في جذور الأزمة الشرق أوسطية

2006-11-30:: الوطن

ترجمة :

حكم التعارض التاريخي والمستمر في المشرق العربي بين أجندة القوى الغربية، ومن ورائها المنظومة الدولية التي تقودها، وأهدافها الاستراتيجية، وأجندة بناء دولة وطنية بالمعنى الحقيقي للكملة على منطقة المشرق العربي بالعيش في مناخ ازمة دائمة، إقليمية ووطنية لم تفتر خلال أكثر من نصف قرن.. لكن الأسلوب الفج الذي اتسمت به في السنوات القليلة الماضية سياسة التدخل الغربي، والأمريكي منه بشكل خاص، وما تبعها من تطرف مقابل في ردود الفعل العربية على هذه السياسة، ومن تنامي الحركات الارهابية التي تستهدف المصالح الغربية، قد دفع إلى تفجير هذه الأزمة وفتحها على مصراعيها، واضعا مصير المشرق العربي بأكمله، دولا وشعوبا، في مهب الريح. ونحن نواجه اليوم في الوقت نفسه عواقب انهيار الدولة المشرقية بما تمثله من إطار لبلورة إرادة سياسية جامعة وسياسات تهدف إلى تأمين مصالح المجتمع وتجذب ولاءه وتحظى بقبوله وثقته، ونتائج تقويض النظام شبه الاستعماري الذي أقامه الغرب في المشرق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والذي أخفقت الحركة القومية العربية بعد صراع طويل في أن تزيله أو تعدل في آليات عمله. 

فبقدر ما أدى التعارض المتزايد بين أجندة إقامة نظام أمني للشرق الأوسط، يلبي حاجات الهيمنة الغربية بالدرجة الأولى، وأجندة بناء دولة تعبر عن إرادة مواطنيها وتلبي حاجاتهم المادية والمعنوية، من هوية واستقلال وخدمات اجتماعية، إلى تسويد حالة من النزاع الدائم، السياسي والثقافي، ولكن أيضا العسكري (حرب كل عشر سنوات تقريبا) سد الطريق على إمكانية بناء الدولة، كما قطع الطريق على إمكانية التواصل بصورة ايجابية مع المنظومة الغربية، ومن ورائها مع المنظومة العالمية التي يسيطر عليها الغرب.
وكما أن مشروع بناء الدولة الحديثة الذي ارتهن للاستراتيجيات الغربية فقد القدرة على التقدم والتحول إلى مشروع دولة وطنية، تطورت المقاومة القومية التي حملت القيم الوطنية الحديثة وكرستها خلال أكثر من نصف قرن نحو مقاومة إسلامية معادية للغرب وقيم الحداثة معا، بقدر ما أخفقت في مواجهة السيطرة الغربية والانتصار عليها. وكما وصلت الدولة التي عجزت، بسبب ارتهانها لإرادة أخرى غير إرادة مجتمعاتها، عن إنجاب التقدم الحضاري والحريات والحقوق والمشاركة السياسية التي تشكل جوهر عملها، فوصلت إلى طريق مسدود، وصلت المقاومة الاسلامية التي تخلت عن القيم المواطنية الوطنية، وراهنت على تعبئة العصبيات الدينية والمذهبية والطائفية والإتنية، بسبب غياب أفق بناء دولة بديلة، إلى طريق مسدود مماثل، فعممت الانقسام والتفكك الاجتماعي والسياسي، وفتحت الباب نحو عصر من الفوضى والخراب الذي عرفته من قبل أفغان طالبان ولم تخرج منه بعد.
يشترك العرب والغربيون سوية في ايصال الوضع في المنطقة إلى الكارثة التي يعيشها الآن. ولا يعادل فشل العرب في تغيير واقع التبعية المطلقة التي فرضت عليهم سوى إخفاق الغرب أيضا في تكييف مصالحه مع الحد الأدنى من مصالح الشعوب العربية. وهكذا كانت النتيجة صدام مستمر تحول اليوم إلى أزمة عامة، ترتقي كما عبر عن ذلك البعض إلى مستوى الحرب الحضارية، وفي بعض التصريحات إلى الحرب الصليبية. ونحن اليوم على أبواب حروب صليبية جديدة من دون ريب.
فبقدر ما بقيت مشروعا أجنبيا ووكالة للسيطرة الخارجية وقناة للنفوذ وتنفيذ الخطط والسياسات الدولية، تحولت الدولة إلى أداة غريبة سالبة للمجتمع وخارجة عليه. ولأنها أصبحت كذلك افتقدت ديناميات تطورها ونموها المعنوي والقانوني والمادي معا. صارت قزما سياسيا بكل المعاني، غير قادرة على إلهام الناس ولا إثارة حماسهم ولا إرضاء حاجتهم للقيادة والسلطة الشرعية، ولا على ملء الفراغ الذي يحدثه انحسار البنى والهياكل الايديولوجية والسياسية التقليدية، وتسارع وتيرة تحديث المجتمعات وتفتت البنى الجماعوية. وهو ما يثير ضدها نقمة مستمرة ويظهرها في نظر شعوبها كما لو كانت عملة مزورة، أو دولة كاذبة وفارغة أكثر منها إطارا شرعيا يقدم لهم شروط تعظيم فرص تحررهم وتفتح ذواتهم وتهذيبهم وتحسين شروط حياتهم ومعالجة مشاكلهم الداخلية والخارجية. فهي صنم سياسي تطلب له العبادة والتقديس لكنه لا ينطق ولا يتحاور ولا يتواصل معهم، فيتحول إلى منبع للاحباط الدائم.
من هنا نحن نعيش حالة قومية مأزومة وشديدة الحساسية، بل ملتهبة في عدائها للآخر، الخصم، وفي الوقت نفسه غير قادرة على الانجاز والتوجه نحو عمل ايجابي بناء يخرجها من المأزق ويعزز قدرتها على حل مشكلاتها. بهذا المعنى أصبحت قوميتنا قومية مقاومة سلبية، وتحد، واعتراض، ورفض، وتحطيم، وانحسرت عنها قيم العقلانية لصالح التعبئة الشعبوية والثورة الساخطة والولع بالحرق والتدمير، بقدر ما فقدت الأمل في تحقيق ذاتها واستكمال نضوجها، أي بناء دولة تعبر عن إرادتها وتعكس في مؤسساتها مصالحها وغاياتها. وقانونها العميق يقول: طالما لا يسمح لنا ببناء مؤسسات من اختيارنا فلن نسمح لاختيار الآخرين المسيطرين علينا أن يمر. نحن هنا في حالة تعطيل للبناء الذي يتم بإشراف الغير وحسب مصالحه، لا في حالة بناء ذاتي ومراكمة لعناصر التقدم من أي نوع كانت، مادية أو معنوية. وهو ما يعني حالة حرب وخراب مستوطنة. فسلبية القومية الراهنة، بما في ذلك تلك الملتحفة برداء الدين، والمتمسحة بالعروبة، ليست في واقع الأمر إلا ردا على سلبية السياسات الاستعمارية أو شبه الاستعمارية الغربية التي لا تزال تصر على إغلاق المنطقة وفرض النظم التي تنسجم مع مصالحها عليها. ومن هذا المنطلق ليست أيضا قوة تجاوز النظام والخروج منه ولكن بالعكس طرف أساسي في تأسيسه وضمان استمراره، من حيث أن السيطرة لا تستقيم من دون ممانعة تؤسس لها وتضفي الشرعية على آليات عملها، كما تبرهن على ذلك الرؤية السائدة في حقل العلاقات الدولية والمتمحورة حول فكرة الحرب ضد الارهاب والحرب الحضارية أيضا.
كما انه من غير الممكن تصور إنقاذ مشروع الدولة من دون تغيير جذري في سياسات القوى الغربية تجاه المنطقة، وتحكمها بالقرار الفعلي فيها، كذلك لن يكون هناك أمل في الانتصار على فوضى المقاومات التي تعبر عن النزاعات الأهلية والانقسامات الداخلية، من دون إعادة النظر في مفهوم المقاومة والعودة إلى قيم الوطنية ومعاييرها. وهو ما يستدعي في الوقت نفسه انقلاب في استراتيجية السيطرة الغربية يمكن الغرب من تكييف مصالحه، أو ما يعتقد أنه مصالح استراتيجية، مع مصالح شعوب المنطقة، بعد أن بقي ينظر إليها حتى الآن كنقيض لها، ومن دون اعتراف العرب أيضا، والمقاومات الاسلامية المسيطرة عليهم اليوم، بتداخل المصالح الدولية، والقبول بفتح مفاوضات جدية حول تبادل المصالح، بما يعني إعادة تعريف واضح للمصالح العربية وضمان الاعتراف بها. فإما ان يحصل تفاهم بين العرب والغرب يقود إلى تعاون يضمن مصالح الجميع ويفتح امام المنطقة أبواب التنمية والبناء والاستقرار أو أن تتحول المنطقة إلى ساحة حرب واسعة وتقبل بأن يكون مصيرها الدمار والخراب الشامل، مع ضياع مصالح الجميع، العرب والغربيين على حد سواء.