ليس بالضرب والاعتقال يحمى الاستقرار

2002-04:: الجزيرة نت

ترجمة :

فجرت مقاومة الشعب الفلسطيني الباسلة في الاراضي المحتلة حركة تضامن واسع في العالم العربي كما هو الحال في جميع بلاد العالم الأخرى بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها التي تدعم صراحة وعلانية اسرائيل. وفي جميع هذه البلدان ترافق الشرطة وقوات الأمن التظاهرات المؤيدة للقضية الفلسطينية بصورة وديه وقانونية كما هو الحال في كل نوع من التظاهرات التي تجري بانتظام, حماية لها من احتمال التعرض لهجومات خصومها من الاحزاب او التجمعات الصهيونية المتطرفة التي اعتادت الاعتداء على كل من لا يشاطرها الرأي وتحسبا من احتمال بروز مجموعات من داخل التظاهرة تسعى الى استغلال المسيرة للمساس بالأمن او الممتلكات العامة والخاصة.

وفي جميع بلدان العالم سارت الاحزاب والتجمعات السياسية في تظاهرات ضمت عشرات الألوف في شوارع المدن الاوروبية والاسيوية والامريكية اللاتينية ولم يتعرض أي من المشاركين فيها الى الضرب بالهراوات او الى الاعتقال, ولم تنقل الصحف عن أي حوادث خطيرة نجمت عن هذه المسيرات. بيد ان الذي يتابع ما يجري في العواصم العربية يندهش لمرأى رجال الأمن وجاهزيتهم وسرعة استعدادهم لا ستخدام السلاح أو وضع أصابعهم على الزناد. فمنذ بداية حركة الاحتجاج والاعتصام والتظاهر لفلسطين لا تكف الانباء القادمة من العواصم العربية عن الحديث عن الصدامات العنيفة بين رجال الامن والمواطنين المتظاهرين في الشوارع العربية  لدعم الصمود الفلسطيني او للتعبير عن الاحتجاج والاستنكار لسياسات الدول التي تؤيد اسرائيل وترفض ان تتحمل مسؤولياتها في لجم حكومة شارون العنصرية ومنعها من استكمال مخططاتها الاجرامية. وقد لجأت قوات الأمن في مرات عديدة الى إطلاق الرصاص الى جانب استخدام القنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين. وصار من المعروف أن هناك عشرات المعتقلين اليوم ومئات الجرحى القابعين في المستشفيات العربية نتيجة تدخل قوات الامن بصورة غير سليمة وغير مفهومة معا.

لا أدري كيف يمكن تفسير هذا السلوك الخاطيء من قبل سلطات الامن العربية وما هي مصادر الخوف من حركة تضمان مع الشعب العربي الفلسطيني الذي يتعرض لمحنة تاريخية ومن مسيرة احتجاج على حكومات اسرائيلية وامريكية لا تزال تردد منذ اشهر, وبصرف النظر عن كل ما يجري على الارض, اطروحات مرفوضة عن مسؤولية الفلسطينيين في انهيار عملية السلام وعنفهم النابع من ثقافة التعصب والانتحار ولا تجد كلمة واحدة سلبية تصف فيها سلوك زعيم اسرائيلي حملته محكمة بلاده نفسها مسؤولية كبيرة في المجازر الجماعية الوحشية التي حدثت من قبل سنوات في مخيمات صبرا وشاتيلا في لبنان.

أعرف كما يعرف الكثيرون بالتأكيد أن جزءا من حركة الاحتجاج موجه ايضا الى الحكومات العربية التي يتهمها الرأي العام عموما بالتقاعس في مد يد العون الى المقاومة الفلسطينية. لكن هذا هو الحال ايضا بخصوص التظاهرات التي تجري في البلاد الاخرى غير العربية. فالجمهور الغاضب والمتعاطف مع الفلسطينيين يتظاهر اساسا ليحتج على عطالة حكوماته وعدم اتخاذها المبادرات التي يعتقد انها في وسعها لتخفيف الظلم عن الفلسطينيين. لكن هذه الحكومات لا تشعر مع ذلك بأن مثل هذا الاحتجاج وهذا النقد المضمر واحيانا المكشوف لسياساتها يمكن ان يشكل مصدر خطر كبير عليها او على الامن المدني.

وأعرف ايضا بالتأكيد ان هناك خوفا دائما عند جميع قوات الامن في العالم من ان تتجاوز التظاهرات حدود التظاهر السلمي أو ان تنزع الى التعرض لبعض الممتلكات او السفارات الاجنبية وهنا الامريكية بشكل خاص, لأن مثل هذا الانزلاق يمكن ان يحرج الانظمة والحكومات. لكن ليس من المؤكد ان ضرب الافراد المتظاهرين وتكسير الهروات على رؤوسهم هي الوسيلة المثلى لحماية السفارات الاجنبية ولا للدفاع عن الممتلكات الخاصة أو الرسمية.

 وأعرف أيضا ان هناك قلقا عميقا يسكن العديد من الحكومات من ان تنتقل عدوى التضامن مع شعب فلسطين الى داخل البلاد نفسها أو أن تستغل التظاهرات الشعبية الواسعة المكرسة لفلسطين من قبل احزاب المعارضة أو من قبل الناشطين السياسيين وأن تنحرف بالتالي عن اهدافها الاصلية. لكن نزوع المعارضات الى استغلال مثل هذه الاحداث الوطنية للتذكير بوجودها أو للتعبير عن مواقفها هو من الامور العادية التي تشكل قاعدة عامة وتنطبق على جميع البلدان والمجتمعات. فالتظاهرات الوطنية هي المناسبة الطبيعية كيما تعبيء المعارضة التي تعاني دائما من الشعور بالتهميش والتي تعيش على هامش السلطة او خارجها جمهورها وكيما تتحقق من قوة نفوذها وتضمن اعادة انتاج نفسها. ويزداد الميل الى استغلال المناسبات الوطنية للتذكير بالوجود بقدر ما تفتقر المعارضات العربية الى مناسبات شرعية وقانونية لممارسة حقوقها وتأكيد فاعليتها ووجودها. ومن الافضل للحاكم العربي ان تنفس المعارضات القائمة عن احباطها من خلال المناسبات الوطنية وفي اطار الدفاع عن القضايا المشتركة والاجماعية من أن تعيش في مناخ القطيعة المستمرة والعداء المستحكم. ولا أدري لماذا يشكل تذكير المعارضات بوجودها وتأكيدها لحضورها تهديدا خطيرا للنظم السياسية وللاستقرار حتى لو كانت هذه النظم ديكتاتورية او تسلطية, بل خاصة وأنها كذلك.

إن خوف قوى الامن الزائد من المتظاهرين العرب لفلسطين غير مبرر وغير ناجع على الاطلاق بل ربما كان الطريق الاسرع لتفجير الصراعات الكامنة بين الانظمة والرأي العام الذي يشعر بالاحباط والمهانة لعدم قدرته على تقديم يد العون القوية لأخوة له يواجهون اعتى جيوش القهر الموجودة في العالم اليوم من دون حماية ولا مساعدة.  ومن المؤكد ان قمع الجمهور في مثل هذه الحالات وهذه الظروف الاستثنائية يعرض الامن والاستقرار للخطر اكثر بكثير مما لو رافقت قوات الامن بروح ودية ووطنية التظاهرات الشعبية وعبرت عن ثقتها بالمواطن وبروح المسؤولية الوطنية عنده. وبالمقابل لا يمكن لمواجهة هذا الجمهور الغاضب بالهراوات والرصاص والضرب الا أن يزيد من قوة المعارضة وعدائها وأن يضع السلطات التي تلجأ إلى وسائل القمع والاعتقال والحجز للناشطين المناصرين للفلسطينيين في صف الضالعين مع القوى الاسرائيلية والامريكية. وهو ما أصبح شبه بديهة على لسان اجهزة او بعض اجهزة الاعلام العربية التي لا تكف عن اتهام الانظمة العربية والتشكيك بقدراتها وصدقيتها ليل نهار.

فاذا استمرت الامور على هذا الحال فالذي سيحصل هو بالضبط ما تخشاه الانظمة وقوات الامن, أي تداخل مشاعر النقمة الوطنية على اسرائيل والولايات المتحدة مع عوامل النقمة على الاوضاع والنظم السياسية فندخل في حالة شبيهة تماما بتلك التي عرفتها البلاد العربية او معظمها بعد نكبة عام 1948.

لا يخدم ضرب المتظاهرين واعتقالهم وقتل بعضهم الاستقرار الذي تبحث عنه النظم العربية في هذه الفترات العصيبة ولا يوفر على الحكومات الجهد الضروري لتحسين مستوى ادائها في مواجهة قضية المقاومة والحرب الدائرة في فلسطين. إنه  يأتي ليرسخ الاعتقاد السلبي السائد من ان الانظمة ليست معنية كثيرا بالكفاح الفلسطيني او انها تخاف من الانتصار. وهذا يعني ان المخاطر التي تخشى منها الحكومات تصبح اكثر احتمالا مع تزايد اللجوء الى القمع لأنها تدفع الى الجمع بين الاحباط الشعبي الناجم عن التقصير والاحباط الناجم عن التقصير.

على أولئك المعنيين بشؤون المجتمعات العربية ومستقبلها أن يدركوا ان تظاهرات الشباب العرب في الجامعات والمدارس ومشاركة الجمهور الواسع الذي اختفى منذ فترة طويلة من الحياة العامة في المسيرات  يشكلان بوادر نهضة سياسية وان هذه النهضة لا تعني شيئا أخر سوى التغلب على روح السلبية التي سادت في الحقب الماضية بسبب الصراعات السياسية العنيفة التي شهدتها الساحة السياسية العربية في جميع البلدان والتي ادت في معظم الاحيان الى الانقسام والاقتتال بين الأخوة وعممت ظواهر الاعتقال والحبس من دون محاكمة والانتقام بل والاغتيالات السياسية في كثير من الحالات. ولا يعني التغلب على روح السلبية والنزوع الى الانخراط من جديد في الحياة العمومية سوى استعادة الثقة بالذات والاستعداد المتزايد لحمل المسؤولية الوطنية والقبول بالتضحيات التي تصدر عن قبول هذه المسؤولية.

من المحتمل أن يكون المحرك الاول  لهذا النهوض في الفكرة الوطنية وتنامي الشعور بالمسؤولية العمومية  نموذح التضحية الاستثنائية الذي عبر عنه ولا يزال مقاتلوا الحركة الوطنية الفلسطينية وفي مقدمهم اولئك الذين يقدمون ارواحهم رخيصة فداءا لقضية الارض والوطن والمقدسات. ومن المحتمل ايضا ان يكون وراء هذا الاندفاع الوطني الجديد شعور عميق او دفين بانفتاح آفاق جديدة للعمل والاصلاح والتغيير, افاق ليست مرتبطة بقرار سياسي ولا بموقف رسمي او غير رسمي بقدر ما هي ثمرة ظروف تجعل من غير الممكن او توحي على الاقل بأن من المستحيل أن تستمر الأوضاع التي كانت سائدة ولا تزال سائدة منذ عقود من دون تجديد.

ومهما كان مصدر هذه النهضة السياسية وحس المسؤولية فإن على الحكومات والنظم القائمة التي تريد الاصلاح او تسعى اليه ان تستفيد من هذه الروح الجديدة وان تستثمرها لتجديد نهضة البلاد لا أن تعيشها كما لو كانت كابوسا يؤرقها ولا تعرف كيف تتخلص منه.