ما الذي يمنع الغربيين من فهم العرب والمسلمين

2000-04-15:: الاتحاد

ترجمة :

 قلت في مقال سابق أن النظرة الغربية الراهنة التي تلحق الأوضاع الاجتماعية والاسلامية عموما بالدين ولاتستطيع أن تجد للمشاكل المطروحة على هذه المجتمعات تفسيرات أخرى من خارجه لاتعبر عن أي موقف علمي أو موضوعي ولا يمكن الا أن تقود العلوم الاجتماعية الى طريق مسدود ومعها المجتمعات التي تهتدي بهديها . صحيح أن الدين يستطيع من خلال جذوة الايمان التي تفجرها الرسالة والفلسفة الدينية أن يشعل ضمائر البشر ويدفع بالمجتمع نحو آفاق لم يكن بوسعها طرقها من دونه . بيد أن الرسالة لاتنبت في فراغ وإنما تنشأ وتترعرع وتتطور في حضن ثقافة ومجتمع لديه موارد وله أنماط تنظيم ومؤسسات وموقع وجواروغير ذلك . ولاتتقدم الرسالة إلا بقدر ما تتكيف مع هذه الشروط وتتفاعل معها ، إن الدين في الميدان الاجتماعي ، وأنا هنا مع ابن قيم الجوزية ، مصلح لا منشئ ، بعكس ميدان العبادات الذي هو إنشاء من العدم ، فاللغة والثقافة والأسرة والقبيلة والادارة والدولة والزراعة والصناعة والتجارة والتقنية وغير ذلك لايأتي به أي دين . ولكنه قائم قبله وهو من صنع الانسان تلبية لحاجاته الاجتماعية ، وما تضيفه الرسالة الدينية للمجتمعات عندما تنجح في التوطن فيها هو قبس معنوي قوي نسميه الإيمان . وهو مزيج من الأمل والتفاؤل والثقة والسكينة ، يساعد على شحذ الارادة ويقوي الهمة والعزيمة ويسدد الخطى ويدفع الشعوب والجماعات الى ارتقاء معارج الجهد والجهاد ويوصلها الى مراتب لم تكن تحلم بها من قبل .
فالمسلم مسلم بالايمان ولكنه لايستمد جميع معارفه من الدين ، وفي أي مجتمع عربي ، مهما كانت درجة تأخره ، لايبلغ ما يتعلمه الطفل في المدرسة من معارف دينية خمسة بالمئة مما يتلقنه في الميادين العلمية والأدبية والفنية . وليس من الممكن أن لايكون لجميع هذه المعارف أي تأثير على وعيه ولا أي دور في تكوين عقله ، ونستطيع أن نقول الأمر نفسه عما يتلقاه المسلم اليوم عبر وسائل الاعلام وما يتعلمه من بيئته . وبالمثل ، لايلغي الإيمان بالدين ، أي دين ،حاجات الانسان المادية والمعنوية ولايمنعه من التعبير عن مطامحه وآماله واحساساته ، ولم تغادر المجتمعات التي تبعث هذا الدين أو ذاك مظاهر الصراع بين الناس على الموارد ولا التمايز بين الفقراء والأغنياء ولا الحروب الأهلية والخارجية . ولم يمنع الايمان بالدين الواحد المسلمين من الصدام في يوم الفتنة ، ولا جنبهم الفتنة ، فالدين قد يؤثر بعمق في تحويل اتجاه المجتمعات لكنه لايلغي ولايمكن أن يلغي قوانين الحياة البيولوجية والاجتماعية والسياسية .
لكن اذا لم يكن الاسلام هو المسؤول عن التردي الذي تعرفه بالفعل المجتمعات العربية والاسلامية فمن هو المسؤول عن ذلك – جوابي أن المسؤول عن كل ما نعيشه من مآس هو نحن أنفسنا ولا أحد غيرنا . وأساس هذه المسؤولية كامن في طبيعة النظم السياسية والاجتماعية التي أقمناها وهشاشة الدفاعات الاستراتيجية التي واجهنا بها الطامعين بالسيطرة علينا ونوعية المناهج العلمية والتربوية التي فرضناها على أطفالنا وحالة الانهيار الأخلاقي التي وصلنا اليها بسبب تساهلنا مع أنفسنا وقبولنا بأن تكون قاعدة التعامل فيما بيننا مبنية على الغش والأنانية والبحث عن المصلحة الفردية من دون التفكير بأي مصلحة عامة أو بأي تكافل اجتماعي . وهذا ما ينبغي لنا أن نعرفه وأن نبحث فيه اذا كانت لدينا ارادة حقيقية للخروج من الوضع الذي نعيش فيه ، أما مناهج البحث التي توجهنا نحو البحث في نصوصنا التاريخية عن مفاتيح أوضاعنا المحلية والراهنة ، فهي لاتمت للعلم بصلة ،ولكنها تعكس فشل الباحثين الغربيين في تجاوز جوهر المواقف الاستشراقية التقليدية بالرغم مما تعرضت له مناهج هذا الفن من انهيار في محاولة تكييف غايات الاستشراق التقليدي وأهدافه مع الأوضاع الجديدة . فقد كان النقد الأساسي الذي وجهه الباحثون ومعظمهم من العرب للاستشراق أنه يعتمد مقولات ومواقف تعميمية تضفي على الموضوع المدروس، وهو العرب أوالمسلمون ، طابعا ماهويا أو جوهرانيا يقوم خارج التاريخ وخارج التعيينات الخاصة ، انه البحث عن ، أو في ، جوهر ثابت هو الاسلام أو العروبة أو الشرق .

وقد تجاوز المستشرقون الجدد هذا الاطار اللاتاريخي والفقهي لدراسة المجتمعات الشرقية وصار قسم كبير منهم يدرس حاضر المجتمعات العربية ومشاكلها الراهنة ، لكن بدل أن يعيش هذه المشاكل ويعاين بالفعل تطور المجتمعات لايزال ينظر اليها من منظار الاعتقاد الديني الثابت والراكد الذي يشكل في نظره نوعا من المعيار الذهبي لجميع قيمها وعاداتها وتقاليدها . فبينما كان الاستشراق القديم يستخدم النصوص القديمة الدينية وغير الدينية ليطمس مشاكل المجتمعات العربية والاسلامية والشرقية الحاضرة ويغطي عليها ، فان الاستشراق الجديد يعيد انتاج الماهية العربية أو الاسلامية الثابتة ولكن هذه المرة من خلال طرح مشاكل المجتمعات العربية والاسلامية المعاصرة .
وليس السبب في هذا العجز عن تجاوز الآفاق المعرفية التي حددها الاستشراق التقليدي خصوصية المجتمعات والثقافة العربية ولا نقص المعرفة الحقيقية بهذه المجتمعات ، ولكن استمرار ارتباط المعرفة المصنوعة حول هذه المجتمعات بالشروط ذاتها التي كانت تحكم تكوينها في القرن الماضي بأكمله ، وهي شروط اخضاعها لنوع من المعرفة التي تمكن من السيطرة عليها وتبرر هذه السيطرة . ان الخطاب العلمي الغربي حول المجتمعات العربية والاسلامية لايزال محكوما بجدول أعمال يضع في أولوياته بناء استراتيجية التحكم بالآخر لا تحقيق معرفة موضوعية به ، بكل ما يقتضيه خطاب التحكم هذا من انتقاص من قيمة الديناميات الداخلية وتقليل من أهمية التحولات التاريخية .
لايعني ذلك أن كل ما يخرج من هذه الأبحاث والندوات مشكوك في صحته أو أنه مخالف كليا للحقيقة ، فعكس الأولويات لايعني الغاء الحقائق ولكن تكييف الوعي عند النخب المحلية والعالمية ، فيما يتعلق بالمجتمعات العربية والاسلامية . بما يمنعها من رؤية الواقع الفعلي والأسباب الفعلية للأوضاع السلبية القائمة ، وبالتالي دفعها الى العمل على أساس جدول أعمال المجتمعات الغربية ، وأولوياتها ، ومن هنا تحقيق السيطرة على المجتمعات العربية والتحكم بالقرار فيها . وبالتالي جعلها تدور في حلقة مفرغة في كل ما يتعلق بالفهم الموضوعي للمسائل التي يفترض منها أن تواجهها .
والواقع أن المنهج الذي لايطرح مسألة تحرر المرأة الا في مواجهة الاسلام لايهدف الى خدمة قضية المرأة ولايهمه مصيرها ولكنه يسعى الى تشويه صورة الاسلام وضربه . ويقال الأمر نفسه فيما يتعلق بذاك المنهج الذي لايرى صوابا في طرح مسألة الديموقراطية أو التنمية في المجتمعات العربية من خارج النص الديني . فهو لايهدف الى تعزيز فرص الديموقراطية ولا تعظيم احتمالات الخروج من التخلف بقدر ما يريد اظهار نقص الاسلام أو القصور الذي يميزه .
ولازلت أعتقد أن تشويه الاسلام وتدمير مايمثله من رأسمال رمزي ومعنوي بالنسبة للمجتمعات العربية والاسلامية يشكل أحد الأهداف الاستراتيجية لكل ارادة هيمنة أجنبية وغربية بصورة خاصة . وليس الدافع لذلك الخوف من الاسلام والسعي الى اتقاء مخاطر الحركات الاسلامية كما يعتقد أنصار هذه الحركات ، ولكن القضاء على ما يمثل في نظري خميرة المقاومة الوحيدة للاستلاب والتبعية ، وبالتالي أحد منابع روح الاستقلال والسيادة والندية التي تحتاج اليها الشعوب من أجل بعث العزيمة فيها والنهوض بأوضاعها وعدم الاستسلام والتسليم بالمقادير التاريخية . فاذا أمكن تبديد هذا الرأسمال المعنوي الكبير لم يعد هناك أي حاجز نفسي ومعنوي وثقافي حقيقي يمنع من تسليم المجتمعات العربية والاسلامية نفسها للاستلاب والتبعية والاستقالة التاريخية الجماعية .
بالتأكيد تستمد الحركات الاسلامية قوة نفوذها في الوقت الراهن من احساس المجتمعات العربية العميق والدفين بهذه القضية ، وشعورها أن الاسلام هو الحصن الأخير الذي بقي لها بعد أن انهارت حصونها الأخرى . وفي مقدمها الثقافة المدنية الحديثة ، في شقها التقدمي نتيجة لما بدر من الأنظمة والعقائد التقدمية من ممارسات لاانسانية وما وصلت اليه من اخفاق مدو في تحقيق انعتاق المجتمعات من الأسر الداخلي والخارجي . وفي شقها الليبرالي بقدر ما تحولت الليبيرالية في هذه المجتمعات الى إمعة سوقية وتجارية لاهدف لها ولاغاية سوى تبرير الالتحاق بالدائرة الغربية وفتح أسواق التجارة الكمبرادورية ، بعيدا عن أي قيمة انسانية أو اجتماعية تحررية .
بيد أن رد الفعل المبالغ فيه على التخفيض من قيمة الاسلام والذي يدفع الاسلاميين أو من يسمون أنفسهم كذلك الى تحويل الاسلام من خميرة روحية عامة وجامعة الى حل لجميع المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ، باستثناء الروحية ، وادخاله في كل صغيرة وكبيرة من حياة النظم والمؤسسات والممارسات الانسانية ينتهي بالاسلام الى النتيجة نفسها ، فبقدر ما يعرضونه كحل شامل مختلف في كل شيئ ان لم نقل بديلا للحداثة والحلول التي تطرحها للمشاكل الاجتماعية يخلطونه بمسائل الصراع اليومي على السلطة ، ويدمرون أسس نشاطه الروحية . انهم يلعبون في الواقع من دون أن يدروا ، بل مع الاعتقاد بأنهم يتبعون استراتيجية مناقضة تماما للاستراتيجية الغربية ، لعبة الغربيين ويصبون الماء في طاحونتهم ، وهم يصورون الاسلام بالضبط كما يطلبه هؤلاء ، أي كنظام كامل وشامل في نظر المسلمين يحبس على هؤلاء أنفاسهم ولايسمح لهم بالخروج من الشروح النصية نحو استخدام العقل والممارسة العلمية . ولهذا فان الغربيين ولعون اليوم بدعوة زعماء الحركات الاسلامية للمشاركة في كل النقاشات السياسية والاجتماعية المتعلقة بالمجتمعات العربية ، والواقع أن تصور الاسلام الشمولي واحد لدى الفريقين بيد أن الأول يتصوره علة كل الأمراض الاجتماعية والثاني دواء لجميع العلل العربية والاسلامية .
فطبيعة النظرة واحدة استيهامية سحرية ولاعقلانية . ان تصوير الاسلام على أنه السبب الرئيسي في انحطاط المجتمعات العربية والاسلامية وفي بعدها عن الحداثة يلتقي تماما مع تصويره بأنه البديل التاريخي العربي والشامل للحداثة الغربية . ففي الحالتين يضيع الاسلام من حيث هو اعتقاد ديني وبعد روحي أساسي أولا وبالدرجة الأولى ويتحول الى قشور من النظريات أو بالأحرى شبه النظريات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية . ويستخدم في الواقع كذريعة لتبرير سياسات واستراتيجيات سلطوية اجتماعية أو دولية ليس لها علاقة بالدين . والحال أن النظريات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية متوفرة بكثرة لأنها من صنع العقل والتاريخ . أما الموارد الروحية المرتبطة برسالة دينية فهي مما لايمكن تكراره ولااعادة انتاجه حسب الطلب .
بالتأكيد لايعني هذا أن الدين لايلعب دورا سلبيا أو ايجابيا في الحياةالاجتماعية ولايدخل في تكوين النظم المجتمعية وبناء السلوك والممارسات الفردية ، لكنه ليس البعد الوحيد ولا بالضرورة الرئيسي ، كما أن طبيعة هذا الدور ليست ثابتة ولاتلقائية ، ولكنها مرتبطة بالظروف الاجتماعية والتاريخية وتعتمد اعتمادا كبيرا على طبيعة التأويلات والتفسيرات التي تسود في المجتمعات في هذه الحقبة أو تلك . إن الخطأ ليس في أخذ العامل الديني في الاعتبار عند البحث في مشاكل المجتمعات العربية والاسلامية ، خاصة في الوقت الراهن الذي تسود فيه كما لم يحصل من قبل لغة الخطاب الديني ومظاهره الشمولية ، ولكن في جعله العامل الثابت والمطلق والمؤثر في جميع ما عداه وغير المتأثر بأي عامل آخر .
والحال أن المكسب الرئيسي للعلوم الاجتماعية قائم في تعليمنا أنه لاتوجد ظاهرة في المجتمع يمكن فهمها خارج شروطها الاجتماعية . والاسلام الذي نتحدث عنه اليوم والذي تمثله الحركات الاسلامية من جهة وجمعيات العلماء التقليدية المحافظة من جهة ثانية وقطاع الرأي العام المتعبد بعيدا عن كل تأويل سياسي أو فقهي من جهة ثالثة ، أقول أن هذا الاسلام والتصورات التي نصنعها عنه والأفكار التي نحوكها،عن مضمون رسالته وجوهره ليست الا انعكاسا لحاجاتنا وآمالنا ومخاوفنا واستعداداتنا نحن ، جيل القرن العشرين والواحد والعشرين ، ولاعلاقة كبيرة لها بما كان يؤمن به من تفسيرات وتصورات ومذاهب الجيل الاسلامي الأول بل الجيل الذي سبقنا مباشرة . ان اسلامنا أعني فهمنا له هو من صنعنا نحن ، لامن صنع أجدادنا ولا أولادنا . فبحسب ما تكون ذخيرتنا الثقافية ومتطلباتنا الروحية والعقلية تكون قرائتنا للنصوص الدينية ، ولاتوجد قراءة لا اليوم ولا البارحة ولا في المستقبل مستقلة تماما عن هذه الذخيرة وشروط وجودنا الاجتماعية . وهذا يعني أن تبدل التأويلات الفقهية وتغير الأفكار ومناهج الفهم الدينية عبر العصور وبين المجتمعات هي التي تحتاج الى التفسير والتعليل أكثر مما تشكل هي ذاتها مصدرا لتعليل التحولات الاجتماعية وتفسير المعاني ودلالات الأفعال البشرية .