في أسباب تأخير انتصار السوريين على جلاديهم

2012-12-17:: face book

ترجمة :

 

ليس هناك نظم تتداخل في تكوينها العوامل الداخلية وعوامل الجيوسياسة الإقليمية والدولية كالنظم العربية. وربما كان النموذج الأكمل ل التداخل النظام السوري نفسه الذي يجمع بين أسوأ أنواع الاستبداد والقطيعة بين الشعب والنخبة الحاكمة من جهة والاستفادة من العوامل الجيوسياسية بل اللعب على جيوسياسية الحرب الباردة المستمرة في الشرق الأوسط من دون انقطاع منذ الحرب العالمية الثانية.
وهذا هو الذي يفسر تأخر دولنا عن الدخول في موجة التحولات الديمقراطية التي عرفها العالم بعد زوال الحرب الباردة وانهيار جدار برلين في العديد من مناطق العالم من أوربة الشرقية إلى أسيا الوسطي إلى أفريقيا وراء الصحراء.
وما كان لثورات الربيع العربي أن تتفجر لولا الضغوط القوية المتضافرة السياسية والاقتصادية والاجتماية والثقافية )التي يمثلها العداء للاسلام والثقافة الاسلامية في الغرب والعالم، والتي دفعت الشعوب في النهاية إلى الانفجار في تونس ومصر وليبيا واليمن.
وقد أمكن لهذه الثورات أن تنتصر بسرعة لأن الغرب الذي تنتمي هذه النظم إلى منطقة نفوذه قبل، بعد ان تأكد من أنه لا سبيل لكسر موجة الاحتجاج الشعبي، بأن يضحي برأس النظم من أجل الحفاظ على النظم نفسها، مع تعديلات تكفل المشاركة الشعبية، طالما ضمنت احترام الدول التزاماتها الدولية والإقليمية الأساسية، وفي ما يتعلق بمصر مثلا عدم التخلي عن اتفاقيات كمب ديفيد.
وبالمقابل لم يقبل الروس، الذي يقع النظام السوري في محور نفوذهم المعتمد اساسا على ايران، بأي تغيير، خوفا من أن يشكل ذلك انتقالا لسورية إلى محور النفوذ الآخر وتهديد القسمة الراهنة لمناطق النفوذ. وسعوا من خلال دعم النظام وتمكينه من كسر موجة الثورة والاحتجاج، إلى استخدام الأزمة السورية من أجل أن تفرض على الغرب احترام نظام الحرب الباردة او نظام تقاسم مناطق النفوذ في الشرق الأوسط. وهم في منطق دفاعهم عن مواقعهم يعيدون حجج الحرب الباردة ويستخدمون مفرداتها التقليدية من فكرة المؤامرة الخارجية لوصف الثورة أو الإرهاب أو سيادة الدول في ما وراء سيادة الشعوب وحقوقها.
وقد التقت إرادة موسكو في استخدام الأزمة السورية للحفاظ على دورها الإقليمي، واستعادة جزء من دورها كقطب شريك للغرب في السياسة الدولية، مع إرادة الدول الغربية في استغلال الوضع ذاته لإعادة تعريف الدور الإقليمي لسورية سواء في ما يتعلق بتحالفاتها مع ايران أو بشكل أكثر بمركزها الاستراتيجي تجاه اسرائيل ليمدد في أجل الحرب ويزيدها عنفا. فكما تحاول روسيا من خلال الدعم الذي تقدمه للنظام السوري أن تقنع الغرب بأنه لا مستقبل لسورية والمشرق من دون التعاون معها ورعاية مصالحها في المنطقة، تسعى الولايات المتحدة من خلال تمديد القتال إلى أن تخرج سورية من المعركة مهيضة الجناح غير قادرة على أن تشكل أي تحد لإسرائيل أو لأي دولة أخرى إلى مستقبل منظور. وهو ما قامت به من قبل في العراق أيضا.
والحال لن تربح روسيا الرهان لأن سقوط النظام، حتى لو لم يتحقق بالضربة القاضية، واضطررنا إلى إنتقال ديمقراطي بدمج ما تبقى من النظام، فلن يكون لايران، الحليفة الرئيسية لروسيا في الشرق الأوسط اليوم في صراعها مع الغرب، أي حظ من النجاح في الإبقاء على علاقات استراتيجية مع سورية الديمقراطية. اما الغرب والولايات المتحدة التي عملت قصدا على إطالة اجل النزاع فهي تجد سياستها منذ الآن في مأزق، مع تنامي تيارات الجهاد المعادية لها، أو احتمالات الفوضى والانقسام الذين لا يمكن ضبطهما. ويهدد تأخيرها الطويل للحل على حساب دماء الشعب السوري، ثم سعيها إلى دفع المقاتلين السوريين إلى مواجهة بعضهم البعض باسم محاربة الارهاب، الصورة التي كانت الولايات المتحدة تسعى إلى ترويجها كصديقة للشعب السوري وداعمة لمسيرة تحوله الديمقراطية، ومن وراء ذلك نفوذها، ليس في سورية وحسب، ولكن في الشرق العربي بأكمله.
وبالمقابل سوف تعزز ثورة الحرية والكرامة العربية، بمقدار ما ستمكن الشعوب من قرارها الوطني، حركة التفاهم والتعاون والتفاعل بين الشعوب والدول العربية، وتفتح الطريق إلى إعادة صوغ النظام الإقليمي بما يزيد من استقلاليته وسيادة دوله تجاه النزاعات وإرادة تقاسم النفوذ فيه من قبل الدول الكبرى. وكما كان من غير الممكن استمرار نظام الاسد البدائي والهمجي من دون التغطية الإقليمية والدولية، أي من دون البيئة الجيوسياسية للحرب الباردة المحافظ عليها في المنطقة، سيكون لتحرر سورية من نظامها الديكتاتوري، وامتلاك الشعب لحق تقرير مصيره بالفعل، أثرا مباشرا على تعديل خريطة القوى والتوازنات الإقليمية، وفي ما وراء ذلك على أمل شعوب العالم أجمع في أن تكون نهاية النظام الهمجي السوري القائم درسا لجميع الديكتاتوريات التي لا تزال تعتقد أنها قادرة، ببث الخوف والذعر والارهاب، على البقاء ضد إرادة الشعوب وبالرغم منها.