عودة إلى التفكير في الشرط الاستعماري

2007-01-18:: الحوار المتمدّن،

ترجمة :


طمست الايديولوجية القومية التي سيطرت على شعوب العالم الثالث، أو ما كنا نسميه كذلك بعد الحرب العالمية الثانية، إشكالية أساسية ليس من الممكن اليوم فهم ما يجري في دول هذا العالم نفسه من دون إعادة بنائها والاستهداء بها، هي إشكالية بناء الدولة الوطنية في عصر الأمبريالية وسيطرتها. فقد أوحت الصراعات والمقاومات القوية التي رافقت انهيار النظام الاستعماري القديم، وتحرر الشعوب من نظمه القديمة، بهزيمة الامبريالية التاريخية أو على الأقل، بإبعاد أثر هذه الامبريالية عن التدخل بمصائر الشعوب التي حققت استقلالها. وساد الاعتقاد انطلاقا من ذلك بأن كل حركة وطنية سوف تكون قادرة على بناء دولتها القومية بكامل الحرية والاستقلال، وأن ما سيولد عن حركة التحرر العالمية الواسعة هذه هو منظومة دولية قومية تجمع بين شعوب العالم كافة على أرضية التعاون والتفاهم والتفاعل بين دول وطنية تشترك جميعا في صفة السيادة والاستقلال، وبالتالي التعبير عن إرادة شعوبها ومصالحها العامة.
والحال أن هذه الفرضيات لم تكن إلا من قبيل الاوهام. والسبب في ذلك أنها غيبت مسألة الامبريالية بدمجها مع المسألة الاستعمارية، وألغت أي أفق للتفكير في محدودية شروط تكوين دول وطنية سيدة في إطار عدم التوازن الهائل في موازين القوة الدولية، واستمرار عمل آليات السيطرة في نظام العلاقات الدولية، حتى لو لم يكن ذلك بالوسائل العسكرية والسياسية القديمة ذاتها. بل يمكن القول إن الآليات الجديدة سوف تظهر جدارة أكبر في تحقيق التبعية وإخضاع أجندة التحولات داخل البلدان الصغيرة التابعة لأجندة التحولات داخل الدول الصناعية الكبرى مما كانت تفعله آليات السيطرة الاستعمارية القديمة المتخلفة.
وليس هناك منطقة يمكن أن نتبين فيها أثر سيطرة نمط العلاقات الامبريالية على نظام العلاقات الدولية، وتدخله في صوغ هياكل الدول الجديدة الناشئة ونظمها السياسية، من المنطقة العربية، وبشكل خاص من منطقة المشرق العربي. فلا نقاش في أن ميلاد الحركة الوطنية ونموها، قد ارتبطا في البلدان العربية، والمشرقية خصوصا، بمقاومة السيطرة الغربية وتحدي الدولة التي تشكل أداة هذه السيطرة أو قناتها. وشكل الصراع بين مشروع إعادة بناء المنطقة على أسس قومية (عربية) ومشروع تكريس نظام السيطرة الغربية وترسيخ قواعدها، من خلال تعميق التحالف والارتباط بين النخب المحلية الحاكمة والغرب، محور الحياة السياسية الفكرية والعملية خلال أكثر من قرن. وبسبب ما تميزت به مجتمعاتنا المدنية والسياسية من ضعف، وعجز الحركة القومية العربية التي قادت مسيرتها في مواجهة السيطرة الغربية، ثم إخفاقها في توسيع هامش مبادرتها الاستراتيجية، سواء أكان ذلك بالاتحاد أو التفاهم أو التعاون وحل النزاعات والحساسيات الشخصية بين نخبها وزعمائها، نجح المشروع الاستعماري في الحفاظ على مواقعه الرئيسية بالرغم مما أصاب أسسه المادية والمعنوية من هشاشة واهتزاز. وجميع الدول القائمة في المنطقة تعيش في فلك هذا المشروع وفي رعايته المباشرة أو غير المباشرة، بقدر ما تختفي فيه المؤسسات السياسية والقانونية في مؤسسات النظام وتتماهى معه.
هذا المشروع هو الذي يواجه اليوم مصاعب كبيرة للاحتفاظ بقوته واستقراره. وليس مصدر هذه المصاعب نمو حركات وطنية وقومية جديدة تجاوزت تناقضات الحركة القومية العربية والحركات الرديفة لها وتغلبت على الصعوبات النظرية والعملية التي كانت تعيق تقدمها، ولكن بالعكس. إنه تمادي القوى الغربية نفسها وسعيها إلى فرض شروط جديدة أكثر إجحافا، تكاد تشبه العودة إلى النموذج الاستعماري القديم، وتنكرها العلني لما سميته العقد الاستعماري الجديد الذي قام عليه في العقود الماضية التفاهم بينها وبين النخب المحلية، التي استفردت بالسلطة بعد انهيار المشروع القومي العربي، وتخليها عن مسؤولياتها التاريخية في التوصل لتسوية في فلسطين تعالج بؤرة الصدام الرئيسية التي تدفع الرأي العام العربي إلى العداء للغرب. ورفض الغرب لمثل هذه التسوية، سواء أجاء ذلك بسبب التعاطف اللامحدود مع اسرائيل، أو تأييدا لمشروعها التوسعي الاستيطاني، او خوفا من إثارة غضبها، أو كرها بالعرب ونكاية بهم، هو السبب الرئيسي في انقلاب الوضع على السيطرة الغربية، واندلاع الصراع من جديد، واختلاط الحرب على المصالح الغربية بالحرب على أسس استمرار النظم العربية نفسها. هكذا يواجه النظام شبه الاستعماري المفروض على المشرق منذ عقود طويلة مقاومة شاملة عسكرية وسياسية وفكرية، يتزايد فيها الربط بين مهاجمة المصالح الغربية ومصالح النظم المحلية التابعة لها في الوقت ذاته.
ويشكل الصراع في سبيل السيطرة على الدولة/الدول التي أصبحت ترى وكأنها مجرد أداة لتمرير سياسات وطنية أو استعمارية، أكثر منها هوية وطنية أو إطارا سياسيا لتنظيم حياة جماعة مستقلة، موضوع الرهان الرئيسي في المنطقة إلى اليوم. وتشكل السيطرة على الدولة واستخدامها كاداة في الصراع الداخلي والخارجي، وليس العمل على تطويرها وتحسين أدائها وتقريبها من حاجات مجتمعاتها وهمومهم، السمة البارزة للحياة الإقليمية والدولية المتعلقة بهذه المنطقة.
هكذا، بسبب التطابق المتزايد بين السياسات الغربية ومشروع الاستيطان والتوسع الاسرائيلي في المشرق العربي، لم يعد من الممكن تأمين الحد الادنى من السيادة والاستقلال في القرار الوطني وبالتالي الشعبي من دون مقاومة السياسات الغربية الممالئة لاسرائيل، وكذلك من دون الصدام المباشر مع الهيمنة الغربية. وكما أصبح أفق تكوين الدولة وبناؤها مستحيلا مع استمرار العداء للغرب، وهو ما يصوره على أحسن وجه مأزق الدولة الفلسطينية الموعودة، أصبح تحول المقاومة إلى مشروع دولة جديدة، وتبنيها رؤية ايجابية لبناء منظومة اجتماعية راسخة وقانونية، مستحيلا أيضا مع استمرار الصدام مع الدولة التي تمثل مركز الهيمنة الغربية وأداتها. هكذا تباعدت أجندة البناء عن أجندة الحفاظ على السيادة والاستقلال في العالم العربي، وانهارت بسبب ذلك إمكانية صوغ أجندة وطنية عربية واحدة. فالمعادلة المأخوذ بها في المشرق هي التالية: بقدر ما تقبل الخضوع والالتحاق تستحق دولة "مستقرة" وشبه قانونية، قادرة على الإدارة وتحقيق الحد الأدنى من التقدم والإزدهار، مما يعني الحصول على بطاقة دخول إلى عضوية النادي الدولي والاستفادة من ضماناته وموارده المادية والسياسية والقانونية. وبالعكس، بقدر ما تعمل على بناء الدولة وترسيخ مباديء الحق والقانون على قاعدة المواطنية، داخل حدود هذه الدولة، تصطدم بنظام التبعية الإقليمي المفروض والمطلوب، وتخضع لعملية زعزعة استقرار تهدد بتفجير الدولة أو تحطيمها. فالخيار الوحيد المقدم هو بين مقاومة لا أفق لها ولا قرار ودولة لا أمل فيها، لا تسمن ولا تغني من جوع، أي بين خيار كرامة يساوي الانتحار ولا يقود إلى مكان، وخيار الخبز المغموس بالذل والامتهان.
أصل هذا التناقض الانفجاري والانتحاري معا قائم في استمرار ارتهان عملية بناء الدولة في المنطقة العربية للاستراتيجيات الدولية الاستتباعية من جهة، واضطرار المقاومة إلى التماهي الدائم والإجباري مع الكفاح السلبي المعرض باستمرار لتهمة الإرهاب، أي باللاشرعية، وفي ما وراء ذلك، بخروجه هو نفسه على الشرعية الدولية والنزوع إلى تحديها. وهو الذي يفسر غياب آليات وآفاق التراكم الايجابي في التجربة السياسية القومية الذي لا يتحقق إلا عبر التفاعل بين الحركة السياسية المفجرة لقيم السيادة والحرية والتضامن والتعاون والدولة المجسدة لقيم الحق والقانون والنظام والشرعية المؤسسية، أو بين الحركة الاجتماعية والمؤسسة العقلانية القانونية. بينما لا يمكن للسيادة (الشعبية في الأصل) في إطار هذا النظام الإقليمي شبه الاستعماري أن تتحقق إلا ضد الدولة ومن خلال زعزتها وتخريبها، تماما كما أن الدولة لا تنجح في الاستقرار وفرض نفسها وقانونها أو منطقها على المجتمع إلا بقدر ما تتخلى عن سيادتها واستقلالها. وهي عندما تتمأسس لا تفعل ذلك في سبيل المجتمع الذي من المفترض أن تعكس إرادته وإنما لمواجهته وقهره، تماما كما أن المقاومة عندما تنمو وتتصاعد، لا تفعل ذلك على أرضية تعزيز أركان الدولة وتعميق بنيتها القانونية والمؤسسية، أي لحسابها، وإنما على حسابها، أي من خلال الإطاحة بما تحقق من بناء مؤسسي فيها، وتخريب ما تراكم من مفاهيم ومباديء وقواعد إجرائية تنظيمية، لصالح حكم الميليشيات المذهبية والطائفية والإتنية وعسفها.