عن فوضى المشرق العربي وخرابه

2014-10-24:: العربي الجديد

ترجمة :

بعد تقديم مداخلتي عن الأوضاع في المشرق العربي، في ندوة "المنطقة العربية بين صعود تنظيم الدولة والانخراط الأميركي المتجدد"، والتي نظمها في الدوحة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، اتصلت بي باحثة أميركية تستعد لإنجاز كتاب عن المنطقة، لتسألني ما إذا كان لدي الوقت للحديث معها في الموضوع. وكنت قد ركزت، في مداخلتي، على أثر البيئة الإقليمية في تدهور عمل الدولة واستقرارها، وعن العبث الذي تعرضت له منطقتنا من الدول الكبرى والأقل كبرا، والذي دمر كل توازناتها في العقود الخمسة الماضية، وحرم الإقليم نفسه من أن يصل إلى تفاهماتٍ، تعزز الاستقرار والسلام بين شعوبه ودوله. ولم أتردد في الاجابة بنعم، لأن هؤلاء الباحثين هم أفضل من ينقل الرسالة إلى الرأي العام العالمي، وربما إلى سلطات بلادهم. وعندما التقيتها، سألتها عن مركز اهتمامها مباشرة، فقالت: أثار اهتمامي تحليلكم مسألة انهيار الدولة في المشرق العربي، وأريد أن أعرف أكثر عن رؤيتكم للوضع، وهل هناك بعد أمل في الخروج من حالة الفوضى والانهيار، التي وصل إليها المشرق، وكيف يمكن أن يحصل ذلك في نظرك؟
بدأت حديثي بالقول إن من المستحيل فهم ما يحصل، إذا اتبع المرء البحث العلمي السائد في الغرب حول المجتمعات العربية، والذي يركز في تحليله للأوضاع على الجزئيات، ويفصلها عن سياقها التاريخي والجيوسياسي، ويتمسك بإحالة كل الأمور إلى الماهيات الثابتة، العربية أو الإسلامية. وهذا ما حرم الباحثين الغربيين من فهم ما يجري في المشرق العربي، منذ حصول دوله على الاستقلال، فقد مال معظمهم إلى التفسيرات المبسطة والعفوية، التي توحي لهم بأن كل ما يحصل للشعوب نتيجة طبيعتها الخاصة، أو ماهيتها، المرتبطة بثقافتها والقيم والمعاني التي تنتجها، وبعقيدتها الدينية، التي رأوا فيها جوهر هذه الثقافة، فتكاد هوية العرب تتلخص في التمسك بثقافة تقليدية متحجرة، قوامها القيم والاعتقادات والطقوس الدينية، التي لم تتغير، ولم تتبدل، ولم تتطور منذ قرون، والتي تتحكم بسلوك العرب، وتمنعهم من إمكانية الارتقاء في تفكيرهم، وتنظيم شؤونهم إلى مستوى مفهوم الدولة والقانون وأخلاق الحرية واحترام الفردية، وتدينهم بأن يستمروا متشبثين بالأشكال الجماعوية للتنظيم الديني الطائفي، أو العشائري، أي ما نسميه، في العلوم الاجتماعية، بالأشكال الأهلية والعرفية والعصبيات التقليدية، التي تنتج نفسها بنفسها، من دون تفكير ولا تغيير، فعلاقات النسب هي الشكل الأبسط للتعاون والتفاعل بين البشر، والتماهي عبر العقيدة هو الروح المحركة للأخوة الدينية التي تجمع بين الأنساب والعصائب والجماعات الأهلية المختلفة.
في هذا المنظور، الوضع المتفجر الذي يعرفه المشرق، اليوم، يكاد يكون أمراً طبيعياً، يعكس غياب مفهوم الدولة ونظريتها وقيم الحرية والفردية في الثقافة العربية، وتشبث المجتمعات المشرقية بالرابطة الدينية، من دون أية رابطة سياسية أو مدنية أخرى.
والواقع أن ما يبدو هنا وكأنه تفسير للواقع ليس إلا تشويهاً له، وتغطية على العوامل الحقيقية لتدهور الأوضاع المشرقية، والتي يمكن لمعرفتها، وحدها، أن تفتح أفق العمل على تغييره. ولو أخذنا بمثل هذا التفسير، لانقطع باب الأمل في بناء دولة وحضارة ومدنية في المشرق، وعند العرب والمسلمين، إلى الأبد، وليس لدى المسلمين والعرب فحسب، وإنما عند ثلاثة أرباع المجتمعات البشرية، التي لم تعرف الدولة الحديثة في ثقافاتها التقليدية، وعاشت كمجتمعات أهلية، قروناً طويلة سابقة، تحت مظلة الامبرطوريات والسلطنات الفضفاضة. ولو كان الأمر كذلك، لاقتصرت الحضارة والمدنية في أوروبا، وحتى داخل أوروبا، على المجتمعات القليلة التي بدأت بوضع أسس بذرة السياسة الجديدة، التي قادت إلى الدولة الحديثة. لكن، كل الباحثين يعرفون أن فكرة السياسة، بالمعنى الحديث الذي يربطها بالمواطنة ومشاركة كل فرد، لا بطائفة من الحاكمين الأبديين، لنبالة عرقهم أو أصولهم، والتي تشكل الدولة الجمهورية نواتها الأساسية، ومحور وجودها، لم تكن موجودة مسبقا في أية ثقافة أو دين من ثقافات البشر وأديانهم، وإنما هي ثمرة ثورة، وبالتالي قطيعة، داخل هذه السياسات والثقافات، بموازاة القطيعة، التي حصلت داخل النظم الاجتماعية القرسطوية، والتي أنتجت الشعب، بدل الرعية والرعاع، وحولت النبالة كطبقة إلى قشرة هامشية، وحولت الأفراد داخل الجماعة إلى مواطنين، يحكم علاقاتهم القانون، ويجمع بينهم عقد اجتماعي، أي مجموعة مدركة من المبادئ وقواعد العمل والغايات الكبرى، هو الذي يحدد أجندة العمل، للحفاظ على المجتمع والدولة والنظام العام.
وهذه القطيعة، التي حصلت في بعض المجتمعات القليلة، في البداية، وأنتجت الحداثة السياسية، الدولة الأمة والشعب والمواطنة، ومن ورائها الاعتراف بسيادة الفرد الإنسان، وأهليته للمشاركة في القرار والحكم، وطورت مفهوم الحرية السياسية المرتبط بحق السيادة والاختيار، واعتبرت ممارسة هذه الحرية، في اتخاذ القرار والمشاركة، شرطاً لتحقيق كرامة الانسان الفرد، والإنسان الجماعة معا، أقول هذه القطيعة لم تقتصر على المجتمعات الأولى، ولكنها انتقلت، بسرعة متفاوتة، إلى مجتمعات أخرى، ولا تزال تتوسع في انتشارها، ولو بشكل متأخر، وبأشكال مختلفة، تتحكم بها السياقات التاريخية والجيوسياسية الي ترتبط بها كل جماعة.
وفي المجتمعات الإسلامية والعربية، حصلت هذه القطيعة في سياق انهيار الامبرطورية العثمانية، فنشأت الدول الحديثة، ولو في ظروف مختلفة، وحسب معطيات متباينة، ففي تركيا، مركز الامبراطورية، ولدت الدولة الجمهورية الحديثة، من كفاح الأتراك الوطني، للحفاظ على استقلال الأراضي التركية ووحدتها، وبموازاة ثورة ثقافية وإدارية، خاضتها النخبة الجديدة ضد بقايا النظم الامبراطورية والسلطانية. وفي المناطق العربية، التي كانت تشكل محيط الإمبراطورية وأطرافها، اختلطت مطالب النخب العربية وكفاحاتها لتحقيق هذه القطيعة، والانتقال إلى دولة حديثة، مع حركة قومية للانفصال عن السلطنة، وما لبثت حتى تقاطعت مع مشروع سلطات الوصاية الأجنبية، الباحثة عن بناء هياكل دولة حديثة تمكنها من إدارة المجتمعات التي سيطرت عليها. ونشأت من ذلك كله مجموعة من الدول الحديثة، التي لا تزال في عهد المشروع، لكن المدعومة، من دون أي شك، بإجماع وطني حقيقي، هو الذي حرّر الأفراد من ولاءاتهم الأهلية التقليدية، العشائرية والطائفية، وسمح بقيام حركات ونخب وطنية، كافحت من أجل الاستقلال وحققته. هذا هو حال مصر وبلاد الشام والمغرب. وفي الجزيرة العربية، ظل مشروع الدولة الحديثة فترة حبيس الهياكل التقليدية والعصبيات الأهلية، التي كانت وراء تأسيس الدولة، فكانت النتيجة نشوء إمارات وممالك بمواصفات تقليدية، تم تطويرها وتوليد روح الدولة الحديثة فيها تدريجياً، من خلال تطور الإدارة، وفي مواكبة نمو العلاقات الاستراتيجية التي تربطها بعالم المدنية الصناعي.
باختصار، كما أنه لا توجد ثقافة على وجه الأرض كانت تحتوي، بالسليقة، على عناصر نشوء الدولة الحديثة، وأخلاقيات المواطنة المتساوية، وحكم القانون، وأولوية الحرية وسيادة الفرد على نفسه، منذ البدء، فليس هناك ثقافة عصية على إنتاج مثل هذه العناصر والمبادئ والقيم. والسبب أن الثقافة، أية ثقافة، لا تشكل ماهية ثابتة ترفض التحول والتغير. كل الثقافات الكبرى والصغرى، بما في ذلك ثقافات القبائل المعزولة في الغابات، قابلة للتطور، واستيعاب الأفكار والمعاني والقيم الجديدة. وهذه هي ثمرة انتماء جميع الشعوب إلى جنس واحد بشري، والذي يفسر أن إبداعات الحضارة لم تقتصر على شعبٍ، أو مجتمع، بشكل خاص، ولكنها تنتشر في كل الأرجاء، من الحضارة الرعوية إلى الزراعية إلى الصناعية إلى الحضارة التقنية العلمية الراهنة. ليست هناك حدود لتطور الثقافات، وتمازج الأفكار. ولولا ذلك، لما انتشرت الأديان السماوية، التي هي لصيقة بثقافة المجتمعات المتوسطية، بل والسامية، على مساحات واسعةٍ، تتجاوز الرقعة التي نشأت فيها، فانتشرت المسيحية، التي ظهرت في فلسطين وسورية بداية في قارات العالم الواسعة، في الغرب الأوروأميركي، وفي الشرق الآسيوي، وفي أفريقيا وغيرها. وهذا ما يميز، أيضاً، تاريخ الإسلام، الذي امتد من المتوسط إلى الصين، ولا يزال يوسع قاعدة انتشاره في أكثر من قارة ومكان. وفي كل مرة، تغير الإبداعات الفكرية، أو المادية، التي ترد إلى الحضارة، من طبيعة الثقافات التي تنتشر فيها، وتعيد بناءها، لاستيعاب القيم والمطالب الإنسانية والتوجهات الفكرية الجديدة.
إذا كان هذا صحيحاً، فكيف نفسر ما يسود، اليوم، في المشرق، من انتشار الفوضى السياسية والفكرية والاجتماعية، وتفكك الدولة وانهيار حكم القانون والمدنية نفسها، لحساب توسع دائرة الحروب الطائفية والنزاعات القومية، ونشوء إمارات الحرب وعصابات التشبيح والميليشيات الخاصة التابعة لهذا الفريق أو ذاك؟ هذا موضوع المقال المقبل.