في ضرورة تجاوز القطيعة بين أصحاب الرأي وأصحاب القرار

2003-01-13:: الوطن

ترجمة :



لمن الواضح أن الأزمتين المفتوحتين, الفلسطينية والعراقية, قد فجرتا نقاشا عاما ظل ممنوعا لحقبة طويلة داخل البلاد العربية حول العديد من المسائل الوطنية والقومية. ولعل أهم ما يظهره هذا النقاش وأخطره هو القطيعة العميقة بين أصحاب الرأي وأصحاب القرار. وتكاد المواقف والأقوال التي تعكسها حوارات ومناظرات الفضائيات العربية تشكل سيلا لا ينقطع من النقد اللاذع والتعريض الدائم بل والتحريض العلني الذي رعاه كثير من المثقفين من مفكرين وباحثين وإعلاميين, ضد الأوضاع العربية دون تمييز.
وعلى الرغم من سعي منظمي المناظرات إلى إشراك ممثلين حقيقيين أو شكليين لأصحاب السلطة والقرار في هذه النقاشات إلا أن ذلك لا يخفف من الشعور العميق بوجود مثل هذه القطيعة. وتكاد تبدو وظيفة هؤلاء الممثلين أو شبه الممثلين في هذه النقاشات وظيفة ديكورية أكثر من أي شيء آخر. ونادرا ما ينجح المدافعون عن مواقف السلطات في تغيير الشعور بأن الحكومات في واد ومثقفي ومفكري وعلماء الأمة في واد آخر.
يعكس هذا الوضع أزمة خطيرة في الحياة العمومية العربية. فهو لا يشير إلى انعدام التواصل بين النخب العربية المختلفة التي يتوقف على تفاهمها تحقيق الأهداف الرئيسية للمجتمعات وصوغ الرأي العام فحسب ولكنه يطرح أسئلة كثيرة حول أسلوب بناء هذه السياسات ذاتها. فهو يعكس إلى أي حد يؤدي عدم التواصل بين النخب الثقافية والنخب السياسية إلى تفريغ السياسة ذاتها من محتواها ويفرض على المجتمع الخضوع لسياسات قائمة على الممارسة الفردية الذاتية والذرائعية المحضة لأصحاب القرار. مما يعني أنها سياسات لا بد أن تكون بعيدة عن مشاغل الجمهور الحقيقية, تعكس الهوى الشخصي لأصحابها وتقتصر على التلمس الذاتي للأوضاع والمشاكل والحلول ولا تقوم على أسس سليمة من التأمل النظري والتفكير الموضوعي, وتفتقر بالتالي للرؤية البعيدة والشاملة.



من هو المسؤول عن ذلك؟

تأخذ السلطات على المثقفين إثارة عواطف القطاعات الشعبية من دون تقدير للتحديات المطروحة على الحكومات والدول. وتتهمهم بالمثالية والميل إلى تضخيم المشكلات النظرية على حساب الحلول العملية. وفي بلد كسوريا أطلقت أحكاماً بالسجن وصل بعضها إلى عشر سنوات على مثقفين نشطوا في مجال حقوق الإنسان وإحياء المجتمع المدني بتهمة الاعتداء على الدستور والتحريض على العصيان المسلح وإثارة النعرات الطائفية ووهن نفسية الأمة. وفي بلدان أخرى اتهم المثقفون بسبب تصديهم لقيادة بعض المسيرات المؤيدة للمقاومة الفلسطينية بإثارة الشغب والفوضى. والواقع أن التهمة الرئيسية الوحيدة وراء كل ذلك هي أن المثقفين أصبحوا في غالبيتهم في صف المعارضة وتبنوا مواقف نقدية, عنيفة ومتطرفة أحيانا, من السياسات الخارجية للدول أو من السياسات الداخلية وأصبحوا في بعض الدول الأخرى المطالبين الرئيسيين بإطلاق الحريات الأساسية واحترام حقوق الأفراد والجماعات ووقف العمل بالأنظمة الاستثنائية سواء تعلق الأمر بحالات الطوارئ المعلنة منذ عقود طويلة في عدة دول عربية أو بالمحاكم والمراسيم والإجراءات الاستثنائية التي حلت في الكثير من الأحيان محل الأوضاع القانونية الطبيعية وصارت عرفا شائعا ومقبولا أو غير مرفوض من قبل أغلب السكان الذين فقدوا مفهوم السياسة الحديثة نفسها ولم يعد يخطر ببال أحدهم أصلا المشاركة في الحياة العمومية بل إمكانية التفكير بأن لديه الحق أو القدرة على القيام بذلك.
ويخلق مثل هذا الوضع شعورا عميقا لدى النخب الحاكمة بأن الأمور مستتبة تماما لها وأن المثقفين هم المشاغبون الرئيسيون في المجتمع وأن إسكاتهم وتحييدهم, حتى لو استدعى ذلك اللجوء إلى الوسائل العنيفة من اعتقال وسجن طويل وتجريد من الحقوق المدنية والسياسية هو الوسيلة المثلى للحفاظ على الاستقرار وضمان المصالح الوطنية التي تتماهى هنا تماما مع مصالح الحفاظ على النظام والإبقاء عليه من دون تغيير مهما كانت الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والعلمية هزيلة وتافهة. فالاستقرار هو الهدف الوحيد الذي تدور من حوله السياسات العربية وتبرر من خلاله سياسات تغييب الحريات وانتهاك حقوق الأفراد وحرمتهم الشخصية وتغييب الشعوب عموما عن الحياة العمومية.
وبالمقابل يأخذ المثقفون على النخب الحاكمة ترهلها وفسادها وضعف إنجازاتها في جميع الميادين وتجاهلها للمصالح والحقوق الوطنية وتعلقها المتزايد بمصالحها الخاصة الفئوية وعجزها عن بناء استراتيجيات وطنية وقومية قادرة على الوقوف في وجه التحديات العاتية التي لا تكف المجتمعات العربية عن مواجهتها خصوصا بعد زوال الحرب الباردة وتصاعد سطوة الولايات المتحدة وسيطرتها العالمية والإقليمية. وهم يعتقدون أن استمرار الأوضاع كما هي ورفض التغيير وقبول مشاركة الشعب ونخبه المختلفة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية سوف يقود حتما إلى كارثة قومية إن لم نكن قد بدأنا نعيش بالفعل هذه الكارثة وأن شيئا لا يبرر أن تترك أمور اتخاذ القرار وبلورة السياسات العامة لنخب لم تحقق نجاحا ملحوظا في قيادة المسيرة الوطنية والقومية وفي إدارة الموارد البشرية والمادية. وهم يعتقدون أن ضمان الاستقرار لا يتحقق بكبت الحريات وبالبطش وتأبيد القوانين الاستثنائية وإنما بالإصلاح السريع والجدي الذي يعطي للشعوب فرصة تحسين أوضاعها ومشاركتها في حمل المسؤولية ويطمئنها على نفسها وعلى مستقبلها ويعزز ثقتها بقيادتها, أما الاستمرار على النهج القديم الذي أنتج الأوضاع الكارثية الحالية التي جعلت من العالم العربي آخر منطقة من حيث النمو في العالم أجمع فلن يقود إلا إلى انفجارات دموية قريبة ستدفع الشعوب ثمنا غاليا لها وربما أدت إلى القضاء على جميع المنجزات الجزئية التي تحققت في القرن الماضي. وأن الدفاع عن هذا الاستقرار يغطي في الواقع سعي النخب الحاكمة إلى الحفاظ على وضعها الراهن وامتيازاتها وليس له أي علاقة بالمصالح الوطنية أو القومية. ورفض البدء بمسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري والتربوي والعلمي منذ الآن سوف يكلف الأمة غاليا جدا وربما حكم عليها بالتهميش الدائم والخروج نهائيا من دائرة الحضارة الجديدة التقنية.