. ولا يمكن أن تستقيم أيضا مع الاحتفاظ بنظام اقتصادي يقوم على تقديم مصالح رجال المال والأعمال وتكريس سيطرتهم وحظوتهم، وتعميم رأسمالية المضاربة والربح السريع ومراكمة الثروات للثروات. فهذا يتعارض مع حاجات التنمية المنتجة وتكوين فرص العمل وإرضاء الحاجات الأساسية للسكان. وأخيرا لا يمكن أن تعيش المجتمعات العربية وتتطور مع استمرار سيطرة مناخ الحظر الفكري القاسي، والشحن الديني والطائفي الدائم، وتسويد ثقافة الاستهلاك والتجويف الفكري والوجداني للعقل والفؤاد. ولا من باب أولى مع بقاء سيف التهديدات المسلط والحروب والاعتداءات على الامن العربي والوطني والإنساني من دون جواب