ما هكذا تورد الإبل يا سعد

2001-11-10:: الاتحاد

ترجمة :

 

قلت في مقال سابق إن ما يثير استغراب الدبلوماسية العربية والمراقبين السياسيين معا فيما يتعلق بتطور طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة والدول العربية هو ما يبدو وكأنه رغبة واضحة لدى بعض الأوساط النافذة في واشنطن في توتير هذه العلاقات والضغط المتزايد على الدول العربية بالرغم من أن هذه الدول لم تكن أقرب إلى واشنطن مما هي عليه الآن بعد زوال الحرب الباردة وتراجع أفكار التنمية المستقلة والقومية العربية نفسها وزيادة المراهنة على الدعم الأمريكي في كل المجالات, وبشكل خاص في فلسطين. ومن غير ذلك كيف يمكن للحكومة الأمريكية, بل لأي حكومة تدرك معنى القانون أن تسمح بالتدمير المنهجي والدائم لحياة شعب كامل في فلسطين, بل من دون أن تراعي الحد الأدنى من احترام الرأي العام العربي ومراعاة حساسية الدول والحكومات تجاه مثل هذا الاعتداء المستمر والفاضح على القانون الدولي. وكيف يمكن أن يطلب من الدول العربية أن تقوم هي نفسها بتقليص سيادتها الوطنية وتطبيق سياسات مفروضة عليها وليست مقتنعة بها.
لا أعتقد أن لهذا الموقف علاقة بأي شعور عدائي محتمل في الإدارة الأمريكية تجاه الأنظمة العربية ولا بأي خوف أمريكي محتمل من مخاطر أو تهديدات صادرة عن هذه النظم على الأمن الأمريكي ولا بأي سوء تفاهم ممكن نابع من تأويلات مخالفة للحقيقة. إنه ناجم في نظري, بالعكس من ذلك, عن اعتقاد الأمريكيين بوحدة الحال معها وما تخولها هذه الوحدة من أن تنتظر منها المزيد في حربها التي ترى فيها, من وراء الواجهة الشكلية التي تسميها حرب الإرهاب الدولي, معركة القرن الواحد والعشرين, أو معركتها للقرن الواحد والعشرين لتأكيد تفوقها العالمي وتكريس قيادتها الدولية ودوامها.
ولا شك أن الولايات المتحدة التي لم تكن ترى في الشرق الأوسط عند انهيار مفاوضات كامب ديفيد الإسرائيلية الفلسطينية في آخر عهد الرئيس كلينتون سوى منطقة قلاقل صديقة تثير قلقها وتؤرقها لكنها تستحق الدعم أصبحت, بعد أحداث سبتمبر, ترى فيها مصدر شر رهيب يهدد استقرارها بل وجودها ووجود إسرائيل التي تعتبر جزءا منها. وهي تنتظر من النظم العربية التي لا تشك بصداقتها الوثيقة أن تعمل معها في تعاون وثيق لإخماد هذا البركان الصغير الذي يثير المشكلات في معسكر الصديق ويمنعها من التفرغ لما هو أهم وأعظم, أي مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين الجيوستراتيجية والتي ستقرر مصير العالم بين الكتل الرئيسية. وفي نظر القيادة الأمريكية الجديدة المهمومة بالسيطرة العالمية والتفوق الدولي, لا تعمل الدول العربية في رفضها القبول بتسويات مؤقتة مع إسرائيل واستمرارها في دعم مطالب الشعب الفلسطيني وعدم مشاركتها التلقائية في الحرب ضد الإرهاب العالمي, وفي مقدمتها اليوم إسقاط النظام العراقي, سوى التشويش على الولايات المتحدة وحلفائها الاستراتيجيين الإقليميين من الإسرائيليين ووضع العصي في عجلاتهم.
وربما مما زاد من غضب الولايات المتحدة على الدول العربية في السنة الأخيرة ليس فتور العلاقات ولا غياب الصداقة التقليدية ولكن بالعكس من ذلك تنامي هذه الصداقة واتساع دائرتها. فقد كانت واشنطن ولا تزال تعتقد أن هذه الصداقة أو ما يبدو كأنه كذلك من الطرف العربي على الأقل وأن الروابط القوية التي تجمعها مع المنطقة تسمح لها بالمراهنة مرة جديدة, كما كان الحال في السابق, على كرم العرب وتعاونهم وثقتهم التي لا تضعف من أجل تسهيل الأمور على واشنطن وتحريرها من المشكلات الإقليمية الصغيرة حتى تتفرغ لمعركتها أو ما تعتقد أنه معركتها الجيوستراتيجية الكبرى. وكان هذا يعني بالنسبة لها أن يظهر العالم العربي تفهما أكبر للمطالب الأمريكية, حتى اللاعقلانية منها. فبينما كان الأمريكيون ينتظرون من العرب التوقيع على بياض على كل مطالبهم والتسليم لهم بالقيادة والقرار في منطقة المشكلات والاضطرابات الحساسة وبالتالي التطبيق الآلي لتوصياتهم ونصائحهم خرج العالم العربي الرسمي والشعبي عليهم بمواقف مختلفة ومترددة سواء فيما تعلق بملف الهجوم المؤبد على العراق أو القبول بتسوية مؤقتة وجزئية للقضية الفلسطينية تبرد الجو وتريح حكومة إسرائيل الحليفة والتي لا يمكن الضغط عليها أو أخيرا بإغلاق مكاتب المنظمات والجمعيات الخيرية الإسلامية والفلسطينية أو الداعمة لفلسطين.
يبدو أن ما ينتظره الأمريكيون من العرب هو التنفيذ التلقائي لما يطلبونه منهم ويطالبونهم به لا من حيث هم خصوم أو أنداد ولكن بوصفهم أصدقاءهم المقربين. وعندما لا يفعل العرب ذلك فإن واشنطن تشعر بنوع من نكران الجميل بل والعصيان.
لكن ليس هذا هو تقويم الحكومات العربية للأوضاع الإقليمية بالتأكيد. وبالإضافة إلى ذلك تعتقد الكثير من هذه الحكومات أن علاقتها مع الولايات المتحدة ليست علاقة أحادية ولكنها علاقة مصالح متبادلة. فالعالم العربي هو المصدر الرئيسي للطاقة، والعالم العربي وضع نفسه جميعا في صف الولايات المتحدة التي تشكل شريكه الرئيسي من حيث التعاملات المالية ومقتنيات الأسلحة والتدريبات والتنسيقات الأمنية والعسكرية. وقد شارك العرب في الحرب ضد العراق التي كلفتهم استراتيجيا وماليا غاليا جدا ولا تزال.
من هنا لا يعتقد العرب أن ثمن الدعم السياسي أو الحماية الأمريكية هو التخلي عن مظاهر السيادة الوطنية. وتشعر الحكومات أن ما تطلب الولايات المتحدة منها تنفيذه بصورة تلقائية ومن دون نقاش ليس أمرا بسيطا ولكنه شيء خطير خاصة فيما يتعلق بالموقف من المسألة الفلسطينية التي هي مسألة قومية ودينية معا بالنسبة للعرب, وبالمسألة العراقية وبمسألة الهيئات والجمعيات والتيارات الإسلامية التي تغطي شرائح عريضة وأساسية من الطبقات الوسطى في معظم بقاع العالم العربي.
ربما كانت الولايات المتحدة تعتقد أن الحكومات العربية تبالغ في تقدير المخاطر التي تتعرض لها في الداخل. وهي توحي للعرب بأن عليهم أن يعملوا وهي قادرة على حمايتهم. وربما اعتقدت أيضا أن إبراز الحكومات العربية معارضة الرأي العام العربي للسياسات المطلوبة ليس إلا ذريعة للتهرب من مسؤولياتها كصديق وحليف وثيق. وأن هذه الحكومات لا يمكن أن تتذرع بمثل هذه المعارضة عندما يتعلق الأمر بمصالح أمريكية استراتيجية بينما لا يبدو عليها أنها تولي مثل هذه المعارضة درجة كبيرة من الاهتمام عندما يتعلق الأمر بمصالح أخرى.
الواقع أن مشكلة العلاقات العربية الأمريكية تكمن في اعتقاد واشنطن أن العرب أتباع لها في المنطقة، وأنهم بحاجة إليها لوضع حد لتسلط إسرائيل وعنجهيتها.
ولا شك أنه كان للنفوذ الصهيوني القوي في الإعلام الأمريكي باع طويل في تكوين هذه الصورة وفي دفع النخبة الأمريكية إلى هذا التفكير. بيد أن قسطا كبيرا من المسؤولية يقع أساسا على العرب لأنهم وضعوا بيضهم جميعه في سلة الولايات المتحدة, خاصة فيما يتعلق بتأمين القوة الذاتية القادرة على ردع إسرائيل.
واليوم ليس أمام العرب إلا طريق واحدة هي تصحيح العلاقة الخاطئة مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى. وربما كانت هذه هي الفرصة المناسبة لذلك. وتصحيح العلاقة يعني استمرار العرب في الوقوف صامدين أمام الضغوط الأمريكية وعدم التراجع عن المواقف الصحيحة, والصبر من دون استفزاز, والقبول بدفع الثمن اللازم لذلك. فصمود العرب في هذه المباراة السياسية الاستراتيجية هو الذي سيفرض على الرأي الدولي الرسمي أن يعيد النظر في الصورة التي صاغها عنهم وبالتالي أن يغير أسلوب التعامل معهم.

ولا يمكن للعرب أن يخسروا في صمودهم في الدفاع عن مواقفهم الصائبة والمنطقية والعادلة معا أكثر مما سيخسرونه في القبول بما يفرض عليهم من حلول في فلسطين وغيرها من الملفات العربية. والنجاح في هذا الصمود حتمي في نظري إذا نجح العرب في تحقيق شرطين في متناول يدهم جميعا: التفاهم الجماعي أو على الأقل بين الدول العربية الرئيسية المعنية, وهو ليس مستحيلا, والعودة من جديد إلى الرأي العام في كل قطر عربي وإيلائه الثقة التي يستحقها. فهذا هو مصدر الحماية الوحيد اليوم للدول العربية في فترة لم يعد فيها أي مبرر للخوف بعد أن فقدت الثورات والانقلابات العسكرية أي معنى أو جاذبية. ومن دون ذلك سوف تربح واشنطن في الحالتين فتمزق العرب وتخضعهم لمشيئتها، وستلعب هي نفسها وبصورة أكثر براعة ورقة الديمقراطية ضد الجميع. وهذا هو ما بدأت به عند تخصيصها مبلغ مليار دولار أمريكي لما أسمته تشجيع الديمقراطية في المنطقة, وربما من وراء ذلك لتفكيك المجتمعات وزرع الفتن الطائفية والأقوامية داخل المجتمعات العربية. ويعكس هذا القرار, أكثر من أي قرار آخر أو تهديد في الكونجرس وغيره, تصميم بعض الأوساط المتنفذة في واشنطن على مواصلة الضغط على الدول العربية التي تعتبر ربما أن الوقت حان لزعزعة استقرارها وفرض التراجع عليها. الكرة في ملعب الحكومات العربية وهي وحدها المسؤولة عن تقرير مصيرها. ولا ينبغي أن يكون لديها أي خوف في الداخل ولا شك في تأييد الموقف الشعبي لمثل هذا الصمود والتفافه حولها. فلم يعد هناك في العالم العربي من لا يزال يطلب المستحيل أو يحلم بما يتجاوز ثنائية الخبز وقليل من الكرامة.