الوضع العربي المحزن

2002-04:: الاتحاد

ترجمة :

 

فلسطين ستنتصر وشارون هو المهزوم

لن يستطيع رئيس الوزاء الاسرائيلي ارييل شارون ولا وزير دفاعه ان يحقق الانتصار على الشعب الفلسطيني ويوقف كفاحه الاسطوري من اجل التخلص من نير الاحتلال واستعادة سيادته على ارضه ووطنه بقتل الاطفال والنساء وارتكاب المجازر الجماعية والتمثيل بالمقاتلين وتدمير المساكن على اصحابها وقصف المستشفيات وقطع الماء والكهرباء عن عامة الناس والتنكيل بهم وضرب الحصار الاعلامي على جميع وسائل الاعلام وتكرار الدعاية الفجة التي لا يشاركه فيها سوى الرئيس الامريكي جورج بوش حول حربه الموجهة ضد الارهاب كما كانت الحرب الامريكية الافغانستانية موجهة ضد جيوب المقاومة الطالبانية. وبالرغم من الخسائر اللامحدودة التي كبدها للشعب الفلسطيني فان نتيجة الحرب الاسرائيلية لن تكون مختلفة كثيرا عن نتيجة الحرب التي خاضتها القوات الفرنسية ضد المقاومة الجزائرية في الخمسينات. وفي تلك الاثناء ايضا لم يكن هناك من يعتقد بأن مجموعات صغيرة من المقاتلين الوطنيين سِوف تتغلب على الجيش القوي الذي تعمد لأكثر من قرن في الحروب الاستعمارية.
وكما كان عليه الحال في حرب التحرير الجزائرية لم يكن العامل الحاسم في كسب الحرب التفوق العسكري لقوات المقاومة الوطنية التي نجح الجيش الفرنسي في النهاية في تقليص نفوذها الى حد كبير واجبارها على اللجوء الى البلدان العربية المجاورة ولكنه كان العامل السياسي بالدرجة الاولى. والمقصود بالعامل السياسي هو قوة القضية الجزائرية من الناحية الاخلاقية والقانونية. فمهما حقق جيش الاحتلال من انتصارات لن يستطيع في النهاية ان يفرض وجوده ولا وجود سلطات الاحتلال بالقوة الى الابد. ولن يتمكن مهما كانت قدرته على التلاعب بوسائل الاعلام ان يغير من حقيقته كجيش احتلال وان يخدع العالم بشرعية وجوده وادارته.
وكما يردد منذ الان العديد من المحللين السياسيين في مواجهة المأزق الذي يوجد فيه مشروع رئيس الوزراء الحربي, لم تكن القدرة على التدمير وتلقين السكان الامنين دروسا لا تنسى في الوحشية والعنف الاستعماري هي التي تنقص الطرف الفرنسي ولكن الغاية من القتل والتدمير والتنكيل, أي القضية ذاتها التي يبرر بها الحرب. ولم تكن هذه القضية بعيدة كثيرا عن تلك التي يدافع عنها الجيش الاسرائيلي اليوم في الضفة الغربية حتى لو ان الاسس التي يقيم عليها هذا الجيش ادعاءاته ومزاعمه تريد ان تتمسح بالشعارات والمراجع الدينية. ففي الحالتين كانت الغاية الواضحة والعلنية معا الاستعمار بهدف الاستيطان او توطين جماعات جديدة من السكان القادمين من الخارج محل السكان الاصليين وتحويل هؤلاء الى لاجئين سواء ابقوا لاجئين في بلادهم الاصلية او لاجئين في البلاد المجاورة. وكما كان من الصعب الدفاع سياسيا وأخلاقيا وفي النهاية عسكريا عن سياسة الاستعمار والاحتلال والاستيطان في الجزائر لتبرير الحرب والقتل والدمار فسيكون من المستحيل إضفاء الشرعية على مشروع حرب اسرائيل الاستعمارية التي تسعى الى قلب البلاد على رؤوس اصحابها في سبيل ادامة السيطرة الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة وكسر شوكة الفلسطينيين لاجبارهم على القبول بصيغة جديدة من النظام العنصري الذي يسمح لهم بالعيش كأغراب في وطنهم ويمكن المهاجرين اليهود القادمين من جميع بلاد العالم الاخرى من استملاك اراضيهم واملاكهم والعيش في سعادة وهناء في مكانهم.
ومن الصعب لمثل هذه القضية, إلا إذا تخلى العالم جميعا عن كافة المباديء الانسانية والقانونية التي توجه حياته, ان تفوز على الحلم الفلسطيني الانساني بالانعتاق من الأسر ومواكبة الامم والشعوب الطامحة الى الحرية والسيادة والكرامة. فكما يتطابق المشروع الاسرائيلي مع أكثر القيم الماضية سلبية ويمتح من معين قيم العنصرية البغيضة وحروب التطهير العرقي وشهوة الانتقام والاعتداد بالقوة يستجيب الحلم الفلسطيني لأكثر قيم المجتمعات الحديثة اشعاعا والهامية, قيم الحرية والاستقلال والمساواة والعدل.
ومنذ الان لايكاد يوجد في العالم رجل سياسي واحد مخلص للمباديء الانسانية او محلل سياسي واحد من اولئك الذين لم يتسمموا بعد بالدعاية الصهيونية او يشربوا حليب الحقد والكراهية للعرب لا يعتقد مخلصا بأن رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون قد خسر الحرب او هو في طريقه الى ان يخسرها. ليس ذلك لأن الرأي العام الاسرائيلي سيكتشف بأن الحرب قادت اسرائيل الى موقع تجد نفسها فيه عارية تماما من كل ما كانت تتستر به من اسمال اخلاقية وسياسية فحسب ولكن أكثر من ذلك لأن الحرب العدوانية التي يخوضها لن تمكنه من تحقيق أي هدف من الاهداف الكاذبة التي وعد بها الاسرائيليين لتبرير الحرب وفي مقدمها الامن والسلام والاستقرار.

وبالمقابل يشكل احتضان الرأي العام العالمي للشعب الفلسطيني احد المعالم الابرز في مسيرة كفاحه الاسطوري من أجل الحرية والتخلص من نير الاحتلال الاسرائيلي الغاشم والبغيض معا. وليس هناك أي شك لدى احد من مناصري القضيته الفلسطينية الانسانية لا يعتقد ان الشعب الفلسطيني سوف يخرج من محنة الحرب الراهنة, وبالرغم من كل المآسي والعذابات والمجازر التي ارتكبت بحقه أو بالاحرى بسببها, اكثر تصميما على مواصلة الكفاح في سبيل تحقيق اهدافه واكثر قدرة على التضحية والفداء من أجل كسر شوكة الاحتلال وارادته معا. وهو لا يقوم بذلك دفاعا عن الحقوق الفلسطيينة فحسب ولكن عن القيم الاخلاقية والقانونية الانسانية التي يخونها كل يوم جميع اولئك المسؤولين والسياسيين من الدول الكبرى الذين تخلوا عن التزاماتهم تجاه فلسطين بعدما اعتبروا انفسهم شركاء في الاتفاقات السياسية التي نتجت عن قبول الفلسطينيين بالانخراط في عملية السلام.
ومهما طال الوقت وتقلبات الاحداث سوف تبقى فلسطين رمزا للكفاح ضد الظلم والخديعة والمعايير المزدوجة والتهرب من المسؤولية والتخاذل والجبن الذي طبع سلوك زعامات حملت على عاتقها مهمة قيادة السياسة العالمية وضمان الاتفاقات الدولية.